النص المفهرس

صفحات 281-300

فِخِزانتُه فَضْلُ الله .
كان الحسنُ يقول: جمعوا الأموال، ووَسَّعوا بها ديارَهم، وضَيَّقوا
قُبُورَهم، وأسمنوا براذينَهم، وأهزلوا دينَهم، يتَّكِئُ أحدُهم على شِماله،
ويأكل من غير ماله، حتى إذا أخذته الكِظَّةُ، ونزلت [به] البِطْنُهُ؛ قال يا غلام:
ائتني بشيءٍ يَهضِمِ طعامي، يا لُكَعُ؛ أطعامَك تهضِمُ؟! إنما تَهضِمُ دينَك،
أين الفقير؟! أين الأَرْمَلة؟! أين اليتيمُ؟! وأين المِسكينُ الذي أمرك الله به؟!
وهذه إشارة إلى هذه الفائدة، وهو صَرْفُ فاضل الطعام إلى الفقراء
ليَدَّخِرَ به الأجر(١).
٥١٧ - وعَنْ أَبِي أُمَامَةَ إِيَاسِ بْنِ ثَعْلَبَةَ الأَنْصَارِيِّ الحَارِثِيِّ
،
قالَ: ذَكَرَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِّه يَوْماً عِنْدَهُ الدُّنْيَا، فقالَ رَسُولُ اللهِّهِ:
((أَلَا تَسْمَعُونَ؟ أَلَا تَسْمَعُونَ؟ إِنَّ الْبَذَاذَةَ مِنَ الإِيمَانِ، إِنَّ البَذَاذَةَ مِنَ
الإيمَانِ)»، يَعْني: التَّقَخُّلَ، رواه أبو داودَ.
(البَذَاذَةُ)) بِالبَاءِ المُؤَخَّدَةِ وَالذَّالَيْنِ المُعْجَمَتَيْنِ، وَهِيَ: رَثَاثَةُ
الهَيْئَةِ، وَتَرْكُ فَاخِرِ اللِّبَاسِ، وَأَمَّا ((التَّقَخُّل)) فَبَالْقَافِ وَالحَاءِ، قال
أَهْلُ اللُّغَة: المُتَقَكِّلُ: هُوَ الرَّجُلُ الْيَابِسُ الجِلْدِ مِنْ خُشُونَةِ العَيْشِ،
وَتَرْكِ الثََّقُّهِ.
(١) انظر: ((إحياء علوم الدين)) للغزالي (٣/ ٨٤ - ٨٨).
٢٨١

(السَّائِقُ وَالْعِمَع)
* قوله وَلِ: ((ألا تسمعون؟!)) تنبيهُ وحَثُّ على الإصغاء، وإلقاء السَّمع
لِما یذکر.
* وقوله: ((إن البذاذة)) هو بكسر الهمزة من ((إن))؛ إذ استئناف كلام.
(نه): ((البذاذة)): رثاثة الهيئة، يقال: بذُّ الهيئة، وباذُ الهيئة؛ أي: رَتُّ
اللِّبْسَةِ (١).
(تو): يعني: التواضع في اللِّباس، والتوقِّي عن التأثُّق في الزِّينة من
أخلاق أهل الإيمان، والإيمان هو الباعثُ عليه.
*
٥١٨ - وعن أبي عبدِ الله جابرِ بنِ عبدِ الله ﴾، قال: بَعَثَنَا
رَسُولُ اللهِ وَهِ، وَأَمَّرَ عَلَيْنَا أَبَا عُبَيْدَةَ عَ﴿ه، نَتَلَقَّى عِيراً لِقُرَيْشِ،
وَزَوَّدَنَ جِرَاباً مِنْ تَمْرٍ لَمْ يَجِدْ لَنَا غَيْرَهُ، فَكَانَ أَبُو عُبَيْدَةَ يُعْطِينَا تَمْرَةً
تَمْرَةً، فِقِيلَ: كَيْفَ كُنْتُمْ تَصْنَعُونَ بِهَا؟ قال: نَمَضُّهَا كَمَا يَمَصُّ
الصَّبِيُّ، ثُمَّ نَشْرَبُ عَلَيْهَا مِنَ المَاءِ، فَتَكْفِينَ يَومَنَا إِلى اللَّيْلِ، وَكُنَّا
نَضْرِبُ بِعِصِيَِّا الخَبَطَ، ثُمَّ نَبِلُّهُ بِالمَاءِ فَتَأكُلُهُ، قال: وَانْطَلَقْنَا عَلَى
سَاحِلِ البَحْرِ، فَرُفِعَ لَنَا عَلَى سَاحِلِ البَحْرِ كَهَيْئَةِ الكَثِيبِ الضَّخْمِ،
فَأَتَيْنَهُ، فَإِذَا هِيَ دَبَةٌ تُدْعَى العَنْبَرَ، فَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: مَيْنَةٌ، ثُمَّ قالَ:
(١) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (١ / ١١٠).
٢٨٢

