النص المفهرس

صفحات 201-220

فقوله: ((كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل)) كلاهما قريب
المعنى؛ إذ الغريب لا يَهْنَاً بعيش، وحدانِيٌّ مُنكسر القلب، وإن كان في
سَعَةٍ من العيش، وعابرُ السبيل لا يتوجَّع لِما يَنوبُه في سفره، ولا يجزع لِمَا
يُقاسي من الشدَّة، يعلم أن سفره مُنقطِعٌ.
زاد في رواية أُخرى: ((وعُدَّ نفسَك من أهل القُبُور)) (١)؛ أي: الذي قطع
الأمل، يقول ساعة بعد ساعة: الآن يَحضُرني أمرُ الله، فيَعُدُّ نفسَه منهم لا من
الأحياء، فيبادر العملَ، ويُصحِّح الأمورَ؛ مخافةَ أن يُحال بينه وبين ذلك،
ويبادر طَيَّ الصَّحِيفة.
سئل داوُد الطائيُّ عن الرَّمْيٍ وتعليمه، فقال: إنما هي أيامك؛ فاقطعها
بما شئت(٢).
(أو عابر سبيل) الأحسن فيه: أن تكون (أو) بمعنى (بل)؛ كما في قول
الشاعر :
بَدَتْ مِثْلَ قَرْنِ الشَّمْسِ فِي رَوْنَقِ الضُّحَى
وصُورِّها أَوْ أَنْتَ فِي العَيْنِ أَمْلَحُ
قال الجوهري: يريد بل أنت(٣).
شبه النَّاسِكَ السَّالكَ أولاً بالغريب الذي ليس له مَسكنٌ يُؤْویه، ولا سَکنٌ
(١) رواه الترمذي (٢٣٣٣)، وابن ماجه (٤١١٤)، وهو حديث صحيح. انظر: ((صحيح
الجامع الصغير)) (٤٥٧٩).
(٢) رواه أبو نعيم في «حلية الأولياء)) (٧/ ٣٣٦).
(٣) انظر: ((الصحاح)) للجوهري (٦ / ٢٢٧٥)، (مادة: أو).
٢٠١

◌ُسلِّیه، ثم ترقّى وأضرب عنه بقوله: (أو عابر سبیل)؛ لأن الغريب قد یسکن
في بلاد الغُربة، ويُقيم بها، بخلاف عابر السبيل، القاصد للبلاد الشاسعة،
وبينها وبينه أوديةٌ مُرْدِيةٌ، ومَقاوِزُ مُهْلِكةٌ، وهو بمَرصَدٍ من قُطَاع طريقه، فهل
له أن يقيمَ لحظة، أو يَسكُن لمحةً؟! ولهذا عَقَّبَه في بعض الرِّوايات: ((وعُدَّ
نفسَك من أصحاب القبور))، وعَقَّبه ابن عمر في رواية بقوله: (إذا أمسيتَ؛ فلا
تنتظر الصَّباحَ، وإذا أصبحتَ؛ فلا تنتظر المساءَ)؛ أي: سر دائماً، فلا تَفَتُّر من
السَّيْر ساعة؛ فإنك إن قَصَّرت في السَّير؛ انقطعتَ عن المقصود، وهلکت في
الأودية، هذا معنى المُشبَّه والمُشبّه به.
وقوله: ((خذ من صحتك لمرضك))؛ أي: عُمُرك لا يخلو من الصِّحَّة
والمرض، فإذا كنت صحيحاً؛ سر سَيْرَك القَصْدَ، بل لا تقنع به، وزِدْ عليه
ما عسى أن يَحصُلَ لك الفتورُ [عنه] بسبب المرض.
وفي قوله: ((ومن حياتك لموتك)) إشارةٌ إلى أخذ نصيب الموت،
وما يحصل فيه من الفُتور من السُّقْم؛ يعني: لا تقعد في المرض عن السَّيْر
كلَّ القُعود، بل ما أمكنك منه؛ فاجتهد فيه، حَتَّى تنتهيَ إلى لقاء الله .
انظر أيها المُتأمِّل في هذا الكلام الجامع، وانتهز الفرصةَ؛ كيلا تندمَ،
ونِعْمَ ما قيل :
فَإِنَّ لِكُلِّ خَافِقَةٍ سُكُونُ
إِذَا هبَّت ريَاحُكَ فَاغْتَنِمْهَا
فَلا تَذْرِي السُّكُونُ متَى يَكُونُ
وَلا تَغْفَلْ عَنِ الإِحْسَانِ فِيهَا
فَإِنَّ الدَّهْرَ عَادَتُه يَخُونُ
إذا ظَفِرَتْ يَدَاكَ فَلا تُفَصِّرْ
*
٢٠٢

