النص المفهرس
صفحات 301-320
٥٧-با القناعةِ والعفافِ والاقتصادِ في المعيشةِ والإنفاقِ وذمِّ السؤالِ من غيرٍ ضرورةٍ : قال الله تعالى: ﴿وَمَا مِن دَابَةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اَللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود: ٦]. ؛ وقال تعالى: ﴿لِلْفُقَرَآءِ الَّذِينَ أُحْصِرُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَامِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُم بِسِيمَهُمْ لَا يَسْتَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ [البقرة: ٢٧٣]. * وقال تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوْلَمْ يُسْرِفُواْ وَلَمْ يَقْتُرُواْ وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ [الفرقان: ٦٧]. * وقال تعالى: ﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّ لِيَعْبُدُونِ ( مَآ أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَآ أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ﴾ [الذاريات: ٥٧ - ٥٦]. (الباب السابع والخمسون) (في فضل القناعة والعَفاف والاقتصاد في المعيشة، وذم السؤال من غير ضرورة) (نه): قنع بالكسر يقنَع قُنوعاً وقناعةً: إذا رضي، ومنه الحديث : ٣٠١ (القَنَاعَةُ كَتْرٌ لا يَنْفَدُ)(١)، والحديث الآخر: ((عَزَّ مَنْ قَنِعَ، وذَلَّ مَن طَمِعَ)(٢)؛ لأن القانع لا يُذِلُّه الطلبُ، فلا يزال عزيزاً، وقنَع بالفتح يقنَع قُنوعاً: إذا سأل، ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَطْعِمُواْ الْقَانِعَ وَاَلْمُعْتَّ﴾ [الحج: ٣٦](٣). و((العفاف)): هو الكَفُّ عن الحرام، والسؤال من الناس، والقَصْدُ من الأموال: المُعتدل الذي لا يميل إلى أحد طرفي الإفراط، والتفريط ومنه الحديث: ((ما عَالَ مُقْتَصِدٌ ولا يَعِيلُ))(٤)؛ أي: ما افتقر من لا يُسرف في الإنفاق، ولا يفتقر (٥). * قوله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود: ٦]، أخبر تعالى أنه مُتكفِّل بأرزاق المخلوقات من ذوي الأرض؛ صغيرها وكبيرها، بَحْرِيِّها وبَرِّيِّها، وأنه يعلم مُستقرَّها ومُستودَعها؛ أي: يعلم أين مُنتهى سَيْرها في الأرض، وأين تأوي إليه مِن وَكرها، وهو مُستوَدَعُها، وعن ابن عباس: ﴿مُسْتَقَرَّهَا﴾ حيث تأوي، ﴿وَمُسْتَوْدَعَهَا﴾ حيث تموت، وعن مجاهد: ﴿مُسْنَفَرَهَا﴾ في الرَّحِم، ﴿وَمُسْتَوْدَعَهَا﴾ في الصُّلْب، والذي ذكرناه في التفسير أشبهُ بقول الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَنَّكُمْ﴾ [محمد: ١٩]. وفي (مسند أحمد)) عن أبي الدَّرداء قال: قال رسولُ الله ◌َّهِ: ((إنَّ اللهَ (١) رواه البيهقي في ((الزهد الكبير)) (ص: ٨٨)، من حديث جابر ﴿ه، وقال: هذا إسناد فيه ضعف . (٢) لم نقف عليه. (٣) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (٤ / ١١٤). (٤) رواه الطبراني في المعجم الكبير)) (١٢٦٥٦)، بنحوه من حديث ابن عباس خطئها وهو حديث ضعيف. انظر: ((ضعيف الجامع الصغير)) (٥١٠٠). (٥) في الأصل: ((يقتر)). ٣٠٢ فرَغَ إلى كُلِّ عَبْدٍ مِن خَلْقِهِ مِن خَمْسٍ: مِنْ أَجَلِهِ، وعَمَلِهِ، ومَضْجَعِه، وأَثَرِهِ، ورِزْقِه))(١)، فهذا ممَّا نحن فيه؛ وذلك أن الأثرَ: هو مَمْشاه، وذهابُه، ومَجيئه، ومَضْجَعُه، حيث يَبيتُ، وينام، ويَسْكُن، وأن ذلك كلَّه بقضاء الله وتقديره، مكتوبٌ في الكتاب المُبين الذي هو اللوحُ المحفوظ. (م): (الدابة) في اللغة: اسم لكل حيَوَان يَدِبُّ على وجه الأرض، وأنواعها كثيرة، والله يُحصیها دون غيره، وروي أن موسى عليه السلام كان عند نزول الوحي عليه عَلِقَ قلبُه بأحوال أهله، فأمره الله تعالى أن يضربُ عصاه على صخرة، فانشقَّت، فخرج منها صخرةٌ ثانية، ثم ضرب عصاه عليها، فانشقَّت، وخرجت صخرةٌ ثالثة، فضربها، فخرجت منها دُودةٌ كالذَّرَّة، وفي فَمِها شيءٌ يجري [مجرى] الغذاء لها، ورفع الله الحجابَ عن سَمْع موسى عليه السلام، فسمع الدودةَ تقول: سُبحانَ مَنْ يراني، ويسمع كلامي، ويعلم مكاني، یذکرني ولا ینساني !! وقوله: ﴿عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود: ٦]؛ أي: بحسَب الوَعْد، والفَضْل، والإحسان(٢). * قوله تعالى: ﴿لِلْغُقَرَآءِ الَّذِينَ أُحْصِرُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٧٣]؛ يعني: المهاجرين الذين انقطعوا إلى الله وإلى رسوله، وسكنوا المدينةَ، ليس لهم سببٌ يردُّون به على أنفسهم ما يُغنيهم؛ و﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا (١) رواه الإمام أحمد في ((المسند)) (٥/ ١٩٧)، من طريق الزهري عن أبي الدرداء به. وقال الهيثمي في («مجمع الزوائد» (٧ / ١٩٦): رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح، إلا أن الزهري لم يدرك أبا الدرداء. (٢) انظر: ((تفسير الرازي)) (١٧ / ١٤٨ - ١٤٩). ٣٠٣ فِي الْأَرْضِ﴾؛ يعني: سفراً للتسبُّب في طلب المَعاش، ﴿يَحْسَبُهُمُ اُلْجَامِلُ﴾ بأمرهم ومالهم أنهم أغنياء؛ من تَعفُّفِھم في لباسهم، وحالھم، ومَقالهم؛ كما في الصَّحيح: ((ليسَ المِسْكِينُ الذي تَرُدُّهُ اللُّقْمَةُ)) الحديثَ(١)، [وقوله: ﴿تَعْرِفُهُم بِسِيمَهُمْ﴾؛ أي بما يظهر لأولي الألباب من صفاتهم؛ كما قال تعالى: ﴿سِيمَاهُمْ فِ وُجُوهِهِمْ﴾ [الفتح: ٢٩]، وفي الحديث](٢) الذي في (السنن)): (اتَّقُوا فِرَاسةَ المُؤْمِن، فإنَّهُ يَنظُرُ بنُورِ الله)(٣)، ثم قرأ: ﴿ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَيَتٍ لِلْمُتَّوَسِمِينَ ﴾ [الحجر: ٧٥]. * وقوله: ﴿لَا يَسْتَلُونَ النَّاسَ إِلَحَافًا﴾ [البقرة: ٢٧٣]؛ أي: لا يُلِثُون في المسألة، ولا يُكلِّفون الناسَ ما لا يحتاجون إليه؛ فإن مَن سأل وله ما يُغنيه؛ فقد ألحف في المسألة. وفي ((مسند أحمد) عن رجل من مُزينةَ: أنه قالت له أُمُّه: ألا تسألُ رسولَ الله ◌َّه؛ كما يسأله الناس؟ فانطلقتُ أسأله، فوجدته قائماً يخطب، وهو يقول: (مَنِ استعَفَّ؛ أَعقَّهُ اللهُ، ومَنِ اسْتَغْنَى؛ أَغْنَاهُ اللهُ، ومن سألَ النَّاسَ، ولَه عِدْلُ خَمْسٍ أَوَاقٍ؛ فقَدْ سألَ النَّاسَ إِلْحَافً)، فقلت بيني وبين نفسي: لَناقةٌ له خيرٌ من خمس أَوَاقٍ، ولغُلامه ناقةٌ أُخرى، فهي خيرٌ من خمس أَوَاقٍ، فرجعت ولم أسأل(٤). (١) رواه البخاري (١٤٠٩)، ومسلم (١٠٣٩) من حديث أبي هريرة ـ (٢) ما بين معكوفتين من ((تفسير ابن كثير)) (٢ / ٤٧٨). (٣) رواه الترمذي (٣١٢٧) من حديث أبي سعيد الخدري ﴿ه، وهو حديث ضعيف. انظر: ((ضعيف الجامع الصغير)) (١٢٧). (٤) رواه الإمام أحمد في ((المسند)) (٤ / ١٣٨)، وهو حديث صحيح. انظر: ((صحيح الجامع الصغير)) (٦٠٢٢). ٣٠٤ وفي رواية لأحمد: فاستقبلني [فقال]: ((مَنِ استَغْنَى أَغْنَاهُ اللهُ، ومَنِ اسْتَعَفَّ أَعَقَّهُ اللهُ، ومَنِ استَكْفَى كَفَاهُ الله، ومَنِ سألَ ولهُ قِيمَةُ أُوْقِيَّةٍ؛ فَقَدْ أَلْحَفَ))(١). ولابن مَرْدَوَيه عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جَدِّه، عن النبيِّ ◌َّ: ((مَن سألَ ولَهُ أَرَبِعُونَ دِرْهَماً؛ فَهُوَ مُلْحِفٌ، وهُوَ مِثْلُ سَفِّ المَلَّةِ)(٢)؛ يعني: الرَّمْلَ. لمَّا تقدمت الآيات الكثيرة في الحَثِّ على الإنفاق، وقال بعدها: ﴿لِلْفُقَرَآءِ﴾؛ أي: الإنفاق المَحثُوث عليه للفقراء، نزلت في فُقَراء المهاجرين، وكانوا نحوَ أربعمائة، وهم أصحاب الصُّفَّة؛ لم يكن لهم مَسكنٌ، ولا عشائرٌ بالمدينة، وكانوا في المسجد يتعلمون القرآنَ، ويصومون، ويَخرُجون في كل غَزْوة، قد حبسوا أنفسَهم للجهاد، وهذا هو المراد من قوله: ﴿أُحْصِرُوا﴾، وقال ابن عباس: حبسهم الفقرُ عن الجهاد. و(السِّماء): العَلامة، قال مُجاهد: سِيماهُم التخشُّع والتواضُع، وقال السُّدِّيُّ: أَثْرُ الجُهْد من الحاجة والفقر، وهذا فيه نظرٌ؛ لأنه يناقض قوله: ﴿يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَقُّفِ﴾ [البقرة: ٢٧٣]، بل المُراد: أن لعباد الله المُخلِصين هيئةً ووقعاً في قلوب الخلق، كلٌّ مَن رآهم