لا، بَلْ نَحْنُ رُسُلُ رَسُولِ اللهِوَ﴿ِ، وفي سَبِيلِ الله، وَقَدِ اضْطُرِرْتُمْ،
فَكُلُوا، فَأَقَمْنَا عَلَيْهِ شَهْراً، وَنَحْنُ ثَلاَثُ مِائَةٍ، حَتَّى سَمِنَّاً، وَلَقَدْ
رَأَيْنَا نَغْتَرِفُ مِنْ وَقْبٍ عَيْنِهِ، بِالقِلالِ الدُّهْنَ، وَتَقْطَعُ مِنْهُ الفِدَرَ
كالثَّوْرِ، أَوْ كَقَدْرِ الثَّوْرِ، وَلَقَدْ أَخَذَ مِنَّا أَبُو عُبَيْدَةَ ثَلاَثَةَ عَشَرَ رَجُلاً،
فَأَفْعَدَهُمْ فِي وَقْبٍ عَيْنِهِ، وَأَخَذَ ضِلَعاً مِنْ أَضْلاعِهِ، فَأَقَامَهَا، ثُمَّ
رَحَلَ أَعْظَمَ بَعِيرٍ مَعَنَا، فَمَزَّ مِنْ تَخْتِهَا، وَتَزَوَّدْنَا مِنْ لحْمِهِ وَشَائِقَ،
فَلَمَّا قَدِمْنَا المَدِينَةَ، أَيْنَا رَسُولَ اللهِوَهِ، فَذَكَرْنَا ذَلِكَ له، فقالَ: ((هُوَ
رِزْقُ أَخْرَجَهُ اللهُ لَكُمْ، فَهَلْ مَعَكُمْ مِنْ لِحْمِهِ شَيْءٌ نَتُطْعِمُونَ؟»،
فَأَرْسَلْنَا إلى رَسُولِ اللهِهِمِنْهُ، فَأَكَلَهُ، رواه مسلم.
((الچِرَابُ)): وِعَاءٌ مِنْ جِلْدٍ مَعْرُوفٌ، وَهُوَ بِكَسر الچِيم وفتحها،
والكسرُ أَفْصَحُ.
قوله: «نَمَضُّهَا)»: بفتح الميم، ((والخَبَطُ)): وَرَقُ شَجَرٍ مَعْروفٍ
تَأَكُلُهُ الإِبلُ، ((وَالكَثِيبُ)): التَّلُّ مِنَ الرَّمْلِ، ((والوَقْبُ)) بفتحِ الواوِ
وإسكان القافِ وبعدها باءٌ موحدةٌ، وَهُوَ: نُقْرَةُ العَيْن، ((وَالقِلالُ)):
الجِرَارُ، ((وَالفِدَرُ)) بكسرِ الفاءِ وفتحِ الدال: القِطَعُ، ((رَحَلَ الْبَعِير))
بتخفيفِ الحاءِ: أَيْ: جَعَلَ عَلَيْهِ الرَّحْلَ، ((الوَشَائِقُ)) بالشينِ المعجمةِ
وَالقَاف: اللَّحْمُ الَّذِي اقْتُطِعَ لِيُقَدَّدَ مِنْه، والله أعلم.
٢٨٣

34
* قوله: «وأمر علينا أبا عبيدة)»:
(ن): فيه: أن الجيوش لا بُدَّ لها من أمير يضبطها، وينقادون لأمره
ونهيه، وأنه ينبغي أن يكون الأميرُ أفضلَهم، أو مِن أفضلهم قالوا:
ويُستحبُّ للرُّفقة من الناس وإن قَلُّوا أن يُؤمِّروا بعضَهم، وينقادوا له.
و ((العير): هي الإبل التي تحمل الطعام وغيره، وفيه: جواز نَهْبٍ أهل
الحرب، واغتيالهم، والخُروج لأخذ مالهم، و((الجراب)) بكسر الجيم
وفتحها، الکسر أفصح، و«نمصها) بفتح الميم وضمها، الفتح أفصح وأشهر.
وفيه: بيان ما كان الصحابة ه عليه؛ من الزُّهد في الدنيا، والتقلُّل منها،
والصبر على الجُوع، وخُشونة العيش، وإقدامهم على الغزو مع هذا الحال.
و((الكثيب))(١) هو بالمثلثة: الرَّملُ المُستطيل المُحدَودِبُ.
معنى الحديث: أن أبا عبيدة ظُه قال أولاً باجتهاده: إن هذا مَيْنَةٌ
والمَيْتَةُ حرام، فلا يَحِلُّ لكم أكلُها، ثم تغير اجتهادُه، فقال: بل هو حلال
لكم وإن كان ميتةً؛ لأنه في سبيل الله، وقد اضطررتم، وقد أباح الله المَيْتةَ
لمَن كان مضطراً غيرَ باغ ولا عاد، فكلوا منه، وأما طلب النبيِّ ◌ٍَّ من
لحمه وأكله ذلك: فإنما أراد به المُبالغةَ في تطييب نُقُوسِهم في حِلُّه، وأنه
لا شكّ في إباحته، وأنه يرتضيه لنفسه، أو أنه قصد التبُّكَ به؛ لكونه طُعمةً
من الله تعالى خارقةً للعادة، أكرمهم الله بها .
وفيه: دليلٌ على أنه لا بأس بسؤال الإنسان من صاحبه متاعَه؛ إدلالاً
(١) في الأصل: ((بلغت)).
٢٨٤

عليه، وليس هو من السؤال المنهيِّ عنه، إنما ذلك في حق الأجانب؛
للتمَوُّل ونحوه، وأما هذا: فللمُؤانسة، والمُلاطفة، والإدلال.
وفيه: جواز الاجتهاد في الأحكام في زمن النبيِّ ێ، كما يجوز بعده،
وأنه يُستحبُّ للمفتي أن يتعاطى بعضَ المُباحات التي يشكُّ فيها المُستفتي إذا
لم يكن فيه مَشقَّة على المُفتي، وكان فيه ◌ُمأنينة للمُستفتي.
وفيه: إباحة مَيْتات البحر كلِّها، سواءٌ في ذلك ما مات بنفسه، أو
باصطياد، وقد أجمع المسلمون على إباحة السَّمك، قال أصحابنا: ويحرم
الضَّفْدِعُ؛ للحديث في النهي عن قتلها، وفيما سوى ذلك ثلاثة أَوجُه،
أصَخُّها: يحل جميعُه؛ لهذا الحديث؛ والثاني: لا يحِل، والثالث: يحل
ما له نظيرٌ مأكولُ في الْبَرِّ دون ما لا يؤكل نظيرُه في البَرِّ، فيحل غنمُه،
وظباؤه، دون کلبه، وخنزيره، وحماره، قال أصحابنا: والحمار وإن كان
في البَرِّ منه مَأكولٌ، لكن الغالب غيرُ المأكول، وممَّن قال بإباحة جميع
حيوانات البحر إلا الضَّفْدِعَ: أبو بكر الصِّدِّيقُ، وعمرُ، وعثمان، وابن
عباس ﴿، وأباح مالكٌ الضِِّدعَ والجميعَ، وقال أبو حنيفة: لا يحِلُّ غيرُ
السمك، وأما السمك الطافي، وهو الذي يموت في البحر بلا سبب: فمذهبنا
إباحتُه، وبه قال جماهير العلماء؛ من الصحابة فمَن بعدهم؛ منهم: أبو بكر
الصدِّيق، وأبو أيوبَ، وعطاء، ومَكحُول، والنَّخَعيُّ، ومالك، وأحمد، وأبو
ثور، وداود، وغيرهم، وقال جابر بن عبدالله، وجابر بن زيد، وطاووس،
وأبو حنيفة: لا يحل.
دليلنا: قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ,﴾ [المائدة: ٩٦]، قال ابن
عباس والجمهور: صيدُه: ما صِدْتُموه، وطعامه: ما قذفه، وبحديث جابر
٢٨٥