٤٧٢ - وعنْ أَبِي العَبَّاسِ سَهْلِ بْنِ سَعْدِ السَّاعِدِيِّ ﴿هِ، قالَ:
جاءَ رَجُلٌ إلى النبيِّ فَهِ، فقالَ: يا رَسُولَ اللهِ! دُلَّنِي عَلَى عَمَلٍ إِذَا
عَمِلْتُهُ أَحَبَّنِي اللهُ، وَأَحَبَِّي النَّاسُ، فَقَالَ: (ازْهَدْ فِي الدُّنْيَا، يُحِبَّكَ
اللهُ، وَازْهَدْ فِيمَا عِنْدَ النَّاسِ، يُحِبَّكَ النَّاسُ))، حديثٌ حسنٌ، رواه
ابن مَاجَه وغیرُه بأسانيدَ حسنةٍ .
(ط): قيل: الزهد في الدنيا عبارةٌ عن عُزوف النفس عنها مع القُدرة
عليها؛ لأجل الآخرة، ولا يُتصَّور الزهد مِمَّن ليس له مالٌ ولا جَاهٌ.
قيل لابن المبارك: يا زاهد، قال: الزاهد عمر بن عبد العزيز؛ إذ جاءته
الدنيا راغمةً، فتركها، أما أنا ففي ماذا إذا زهدت؟!
وفي قوله: ((يحبك الله)) دليلٌ على أن الزُّهد أعلى المقامات وأفضلها؛
لأنه جعله سبباً لمَحبَّة الله تعالى(١).
(نه): سُئل الزُّهريُّ عن الزهد في الدنيا، فقال: هو أن لا يغلبَ الحَلالُ
شُكرَهُ، ولا الحرامُ صَبرَهُ، أراد أن لا يعَجِزِ ويَقصُرَ شُكرُهُ على ما رزقه الله
تعالى من الحَلال، ولا صَبرُه عن ترك الحرام، انتهى(٢).
قيل: ازهد في الدنيا الدنية، تكن مطيعاً لله تعالى؛ لأنه صَغَّرها،
وحَقَّرها، ونهاك عن التلبُّس بها، فإذا أطعتَ الله تعالى؛ أَحبَّك، وازهد
(١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (١٠ / ٣٢٨٩).
(٢) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (٢/ ٣٢١).
٢٠٣

فيما في أيدي الناس؛ يُحِبُّك؛ إذ لم ترزأهم شيئاً؛ فإن البُخلَ معذر(١) فيهم؛
ولذلك قيل: وَجْهُ أخي الحاجةِ مَمْلُول.
قال الإمام الغزاليُّ رحمه الله: هل يجوز للعبد أن يُحِبَّ حَمْدَ الناس
له بالصَّلاح، وحُبَّهم إياه بسببه، كما ذكر في هذا الحديث؟
فنقول: حُبُّك لحُبِّ الناس لك قد یکون مُباحاً، وقد يكون محموداً، وقد
یکون مذموماً، فالمحمود: أن تحبّ ذلك، لتعرفَ به حُبَّ الله تعالی لك؛ فإنه
سبحانه إذا أحب عبداً؛ حَيَّبِه إلى عباده، والمَذموم: أن تحب حُبَّهم وحَمْدَهم
على صلاتك، وحَجِّك، وغَزْوك، وعلى طاعة بعينها؛ فإن ذلك طلبُ عِوَض
على طاعة الله تعالى من غير الله، والمُباح: أن تحب أن يحبوك بصفاتٍ مَحمودةٍ
سوى الطاعات المحمودة المُعيَّنة، فحُبُّك ذلك كحُبِّك للمال، لأن مُلكَ
القلوب وسيلةٌ إلى الأغراض؛ كملك الأموال، فلا فرق بينهما(٢).
٤٧٣ - وعَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشيرٍ ﴾، قالَ: ذَكَرَ عُمَرُ بْنُ
الخَطَّابِ ﴿ه، مَا أَصَابَ النَّاسُ مِنَ الدُّنْيَا، فقال: لَقَدْ رَأَيْتُ
رَسُولَ اللهِهِ، يَظَلُّ الْيَوْمَ يَلْتَوِي مَا يَجِدُ مِنَ الدَّقَلِ مَا يَمْلأُ بِهِ بَطْنَهُ،
رواه مسلم.
(الدَّقَلُ)) بفتح الدال المهملة والقاف: رَدِيءُ التَّمْرِ.
(١) كذا في الأصل، ولعل المعنى من المُعْذِر، وهو الذي له عُذْرٌ، فكأن البخل متأصل
فیھم إلى درجة أنه أصبح کالطبع الذي یعذرون به.
(٢) انظر: ((إحياء علوم الدين)) (٣/ ٣٢١).
٢٠٤

(السََّاءَكَ عَنْشَر
٧ سروع
(ق): ((الدقل)) أردأ التمر، وقيل: هو جنس من النخل له تمر، وهو
كبير، له نَوَاة مُدوَّرةٌ مقدارَ الجَوْزَة، يُشبه نوى التمر، فإذا يَیِس، صار عليه
مثلُ اللِّيفة، وكان النبيُّ ◌ٍَّ لم يكن يُدِيمُ الشِّبَع، ولا الترفُّهَ في العيش، لا هو،
ولا مَن حوته بيوتُه، ولا آلُه، بل كانوا يأكلون مِمَّا خَشُن من المَأْكَلِ العَلَق
ويقتصرون منه على ما يَسُدُّ الرَّمَق، مُعرضين عن متاع الدنيا، مُؤثرين ما يبقى
على ما يفنى، مع إقبال الدنيا عليهم، واجتماعها بحذافيرها لديهم(١).
٠
٠
٤٧٤ - وعنْ عائشةَ رضي الله عنها، قالتْ: تُؤُنِّيَ رَسُولُ اللهِ،
وَمَا فِي بَيْتِي مِنْ شَيءٍ يَأْكُلُهُ ذُو كَبِدٍ إِلَّ شَطْرُ شَعِيرٍ فِي رَفِّ لي،
فَأَكَلْتُ مِنْهُ حَتَّى طَالٍ عَلَيَّ، فَكِلْتُهُ، فَفَنِي، متفقٌ عليه.
(شَطْرُ شَعِيرٍ)): أَيْ: شَيْءٌ مِنْ شَعِيرٍ، كَذَا فَسَّرَهُ التِّرْمِذِيُّ.
[الثَّامِنِ عَبْشَ]
(نه): ((الرّف)): خشبة ترفع عن الأرض إلى جنب الجدار، يُوقَّی به
ما يوضع عليه، وجمعه: رُفوفٌ، ورِفَافُ (٢).
(ق): قيل: هي الغرفة(٣).
(١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٧ / ١٢٨).
(٢) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (٢/ ٢٤٥).
(٣) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٧ / ١٢٧).
٢٠٥

