النص المفهرس
صفحات 181-200
(ق): يحتمل البقاء على ظاهره، وهو أنه يُجاء بماله يوم القيامة،
فينطق الصَّامتُ منه بما فعل، أو يُمثَّل له أمثالَ حيوانات؛ كما جاء في مال
مانع الزكاة؛ من أنه يتمثَّل له مالُه شُجاعاً أقرعَ، أو يشهد عليه المُوكَّلون
بكَتْب الكَسْب، والإنفاق، وإحصاءِ ذلك، والله أعلم(١).
*
٤٥٩ - وعنهُ: أن رَسُولَ اللهِ﴿ قَالَ: ((إِنَّ الدُّنْيَا حُلْوَةٌ
خَضِرَةٌ، وَإِنَّ اللهَ تَعالَى مُسْتَخْلِفُكُمْ فِيهَا، فَيَنْظُرُ كَيْفَ تَعْمَلُونَ،
فَاتَّقُوا الدُّنْيَا، وَاتَّقُوا النِّسَاءَ)، رواه مسلم.
(الثَّالُِّ)
سبق في (الباب السادس).
(ط): ((خضرة حلوة)) كنايةٌ عن كونها غَرَّارةً يُفتَن الناسُ بلونها
وطعمها، وليس تحتها طَائِلٌ(٢).
(خط): أي: أن صُورةَ الدنيا ومتاعها حَسَنةٌ مُؤْنِقَةٌ تُعجب الناظر،
ولذلك أُنِّث، والعرب تُسمِّي الشيءَ المَشرق الناضر خَضِراً؛ تشبيهاً له
بالنبات الأخضر، ويقال: إنما سُمِّيَ الخَضِرُ عليه السلام خَضِراً؛ لحُسنه،
ولإشراق وجهه(٣).
(١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٣/ ٩٨).
(٢) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (١٠ / ٣٢٦٥).
(٣) انظر: ((غريب الحديث)) للخطابي (١ / ٧١١).
١٨١
٤٦٠ - وعَنْ أَنَسٍ : أَنَّ النبيَّمَ﴿ قال: «اللَّهُمَّ لا عَيْشَ
إِلَّ عَيْشُ الآخِرَةِ»، متفقٌ عليه.
(غب): (العيش): الحياة المُختصَّة بالحيوان، وهو أخصُّ من الحياة؛
لأن الحياة تقال في الحيوان، وفي الباري تعالى، وفي المَلَك، ويُشتَقُّ منه
المعيشةُ لِمَا يُتعَّش منه، انتهى(١).
أي: العَيْشُ المَحبوبُ المَرغوب فيه عَيْشُ الآخرة الذي لا تنغیصَ فیه،
ولا نفادَ له، ولا تعتريه الآفاتُ، ولا يَشُوبِه ما يشوب عيشَ الدنيا؛ من سُرعة
النفاد، ومزاحمة الأضداد.
٤٦١ - وعنهُ، عن رَسُولِ اللهِوَه، قال: ((يَتْبَعُ المْيَتْ ثَلاثَةٌ:
أَهْلُهُ، وَمَالُهُ، وَعَمَلُهُ، فَيَرْجِعُ اثْنَانٍ، وَيَبْقَى وَاحِدٌ، يَرْجِعُ أَهْلُهُ
وَمَالُهُ، وَيَبْقَى عَمَلُهُ))، متفقٌ عليه.
,20
سبق في (الباب الحادي عشر).
*
٤٦٢ - وعنه، قالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((يُؤْتَى بِأَنْعَمْ أَهْلِ
(١) انظر: ((مفردات القرآن)) للراغب (ص: ٣٥٣).