هذا، وبحديث: ((هُوَ الطَّهُورُ مَاؤه، والحِلُّ مَيْتَتُهُ)(١)، وهو حديث صحيح،
وأما الحديث المرويُّ عن جابر رفعه: ((مَا أَلْقَاهُ البَحْرُ وجَزَرَ عَنْهُ؛ فَكُلوهُ،
وما ماتَ فَطَفا؛ فلا تأكُلُوهُ)(٢): فحديث ضعيفٌ باتفاق أئمة الحديث، لا يجوز
الاحتجاج به، ولو لم يعارضه شيء، كيف وهو مُعارض بما ذكرناه؟!
فإن قيل: لا حُجَّة في حديث العَنْر؛ لأنهم كانوا مُضطرِّين.
قلنا: الاحتجاجُ بأكل النبيِّ وَّهِ فِي المَدينة من غير ضَرُورةٍ(٣).
* قوله: «حتی سمنا»:
(ق): فيه: دليلٌ لمذهب مالك؛ أن المضطر يأكل من المَيْتَة شِبَعَه،
ويتبسّط في أكلها؛ فإنها قد أُبيحت له، وارتفع تحريمُها في تلك الحال، فأشبهت
الذَّكَيَّة، وخالفه في ذلك جماعةٌ، منهم: ابنُ حبيب، فقالوا: لا يأكل منها إلا
ما يُقيم رَمَقَه، وقال عبدُ الملك: إن تَغْدَّى؛ حرمت عليه يومَه، وإن تعشَّى؛
حرمت عليه ليلَه، وهذا الذي قاله هؤلاء تَعضُده القاعدة المُقرَّرة، وهي أن كلَّ
ما أُبيح لضرورة؛ فيُقدَّر بَقدْرها، على أنه يمكن أن يقال في قصة أبي عُبيدة:
إن ذلك القَدْرَ كان قَدْرَ ضرورتهم؛ وذلك أنهم كانوا قد أشرفوا على الهلاك
من الجُوع والضَّعْف، وسقطت قِواهم، وهم مُستقبلون سفراً وعدُوًّا، فإن لم
يفعلوا ذلك؛ ضَعُفوا عن عَدوِّهم، وانقطعوا عن سفرهم.
ومعنى ((سمنا))؛ أي: قَوِينا، وزال ضعفُنا، وهذا كما قال في رواية
(١) رواه الإمام مالك في ((الموطأ)) (١ / ٢٢)، والترمذي (٦٩) من حديث أبي هريرة ﴾،
وقال الترمذي: حديث حسن صحيح.
(٢) رواه أبو داود (٣٨١٥).
(٣) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٣ / ٨٤ - ٨٧).
٢٨٦

أخرى: ((حَتَّى ثَابَتْ إلينا أَجْسَامُنا))(١)؛ أي: رجعت إلينا قِواناً، وإلا؛ فما
كانوا سِماناً قطُّ(٢).
* قوله: ((وتزودنا من لحمه وشائق)):
(ق): هذا دليل على أنه يتزوَّد من المَيْتة إذا خاف أن لا يجدَ غيرها، فإن
ارتجى وجودَ غيرها؛ لم يستصحبها، وفي قوله: ((كنا نغترف من وَقْب عينها
بالقلال الدُّهْنَ)) فيه دليلٌ على أنهم كانوا يُجيزون الانتفاعَ بشُحوم المَيْتة،
وبالزيت النجس؛ كما يقول ابنُ القاسم، وخالفه عبدُ الملك وغيره، وقالوا: لا
ينتفع بشيء من ذلك؛ لقوله ◌َ ﴿ فِي سَمْن الفأرة: ((إن كان مائعاً؛ فلا تقربوه))(٣).
٥١٩ - وعَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ يَزِيدَ رضي الله عنها، قالت: كانَ كُمُّ قَمِیصٍ
رَسُولِ اللهِ وَّهِ إلى الرُّصْغِ، رواه أبو داود، والترمذي، وقال: حديثٌ حسنٌّ.
(الرُّصْغُ) بالصادِ، وَالرُّسْغُ بالسينِ أيضاً: هوَ المَفْصِلُ بَيْنَ الكَفِّ
والسَّاعِدِ.
[التَّائِنُ والَعَزْرُع
* قوله: ((إلى الرصغ)) سيأتي شرحه في (كتاب اللباس).
(١) رواه البخاري (٤١٠٣)، ومسلم (١٩٣٥ / ١٨).
(٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٥/ ٢٢٠ -٢٢١).
(٣) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٥/ ٢٢٢)، والحديث رواه أبو داود (٣٨٤٢) من حديث
أبي هريرة ه، وهو حديث ضعيف. انظر: ((ضعيف الجامع الصغير)) (٧٢٥).
٢٨٧

٥٢٠ - وعن جابرٍ ﴾، قال: إنََّ كُنَّا يَوْمَ الخَنْدَقِ نَحْفِرُ،
فَعَرَضَتْ كُدْيَةٌ شَدِيدَةٌ، فَجَاؤُوا إلى النبيِّ وَّهِ، فقالوا: هَذِهِ كُدْيَةٌ
عَرَضَتْ في الخَنْدَقِ، فقال: (أَنَا نَزِلٌ))، ثُمَّ قَامَ، وَبَطْنُهُ مَعْصُوبٌ
بِحَجَرٍ، وَلَبِثْنَا ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ لا نَذُوقُ ذَوَاقاً، فَأَخَذَ النَُّّنَّهِ المِعْوَلَ،
فَضَرَبَ، فَعَادَ كَثِيْباً أَهْيَلَ، أَوْ أَهْيَمَ، فقلتُ: يا رسولَ الله! ائْذَنْ لي
إلى البَيتِ، فقلتُ لامْرَأَتَي: رَأَيْتُ بِالنَّبِّ ◌َ﴿ِ شَيْئاً ما في ذلك صَبْرٌ،
فَعِنْدَكِ شَيءٌ؟ فقالت: عِندي شَعِيرٌ وَعَنَاقٌ، فَذَبَحْتُ العَنَاقَ،
وَطَحَنْتُ الشَّعِيرَ حَتَّى جَعَلْنَا اللَّحْمَ فِي الْبُرْمَةِ، ثُمَّ جِئْتُ النبيَّ ◌َِِّ،
وَالعَجِينُ قَدِ انْكَسَرَ، والْبُرْمَةُ بَيْنَ الأَثَافِيِّ قَدْ كَادَتْ تَنْضَجُ، فقلتُ:
طُعَيِّمٌ لِي، فَقُمْ أَنْتَ يا رَسُولَ اللهِ ورَجُلٌ أَوْ رَجُلانِ، قال: (كَمْ
هُوَ؟))، فَذَكَرْتُ له، فقال: ((كَثِيرٌ طَيِّبٌ، قُلْ لَهَا: لا تَنْزِعِ البُرْمَةَ،
ولا الخُبْزَ مِنَ التَّنُّورِ حَتى آتَيَ))، فقال: ((قُومُوا))، فقام المُهَاجِرُونَ
وَالأَنْصَارُ، فَدَخَلْتُ عَلَيْها، فقُلْتُ: وَيْحَكِ! جَاءَ النبيُّ نَّهُ
وَالمُهَاجِرُونَ وَالأنْصَارُ ومَن مَعَهُم! قالَتْ: هَلْ سَأَلَكَ؟ قلتُ:
نعم، قالَ: ((ادْخُلُوا وَلاَ تَضَاغَطُوا))، فَجَعَلَ يَكْسِرُ الخُبْزَ، وَيَجْعَلُ
عليهِ اللحمَ، وَيُخَمِّرُ البُرْمَةَ وَالتَُّّورَ إذا أخَذَ مِنْهُ، وَيُقَرِّبُ إلى
أَصْحَابِهِ، ثُمَّ يَنْزِعُ، فَلَمْ يَزَل يَكْسِرُ وَيَغْرِفُ حَتَّى شَبِعُوا، وَبَقِيَ
مِنه، فقال: ((كُلِي هَذَا، وَأَهْدِي؛ فَإِنَّ النَّاسَ أَصَابَتْهُمْ مَجَاعَةٌ)،
متفقٌ عليه.
٢٨٨