تأثّر منهم، وتواضع لهم، وذلك إنذارات رُوحانية، ألا ترى بأن الأسدَ إذا مرَّ هابته السِّباعُ بطباعها (١) رواه الإمام أحمد في ((المسند)) (٩/٣)، وهو حديث صحيح. انظر: ((صحيح الجامع الصغير)) (٦٠٢٧). (٢) رواه النسائي في ((السنن الكبرى)) (٢٣٧٥)، وابن خزيمة في ((صحيحه)) (٢٤٤٨)، وهو حديث حسن صحيح. انظر: ((صحيح الجامع الصغير)) (٦٢٨٢). ٣٠٥ لا بالتجربة، والبَازِيَّ إذا طار؛ نفَرَتْ منه الطيور الضَّعيفةُ؟! وقوله: ﴿لَا يَسْتَلُونَ النَّاسَ إِلَحَافًا﴾ [البقرة: ٢٧٣]؛ أي: لا يسألونهم البَّةَ، وفائدته: التنبيهُ على سُوء طريقة مَن يسأل الناسَ إلحافاً. * قوله تعالى: ﴿ وَاَلَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوْلَمْ يُسْرِفُواْ وَلَمْ يَقْتُرُواْ﴾ [الفرقان: ٦٧]؛ أي: ليسوا بُمبذِّرين في إنفاقهم؛ فيصرفون فوق الحاجة، ولا بُخلاءَ عن أهليهم؛ فيقَصِّرون في حَقُّهم، فلا يكفونهم، بل عَدْلاً، خياراً، وخيرُ الأُمور أَوساطُها. وفي ((مسند أحمد)) عن أبي الدَّرداء عن النبيِّيَّه قال: ((مِن فِقْهِ الرَّجُل رِفْقُهُ في مَعِيشَتِهِ))(١)، وفيه أيضاً عن ابن مسعود ظه قال: قال رسول الله وسلّه: ((ما عَالَ مَنِ اقْتَصَدَ)(٢). وفي ((مسند البزار)) عن حُذيفةَ قال: قال رسول الله وَّهِ: ((مَا أَحْسَنَ القَصْدَ في الغِنَى، وأَحْسَنَ القَصْدَ فِي الفَقْرِ، وأَحْسَنَ القَصْدَ فِي الْعِبَادَةَ!)»(٣)، وقال إياسُ بن مُعاوية: ما جاوزتَ به أمرَ الله؛ فهو سَرَفٌ، وقال غيره: السَّرَفُ: النفقة في معصية، وقال الحسن البصريُّ: ليس في النفقة في سبيل الله سَرَفٌ، انتهى(٤). (١) رواه الإمام أحمد في ((المسند)) (٥/ ١٩٤)، وهو حديث ضعيف. انظر: ((ضعيف الجامع الصغير)» (٥٣٠٨). (٢) رواه الإمام أحمد في «المسند» (١ / ٤٤٧)، وهو حديث ضعيف. انظر: ((ضعيف الجامع الصغير)) (٥١٠١). (٣) رواه البزار في («مسنده)) (٢٩٤٦)، وهو حديث ضعيف جدًّا. انظر: ((ضعيف الجامع الصغير)) (٤٩٨٤). (٤) انظر: ((تفسير ابن كثير)) (٣/ ٣٢٦). ٣٠٦ قيل لبعض الأُدَباء: لا خيرَ في السَّرف، فقال: لا سَرَفَ في الخير. (الكشاف): قيل: أولئك أصحابُ محمد ◌ٍَّ كانوا لا يأكلون الطعامَ للتنقُّم واللذة، ولا يلبسون ثوباً لا للجَمال والزِّينة، ولكن كانوا يأكلون ما يَسُدَّ جُوعَهم، ويُعينهم على عبادة ربِّهم، ويلبسون ما يستر عَوْرَاتِهم، ويُكُّهم [من] الحَرِّ والقَرِّ، وقال عمر ظه: كفى سرفاً أن لا يشتهيَ الرجل شيئاً إلا اشتراه فأکله. و(القوام): العَدْل بين الشيئين؛ لاستقامة الطرفين واعتدالهما، والمنصوبان؛ أعني ﴿ بَيْنَ ذَلِكَ﴾ و﴿قَوَامًا﴾ جائزٌ أن يكونا خبرين معاً، وأن يجعل ﴿بَيْنَ ذَلِكَ﴾ لَغْواً، و﴿قَوَامًا﴾ مُستِقِرًّا، وأن يكون الظرف خبراً، و﴿قَوَامًا﴾ حالاً مُؤكِّدةً(١). (م): قال ابن عباس، ومُجاهد، وقَتَادةُ، والضَّخَاك: إن الإسرافَ الإنفاقُ في معصية الله، والإقتار مَنْعُ حق الله، وقال مجاهد: لو أنفق مثلَ أبي قُبَيْس ذهباً في طاعة الله؛ لم يكن سَرَفاً، ولو أنفق صاعاً في المعصية؛ كان سَرَفاً(٢). * قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦]؛ أي: إنما خلقتهم؛ لآمرَهم بعبادتي، لا لاحتياجي إليهم، وقال ابن عباس: لِيُقِرُّوا بعبادتي طَوْعاً وكَرْهاً، واختاره ابن جرير، وقال ابن جُريح : إلا ليعرفون، وقال الرَّبيع: إلا للعبادة، وقال السُّدِّي: من العبادة ما ينفع، ومنها ما لا ينفع، وقال الضَّخَّاك: المراد بذلك المؤمنون. (١) انظر: ((الكشاف)) للزمخشري (٢٩٩/٣). (٢) انظر: ((تفسير الرازي)) (٢٤ / ٩٥). ٣٠٧ وقوله: ﴿مَآ أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ﴾؛ أي: خلق العبادَ؛ ليعبدوه، وهو غيرُ مُحتاج إليهم، بل هم الفقراء إليه في جميع أحوالهم، فهو خالقهم ورازقهم. وفي ((مسند أحمد)) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَّه: (قال الله تعالى: ابنَ آدمَ تفرَّغْ لِعِبَادَتَي؛ أَمْلأْ صَدْرَكَ غِنِىّ))(١). وفي ((مسند أحمد)) أيضاً من حديث حَبَّةَ وسَوَاء ابني خالد قالا: أتينا رسولَ اللهٌَِّ، وهو يعمل عملاً، أو يبني بناء، فأَعَنَّاه عليه، فلمَّا فرغ؛ دعا لنا [وقال]: ((لا تَيْأسا منَ الرِّزْقِ ما تَهَزْهَزَتْ رُؤُوسُكُمَا؛ فإنَّ الإنسانَ تَلِدُهُ أُمُّه أحْمَرَ ليسَ عَليهِ قِشْرَةٌ، ثم يعطيه الله ويَرِزُقُه)»(٢). وفي بعض الكتب الإلهية: يقول الله: ابنَ آدمَ؛ خلقتك لعبادتي؛ فلا تلعب، وتكفَّلتُ برزقك؛ فلا تتعب، واطلبني؛ تَجِدْني، فإن وجدتني؛ وجدتَ كلَّ شيءٍ، وإن فُتُّكَ؛ فاتك كلُّ شيء، وأنا أحبُّ إليك من كل شيء. وعن عبدالله بن مسعود قال: أقرأني رسولُ اللهِ وَلي: ((إني أنا الرزّاقُ ذُو الْقُوَّة المَتِينُ))، رواه أبو داود، والترمذيُّ، وقال: حَسنٌ صحيحٌ، ورواه أحمدُ، والنسائيُّ(٣). (م): فإن قيل: لم يذكر الملائكةَ، مع كونهم ما خلقوا إلا للعبادة؛ (١) رواه الإمام أحمد في «المسند» (٢/ ٣٥٨)، وهو حديث صحيح. انظر: ((صحيح الجامع الصغير)» (١٩١٤). (٢) رواه الإمام أحمد في «المسند» (٣/ ٤٦٩)، وهو حديث ضعيف. انظر: ((ضعيف الجامع الصغير)) (٦٢٨١). (٣) رواه أبو داود (٣٩٩٣)، والترمذي (٢٩٤٠)، والنسائي في ((السنن الكبرى)) (٧٧٠٧)، والإمام أحمد في ((المسند)) (١ / ٣٩٤)، قال الترمذي: حديث حسن صحيح. ٣٠٨ فالجواب من وجوه: أحدها: أنه رَ ﴿ كان مبعوثاً إلى الجِنِّ والإنس، فلما قال: ﴿وَذَكِرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى نَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ [الذاريات: ٥٥]؛ بَيَّن ما يُذكِّر به، وهو كون الخلق للعبادة . ثانيها: أن الكُفَّار كانوا يقولون: إن الله عظيمٌ، خلق الملائكةَ، فيعبدون الله؛ ونحن لِنُزول درجتنا نعبد الملائكةَ، فالأمر فيهم كان مُسلَّماً من القوم، فذكر المُتنازَع فيه. ثالثها: قيل: الجِنُّ يتناول الملائكة، لأن الجِنَّ أصله من الاستتار، وهم مُستَتِرون عن الخلق، فعلى هذا: تقديم الجن؛ لدخول الملائكة فيهم، وكونهم أكثرَ عبادة وأخلصها. رابعها: أن بعضَ الوجوه في تَعلُّق الآية بما قبلها بيانُ قُبْح ما يفعله الكَفرةُ؛ من ترك ما خُلقوا له، وهذا مُختصٌّ بالجِنِّ والإنس، فإن قيل: فعل الله لا يُعلَّل بالأغراض؛ يقال: هذا تعليل لفظيٍّ غيرُ حقيقيٍّ؛ كقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَكُمْ شُعُوبًا وَقَبَآئِلَ لِتَعَارَفُوَأَ إِنَّ أَكْرَ مَكُرْ عِندَ اللّهِ أَنْقَنَّكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣]. مثاله: الماء إذا كان مخلوقاً للتطهير والشُّرب؛ فالصافي منه أكثرُ فائدةَ في تلك المنفعة، يكون أشرفَ من ماء آخر، وقيل: معناه: ليعرفون، فإن قيل: ما العبادة التي خُلقوا لها، قلنا: التعظيمُ لأمر الله، والشفقةُ على خلق الله، فإن هذين النوعين لم يَخْلُ شرعٌ منهما، فأما خُصوص العبادات: فالشرائع مختلفة فيها بالوَضْع والهَيئة، والقِلَّة والكثرة، والزَّمان والمكان، والشرائط والأركان. ، قوله تعالى: ﴿مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ﴾ [الذاريات: ٥٧]، فيه جواب ٣٠٩ سؤال، وهو أن الخَلْق لغرَض يُنبئ عن الحاجة؛ أي: لستُ كالسَّادة مع عَبيدهم؛ فإنهم إنما يملكونهم؛ ليستعينوا بهم في تحصيل مَعايشهم، بل هم الرابحون، ويحتمل أن يقال: هذا دليل لكونهم مخلوقين للعبادة؛ وذلك أن الفعل في العُرف لا بدَّ له من منفعة، لكن العبيد على قسمين: قسمٌ منهم يكون للعظمة والجَلال، يطعمهم مالكُهم، ويَسِقِيهم، ويُعطيهم البلادَ من الأطراف، ويهبهم التِّلادَ والطُّرَاف، والمراد منهم تعظيمُ المثول بین یدیه، ووضع اليمين على الشِّمال لديه. وقسمٌ منهم للانتفاع بهم في تحصيل الأرزاق، أو لإصلاحها، فقال ليتفكروا هل هُم من قبيل أن يطلب منهم تحصيلَ رزق، أو هم مِمَّن يطلب منهم إصلاحَ قُوت؛ كالطبّاخِ والخِوانيِّ الذي يُقرِّب الطعامَ، وليسوا كذلك، فما أُريد أن يطعمون، فإذاً؛ هم عبيدٌ من القسم الأول، فينبغي أن لا