١٨٢
الدُّنْيَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ يَوْمَ القِيَامَةِ، فَيُصْبَغُ فِي النَّارِ صَبْغَةً، ثُمَّ يُقَالُ:
يا بْنَ آدَمَ! هَلْ رَأَنْتَ خَيْراً قَطُ؟ هَلْ مَرَّ بِكَ نَعِيمٌ قَطُ؟ فَيَقُولُ:
لا والله! يا ربِّ، وَيُؤْتَى بِأَشَدِّ النَّاسِ بُؤْساً في الدُّنْيَا مِنْ أَهْلِ
الجَنَّةِ، فَيُصْبَغُ صَبْغَةً فِي الجَنَّةِ، فَيُقَالُ لَهُ: يَا بْنَ آدَمَ! هَلْ رَأَيْتَ
◌ُؤْساً قَطُ؟ هَلْ مَرَّبِكَ شِدَّةٌ قَطُّ؟ فيقولُ: لا، وَالله! مَا مَرَّ بِي بُؤْسٌ
قَطُ، وَلاَ رَأَيْتُ شِدَّةٌ قَطُ))، رواه مسلم.
(السِّيُ)
(مظ): الباء في ((بأنعم)) للتعدية، و(أنعم) أفعلُ التفضيل من النعمة،
وهي الطُّيبُ؛ أي: يُجاء يوم القيامة بمَن هو أنعمُ عيشاً، وأَطيبُ حالاً في
الحياة الدنيا، فإذا أُدخل النار؛ يُنسيه شِدَّةُ العذاب ما مضى عليه من نعيم
الدنيا، وكذلك الذي يدخل الجنة يُنسيه نعيمُ الجنة ما مضى من سُوء الحال
وضيق البال(١).
(نه): ((يصبغ في النار صبغة))؛ أي: يُغْمَسُ في النار غمسةً؛ كما يُغمَس
الثوبُ في الصِّبغ(٢).
(ن): ((البؤس)) بالهمزة: هو الشِّدَّة(٣).
(١) انظر: ((المفاتيح في شرح المصابيح)) للمظهري (٦ /٢٩).
(٢) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (٣/ ١٠).
(٣) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٧ / ١٤٩).
١٨٣
٤٦٣ - وعَنِ المُسْتَوْرِدِ بْنِ شَدَّادٍ ﴿ه، قال: قالَ رَسُولُ اللهِ وَه:
(مَا الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلَّ مِثْلُ مَا يَجْعَلُ أَحَدُكُمْ أُصْبُعَهُ فِي الَمِّ،
فَلْيَنْظُرْبِمَ یَرْجِعُ؟»، رواه مسلم.
(ن): ضبطوا ((ترجع)) بالتاء المثناة فوق، والمثناة تحت، [والأول
أشهر، ومن رواه بالمثناة تحت]؛ أعاد الضمير إلى ((أحدكم))، والمثناة فوق
أعاده على الإصبع، ومعناه: ما الدنيا بالنسبة إلى الآخرة في قِصَر مدتها، وفناء
لذتها، ودوام الآخرة ودوام لذاتها ونعيمها إلا كنسبة الماء الذي يعلَقُ بالإصبع
إلى باقي البحر، ((أشار يحيى بن يحيى بالسبابة)) قال القاضي: هذا أشبهُ
بالتمثيل، وأظهرُ من رواية الإبهام؛ لأن العادة الإشارة بها(١).
(ط): قوله: ((بم يرجع)) وضع موضع قوله: فلا يرجع بشيء، كأنه وَل}
يستحضر تلك الحالةَ في مُشاهدة السَّامع، ثم يأمره بالتأمُّل، والتفكُّر؛ هل
يرجع أم لا؟! هذا تمثيل على سبيل التقريب، وإلا؛ فأين [المناسبة بين]
المُتناهي وغير المتناهي؟!(٢)
(ق): وجه هذا التمثيل: أن القدر الذي يتعلَّق بالإصبع من ماء البحر
لا قدرَ له ولا خطَرَ، فكذلك الدنيا بالنسبة إلى الآخرة(٣).
(١) المرجع السابق، (١٧ / ١٩٢).
(٢) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (١٠ / ٣٢٧٢).
(٣) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٧ / ١٢٦).
١٨٤
٤٦٤ - وعن جابرٍ ﴿ه: أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَ﴿ مَرَّ بِالسُّوقِ،
وَالنَّاسُ كَتَفَتَيْهِ، فَمَرَّ بِجَدْىٍ أَسَكَّ مَيْتٍ، فَتَنَاوَلَهُ، فَأَخَذَ بِأُذُنِهِ، ثُمَّ
قالَ: ((أَيُّكُمْ يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ هَذَا لَهُ بِدِرْهَمٍ؟))، فقالوا: ما نُحِبُ أَنَّهُ
لَنَا بِشَيْءٍ، وَمَا نَصْنَعُ بِهِ؟ ثم قال: ((أَتْحِبُّونَ أَنَّهُ لَكُمْ؟ قالُوا: وَاللهِ!
لَوْ كَانَ حَيّاً، كَانَ عَيْباً أَنَّهُ أَسَكُ، فَكَيْفَ وَهو مَيتٌ؟! فقال:
(فَوَاللهِ! لَلُّنْيَا أَهْوَنُ عَلَى اللهِ مِنْ هَذَا عَلَيْكُمْ))، رواه مسلم.
قوله: ((كَنَفَتَيْهِ)): أَيْ: عن جانبيه، و((الأَسَكُّ)): الصَّغِيرُ الأُذُنِ.
34
(نه): ((أسك))؛ أي: مُصْطَلم الأُذنين، مَقطُوعهما (١).
(ط): ((الأسك)): الصغير الأُذن، ويقال للذي لا أُذْنَ له(٢).
قوله: ((أيكم يحب)) في هذا الاستفهام إرشادٌ منه صلوات الله عليه،
وتنبيهٌ على إلقاء السمع للخطاب الخطير، وشهود القلب لما يُعنى به، وهو
هَوانُ الدنيا؛ ليُوطِّنَ ذلك في قلوبهم مزيدَ توطين، وهو على منوال قوله
تعالى: ﴿أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْنًا﴾ [الحجرات: ١٢].
(ق): ((الدنيا» فُعْلَى، وياؤها للتأنيث، وهي من الدُّنُؤُّ بمعنى القُرب،
وهي صفة لموصوف محذوف؛ أي: الدار الدنيا، أو الحياة الدنيا، التي
(١) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (٢ / ٣٨٤).
(٢) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (١٠ / ٣٢٧٢).
١٨٥
يقابلها الدار الأُخرى، غير أنه قد كثر استعمال الأسماء، فاستُغني عن
مَوصُوفها؛ كما في هذا الحديث.
معنى هَوانِ الدنيا: أن الله لم يجعلها مَقصُودةً لنفسها، بل جعلها
طريقاً مُوصِلة لما هو المَقصُود لنفسه، وأنه لم يجعلها دارَ إقامة، وإنما
جعلها دارَ رِحْلَة وبلاء، وأنه مَلَّكها غالباً الكفرةَ والجُهَّال، وحماها الأنبياءَ،
والأولياء، والأبدال، وقد أُوضحَ هذا المعنى بما جاء في الحديث: (لَو
كَانتِ الدُّنيا تَعْدِلُ عندَ الله جَناحَ بَعُوضَةٍ؛ ما سَقَى الكافرَ مِنْهَا شَرْبةً)(١)،
وحَسْبُك بها هواناً أن الله قد صَغَّرها، وحَقَّرها، وذَمَّها، وأبغضها، وأبغض
أهلَها، ومُحِبِّيها، ولم يرضَ لعاقل إلا بالتزؤُّدِ منها، والتأهُّب للارتحال
عنها، ويكفيك منها قولُه وَّهِ: ((الدُّنيا مَلِعُونَةٌ مَلعُونٌ ما فيها، إلا ذِكْرَ اللهِ،
أو مَا والاهُ، أو عَالِمٌ، أو مُتَعلِّمٌ)) (٢) انتهى(٣).
فإن قيل: ما الحكمة في أخذه ◌َل﴿ أُذني الشاة بيديه الكريمتين؟
يقال: لعل فيه إشارةً منه ◌َّ إلى أن تصرَّفه ◌َّ في الدنيا ليس إلا
بحسَب الضَّرورة، والاكتفاء على قدر الحاجة، مع تَنفُّر النفس عنها، وتَقَزُّز
الطبع لها؛ كما أنه آخِذٌ بأُذُن هذه الميتة، ومُكتَفٍ منه على هذا القدر؛ زيادةً
لتقرير هَوان الدنيا، واستحضاراً لفَهْمِهم حتى تَتَنبَّهُوا غايةَ التنبُّه، وفيه:
دليلٌ على أن المَلاقيَ للجامد النَّجِس لا يَتنجَّسُ.
(١) رواه الترمذي (٢٣٢٠)، وابن ماجه (٤١١٠)، من حديث سهل بن سعد
(٢) رواه الترمذي (٢٣٢٢)، من حديث أبي هريرة
(٣) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٧ / ١٠٨).
١٨٦
زاد البزار في «مسنده)): ((والله للدُّنيا أَهْوَنُ على الله مِن هذه السَّخْلَة
على أَهْلِها، فلا ◌ُلِفِينَها أَهْلَكَتْ أَحدَكُم»(١).
٤٦٥ - وعَنْ أَبِي ذَرِّ ◌َ﴿ه، قالَ: كُنْتُ أَمْشِي مَعَ النبيِّ نَّ في
حَرَّةٍ بالمدينةِ، فَاسْتَقْبَلَنَا أُحُدٌ، فَقالَ: ((يا أَبَا ذَرِّ!))، قُلْتُ: لَبَّيْكَ
يا رَسُولَ الله، فقال: ((مَا يَسُرُّني أَنَّ عِنْدِي مِثْلَ أُحُدٍ هذا ذَهباً
تمْضِيٍ عَلَيَّ ثَلاَثَةُ أَيَّامٍ وَعِنْدِي مِنْهُ دِينَارٌ، إلاَّ شَيْءٌ أُرْصِدُهُ لِدَيْنِ،
إِلاَّ أَنْ أَقُولَ بِهِ فِي عِبَادِ اللهِ هَكَذَا، وهَكَذَا، وهَكَذَا)) عن يَمِينِهِ، وعن
شماله، وعن خلفه، ثم سارَ فقالَ: ((إِنَّ الأَكْثَرِينَ هُمُ الأَقَلُّونَ يَوْمَ
القيامَةِ، إِلاَّ مَنْ قَالَ بِالمَالِ هَكَذا وهَكَذا، وهكذا)» عن يمينه، وعن
شمالهِ، ومِنْ خَلْفه، ((وَقَليلٌ مَا هُمُ))، ثم قال لي: ((مَكَانَكَ لا تَبْرَحْ
حَتَى آتِيَكَ))، ثم انْطَلَقَ فِي سَوَادِ اللَّيْلِ حَتَّى تَوَارَى، فَسَمِعْتُ صَوْتاً
قَدِ ارْتَفَعَ، فَتَخَوَّفْتُ أَنْ يَكُونَ أَحَدٌ عَرَضَ لِلنَّبِيِّ وَِّ، فَأَرَدْتُ أَنْ
آتِيَهُ، فَذَكَرْتُ قولهَ: ((لا تَبْرَحْ حَتَّى آنِيَكَ)»، فلم أَبْرَحْ حَتَّى أَتَانِي،
فَقُلْتُ: لقد سَمِعْتُ صَوْتاً تَخَوَّفْتُ منه، فَذَكَرْتُ له، فقالَ: ((وَهَلْ
سَمِعْتَهُ؟))، قلت: نَعَم، قال: ((ذَاكَ جِبريلُ أَتَانِي فَقالَ: مَنْ ماتَ مِنْ
أَمَّتِكَ لا يُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئاً، دَخَلَ الجَنَّةَ، قُلْتُ: وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ؟
(١) رواه البزار في ((مسنده)) (٤١١٣)، وقال الهيثمي في («مجمع الزوائد» (١٠ / ٢٨٧):
رجاله ثقات.
١٨٧
قالَ: وَإِن زَنَى وَإِنْ سَرَقَ»، متفقٌ عليه، وهذا لفظ البخاري.
(التََّرى)
(ن): ((الحرة)»: هي الأرض المُلْبَسةُ حجارةً سوداءَ(١).