(نه): ((شطر من شعير)) أراد نصفَ مَكُوك، وقيل: نصف وَسْق(١).
* قولها: ((فكلته ففني)) وفي ((صحيح مسلم)) عن جابر: أن رجلاً أتى
النبيَّ وَ﴿ يَستَطِعِمُه، فأطعمه شَطْرَ وَسْق شعير، فما زال الرجلُ يأكل منه،
وامرأتُه، وضيفُهما حَتَّى كَالَهُ، فأتى النبيَّ نَّهِ فقال: ((لو لم تَكِلْهُ؛ لأكَلْتُم
مِنْهُ، ولَقَامَ لَكُم))(٢).
(ن): قال العُلماء: الحِكمةُ في ذلك أنَّ كَيْلَها يُضادُ التسليمَ والتوُّل
على رزق الله تعالى، ويَتضمَّن التدبيرَ، والأخذَ بالحَوْل والقُؤَّة، وتكلُّفُ
الإحاطة بأسرار حِكَم الله تعالى وفضله، فعوقب فاعلُه بزواله، وفيه: أن
البركة أكثرُ ما تكون في المَجهولات والمُبهَمات، وأما الحديث الآخر:
(كِيلُوا طَعامَكُم؛ يُبارَكْ لَكُم فِيه)(٣): قالوا: المُراد: أن يكيلَه عند إخراج
النفقة منه، بشرط أن يبقى الباقي مجهولاً، ولا یکیل ما يُخرجه؛ لئلاً يخرجَ
أكثر من الحاجة أو أقَلُّ (٤).
(ق): سببُ رفع البركة - والله أعلم -: التفاتُ النفس إليه بعين الحِرْص،
والمَيْل إلى الأسباب المُعتادة عند مُشاهدة خَرْق العادة، وهذا نحوُ ما جرى لبنى
إسرائيل في التِّيهِ لمَّا أُنزل عليهم المَنُّ والسَّلوى، وقيل لهم: ﴿كُلُواْ مِن طَيِّبَتِ مَا
رَزَقْتَكُمْ ﴾ [البقرة: ٥٧]، فأطاعوا حِرْصَ النفس، فادَّخروا للأيام، فَخَنِزَ اللحمُ،
(١) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (٢ / ٤٧٣).
(٢) رواه مسلم (٢٢٨١ / ٩).
(٣) رواه البخاري (٢١٢٨)، من حديث المقدام بن معدي كرب ـ
(٤) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٨ / ١٠٧).
٢٠٦

وفسد الطعامُ، فيستفاد من قوله: ((لو لَمْ تَكِلْهُ، لَقَامَ لَكُم)) أن مَن أُدِرَّ عليه رزق،
وأُكرم بكرامة، أو لُطِف به في أمر ما؛ فالمتعيِّن عليه موالاة الشُّكر، ورُؤية
المِنَّة لله تعالى، بأن يعلم أن ذلك بمَحْض فَضْله وكرمهِ، لا بحَوْلنا واستحقاقنا،
ولا يُحدِثُ مُغيِّراً في تلك الحالة، ويتركها على حالها(١).
(ط): الكَيْلُ عند البيع والشِّراء مأمورٌ به؛ لإقامة القِسْطِ والعَدْل، وفيه:
الخير والبركة، وعند الإنفاق إحصاءٌ وضَبْطٌ، وهو منهيٌّ عنه قال ◌َِّ: ((أَنْفِقْ
بلاِلُ، ولا تَخْشَ مِن ذِي العَرْشِ إِفْلالاً))، انتهى(٢).
حديث بلال عه لا يدلُّ بمَنطوقه، ولا بمَفْهُومه على النهي عن الإحصاء
والضبط عند الإنفاق، والإحصاءُ بالكيل والوزن واجبٌ في إخراج الصدقة
المفروضة؛ لتحقيق سِهام الأصناف الثمانية، مُستحبٌّ للتسوية بين أفراد كُلِّ
صنف، فكيف ينهى عنه في الصدقة المستحبة؟!
٤٧٦ - وعَنْ خَبَّابِ بْنِ الأَرَتِّ :﴿ه، قال: هَاجَرْنَا مَعَ
رَسُولِ اللهِ وَ﴿ فَلْتَمِسُ وَجْهَ اللهِ تَعالَى، فَوَقَعَ أَجْرُنَا عَلى اللهِ، فَمِنَّا
مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَأْكُلْ مِنْ أَجْرِهِ شَيْئاً، مِنْهُمْ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ ﴾،
قُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ، وَتَرَكَ نَمِرَةً، فَكُنَّا إذَا غَطَّيْنَا بِهَا رَأْسَهُ، بَدَتْ رِجْلاهُ،
(١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٦ / ٥٣).
(٢) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٩/ ٢٨٥١)، والحديث رواه أبو يعلى في ((مسنده))
(٦٠٤٠)، من حديث أبي هريرة ﴾، وهو حديث صحيح. انظر: ((السلسلة
الصحيحة)) (٢٦٦١).
٢٠٧