يتركوا التعظيمَ. ثم قال: ﴿ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّقُ ﴾ [الذاريات: ٥٨]؛ أي: ما أريد منهم من رزق؛ فإني أنا الرزّاق، ولا العملَ؛ فإني قويٌّ(١). وأما الأحاديثُ، فَتَقَدَّمَ مُعظَمُهَا فِي الْبَابَيَنِ السَّابِقَيْنِ، وَممَّا لم يَتَّقَدَّم: ٥٢٢ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ◌َُله، عن النبيِِّ، قال: ((لَيْسَ الغِنَى عَنْ كَثْرَةِ العَرَضِ، وَلكِنَّ الغِنَ غِنَى النَّفْسِ))، متفق عليه. (١) انظر: ((تفسير الرازي)) (١٨ / ١٩٩ - ٢٠٠). ٣١٠ ((العَرَضُ)) بفتح العين والراء: هُوَ المَالُ. الأَوْاُ (ق): ((العرض) بفتح العين والراء: هو حُطام الدنيا ومَتاعها، وبسكون الراء: هو ما خلا العَقَارَ والحيوانَ، وما يدخله الكيلُ والوَزْن، هذا قول أبي عُبِيدَة، وفي كتاب ((العين)): العرَضُ: ما نِيلَ من الدنيا، ومنه: قوله تعالى: ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا﴾ [الأنفال: ٦٧]، وجمعه عُروض(١). (ن): يعني: الغِنى المحمودَ غنى النفس، وشِبَعُها، وقِلَّة حرصها، لا كثرة المال مع الحرص على الزيادة؛ لأن مَن كان طالباً للزيادة؛ لم یستغن بما معه، فليس له غنیّ(٢). (ق): بيانه: أنَّ النفسَ إذا استغنت؛ كَفَّت عن المطامع، فَعَزَّت وعَظُمت، فحصل لها من الحَظْوة، والنَّزاهة، والشَّرَف، والمَدح أكثرُ مِمَّن كان غنياً بماله، فقيراً بحِرْصِه وشَرَهِه؛ فإن ذلك يُورطه في رذائل الأُمور، وخسائس الأفعال؛ لبُخله ودناءة هِمَّته، فيكثر ذامُّه من الناس، ويَصغُر قَدْرُه عندهم، فیکون أحقر من کلِّ حقیر، انتهى(٣). قيل: غنى النفس أن يكون سمحَ الأخلاق، وإن كانت ذاتُ يده قليلةً، فكم قد رأينا الفقيرَ البَدَّال(٤) القانعَ بما أعطاه الله، وهو لعَمْري (١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٣/ ٩٥). (٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٧ / ١٤٠). (٣) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٣/ ٩٥). (٤) في الأصل: ((البذان)) ٣١١ الغنيُّ، لا المكثر المُقتِّر، قال الكِنديُّ: عَدِيمٍ وذِي ثَرْوَةٍ مُفْلِسٍ وكَائنْ تَرَى مِنْ أَخِي عِزَّةٍ لٍ وإنَّ التَّعَزُّزَ للأَنفُسِ فإنَّ الغِنىَ في قُلوبِ الرِّجَا (شف): المراد بغِنِى النفس القَناعةُ، ويمكن أن يراد به ما يَسُدُّ الحاجةَ، قال الشاعر : فإِنْ زادَ شَيْئاً عَادَ ذَاكَ الغِنَى فَقْرا غِنَى النَّفْسِ ما يَكْفِيكَ عَنْ سَدّ حَاجَةٍ (ط): يمكن أن يراد بغِنى النفس حُصول الكمالات العِلميَّة والعَملية، وأنشد أبو الطَّيِّب في معناه: مَخَافَةَ فَقْرٍ فَالَّذِي فَعَلَ الفَقْرُ ومَنْ يُنْفِقِ السَّاعَاتِ فِي جَمْعِ مَالِه يعني: ينبغي أن يُنفِقَ ساعاتِه وأوقاتِهِ في الغِنى الحقيقيِّ، وهو طلبُ الكمالات؛ ليزيد غنىّ بعد غنىً، لا في المال؛ لأنه فقر بعد فقر(١). ٥٢٣ - وعن عبدِالله بن عمرٍ و﴾: أَنَّ رَسُولَ اللهِوَلِ قالَ: (قَدْ أَفَلَحَ مَنْ أَسْلَمَ، وَرُزِقَ كَفَافاً، وَقَنَّعَهُ اللهُ بِما آتاهُ)) رواه مسلم. (الثَّانِى) سبق في الباب قبله. * (١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (١٠ / ٣٢٨١). ٣١٢ ٥٢٤ - وعَنْ حَكِيمٍ بنِ حِزَامِ ﴿ه، قال: سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ، فَأَعْطَانِي، ثُمَّ سَأَلْتُّهُ فَأَعْطَانِ، ثم سَأَتُهُ فَأَعْطَاني، ثم قال: (يا حَكِيمُ! إِنَّ هَذَا المَالَ خَضِرٌ حُلْوٌ، فَمَن أَخَذَهُ بِسَخَاوَةِ نَفْسٍ، بُورِكَ لَهُ فِيه، وَمَن أَخَذَهُ بِإِشْرَافِ نَفْسٍ، لَمْ يُبَارَكْ لَهُ فيهِ، وَكَانَ كَالَّذي يَأْكُلُ وَلاَ يَشْبَعُ؛ واليَدُ العُليَا خَيْرٌ مِنَ اليَدِ السُّفْلَى))، قال حَكِيمٌ: فقلتُ: يا رسول الله! والَّذِي بَعَثَكَ بالحَقِّ! لا أَرْزَأُ أَحَداً بَعْدَكَ شَيئاً حَتَّى أُفَارِقَ الدُّنِيَا، فَكَانَ أَبُو بكرٍ ﴿ه يَدْعُو حَكِيماً لِيُعْطِيَهُ، فَيَأْبَى أَنْ يَقْبَلَ مِنْهُ شيئاً، ثُمَّ إِنَّ عُمَرَ عَبه دعاهُ لْيُعْطِيَهُ، فَأَبَى أَن يَقبَلَهُ، فقال: يا مَعشَرَ المُسْلمِينَ! أُشْهِدُكُمْ عَلَى حَكِيمٍ أَنِي أَعْرِضُ عَلَيهِ حَقَّهُ الَّذِي قَسَمَهُ الله لَهُ في هذا الْفِيْءٍ، فَأْبَى أَنْ يَأْخُذَهُ، فَلَمْ يَرْزَأْ حَكِيمٌ أَحَداً مِنَ النَّاسِ بَعْدَ النَّبِّ وَّهِ حَتَّى تُؤُنِّيَ، متفقٌ عليه. (يَرْزَأ) براءٍ ثم زاي ثم همزةٍ: أَي: لَم يَأْخُذْ مِن أَحَدٍ شَيْئاً، وَأَصلُ الزُّزْءِ: النُّقْصَانُ؛ أَي: لَم يَتْقُصْ أَحَداً شَيْئاً بالأَخِذِ مِنْهُ، و((إِشْرَافُ النَّفْسِ)»: تَطَلُّعُهَا وَطَمَعُها بالشَّيْءِ، و((سَخَاوَةُ النَّفْسِ)): هيَ عَدَمُ الإشرَاف إلى الشَّيءِ، والطَّمَعِ فيه، والمُبَالاةِ بِهِ والشَّرَهِ. (الثَّالِثُ)) * قوله: ((سألته فأعطاني)) لم يُبيِّن المسؤول في هذا الحديث ما هو، وفي ((المعجم الكبير)) للطبرانيٍّ عن عروة بن الزُّبير: أن حَكِيم بن حِزَام سأل رسولَ اللهِ وَ﴿ مائةً من الإبل، فأعطاه، ثم سأله مائةً، فأعطاه، ثم قال له ٣١٣ رسول الله وَي: ((يا حَكِيمُ؛ إِنَّ هذا المَالَ خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ))، الحديثَ. (ن): شَبَّهه في الرَّغبة فيه، والمَيْل إليه، وحِرْص النفوس بالفاكهة الخضراء المُسْتَلذَّة؛ فإن الأخضرَ مرغوبٌ فيه على انفراده، والحُلو كذلك، فاجتماعهما أشدُّ، وفيه: إشارةٌ إلى عدم بقائه؛ فإن الخَضْرَاواتِ لا تبقى، ولا ترادُ للبقاء. وقوله: ((بورك له فيه)) ذكر القاضي فيه احتمالين، أحدُهما: أنه عائد إلى الآخِذ ومعناه: مَن أخذ بغير سُؤال ولا إشراف وتَطلُّع؛ بورك له فيه. والثاني: أنه عائد إلى الدَّافع، ومعناه: مَن أخذه مِمَّن يدفعه مُنشرحاً بدفعه إليه، طَيِّبَ النفس، لا بسؤال اضطرَّه إليه، ونحوه مِمَّا لا يَطِيبُ معه نفسُ الدافع، انتھی(١). وفيه: إثباتُ البركة لآخذ ما أُعطي بغير سؤال، ولا إشراف نفس. (ن): قال العُلماء: إشرافُ النفس تَطلُّعها إليه، وطَمعُها فيه (٢). (ق): وقوله: ((لم يبارك له فيه))؛ أي: [لا] ينتفع به صاحبُه؛ إذ لا يجد لذَّةَ نفقته، ولا ثوابَ صدقته، بل يتعب بجَمعه، ويُذَمُّ بمنعه، ولا يصل إلى شيء من نفعه، ولا شك في أن الحِرْصَ على المال، وعلى الحياة الدنيا مَذمومٌ مُفسِدٌ للدِّين؛ كما في الحديث: ((ما ذِئْبَانِ جَائِعَانِ أُرسِلا فِي ذَرِبَبَةٍ غَنَمِ بِأَفْسَدَ لهَا مِن حِرْصِ المَرْءِ على الشَّرَفِ والمَال لِدِينِهِ»(٣). (١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٧ / ١٢٦). (٢) المرجع السابق، الموضع نفسه . (٣) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٣/ ٨١ - ٨٢)، والحديث رواه الترمذي (٢٣٧٦) عن کعب بن مالك څ، وهو حديث صحيح. انظر: ((صحيح الجامع الصغير)) (٥٦٢٠). ٣١٤ * قوله: «کالذي یأکل ولا يشبع)): (ن): قيل: هو الذي به داءٌ لا يشبع بسببه، [وقيل]: يحتمل أن المُراد التشبيهُ بالبَهيمة الرَّاعية، وفيه: الحَثُّ على التعفُّف، والقَناعة، والرِّضا بما تيسَّر في عَفافٍ، وإن كان قليلاً، والإجمال في الكَسْب، وأنه لا يَغترُّ الإنسان بكثرة ما يحصل له بإشراف ونحوه؛ فإنه لا يُبارك له فيه، وهو قريب من قوله تعالى: ﴿يَمْحَقُ اللّهُ الْرِّبَوَأْ وَيُرْبِىِ الضَّدَقَتِ﴾ [البقرة: ٢٧٦](١). (ط): لمَّا وصف المال بما تميل إليه النفسُ الإنسانية بجِبِلَّتِها؛ رتَّب عليه بالفاء أمرين، أحدهما: تركها مع ما هي مجبولةٌ عليها من الحِرْص، والشَّرَه، والمَيْل إلى الشَّهَوات، وإليه أشار بقوله: ((ومن أخذه بإشراف نفس)). وثانيها: كَقُّها عن الرغبة فيها إلى ما عند الله من الثواب، وإليه أشار بقوله: ((بسخاوة نفس))، فكَنَّى بالسَّخاوة عن كَفِّ النفس من الحِرْص والشَّرَه؛ كما كَنَّى في الآية بتوقِّي الأنفس من الشُّحِّ والحِرْص المَجْبُولة عليها عن السَّخاء؛ لأن من توقَّى من الشُّحِّ؛ يكون سَخِيّاً مُفلحاً في الدارين، ﴿وَمَن يُوقَ شُعَ نَفْسِهِ، فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾ [الحشر: ٩](٢). * قوله ◌َّ: ((اليد العليا خير من اليد السفلى))، سبق شرحه في (الباب السادس والثلاثين). * قوله: ((لا أرزا أحداً بعدك»: أي: لا أنْقُص بعدك مالَ أحد بالسؤال عنه، والأخذ منه؛ من الرُّزْء، (١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٧ / ١٢٦). (٢) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٥ / ١٥١٣). ٣١٥ وهو النقصان، يقال: ما رَزَأْتُ مالَه؛ أي: ما نَقَصْتُه، ويمكن أن يكون معناه: بعد سؤالك، ويمكن أن يكون بمعنى غيرك. (ك): قال ابن بَطَّال: في هذا الحديث: إعطاء السائل من مال واحد مرتين، وما كان عليه رسولُ الله ◌ِّر؛ من الكَرَم، وفيه: الاعتذار للسائل إذا لم يجد ما يُعطيه، وفيه: موعظته، والحضُّ على الاستغناء عن الناس بالصبر والتوكل على الله، وأن الإجمالَ في الطلب مَقرونٌ بالبركة، وفضل الغِنى على الفقر إن كانت اليدُ العليا هي المُنفقةَ، وفضل التعفُّف إن كانت المُتعفِّفة، وفيه: أنه لا يستحق أحدٌ من بيت المال شيئاً إلا بعد إعطاء الإمام، وفيه: أنه لا قهرَ في الأخذ من أمثاله، وإنما أشهد عمرُ على حكيم؛ لأنه خشي سوء تأويله، فأراد أن يُبرئ ساحتَه بالإشهاد عليه(١). ٥٢٥ - وعن أبي بُرْدَةَ، عن أبي موسى الأشعريِّ ﴿به، قال: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولَ اللهِ﴿ فِي غَزَاةٍ، ونحْنِ سِنَّةُ نَفَرٍ بَيْنَا بَعِيرٌ نَعْتَقِبُهُ، فَقِبَتْ أَقْدَامُنا، وَنَقِبَتْ قَدَمِي، وَسَقَطَتْ أَظْفاري، فَكُنَّا نُلُفُّ عَلى أَرْجُلِنا الخِرَقَ، فَسُمِّيَتْ: غَزْوَةَ ذَاتِ الرِّقاعِ؛ لِمَا كُنَّا نَعْصِبُ على أَرْجُلِنا من الخِرَقِ، قالَ أبو بُردَةَ: فَحَدَّثَ أبو مُوسَى بهَذا الحَدِيثِ، ثُمَّ كَرِهَ ذلكَ، وقالَ: ما كُنْتُ أَصْنَعُ بِأَنْ أَذْكُرَهُ! قالَ: كَأَنَّهُ كَرِهَ أَنْ يَكُونَ شَيْئاً مِنْ عَمَلِهِ أَنْشَاهُ، مُتَّفقٌ عليه. (١) انظر: ((الكواكب الدراري)) للكرماني (١٨/٨). ٣١٦ ٤٠ * قوله: «نعتقبه)): (ن): أي: يركبه كل واحد منا نَوْبتَه، وفيه: جواز مثل هذا إذا لم يضرَّ المَرْكُوبَ، و((نقبت)) بفتح النون وكسر(١) القاف؛ أي: فَرِحَتْ من الحَفاء. وقوله: ((سميت ذات الرقاع لذلك)) هذا هو الصحيح في تسميتها، وقيل: سُمِّيت بذلك بجبل هناك، فيه بياضٌ وسَواد وحُمْرة، وقيل: باسم شجرة هناك، وقيل: كان في ألويتهم رِقاعٌ، ويحتمل أنها سُمِّيت بالمجموع. وفيه: استحباب إخفاء الأعمال الصالحة، وما يُكابده العبد من المَشاقٌّ في طاعة الله تعالى، ولا يظهر شيئاً من ذلك إلا لمصلحة؛ مثل بيان حُكم ذلك الشيء، أو التنبيه على الاقتداء به فيه، أو نحو ذلك(٢). (ق): فيه: بيان ما كانوا عليه من شِدَّة الصَّبر والجَلَد، وتحمُّل تلك الشدائد العظيمة، وإخلاصهم في أعمالهم(٣). ٥٢٨ _ وعَنْ أَبِي سُفْيانَ صَخْرِ بْنِ حَرْبٍ ﴿ه، قال: قالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((لا تُلْحِفُوا في المسأَلَةِ، فَوَاللهِ! لا يَسْأَلُنِي أَحَدٌ مِنْكُمْ شَيْئاً، فَتُخْرِجَ لَهُ مَسْأَلَتُهُ مِنِّي شَيْئاً وَأَنَا لَهُ كَارِةٌ، فَيُبَارَكَ لَهُ فِيمَا أَعْطَيْتُهُ))، رواهُ مسلم . (١) في الأصل: ((وسكون)). (٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٢ / ١٩٧ - ١٩٨). (٣) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٣/ ٦٩٤). ٣١٧ * قوله يقر: ((لا تلحفوا في المسألة»: (ق): هكذا صحيح الرواية، [ومعناه: لا تُنْزلوا بي المسألة](١) المُلْحَف فيها؛ أي: لا تُلِخُوا عليَّ في السؤال، وإنما نهى عن الإلحاح؛ لما يُؤدِّي إليه من الإبرام، واستثقال السائل، وإخجال المسؤول، حتى أنه إن أخرج شيئاً؛ أخرجه عن غير طِيب نفس، بل على كراهة وتَبُّم، وما استُخرج كذلك؛ لا يُبارك له فیه؛ لأنه مأخوذ علی غیر وجهه. ثم قد كان المنافقون يُكثرون سؤالَ رسول الله وَّه؛ ليُبخِّلوه، وكان يعطي العطايا الكثيرة بحسَب ما