وفي روايةٍ: قالَ جابرٌ: لمَّا حُفِرَ الخَنْدَقُ، رَأَيَتُ بِالنبيِّ ◌َهـ
خَمَصاً، فَانْكَفَأْتُ إِلى امْرَأَتَي، فقلْتُ: هَلْ عِنْدَكِ شَيْءٌ؛ فإِنِّي رَأَيْتُ
برسولِ اللهِ ﴿ خَمَصاً شَدِيداً؟ فَأَخْرَجَتْ إِليَّ حِراباً فِيهِ صَاعٌ مِنْ
شَعِيرٍ، وَلَنَا بُهَيْمَةٌ داجِنٌ، فَذَبَحْتُهَا، وَطَحَنَتِ الشَّعِيرَ، فَفَرَغَتْ إِلى
فَرَاغِي، وَقَطَّعْتُهَا فِي بُرْمَتِهَا، ثُمَّ وَلَّيْتُ إِلَى رَسُولِ اللهِ، فَقَالَتْ:
لاَ تَفْضَحْنِي بِرَسُولِ اللهِ وَ﴿ وَمَنْ مَعَهُ، فَجِثْتُهُ فَسَارَرْتُهُ، فَقُلْتُ:
يا رَسُولَ الله! ذَبَحْنا بُهَيْمَةً لَنَا، وَطَحَنَتْ صَاعاً مِنْ شَعِيرِ، فَتَعَالَ أَنْتَ
وَنَفَرٌ مَعَكَ، فَصَاحَ رَسُولُ اللهِنَّهِ فقال: ((يَا أَهْلَ الخَنْدَق! إنَّ جابراً
قَدْ صَنَعَ سُؤْراً، فَحَيَّهَلا بِكُمْ))، فقالَ النبيُّ ◌َّهِ: ((لا تُنْزِلُنَّ بُرْمَتَكُمْ،
وَلا تَخْبِزُنَّ عَجِينَكُمْ حَتَّى أَجِيءَ»، فَجِئْتُ، وَجَاءَ النَّبِيُّ ◌َهِ يَقْدُمُ
النَّاسَ، حَتَّى جِئْتُ امْرَأَتِي، فقالتْ: بِكَ وَبِكَ! فقلتُ: قَدْ فَعَلْتُ
الَّذِي قُلْتٍ، فَأَخْرَجَتْ عَجِيناً، فَسَقَ فِيهِ، وَبَارَكَ، ثُمَّ عَمَدَ إلى
بُرْمَتِنا، فَبَصَقَ وَبَارَكَ، ثُمَّ قال: ((ادْعي خَابِزَةً فَلْتَخْبِزْ مَعَكِ،
وَاقْدَحِي مِنْ بُرْمَتِكُمْ، وَلا تُنْزِلُوهَا))، وَهُمْ أَلْفٌ، فَأُقْسِمُ بِالله! لأَكُلُوا
حَتَّى تَرَكُوهُ وَانْحَرَفُوا، وإِنَّ بُرْمَتَنَا لَتَغِطُّ كَمَا هِيَ، وَإِنَّ عَجِينَنَا لَيُخْبَزُ
کَمَا هُوَ.
قَوْلُهُ: ((عَرَضَت كُدْيَةٌ)) بضم الكاف وإسكان الدال وبالياءِ المثناة
تحت، وهي: قِطْعَةٌ غَليظَةٌ صُلْبَةٌ مِنَ الأرْضِ لا يَعْمَلُ فيها الفَأْسُ،
(وَالكَثِيبُ)): أَصْلُهْ تَلُّ الرَّمْلِ، وَالمُرَادُ هُنَا: صَارَتْ تُراباً نَعِماً، وَهُوَ
٢٨٩

مَعْنَى ((أَهْيَلَ))، و(الأَثَافِيُّ»: الأحْجَارُ الَّتِي يَكُونُ عَلَيْهَا القِدْرُ،
و(تَضَاغَطُوا)): تَزَاحَمُوا، و((المَجَاعَةُ)): الجُوعُ، وهو بفتح الميم،
و((الخَمَصُ)) بفتحِ الخاءِ المعجمة والميم: الجُوعُ، و«انْكَفَأْتُ)):
انْقَلَبْتُ وَرَجَعْتُ، و(«البُهَيْمَةُ)) بضم الباءِ: تَصغير بَهْمَة، وَهِيَ العَنَاقُ
بفتح العين، و(الدَّاجِنُ)): هيَ الَّتِي أَلِفَتِ البَيْتَ، و((السُّؤْر)»: الطَّعَام
الَّذِي يُدْعَى النَّاسُ إِلَيْهِ، وَهُوَ بالفَارِسِيَّة، و((حَيَّهَلاً): أَي: تَعَالَوا،
وَقَوْلُها: (بِكَ وَبِكَ)): أَيْ: خَاصَمَتْهُ وَسَبَتْهُ؛ لأَنَّهَا اعْتَقَدَتْ أَنَّ الَّذِي
عندَهَا لاَ يَكْفِيهِم، فَاسْتَحْيَتْ، وَخَفِي عَلَيْها مَا أَكرَمَ اللهُ سُبحَانَهُ
وتعالى بِهِ نَبِيَّهُ وَ﴿ مِنْ هذِهِ المُعْجِزَةِ الظَّاهِرَةِ، والآيَةِ البَاهِرَةِ،
(بَسَقَ)): أي: بَصَقَ؛ وَيُقالُ أَيضاً: بَزَقَ ثَلاثُ لُغَاتٍ، و((عَمَدَ) بفتحِ
الميم: أي: قَصَدَ، و((اقْدَحي)): أي: اغرِفِي؛ وَالمِقْدَحَةُ: المِغْرَفَةُ،
و (تَغِطُّ): أَي: لِغَلَيَانِهَا صَوْتٌ، والله أعلم.
[الثَّلَُّ
* قوله: («ذواقاً):
(نه): (الذواق): المأكول، والمشروب، فَعالٌ: بمعنى مفعول؛ من
الذَّوْق، يقع على المصدر والاسم(١).
* قوله: ((كئيباً أَهْيَل)):
(١) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (٢ / ١٧٢).
٢٩٠