وَإِذَا غَطّيْنَ بِهَا رِجْلَيْهِ، بَدَا رَأْسُهُ، فَأَمَرَّنَا رَسُولُ اللهِ أَنْ نُغَطِّيَ
رَأْسَهُ، وَنَجْعَلَ عَلَى رِجْلَيْهِ شَيْئاً مِنَ الإذْخِرِ، وَمِنَّا مَنْ أَيْنَعَتْ لَهُ
ثَمَرَتُهُ، فَهُوَ يَهْدِبُهَا، متفقٌ عليه.
(النَّمِرَةُ)): كسَاءٌ مُلَوَّنٌ مِنْ صُوفٍ.
وقوله: ((أَيْنَعَت)): أَيْ: نَضِجَتْ، وَأَدْرَكَتْ.
وقوله: ((يَهْدِبُهَا)) هو بفتح الياءِ وضم الدال وكسرها، لُغَتَان:
أَيْ: يَقْطِفُهَا، وَيَجْتَنِيهَا، وَهذِهِ اسْتِعَارَةٌ لمَا فَتَحَ الله تَعَالَى عَلَيْهِمْ منَ
الدُّنْيَا، وَتَمَكَّنُوا فِيهَا .
(الَُّما)
* قوله: «لم يأكل من أجره شيئاً):
(ك): أي لم يَكسِبْ من الدنيا شيئاً، ولا اقتناه، وقصَر نفسَه عن سؤالها؛
لينالها مُوفَّرةً في الآخرة، ومنا مَن كَسَب المالَ، ونال من عَرَض الدنیا.
قال ابن بَطَّال: فيه: أن الثوب إذا ضاق فتغطية رأس الميت أَوْلَى من
رجليه؛ لأنه أفضلُ(١)، وسبق شرحُ هذا الحديث في الباب قبله.
٤٧٧ - وعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدِ الساعِدِيِّ ◌َ﴿ه، قال: قالَ
(١) انظر: ((الكواكب الدراري)) للكرماني (٧ / ٧٥).
٢٠٨

رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((لَوْ كَانَتِ الدُّنْيَا تَعْدِلُ عِنْدَ اللهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ، مَا
سَقَى كَافِراً مِنْهَا شَرْبَةَ مَاءٍ))، رواه الترمذي، وقال: حديثٌ حسنٌ
صحيحٌ.
قوله : ((لو كانت الدنيا تزن عند الله جناح بعوضة؛ ما سقى
منها كافراً شربة ماء»:
(ط): ((جناح بعوضة)) مثل في القِلَّة والحَقارة؛ أي: لو كان لها أدنى
قَدْرٍ؛ ما مُتِّع الكافرُ منها أدنى تَمتُّع، انتهى(١).
وذلك؛ لأن الكافر لا يَستحِقُّ النعيمَ الحقيقيَّ، والنعيمَ الخالصَ الذي
لا يَشوبُهُ كَدَرٌ، والنِّعَم الدُّنيوية لا قدرَ لها، ولا خَطَر، يأكل منها البَرُّ والفاجرُ،
والمُؤمن والكافر، لكن المؤمن يتزوَّد، والكافر يتمتع، وهي ملعونةٌ [ملعون]
ما فيها، لم ينظر إليها منذ خلقها، منعها الأنبياءَ، والأولياءَ، والأبرار، ومنحها
في الغالب الكفرةَ، والأشقياء، والفُجَّار، فينبغي للمُؤمن أن لا يَرْكَنَ إليها،
ولا يُعرِّجَ عليها إلا بمقدار أخذ الزَّاد، والاستعداد للمَعاد، ولقد أحسن
القائل :
جناحَ بَعُوضٍ عند مَن أنت عبدُه
إذا كانَ شيءٌ لا يُساوِي جَميعُه
يكونُ على ذا الحالِ قَدْرُكَ عندَه
وأشْغَلَ جُزءٌ منهُ كُلَّكَ مَا الَّذي
*
(١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (١٠ / ٣٢٨٥).
٢٠٩

٤٧٨ - وعن أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾، قال: سمعتُ رَسُولَ اللهِوَّل
يقول: ((أَلا إِنَّ الدُّنْيَا مَلْعُونَةٌ، مَلْعُونٌ مَا فِيهَا، إِلَّ ذِكْرَ اللهِ تَعالىَ،
وَمَا وَالاهُ، وَعَالِماً وَمُتَعَلِّماً))، رواه الترمذي، وقال: حديثٌ حسنٌ.
[الثَّانِ وَالْعَبْرُ
• قوله في: ((الدنيا ملعونة)):
(ق): لا يفهم من هذا الحديث إباحةُ لعن الدنيا وسَبِّها مُطلقاً؛ لما
رويناه من حديث أبي موسى الأشعريٍّ قال: قال رسولُ الله ◌َّهِ: ((لا تَسبُّوا
الدُّنيا، فِنِعْمَتْ مَطِيَّهُ المُؤمِن، عليها يَبْلُغُ الخَيْرَ، وبها يَنْجُو مِنَ الشَّرِّ، إنه
إذا قالَ العبدُ: لَعنَ اللهُ الدُّنيا، قالت الدُّنيا: لَعنَ اللهُ أَعْصَانا لِرَبِّه))(١) خَرَّجه
الشريفُ أبو القاسم زيدُ بن عبدالله بن مسعود الهاشميُّ.
وهذا يقتضي المنعَ مِن لَعْن الدنيا وسَبِّها، ووجه الجمع بينهما: أن
المُباحَ لعنُه من الدنيا ما كان مُبعِداً عن الله، وشاغلاً عنه؛ كما قال بعضُ
السَّلف: كلُّ ما شغلك عن الله؛ من مال وولد؛ فهو عليك مَشؤوم، وأما ما
كان من الدنيا يُقرِّبُ من الله، ويُعين على عبادة الله؛ فهو المحمودُ بِكُلِّ لسان،
المَحبوبُ لكل إنسان، فمِثْل هذا لا يُسَبُّ، بل يُرغَّب فيه، ويُحَبُّ، وإليه
الإشارةُ بالاستثناء حيث قال: ((إلا ذكر الله وما والاه، أو عالماً أو متعلماً)،
وهو المُصرَّح به بقوله: ((فإنَّهَا نِعْمَتْ مَطِيَّةُ المُؤمن؛ عليها يَبلغُ الخَيْرَ، وبها
(١) رواه الشاشي في ((مسنده)) (٣٨٣) من حديث ابن مسعود ﴿ه، ورواه الحاكم في
((المستدرك)) (٧٨٧٠) بنحوه من حديث سعد بن طارق عن أبيه عن النبي ◌َّز، وقال:
صحيح الإسناد.
٢١٠