قوله {ے: «إلا أن أقول به في عباد الله هکذا»:
(نه): العرب تجعل القول عبارةً عن جميع الأفعال، وتُطلِقه على غير
الكلام واللِّسان، تقول: قال بيده؛ أي: أخذ، وقال برجله؛ أي: مشی:
وقالَتْ لَهُ العَيْنانِ سَمْعاً وطَاعةً
أي: أومأت، وكل ذلك على المجاز والاتساع، انتهى(٢).
* قوله : ((إن الأكثرين هم الأقلون))؛ أي: المُكثرون من الأموال
في الدنيا همُ الأقلُّون ثواباً ودرجةً في الآخرة، إلا مَن وفقه الله للإنفاق فيما
أمكنه من وجوه البِرِّ؛ وذلك أن كثرة المال سبيُها الغالب الجمعُ والمَنعُ
الدالين على شِدَّة الحِرص، وهو مانعٌ عن اكتساب سعادة الدارين، وقوله:
((قليل ما هم)؛ إذ المال كما وصفه بَّهِ خَضِرٌ حُلْوٌ لا يقدر على إنفاقه فيما
أمر به من المصارف الواجبة والمُستحبّة مع طِيب النفس، وطَلَاقَةِ الوجه إلا
الشَّاذُّ النادر.
(ن): فيه: الحَثُّ على الصدقة في جميع وجوه الخير والبِرِّ متى
حضر أمرٌ مُهِمٌّ، وفیه: مُناداة العالم والکبیر صاحبه بگنیته إذا کان جليلاً،
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٧ / ٧٦).
(٢) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (٤ / ١٢٤).
١٨٨
وفيه: دلالة لمذهب أهل الحَقِّ؛ لأنه لا يُخلَّد صاحبُ الكبيرة في النار،
خلافاً للخوارج والمُعتزلة، وخُصَّ الزِّنا والسرقة بالذِّكر؛ لكونهما من
أفحش الكبائر، وهذا الحديث داخل في أحاديث الرَّجاء، انتهى(١).
وفيه: الاعتناء برعاية الأدب، وتعظيم أمر العالم المقتدى [به]، وإن
عَنَّ له أن المصلحةَ في مُخالفة أمره؛ يتهم رأيَهُ؛ فإن الموفَّقَ لرعاية الأدب
هو الواصلُ عن قريب إلى شَأْوِ العُلى، وقيل: ما وصل مَن وصل إلا
بالأدب، وفيه: أن المؤمن قد يسمع صوتَ الملَك.
٤٦٦ - وعن أبي هريرةَ ﴿ه، عنْ رَسُولِ اللهِوَِّ، قالَ: ((لَوْ
كَانَ لِي مِثْلُ أُحُدٍ ذَهَباً، لَسَرَّنِي أَنْ لاَ تَمُرَّ عَلَيَّ ثَلاثُ لَيَالٍ وَعِندي
مِنْهُ شَيءٌ، إلاَّ شَيْءٌ أُرْصِدُهُ لِدَينٍ))، متفقٌ عليه.
(الَشِ)
(ط): ((لسرني)) جواب (لو) الامتناعية، فيفيد أنه لم يسرُّه المذكور
بعده؛ لما أنه لم يكن عنده مثلُ أُحُد ذهباً، وفيه: مُبالغة، وذلك أنه يَّو لم
يَسرُّه كثرةُ مال ينفعه ديناً ودُنيا، فكيف بما لا منفعة فيه؟! وفي التقييد
بقوله: ((ثلاث ليال)) تتميم ومُبالغةٌ في سُرعة الإنفاق، فلا تكون (لا) في
قوله: ((أن لا تمر)) زائدةً، وقوله: «أرصده))؛ أي: أُعِدُّه وأحفظه، استثناءٌ
من قوله: ((شيء))، وجاز؛ لأن المُستثنى مطلقٌ عامٌ، والمُستثنى منه مُقيّد
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٧ / ٧٥).
١٨٩
خاصٌّ، ووجه رفعه: أن المُستثنى منه في سياق النفي؛ لِمَا مرَّ أن جوابَ
(لو) هاهنا في تقدير النفي، على أنه يجوز أن يُحمل على نفي الصَّريح في
(أن لا يمر)، وعلى حمل (إلا) على الصفة، انتهى (١).