(قض): المعنى: أن الكُدْيةَ التي عجزوا عن رَضِّها صارت بضربة
واحدة ضربها رسول الله وَ﴿ كتَلِّ من الرَّمل مَصبُوبٍ سَيَّال(١).
* قوله: «فساررته» :
(ن): فيه: جوازُ المُسارَّة بالحاجة بحضرة الجماعة، وإنما المنهيُّ أن
یتناجی اثنان دون الثالث.
وقوله: ((فجاء رسول الله وَ ل﴿ يَقدُم الناس)) إنما فعل هذا؛ لأنه ◌َِّ دعاهم
فجاؤوا تبعاً له؛ كصاحب الطعام إذا دعا طائفة منهم؛ يمشي قُدَّامهم، وكان
رسول الله وٌَّ في غير هذا الحال لا يتقدَّمهم، ولا يُمكِّنُهم من وطء عَقِبِه،
وفعله هنا لهذه المصلحة، ويتضمَّن هذا الحديث عَلَمين من أعلام نبوته ◌ِلآ،
أحدهما: تكثيرُ الطعام القليل، والثاني: علمه ◌َِّ بأن هذا الطعامَ الذي يكفي
في العادة خمسةَ أَنفُس، أو نحوهم سيَكْثُر، فيكفي ألفاً، قبل أن يَصِل إليه، وقد
علم أنه صاعُ شعير وبهيمةٌ، وقد تظاهرت الأحاديث بمثل هذا؛ من تكثير
الطعام القليل، ونَبَّع الماء، وتكثيره، وتسبيح الطعام، وحَنِين الجذع، وغير
ذلك مِمَّا هو معروفٌ حتى صار مجموعُها بمنزلة التواتر، وحصل العلم القطعيُّ
به، انتھی(٢).
وفي هذا الحديث جُمَلٌ من الفوائد:
منها: استحبابُ الموافقة مع الخدَم والأصحاب في الخِدْمة، وأن
لا يستنكفَ الإمامُ والعالم من ذلك، وقد نزل ◌َّ﴾ في الخندق في هذا الموطن،
وعند نقل اللَّبِنة لبناء مسجده الكريم، وغير ذلك.
(١) انظر: ((تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة)) للبيضاوي (٣/ ٥٠٢ - ٥٠٣).
(٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٣ / ٢١٦ -٢١٨).
٢٩١

ومنها: فضيلة الجُوع والصَّبر على مُقاساته؛ فإنه كثير الفوائد، جليلٌ
العَوائد، حتى قيل: لو كان الجُوع يباع في السُّوق؛ لما كان ينبغي لطُلاَّب
الآخرة إذا دخلوا أن يشتروا غيرَه، وكفاك شاهداً في فضله أن تلك العُصْبَة التي
اجتمعت مع حبيب الله وَ﴿ كانوا صَفْوةَ أهل الأرض، وخيرَ من تحت أَدِيم
السماء، وكانوا يَطْوُون من الجُوع أياماً، وكانت خنازيرُ فارس والروم يتقلَّبون
في أنواع النِّعَم والنَّعِيم، فلو كان الشِّبَع والرُِّّ خيراً من الجُوعِ والطَيِّ؛ لما
مُنِعَهُما هؤلاء البررةُ الكِرام، ومُنِحَهُما أولئك الذين هم أضلُّ من الأنعام.
ومنها: معجزة ظاهرة له پێ، ورُوي عن کثیر بن عبدالله، عن عمرو بن
عَوْف، عن أبيه، عن جَدِّه قال: خَطَّ رسولُ الله ◌َِّ الخندقَ عامَ الأحزاب،
ثم قطع لكل عشرة أربعينَ ذراعاً، قال: فاحتَّج المُهاجرون والأنصار في سلمانَ
الفارسيِّ، وكان رجلاً قوياً، فقال المهاجرون: سلمانُ منا، وقال الأنصار:
سلمانُ منا، فقال النبيُّ ◌َّهِ: ((سَلْمَانُ مِنَّا أَهْلَ البَيْتِ))(١).
قال عمرو بن عَوْف: كنت أنا، وسَلمانُ، وحذيفة، والتُّعمان بن مُقَرِّن،
وستة من الأنصار في أربعين ذراعاً، فحفرنا، حَتَّى إذا كنا تحت ذُوبَاب؛ أخرج
الله من بَطن الخندق صخرةً مَرْوَةً كسرت حديدتنا، وشَقَّ علينا، فقلنا:
يا سلمان، ارقَ إلى رسول الله وَّهِ وأخبره خبرَ هذه الصخرة، فإما أن نعدِلَ
عنها؛ فإن المَعْدِلَ قريبٌ، وإما أن يأمرنا فيها بأمر؛ فإنا لا نحب أن نجاوزَ
خَطَّه، قال: فرَقِيَ سلمانُ إلى رسول الله وَّةِ، وهو ضارب عليه قُبَّة تركية،
فأخبره، قال: فهبَط رسول الله وَّ مع سلمان الخندقَ، والتسعة على شَفَة
(١) رواه الحاكم في ((المستدرك)) (٦٥٤١) وهو حديث ضعيف جدًّا. انظر: ((ضعيف
الجامع الصغير)» (٣٢٧٢).
٢٩٢