يَنْجُو منَ الشرِّ))، وبهذا يرتفع التعارضُ بين الأخبار، والله أعلم، انتهى(١).
قال الشيخ أبو حامد الغزاليُّ رحمه الله: كلُّ ما لك فيه حَظِّ وغرَضٌ
ونصيبٌ وشهوة ولذَّةٌ في عاجِل الحال قبل الوفاة؛ فهو الدنيا في حَقِّك، إلا أن
جميعَ ما لك إليه مَيْلٌ، وفيه نصيبٌ وحَظُّ؛ فليس بمَذموم، بل هي ثلاثة أقسام:
القسم الأول: ما يَصحَبُك في الآخرة، ويبقى معك ثمرتُه بعد الموت،
وهو شيئان: العِلمُ النافع، والعملُ الصَّالِح فقط، وقد يأنس العَالِمُ بالعلم،
حتى يصير ذلك أَلَّذَّ الأشياء عنده، فيهجرَ النومَ والمَنْكَحَ، والمَطْعَمَ، فقد صار
حَظّاً عاجلاً في الدُّنيا، لكنا إذا ذكرنا الدُّنيا المَذمُومةَ؛ لم نَعُدَّ هذا من الدنيا
أصلاً، بل قلنا: إنه من الآخرة، وكذلك العابدُ يَأنَسُ بالعبادة، فيَستلِذُّها؛
بحيث لو مُنع عنها؛ كان من أعظم العقوبات عليه، حتى قال بعضُهم: ما
أخافُ من الموت إلا من حيثُ إنه يَحُولُ بيني وبين قيام الليل، وكان الحسنُ
يقول: اللَّهُمَّ؛ ارزقني قوةَ الصلاة، والركوع، والسجود في القبر، فهذا قد
صارت الصلاة من حُظوظه العاجلة، وكل حظٍّ عاجل، فاسمُ الدنيا ينطلق عليه
من حيث الاشتقاقُ من الدُّنُوُ، ولكنا لسنا نعني بالدنيا المذمومة ذلك، فنقول:
هذه ليست من الدنيا .
القسم الثاني - وهو المُقابل له على الطرف الأقصى -: كلُّ ما فيه حَظّ
عاجل، ولا ثمرةَ له في الآخرة أصلاً؛ كالتلذُّذ بالمعاصي كلها، والتنقُم
بالمُباحات الزائدة على قدر الضَّرورات والحاجات، الداخلة في جُملة
الرفاهية والرُّعونات؛ كالتنقُم بالقناطير المُقنطرة من الذهب والفِضَّة،
(١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٧ / ١٠٩).
٢١١

والخيل المُسوَّمة، والأنعام، والحَرْث، والغِلمان، والجَواري، والقُصور،
ورقيق الثياب، ولذائذ الأطعمة، فحَظُّ العبد من هذه كلها هي الدنيا
المذمومةُ، وفيما يعَدُّ فُضولاً، وفي مَحَلِّ الحاجة نظرٌ طويل.
القسم الثالث - وهو مُتوسِّط بين طرفيها -: كلُّ حَظٌّ في العاجل مُعِين
على أعمال الآخرة، كقَدْر القُوت من الطعام، والقميص الواحد الخَشِن،
وكل ما لا بُدَّ منه؛ ليتأَتَّى للإنسان البقاءُ والصِّحَّة التي يُتوصَّل بها إلى العلم
والعمل، وهذا من الدنيا كالقسم الأول؛ لأنه مُعِينٌ على القسم الأول،
ووسيلةٌ إليه.
فقد عرفت أن كل ما هو الله؛ فليس من الدنيا، وقَدْرُ ضرورة القُوت،
وما لا بدَّ منه من مسكن وملبس؛ فهو لله إن قُصِدَ به وجهُ الله، والاستكثار
منه تَنَقُّم، وهو لغير الله، وبين التنقُّم به والضرورة درجةٌ يعبّر عنها بالحاجة،
ولها طرفان وواسطة، طرف يقرُب من حَدِّ الضرورة، فلا يضرُّ؛ فإن
الاقتصار على حَدِّ الضرورة غيرُ مُمكن، وطرفٌ يزاحمُ جانبَ التنقُّم ويَقرُب
منه، فينبغي أن يُحذَر، وبينهما وسائطُ متشابهة، ومَن حامَ حول الحِمَى؛
يُوشِكُ أن يقعَ فيه.
فإذاً؛ حَدُّ الدنيا: كلُّ ما أظلته الخضراءُ، أو أقلَّته الغبراء، إلا ما كان
الله تَّ من ذلك، وضِدُّ الدنيا الآخرةُ، وهو كلُّ ما أُريد به اللهُ وَّ من ذلك؛
ممَّا يُؤخذ بقدر الضرورة من الدنيا؛ لأجل قوة طاعة الله، فذلك ليس من
الدنيا، وتبيينُ ذلك بمثال، وهو أن الحاجَّ إذا حلف أنه في طريق الحَجِّ:
لا يشتغل بغير الحَجِّ، بل يتجرَّد له، ثم اشتغل بحفظ الزاد وعَلَف الجمل،
وخَرْزِ الراوية، وكل ما لا بُدَّ للحَجِّ منه؛ يَحْنَثُ في يمينه، ولم يكن مشغولاً
٢١٢