يُسأل؛ لئلا يتمَّ لهم غرضُهم من نسبته إلى البُخل؛ كما قال ◌َّهِ: ((إنَّ قَوْماً خَيَّروني بينَ أَنْ يَسألُوني بالفُحْشِ، أو يُيَخِّلُوني، ولستُ بِبَاخِلٍ)»(٢). (نه): ((لا تلحفوا في المسألة))؛ أي: لا تبالغوا فيها، يقال: ألحف في المسألة يُلحِفُ إلحافاً: إذا ألحّ ولزمها(٣). (شف): قوله: ((فيبارك له)) بالنصب بعد الفاء على معنى الجَمْعية؛ أي: لا يُجمع إعطائي أحداً شيئاً وأنا كَارِهٌ في ذلك الإعطاء، ويُبارك الله له في ذلك الذي أعطيته إياه. (١) ما بين معكوفتين من ((المفهم)) للقرطبي (٣/ ٨٣). (٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٣/ ٨٣)، والحديث رواه مسلم (١٠٥٦) من حديث عمر بن الخطاب څ . (٣) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (٤ / ٢٣٧). ٣١٨ (ط): ولو روي بالرفع؛ لم يحتج إلى هذا التكلُّف، بل يكون رفعاً على الإشراك؛ كقوله تعالى: ﴿وَلَا يُؤْذَنُ لَمْ فَيَغَنَذِرُونَ﴾ [المرسلات: ٣٦](١). (ن): اتفق العلماء على النهي عن السؤال من غير ضرورة، واختلف أصحابنا في مسألة القادر على الكَسْب [على وجهين]، أصخُّهما: أنه حرام؛ لظاهر الأحاديث، والثاني: حلال مع الكراهة بثلاثة شروط؛ أن لا يُذِلَّ نفسَه، ولا يُلِتَّ في السؤال، ولا يؤذي المسؤولَ، فإن فُقِد أحدُ هذه الشروط؛ فحرامٌ بالاتفاق(٢). ٠ ٥٢٩ - وعن أبي عبدِ الرحمنِ عَوفِ بنِ مالكِ الأَشْجَعِيِّ قالَ: كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ الله ◌ِوَلَّهِ تِسْعَةً أَوْ ثَمَانِيَةً أَوْ سَبْعَةٌ، فَقَالَ: ((ألاَ تُبَايِعُونَ رَسُولَ اللهِهِ؟))، وكُنَّا حَدِيثِي عَهْدٍ بِبَيْعَةٍ، فَقُلْنا: قَدْ بَا يَعْنَاكَ يا رَسُولَ اللهِ، ثُمَّ قال: ((أَلَا تُبَايِعُونَ رَسُولَ الله؟))، فَسَطْنَا أَيْدِيَنا، وَقُلْنَا: قَدْ بَا يَعْنَاكَ يَا رَسُولَ اللهِ، فَعَلَاَمَ نُبَايِعُكَ؟ قال: ((عَلَى أَنْ تَعْبُدُوا اللهَ ولا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً، والصَّلَوَاتِ الخَمْسِ وَتُطِيعُوا))، وَأَسَرَّ كلمَةً خَفِيَّةً: ((وَلاَ تَسْأَلُوا النَّاسَ شَيْئً، فَلَقَدْ رَأَيْتُ بَعْضَ أُولِئِكَ النَّفَرِ يَسْقُطُ سَوْطُ أَحَدِهِمْ، فَمَا يَسْأَلُ أَحَداً يُنَاوِلُهُ إِيَاهُ، رواه مسلم. (١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٥ / ١٥١٢). (٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٧ / ١٢٧). ٣١٩ (القَاضُِ) (ق): أَخِذُهُ وَِّ على أصحابه في البَيْعة أن لا يسألوا أحداً شيئاً؛ حَمْلٌ منه على مكارم الأخلاق، والترفُّع عن تحمُّل مِنَن الخلق، وتعليم الصبر على مَضِيض الحاجات، والاستغناء عن الناس، وعِزَّة النفوس، ولمَّا أخذَهم بذلك؛ التزموه في جميع الأشياء، وفي ما لا تلحق فيه مِنَّةٌ؛ طرداً للباب، وحَسْماً للذرائع(١). (ن): فيه: التمسُّك بالعُموم؛ لأنهم نُهوا عن السؤال، فحملوه على عُمومه، وفيه: الحَثُّ على التنزُّه عن جميع ما يُسمَّى سؤالاً وإن كان حقيراً، انتھی(٢). وفي ((مسند أحمد)) عن أبي ذَرَِّظُ قال: دعاني رسولُ الله ◌ِصَّ، وهو يشترط عليَّ أن لا تسأل الناس شيئاً، قلت: نعم، قال: ((ولا سَوْطُكَ إِنْ سَقطَ منك حَتَّى تَنْزِلَ إِليْهِ فَتَأْخُذَهُ)(٣)، ففي هذا الحديث: عُموم النهي عن السؤال، فلعلهم بلغهم منه إرادةُ العُموم. (ك): فإن قلت: لم امتنعوا من الأخذ مطلقاً، وهو مبارك إذا كان بسَعة الصَّدْر، مع عدم الإشراف؟ قلت: مُبالغةً في الاحتراز؛ إذ مقتضى الجِبلَّة الإشرافُ، والحِرْص، والنفس سَرَّاقة، والعِرْقُ دَسَّاس، ومَن حام حول الحِمى؛ يوشك أن يرتع فيه (٤). (١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٣ / ٨٦). (٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٧ / ١٣٢). (٣) رواه الإمام أحمد في ((المسند)) (٥/ ١٧٢)، وهو حديث صحيح. انظر: ((صحيح الترغيب والترهيب)) (٨١٠). (٤) انظر: ((الكواكب الدراري)) للكرماني (٨ / ١٧ - ١٨). ٣٢٠