الخندق، فأخذ رسول الله وَ ◌ّ﴿ الِمْعولَ من سلمان، فضربها ضربة صَدعها،
وبرَق منها بَرْقٌ أضاء ما بين لابتيها؛ يعني: المدينةَ، حتى لكأن مصباحاً في
جَوْف بيت مُظلم، فكبّر رسول الله وَّ﴿ تكبيرَ فَتْح، وكبّر المسلمون، ثم ضربها
رسول الله وَ﴿ الثانيةَ، وبرَق منها بَرْقٌ أضاء ما بين لابتيها، حتى لكأن مصباحاً
في جوف بيت مُظلم، فكبر رسول الله وَ﴿ تكبيرَ فَتْح، وكَبَّر المسلمون، ثم
ضربها رسول الله ﴾ [الثالثة] وكسرها، وبرق منها برْقُ أضاء ما بين لابتيها،
حَتَّى لكأن مصباحاً في جَوْف بيت مُظلم، فكبر رسول الله وَّ﴿ تكبيرَ فَتْح،
وكَبَّر المسلمون معه، فأخذ بيد سلمان فرَقِيَ، فقال سلمان: بأبي أنت وأُمّي
يا رسول الله، لقد رأيت شيئاً ما رأيت مثلَه قَطُّ، فالتفت رسول الله وَله فقال:
(رَأيْتُم ما يَقُولُ سَلْمَانُ؟)) قالوا: نعم يا رسول الله، قال: ((ضَرَبْتُ ضَرْبَتي
الأُولى، فبرَقَ الذي رأيتُم، أَضاءَتْ لي منها قُصُورُ الحِيرَةِ، ومَدَائِنُ كِسْرَى،
كأنها أَنْيَابُ الكِلابِ، وأَخْبَرني جِبريلُ أنَّ أُمَّتِي ظَاهِرةٌ عليها، ثم ضَربتُ ضَرْبتي
الثانيةَ، فبرَق الذي رأيتُم، أضاءت لي منها قُصورُ الحُمْر من أرض الرُّومِ،
كأنها أَنْيَابُ الكِلاب، وأَخبرَي جِبريلُ أن أُمَّتِي ظَاهِرةٌ عليها، ثم ضَرِبِتُ ضَرْبتي
الثالثةَ، فبرَق الذي رأيتُم، أَضاءَتْ لي منها قُصورُ صَنْعاءَ، كأنها أنيابُ الكِلاب،
وأَخبرَنِي جِبريلُ أن أُمَّتِي ظَاهِرةٌ عليها، فأبْشِرُوا))، فاستبشر المسلمون، وقالوا:
الحمد لله مَوعِدٌ صِدْقٌ؛ بأن (١) وعد النَّصْرَ بعد الحصْر، فقال المنافقون: ألا
تعجبون، يُمِنِّيكم، ويَعِدُكم الباطلَ، ويخبركم أنه يُصر من يثربَ قصورَ
الحِيَرةِ، ومَدائن كسرى. وأنها تُفتح لكم، وأنتم إنما تحفرون الخندقَ من
الفَرَق، لا تستطيعون أن تَبرُزوا؟! فنزل الفُرقان: ﴿ وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَفِقُونَ وَالَّذِينَ فِى
(١) في الأصل ((الذي)).
٢٩٣

قُلُوبِهِم ◌َّرَضٌ مَّا وَعَنَا اللّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا﴾ [الأحزاب: ١٢]، وأنزل الله: ﴿ قُلِ اللَّهُمَّ
مَلِكَ الْمُلْكِ ﴾ [آل عمران: ٢٦] الآية، ذكره الثعلبيُّ في ((تفسيره))، ورواه البيهقي
في (دلائل النبوة))(١).
وروى النسائيُّ عن رجل من أصحاب النبيِّ وَّ ◌ِ: لمَّا أمر النبيُّ ◌َّ بحفر
الخندق؛ عرَضَتْ لهم صخرةٌ حالت بينهم وبين الحَفْر، فقام رسول الله ◌ِّ،
وأخذ المِعْوَل، ووضع رداءَه ناحيةَ الخندق، وقال: ((تَمَّتْ كَلِمةُ رَبِّكَ صِدْقاً
وعَدْلاً، لا مُبدِّل لكلماته، وهو السَّمِيعُ العَلِيمُ، فَنَدَر ثلثُ الحجر، وسَلمانُ
الفارسيُّ قائم، فبرَق مع ضربة رسول الله وَّهِ بَرْقةٌ، ثم ضرب الثانية، وقال: ((تَمَّتْ
كَلِمةُ ربِّك صِدْقاً وعَدْلاً، لا مُبدِّل لكلماته، وهو السَّمِيعُ العَلِيمُ)) فَنَدَر الثلثُ
الآخرُ، ويَرَقت بَرْقةٌ، فرآها سلمانُ، ثم ضربه الثالثةَ، وقال: ((وتمَّتْ كلمةُ
ربِّك صِدْقاً وعَدْلاً، لا مُبدِّلَ لكَلِماته، وهو السَّميع العليمُ، فَنَدَر الثلثُ الباقي،
وخرج رسول الله بَّر، وأخذ رداءَه، وجلس، قال سلمان: رأيتك يا رسولَ الله
حين ضربت ما ضربتَ ضربةً إلا كانت معها بَرْقَةٌ، قال رسول الله وَّه:
((يا سَلْمانُ؛ رأيتَ ذلك؟)) قال: إي والذي بعثك بالحَقِّ يا رسول الله، قال:
(«فإِّي حينَ ضَرَبْتُ الضَّرْبَةَ الأُولى؛ رُفِعَتْ لي مَدَائِنُ كِسْرى، وما حَوْلَها،
ومَدائِنُ كثيرةٌ حَتَّى رأيتُها بعيني)) قال له مَن حَضَرهُ من الصَّحابة: ادعُ اللهَ أن
يفتحها علينا، ويُغنِّمَنا ذراريَهم، ويُخْرِبَ بأيدينا بلادَهم، فدعا رسول الله وَه
بذلك، (ثُمَّ ضَربتُ الضَّرْبةَ الثانيةَ، فرُفِعَتْ لِي مَدَائِنُ قَيْصَرَ وما حَوْلَهَا حَتَّى
(١) رواه البيهقي في ((دلائل النبوة)) (٤١٩/٣ - ٤٢٠) وفي إسناده كثير بن عبدالله بن عمر
ابن عوف، قال عنه الحافظ في ((التقريب)) (ص: ٤٦٠): ضعيف، أفرط مَنْ نسبه
إلى الكذب.
٢٩٤