بغير الحَجِّ، فكذلك البدن مركب النفس، تُقْطَعُ به مسافةُ العُمر، فَتَعهُّد
البدن بما تبقى به قُوَّته على سلوك الطريق بالعلم والعمل هو من الآخرة
لا من الدنيا.
نعم؛ إذا قصد تلذُّذَ البدن وتنقُّمَه بشيء من هذه الأسباب؛ كان مُنحرفاً
عن الآخرة، ويُخشى على قلبه القسوةُ.
قال الطنافسيُّ: كنتُ على باب بني شَيْبةَ في المسجد الحرام سبعةً أيام
طاوياً، فسمعت الليلة الثامنةَ مُنادياً بين اليقظة والنوم: ألا إن مَن أخذَ من الدنيا
أكثرَ مِمَّا يحتاج إليه؛ أعمى الله تعالى عينَ قلبه، فهذا بيان حقيقة الدنيا(١).
* قوله: ((وما والاه):
(مظ): أي: ما يحبه الله في الدنيا، والمُوالاة: المَحبَّة بين الاثنين،
وقد تكون من واحد، وهو المراد هاهنا؛ يعني: مَلعونٌ ما في الدنيا إلا ذكرَ
الله، وما أحبَّ الله مِمَّا يجري في الدنيا، وما سواه مَلعونٌ(٢).
(شف): هو من المُوالاة، وهي المُتابعة، يجوز أن يراد ما يُوالي ذكرَ
الله طاعتُه، واتباعُ أمره، واجتنابُ نَهْيهِ؛ لأن ذكرَ الله تعالى يقتضي ذلك.
* قوله: ((وعالماً ومتعلماً»
وقع في بعض نسخ الترمذيِّ بالرفع.
(مظ): ((أو عالم أو متعلم): هكذا هو مرفوعٌ، واللهجة العربية
تقتضي أن يكون عطفاً على ((ذكر الله))؛ فإنه منصوبٌ مُستثنىّ من المُوجَب.
(١) انظر: ((إحياء علوم الدين)) للغزالي (٣/ ٢١٩).
(٢) انظر: ((المفاتيح في شرح المصابيح)) للمظهري (٥ / ٢٨٣).
٢١٣

(ط): الرفع فيه على التأويل، كأنه قيل: الدنيا مذمومة لا يُحمد منها
إلا ذكرُ الله، وعالمٌ ومُتعلُّم، وكان من حق الظاهر أن يكتفيَ بقوله: (وما
والاه)؛ لاحتوائه على جميع الخيرات، لكن ذكرهما؛ تخصيصاً بعد
التعميم، وتفخيماً لشأنهما صريحاً، بخلاف ذلك التركيب؛ فإن دلالته عليه
بالالتزام، وليُؤْذِنَ بأن جميعَ الناس سوى العالم والمتعلم هَمَجٌّ، وليُبِّه
على أن المعنيَّ بالعالِم والمُتعلِّم العُلماءُ بالله، الجامعون بين العلم
والعمل، فيخرج منه الجُهَّال، والعالم الذي لم يعمل بعلمه، ومَن تعلم
علمَ الفُضول، وما لا يتعلق بالدِّين.
وفي حَديثٍ: أنَّ ذکرَ الله رأسُ كلِّ عبادة وسعادة، بل هو كالحياة للأبدان
والرُّوح للإنسان، وهل للإنسان عن الحياة غنىّ؟! وهل له عن الرُّوحِ مَعِدلٌ؟!
وإن شئت؛ قلت: به بقاءُ الدنيا، وقيام السماوات والأرض، قال رَّهِ: ((لا تقُومُ
السّاعةُ على أَحدٍ يقولُ: اللهُ الله) رواه مسلم(١)، فالحديث إذاً؛ مِن كُنوز العلم،
وجوامع الكلم التي خُصَّ بها هذا النبيُّ المُكرَّم، صلواتُ الله عليه؛ لأنه دلَّ
بالمَنطُوق على جميع الخِلال الحَميدة، وبالمَفْهُوم على رَذائلها(٢).
٤٧٩ - وعن عَبْدِ اللهِ بْنِ مسعودٍ ﴿، قال: قالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ:
((لا تَّخِذُوا الضَّيعَةَ، فَتَرْغَبُوا في الدُّنًْا»، رواه الترمِذِيُّ، وقالَ:
حديثٌ حسنٌ.
(١) رواه مسلم (١٤٨ / ٢٣٤)، من حديث أنس ظهـ
(٢) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (١٠/ ٣٢٨٤ - ٣٢٨٥).
٢١٤

[الثَّالِ العَبْرَّ
• قوله ﴾: ((لا تتخذوا الضيعة»:
(نه): ((الضيعة)) في الأصل: المَرَّة من الضَّيَاعِ، وضَيْعَةُ الرجل: ما يكون
منه مَعاشُه؛ كالصنعة، والتجارة، وغير ذلك، انتهى(١).
(الجوهري): (الضيعة): العَقار، والجمع ضِيَاعٌ، وضِيَعٌ؛ مثل
بَدْرَة وبِدَر، وأَضاع الرجلُ: إذا فشَتْ ضياعُه وكَثُرت، فهو مُضِيعٌ،
وتصغير الضيعة ضُيَيْعة(٢).
(ط): المعنى: لا تُوغِلُوا في اتخاذ الضَّيْعة، فيلهيكم عن ذكر الله،
قال الله تعالى: ﴿رِجَالٌ لَّا نُلْهِهِمْ تِحَرَةٌ وَلَا بَيْعُ عَن ذِكْرِ اللّهِ﴾ [النور: ٣٧] الآيةَ،
انتھی(٣).
ويستثنى منها ما كان عَوْناً للمَرء في سَيْره؛ كما ستقف عليه آخرَ
(الباب الستين).
٤٨٠ - وعن عبدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العاصِ ﴾، قالَ: مَرَّ عَلَيْنَا
رَسُولُ اللهِ، وَنَحْنُ نعالِجُ خُصّاً لَنَا، فقال: ((ما هذا؟))، فَقُلْنَا:
(١) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (٣/ ١٠٨).
(٢) انظر: ((الصحاح)) للجوهري (٣/ ١٢٥٢)، (مادة: ضيع).
(٣) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (١٠ / ٣٢٨٦).
٢١٥