فيه: الاعتناءُ بأداء الدَّيْن، وأنه لا يضرُّ المتوكل إدّخارُ مقدار ما يُؤدِّي
دَیَنَهُ.
٤٦٧ - وعنهُ، قالَ: قالَ رَسُولُ اللهِنَّهِ: ((انْظُرُوا إِلَى مَنْ هُوَ
أَسْفَلَ مِنْكُم، وَلا تَنْظُرُوا إِلَى مِنْ هُوَ فَوْقَكُم، فَهُوَ أَجْدَرُ أن لا تَزْدَرُوا
نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ))، متفق عليه، وهذا لفظ مسلمٍ.
وفي روايةِ البخاريٍّ: ((إِذَا نَظَرَ أَحَدُكُمْ إِلَى مَنْ فُضِّلَ عَلَيْهِ
في المالِ وَالخَلْقِ، فَلْيَنْظُرْ إِلَى مَنْ هُوَ أَسْفَلُ مِنْهُ».
(الجَادِي عَشَرِ)
(ط): ((في الخلق))؛ أي: في الخَلِيقة والصُّورة(٢).
(نه): (الازدراء): الاحتقار، والانتِقَاصُ، والعَيْبُ، وهو افتعال؛ من
زريت عليه زِرايةً: إذا عِبْتَه، وأَزْرَيْتُ به إزراءً: إذا قَصَّرت به، وتهاونت،
وأصل (ازدريت): ازتريت، قُلبت التاء دالاً؛ لأجل الزاي(٣).
(١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٥/ ١٥٢٢).
(٢) المرجع السابق، (١٠/ ٣٣١٢).
(٣) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (٢/ ٣٠٢).
١٩٠
(ن): قال ابن جرير وغيره: هذا الحديث جامعٌ لأنواع من الخير؛
لأن الإنسان إذا رأى مَن فُضِّل عليه في الدنيا؛ طلبت نفسُه مثلَ ذلك،
واستصغر ما عنده من نعمة الله تعالى، وحَرِص على الازدياد؛ ليلحقَ
بذلك، أو يُقاربَهُ، فأما إذا نظر في أُمور الدنيا إلى مَن هو دُونه فيها: ظهرت
له نعمةُ الله، فشكرها، وتواضع، وفعل فيه الخير(١).
(ق): مَن نظر إلى من فُضِّل عليه رُبَّما حمله ذلك إلى أن تمتدَّ عينُهُ
إلى الدنيا، فيُنافس أهلَها، وتتقطّعَ نفْسُه بحَسْرة فوتها، ويَحسُد أهلَها،
وذلك هو الهلاك في الدنيا والآخرة، وقوله: ((هو أجدر)) الضمير عائد إلى
مصدر (انظروا)، وأجدر؛ أي: أحَقُّ وأَوْجَبُ(٢).
(ك): هذا فيما يتعلق بزينة الدنيا، وأما في الدِّين وما يتعلق بالآخرة:
فينظر إلى مَن هو فوقَه؛ لتزيد رغبتُه في اكتساب الفضائل، انتهى(٣).
أنشد بعضُ الأدباء:
فِي دِينهِ ثُمَّ فِي دُنْيَاهُ إِقْبَالا
مَنْ شَاءَ عَيْشاً هَنِيْئاً يَستَفِیدُ بهِ
وَلِيَنْظُرَنَّ إِلى مَنْ دُونَهُ مَالا
فَلَيَنْظُرَنَّ إلى مَنْ فَوْقَهُ أَدَباً
قال بعضُ العلماء: ((أسفل منكم)) نصِبَ صفةً لمحذوف هو ظرف؛
كما في قوله تعالى: ﴿وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنكُمْ﴾ [الأنفال: ٤٢]، تقديره:
والرَّكْب ثابتٌ مكاناً أسفلَ منكم، والمعنى: لا يَطمحَنَّ نظرُكم إلى
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٨ / ٩٧).
(٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٧ / ١١٦).