رَأيْتُها بعَيْنِي))، قال رسول الله وَ ﴿ عند ذلك: ((دَعُوا الحَبَشةَ ما وَدَعُوكُم،
واتْرُكُوا التُّرْكَ ما تَرَكُوكم))(١).
ومنها: رعاية الأدب مع المتبوع إذا سنح له مُهِمٌّ، وأن لا يُفارقَه إلا
بالاستئذان منه، وإن کان قَصْدُه خدمةَ متبوعه أيضاً.
ومنها: كمال محبة الصحابة للنبيِّ ◌َ﴿، وأنه كان أحبَّ إليهم من
أنفسهم؛ فإن أحدَهم كان يطوي أياماً، ويصبر على ذلك، فلمَّا علم جُوعَ
النبيِّ ◌َّ؛ لم يُطِقِ الصبرَ عليه.
ومنها: استحبابُ تصغير المَغرُوف.
ومنها: تخمير القِدْر عند الغرف منه؛ فإن أكثرَ نزول البركة في
المجهولات؛ كما تقدم.
ومنها: استحباب تلقي نعم الله تعالى بالأدب، ومُوالاة الشكر، ورؤية
المِنَّة، وترك الحِرص والشَّرَه في تناوله؛ خصوصاً إذا ظهر فيها خارقُ عادة؛
فإن البركاتِ السَّماوية إذا تُلقيّت بالشَّرَه والحِرْص؛ أزالها؛ لقوله ◌َليهِ هاهنا:
(ادخلوا ولا تضاغطوا))، ولقوله ◌َّهِ: ((يَرْحَم اللهُ أُمَّ إسْمَاعِيلَ؛ لَوْ لَم تَغْرِفْ
لكانَ زَمْزَمُ عَيْناً مَعِيناً)(٢)، وقوله: ((لولا بنو إسْرَائيلَ؛ لم يَخْتَزَ اللَّحْمُ)) (٣)،
(١) رواه النسائي (٣١٧٦)، وهو حديث ضعيف. انظر: ((ضعيف الجامع الصغير))
(٢٠٨٤). قلنا: ولقصة الصخرة شاهد من حديث البراء ﴿ه رواه الإمام أحمد في
((المسند)) (١٨٦٩٤) وصححه عبد الحق في ((الأحكام الصغرى)) (٢ / ٥١٠).
(٢) رواه البخاري (٢٢٣٩) من حديث ابن عباس ظالما.
(٣) رواه البخاري (٣١٥٢) من حديث أبي هريرة ﴾.
٢٩٥

ونظائره كثيرة .
ومنها: استحبابُ كَسْر الخُبز عند إرادة الأكل، وأن لا يترك سالماً
على هيئته؛ فإن البركة في ذلك.
ومنها جواز تكلُّم العربيِّ بالفارسية، وعقد الإمامُ أبو عبدالله البخاريُّ
لهذا باباً، فقال: (باب مَن تكلم بالفارسية والرَّطَانَةِ)، وساق هذا الحديثَ،
وغيره(١).
٥٢١ - وعن أَنَسِ ﴿ه، قال: قالَ أبو طَلحَةَ لأُمّ سُلَيْم: قَد
سَمِعْتُ صَوتَ رَسُولِ اللهِوَِّ ضَعِيفاً أَعْرِفُ فِيهِ الجُوعَ، فَهَل
عِنْدَكِ مِن شَيْءٍ؟ فقالَتْ: نَعَمْ، فَأَخْرَجَتْ أَقْرَاصاً مِن شَعِيرٍ، ثُمَّ
أَخَذَت خِمَاراً لَهَا، فَلَقَّتِ الخُبزَ بِبَعضهِ، ثُمَّ دَسَّتْهُ تَحْتَ ثَوبي،
وَرَدَّْنِي بِبَعْضِهِ، ثُمَّ أَرْسَلَتْنِي إلى رَسُولِ اللهِلَّهِ، فَذَهَبِتُ بِهِ،
فَوَجَدتُ رَسُولَ اللهِوَّهِ جَالِساً في المَسْجِدِ، وَمَعَهُ النَّاسُ، فَقُمْتُ
عَلَيْهِمْ، فقالَ لي رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((أَرْسَلَكَ أَبُو طَلْحَةَ؟))، فقلت:
نَعَم، فقال: ((أُلِطَعَام؟))، فقلت: نَعَم، فقال رسولُ الله ◌ٍِّ:
(قُومُوا))، فَانْطَلَقُوا، وَانْطَلَقْتُ بَيْنَ أَيْدِيهِم حَتَّى جِئْتُ أَبَا طَلْحَةَ،
فَأَخْبَرْتُهُ، فقالَ أَبُو طَلْحَةَ: يَا أُمَّ سُلَيمٍ! قَدْ جَاءَ رَسُولَ اللهِإِلَهُ
(١) انظر: ((صحيح البخاري)) (٣/ ١١١٧).
٢٩٦

بِالنَّاسِ، وَلَيْسَ عِنْدَنَ ما نُطْعِمُهُم! فقالتْ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ،
فَانطَلَقَ أَبُو طَلْحَةَ حَتَّى لَقِيَ رَسُولَ اللهِوَهِ، فَأَقْبَلَ رَسُولُ اللهِع ◌َه
مَعَه حَتَّى دَخَلا، فقال رَسُولُ اللهِ: ((هَلُمِّي ما عِندَكِ يَا أُمَّ
سُلَيْمٍ))، فَأَتَتْ بِذلكَ الخُبْزِ، فَأَمَرَ بِهِ رَسُولُ اللهِ، فَفُتَّ،
وَعَصَرَتْ عَلَيْهِ أُمُّ سُلَيْمٍ عُكَّةً فَآدَمَنْهُ، ثُمَّ قال فيهِ رَسُول اللهِ وَيُ
ماشَاءَ اللهُ أَنْ يَقُولَ، ثُمَّ قال: ((ائْذَنْ لِعَشَرَةٍ)، فَأَذِنَ لهُم، فَأَكَلُوا
حَتَّى شَبِعُوا، ثُمَّ خَرَجوا، ثم قالَ: اثْذَنْ لِعَشَرَةٍ، فَأَذِنَ لَهُمْ،
حَتَّى أَكَلَ القَوْمُ كُلُّهُمْ وَشَبِعُوا، وَالقَوْمُ سَبِعُونَ رَجُلاً، أَوْ
ثَمَانُونَ، متفقٌ عليه.
وفي روايةٍ: فما زالَ يَدْخُلُ عَشَرَةٌ، وَيَخْرُجُ عَشَرَةٌ، حَتَّى لَمْ
يَبْقَ مِنْهُمْ أَحَدٌ إِلَّ دَخَلَ، فَأَكَلَ حَتَّى شَبَعَ، ثُمَّ هَبََّهَا، فإذَا هِيَ
مِثْلُهَا حِينَ أُكَلُوا مِنْها.
وفي رواية: فَأَكَلُوا عَشَرَةً عَشَرَةً، حتى فَعَلَ ذلِكَ بِثَمَانِينَ
رَجُلاً، ثُمَّ أَكَلَ النبيُّ نَّهِ بَعْدَ ذَلِكَ، وَأَهْلُ البَيْتِ، وَتَرَكُوا سُؤْراً.
وفي روايةٍ: ثُمَّ أَفْضَلُوا مَا بَلَغُوا جيرانهُم.
وفي روايةٍ عن أَنَسٍ قالَ: حِئتُ رَسُولَ اللهِوَلِهِ يَوْماً، فَوَجَدْتُهُ
جَالِساً مَعَ أصحابِهِ، وَقَد عَصَبَ بَطْنَهُ بِعِصَابَةٍ، فَقُلْتُ لِبَعْضٍ
أَصْحَابِهِ: لِمَ عَصَبَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ بَطَنَّهُ؟ فَقالُوا: مِنَ الجُوعِ،
٢٩٧