قَدْ وَهَى، فَنَحْنُ نُصْلِحُه، فقالَ: ((ما أَرَى الأَمْرَ إِلَّ أَعْجَلَ مِنْ
ذَلِكَ»، رواه أبو داودَ، والترمذي بإسنادِ البخاريِّ ومسلم، وقال
الترمذي: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
[القَلَهُ وَالعَدْرُ
* قوله: («نعالج خصاً لنا»:
(نه): (المعالجة)(١): ممارسة العمل، و(الخُصُّ): بيتِ يُعمل من
الخشب والقصَب، جمعه خِصَاص وأَخْصَاص، سُمِّي به، لما فيه من
الخِصَاص، وهي الفُرَج والأثقاب(٢).
* قوله خلفه: ((الأمر أعجل)):
(ط): أي: كوننا في الدنيا؛ كعابر سبيل أو مُستَظلٌّ تحتَ شجرة أسرعُ
مِمَّا أنت فيه من اشتغالك بالبناء(٣).
٤٨١ - وعن كَعْبٍ بْنِ عِيَاضٍ ﴿ه، قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ،
يَقُولُ: ((إِنَّ لِكُلِّ أُمَّةٍ فِتْنَةً، وَفِتْنَةُ أُمَّتِي المَالُ))، رواه الترمذي، قال:
حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
(١) في الأصل: ((الحاجة)).
(٢) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (٣/ ٢٦٣)، (٢ / ٣٧).
(٣) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (١٠ / ٣٣٢٤).
٢١٦

[ الخَامُوالَعُرُ
* قوله في: ((فتنة أمتي المال)»:
[(نه)]: (الفتنة): الاختبار والامتحان، وقد كثُر استعمالُها فيما أخرجه
الاختبار للمَكروه، ثم كثر حتى استُعمل بمعنى الإثم، والكُفر، والقتال،
والإحراق، والإزالة، والصَّرف عن الشيء، انتهى(١).
قيل: معناه: بلاءُ أُمَّتي المال؛ فإنه يمنعهم من العبادة، ويُذهِلُهم جمعُه
عن جميع ما يجب عليهم، وتمكَّن تحته الشَّيطانُ، فيأخذُ برقابهم، ويُسوِّل لهم
الفقرَ، ويُخيِّل إليهم أنهم إن لم يجمعوا معاشَهم؛ هلكوا، فينبغي للمُؤمن
إذا اجتمع عنده شيء؛ أن یمزقه يميناً وشمالاً حتى لا يكونَ علیه وبالاً(٢)،
وما أحسن قولَ أمير المؤمنين عليٍّ ◌َظُه: لك في مالك شريكان: الحادث،
والوارث، فلا تكن أخسَّ الثلاثة نصيباً، ونظمه بعضُهم فقال:
أَوْ لِلَّذِي حَازَهُ وِرَاثَةٌ
مَالُكَ لِلِحَادِثَاتِ نَهْبٌ
فَلا تَكُنْ أَعْجَزَ الثَّلاثَةُ
أو لَكَ إِن تَّخِذْهُ ذُخْراً
٠ ٠
٤٨٢ - وعَنْ أَبِي عَمْرٍو، ويقالُ: أبو عبدِالله، ويقال: أَبُو لَيْلِى
عُثْمَانُ بْنُ عَقَّانَ ﴿ِ: أَنَّ النبيَّ ◌َ﴿ قَالَ: ((لَيْسَ لِإِبْنِ آدَمَ حَقٌّ في سِوَى
(١) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (٣/ ٤١١).
(٢) وهذا ليس على إطلاقه كما هو ظاهر الكلام، فإن كثيراً من الصحابة ملكوا المال الكثير
ولم يمزقوه، كما منع النبي ◌ّ﴿ من التصدق بأكثر من الثلث، وقال لسعد له: ((إنك
أن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس)). رواه البخاري (١٢٣٣).
٢١٧