فَذَهَبْتُ إِلى أَبِي طَلِحَةَ، وَهُوَ زَوْجُ أُمَّ سُلَيْمٍ بِنْتٍ مِلحَانَ، فقلتُ:
يَا أَبَتَاه! قد رأيْتُ رَسُولَ اللهِوَ﴿ عَصَبَ بَطْنَهُ بِعِصَابَةٍ، فَسَأَلتُ
بَعضَ أَصحَابِهِ، فقالوا: مِنَ الجُوعِ، فَدَخَلَ أَبُو طَلحَةَ على أُمّى،
فقالَ: هَلْ مِن شَيءٍ؟ قالَتْ: نعم، عِندِي كِسَرٌ مِن خُبٍ وَتَمَرَاتٌ،
فإِنْ جَاءَنَا رَسُولُ اللهِ وَّهِ وَحدَهُ، أَشْبَعْنَاهِ، وَإِن جَاءَ آخرُ مَعَهُ، قَلَّ
عَنْهُمْ، وَذَكَرَ تَمَامَ الحَديث.
[ مُارِي وَالتَّلَبُونَ]
* قوله : (أرسلك أبو طلحة؟. قلت: نعم، وقوله: ألطعام؟
قلت: نعم):
(ن): هذان عَلمان من أعلام النبوة، وعلمه بأن هذا الطعام سيَكثُر
عَلمٌ ثالث، وتکثیر [الطعام] عَلَمٌ رابع، وفیه وفیما تقدّم من حديث جابر
مِن ابتلاء الأنبياء صلوات الله عليهم، والاختبار بالجُوع وغيره من
المَشْقَّت؛ ليصبروا، فَيَعْظُم أجرُهم، ومنازلُهم.
وفيه: ما كانوا عليه من كِتْمان ما بهم، وفيه ما كانت الصحابة
عليه من الاعتناء بأحوال رسول الله وَله، وفيه: استحباب [بعث الهدية وإن
كانت](١) قليلةً بالنسبة إلى مرتبة المَبعُوث إليه؛ فإنها وإن قَلَّت؛ فهي خيرٌ
من العدم.
(١) ما بين معكوفتين من ((شرح مسلم)) للنووي (١٣ / ٢١٩).
٢٩٨

وفيه: استحباب جلوس العالم لأصحابه يُفيدهم ويُؤدِّبهم، واستحباب
ذلك في المساجد.
وفيه: انطلاق صاحب الطعام بين يدي الضّفان، وخروجه ليتلقَّاهم،
وفيه: مَنْقبةٌ لأُمُّ سُلَيم رضي الله عنها، ودلالةٌ على عِظَم فقهها، ورُجحان
عقلها؛ لقولها: ((الله ورسوله أعلم)) معناه: أنه قد عرف الطعامَ، فهو أعلم
بالمصلحة، فلو لم يَعلَمْها في مجيء الجمع العظیم؛ لم يفعلها، فلا تحزن من
ذلك، وفيه: فَتُّ الطعام، واختيار الثَّريد على الغَمْس باللُّقَم (١).
قوله: ((عكة)) :
(ن): هي بضم العين وتشديد الكاف، هي وعاء صغير من جلد للسَّمْن
خاصّةً.
وقوله: ((فَآدمته)): هو بالمَدِّ والقَصْر، لغتان؛ أي: جعلت فيه إداماً،
وإنما أذن لعشرة عشرة؛ ليكون أرفقَ بهم؛ فإن القَصْعةَ التي فَتَّ فيها تلك
الأقراصَ لا يتحلَّقُ عليها أكثرُ من عشرة إلا بضَرر يَلحقُهم؛ لبُعدها عنهم،
وقوله: ((سؤراً) بالهمزة؛ أي: بَقِيّة(٢).
* قوله: ((فأكلوا حتى شبعوا»:
(ق): فيه: دليلٌ على جواز الشِّبَع، خلافاً لمَن كرهه مُطلقاً، وهم
قوم من المُتصوِّفة، لكن يكره منه ما يزيد على الاعتدال، وكونه بَّ أكل
بعدهم إنما كان؛ لأنه أطعمهم ببركة دُعائه، فكان آخرَهم أكلاً، كما قال
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٣ / ٢١٩).
(٢) المرجع السابق (١٣ /٢١٩ - ٢٢٠).
٢٩٩

في الشراب: ((سَاقِي القَوْمِ آخِرُهم شُرباً)(١)، وأيضاً فليَحصُلَ على درجة
الإيثار؛ فإنه ◌َّ﴿ كان أشدَّهم جُوعاً؛ لأنه كان قد شدَّ بطنَه بحَجَرين، ومع
ذلك فقدَّمَهُم، وآثرهم بالأكل قبله.
وشَدُّ البطن بالحَجر ونحوه يُسَكِّن سَوْرَةَ الجُوع؛ وذلك أنه يَلتَصِقِ
البطنُ بالأمعاء، والأمعاءُ بالبطن، فتلتَصِقُ المَعِدةُ بعضُها بالبعض، فيقِلُّ
الجُوع(٢).
(١) رواه مسلم (٦٨١) من حديث أبي هريرة طلبه.
(٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٣١٢/٥ -٣١٣).
٣٠٠