هَذِهِ الخِصَالِ: بَيْتُ يَسْكُنُهُ، وَثَوْبٌ يُوَارِي عَوْرَتَهُ، وَجِلْفُ الخُبِزِ،
وَالمَاءُ)، رواه الترمذي، وقال: حديثٌ صحيحٌ.
قالَ الترمذيُّ: سَمِعْتَ أَبَا دَاوُدَ سُلَيْمَانَ بْنَ سَالِمِ البَلْخِيَّ
يقولُ: سَمِعْتُ النَّضْرَ بْنَ شُمَيْلٍ يقولُ: الجِلْفُ: الخُبزُ لَيْسَ مَعَهُ
إِدَامٌ، وقالَ غَيْرُهُ: هُوَ غَلِيظُ الخُبزِ، وقَالَ الهَرَوِيُّ: المُرَادُ بِهِ هُنَا:
وِعَاءُ الخُبز؛ كالجَوَالقِ، وَالخُرْج، والله أعلم.
* قوله {قلقي: ((ليس لابن آدم حق في سوى هذه الخصال)):
(قض): أراد به ما لم يكن تَبَعِةٍ ولا حِسابٌ إذا كان مُكتسباً من وجه
حلال، والمراد بالخِصَال: ما يحصل للرجل ويسعى في تحصيله من الأموال(١).
(نه): (الجلف)): الخبز وحدَه لا إدام معه، وقيل: الخبز الغليظ
اليابس، ويُروى بفتح اللام، جمع جِلْفَة، وهي الكِسْرة من الخبز(٢).
(مظ): ((جلف الخبز)) بكسر الجيم وسكون اللام: الظَّرْف مثل
الجَوالق والخُروج؛ يعني: ينبغي له أن يطلبَ بيتاً، وثوباً، وظرفاً يضع فيه
الخبز والماء، ولا يُضيّعَ عمره في تحصيل المال، انتهى(٣).
(الجَوهريُّ): قال أبو عمرو: ((الجلف)) بكسر الجيم وسكون اللام:
(١) انظر: ((تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة)) للبيضاوي (٣/ ٢٩٢).
(٢) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (١ / ٢٨٧).
(٣) انظر: ((المفاتيح في شرح المصابيح)) للمظهري (٥ / ٢٨٥).
٢١٨

كُّ ظَرْف ووِعاء، وجمعه جُلوف(١).
(قض): ذكر الظرفَ، وأراد المظروف؛ أي: كِسْرةُ خبز، وشَرْبة
ماء، انتھی(٢).
فعلى هذا: ((الماء)) معطوف على ((جلف)) معربٌ بإعرابه رفعاً أو
جَرّاً.
٤٨٣ - وعنْ عبدِ اللهِ بْنِ الشِّخِّيرِ - بكسر الشين والخاءِ
المشددةِ المعجمتين - ﴿: أنَّهُ قالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ وَّهِ، وَهُوَ يَقْرَأُ:
﴿أَلْهَنْكُمُ التَّكَاثِّرُ﴾، قال: ((يَقُولُ ابنُ آدَمَ: مَالي، مَالِي، وَهَل لَكَ
يَا بنَ آدَمَ مِنْ مالِكَ إلاَّ ما أَكَلْتَ فَأَغْنَيْتَ، أَوْ لَبِسْتَ فَأَبْلَيْتَ، أَوْ
تَصَدَّقْتَ فَأَمْضَيْتَ؟!))، رواه مسلم.
[السَّائِقُ والَعْمَ]
* قوله: ﴿أَلْهَنْكُمُ اَلْتَّكَافُرُ﴾ [التكاثر: ١]:
(ق): يعني: شغلكم الإكثارُ من الدنيا ومن الالتفات إليها عَمَّا هو
الأَوْلى بكم من الاستعداد للآخرة، وهذا خطابٌ للجمهور؛ إذ جنس
الإنسان على ذلك مَفطورٌ؛ كما قال تعالى: ﴿كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاِلَةَ ، وَذَرُونَ
(١) انظر: ((الصحاح)) للجوهري (٤ /١٣٣٩)، (مادة: جلف).
(٢) انظر: ((تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة)) للبيضاوي (٣/ ٢٩٣).
٢١٩

اُلْآَخِرَةَ﴾ [القيامة: ٢٠ -٢١]، وكما قال تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِن
اُلْنِسَاءِ وَالْبَنِينَ ﴾ [آل عمران: ١٤](١)، وسبق تفسير السُّورة في أول هذا الباب.
* وقوله: ((مالي مالي)):
(ق): أي: يغتُّ بنسبة المال إليه، وكونه في يده حتى رُّما یعجَبُ به
ویفخَر به، ولعله مِمَّن تعب هو في جمعه، ويصل غیرُه إلی نفعه، ثم أخبر
بالأوجه التي يُنتَفَع بالمال [فيها]، وافتتح الكلام بـ ((إنما)) التي هي للتحقيق
والحصر؛ كما في رواية لمسلم: ((إنما له [من ماله] ثَلاثٌ: ما أَكلَ فَأَفْنى، أو
لَبِسَ فَأَبْلَى، أَوْ أَعْطَى فَاقْتَنِى، وما سوى ذلك؛ فهو ذاهبٌ وتاركُه للنَّاسِ))(٢).
(ق): هكذا وقع هذا اللفظ: (فاقتنی)) عند جمهورهم، ووجهه:
أعطى الصدقةَ فاقتنى الثوابَ لنفسه، وقد رواه ابن ماهان: ((فأقنى)) بمعنى:
أَكْسَبَ غيرَه، كما قال تعالى: ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَى وَأَقْنَى﴾ [النجم: ٤٨](٣) .
(نه): ((فأمضيت))؛ أي: أنفذت فيه عطاءَك، ولم تتوقّفْ فيه،
انتھی(٤).
قيل: المعنى في الحديث إنفاده إلى آخره، وحاصله: أن ما يُملك
لا يخلو من هذه الوجوه؛ إما أن تأكله ومالُهُ يُعلم إلامَ يعود، أو تلبسه،
وعاقبته إلى البِلَى والتلاشي، أو تجعله في رضا ربِّ العالمين صدقةً
وخيراً، فهو الذي تنفِدُه إلى القيامة؛ ليغيثك حيث لا مُغِيثَ إلا حُسْنِ الفِعَال،
(١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٧ / ١١٠).
(٢) رواه مسلم (٢٩٥٩ / ٤)، من حديث أبي هريرة
(٣) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٧ / ١١١).
(٤) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (٤ / ٣٣٩).
٢٢٠