(٣) انظر: ((الكواكب الدراري)) للكرماني (٢٣ / ١٢).
١٩١
الأغيار، وسَعة أموالهم؛ فإنكم إذا نظرتم إليهم؛ حَقَّرتُم نعمةَ الله عليكم،
وليست أهلاً للاحتقار، ولعل الله تعالى يعلم في ذلك من المصالح ما لا
تعلمونه، فإن في (١) عباد الله مَن لا يستصلحه إلا الفقرُ، وبالعكس، وقد
أخذ هذا المعنى محمودُ بن الحسن الوَرَّاق، فقال(٢):
ـمَالِ المُؤَثَّلِ والرِّيَاشْ
لا تَنْظُرَنَّ إلَى ذَوِي الـ
بِحَسْرَةٍ قَلِقَ الفِرَاشْ
فتَظَلَّ مَوْصُولَ النَّهَارِ
لَكَ أَوْ نَظِيرَكَ فِي المَعَاشْ
وانْظُرْ إِلى مَنْ كانَ مِثْـ
نَ وَتَرْضَ مِنْهُ بانتِعَاشْ
تَقْنَعْ بِعَيْشِكَ كيفَ کا
٤٦٨ - وعنهُ، عن النبيِّنَّهِ، قالَ: ((تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ وَالدِّرْهَمِ
وَالقَطِيفَةِ وَالْخَمِيصَةِ، إِنْ أُعْطِيَ، رَضِيَ، وَإِنْ لَمْ يُعْطَ، لَمْ يَرْضَ))،
رواه البخاري.
(الثَّانِى عَنْشِر)
،٧٠-
بقية الحديث («تَعِسَ وانْتُكَسَ، وإِذا شِيكَ؛ فلا انتَقَش، طُوبَى لِعَبْدٍ آخِذٍ
بعِنَان فَرَسِهِ فِي سَبيلِ اللهِ، أَشْعَثَ رَأْسُهُ، مُغبرَّةٍ قَدَمَاهُ، إن كانَ في الحِرَاسَةِ؛
كانَ فِي الحِرَاسَةِ، وإن كانَ في السَّاقَةِ؛ كانَ في السَّاقَةِ، إن اسْتَأْذَنَ؛ لم يُؤْذَنْ
(١) في الأصل: ((فادعى)).
(٢) في الأصل: ((يقال)).
١٩٢
لَهُ، وإن شَفَعَ؛ لم يُشفَّعْ))، رواه البخاريُّ(١).
(نه): تَعِسَ يَتْعَسُ: إذا عثرَ وانكَبَّ لوجهه، وهو دعاء عليه بالهلاك،
((وانتكس))؛ أي: انقلب على رأسه، وهو دعاءٌ عليه بالخَيْبة؛ لأن مَن
انتكس في أمره؛ فقد خاب وخَسِر، ((وإذا شيك)»؛ أي: شاکته شوكة، فلا
يقدر على انتقاشِها، وهو إخراجها بالمنقاش.
و ((القطيفة)): كِسَاء له خَمَلٌ، وعبدُها: هو الذي يعمل لها، ويهتم
بتحصیلھا .
و ((الخميصة)): هي ثوبُ خَزٍّ أو صُوف مُعْلَم، وقيل: لا تُسمَّى خَمِيصةٌ
إلا أن تكون سَوداءَ مُعْلَمةً، وكانت من لباس الناس قديماً، وجمعها
الخَمَائِص(٢).
(ط): خَصَّ العبدَ بالذِّكر؛ ليُؤذن بانغماسه في مَحبَّ الدنيا وشهواتها؛
كالأسير الذي لا خلاصَ له عن أَسْرِهِ، ولم يقل: مالك الدِّينار، أو جامعه؛
لأن المَذْمُومَ من الدنيا الزيادةُ على قدر الحاجة(٣).
وقوله: (إن أُعطي رضي، وإن لم يُعط؛ لم يرض)) يؤذن بشدة حِرْصِه
في جَمْع الدنيا، وطمعه فيما في أيدي الناس، وفي قوله: ((تعس وانتكس))
صيغةُ التَّرْدِيد مع الترقِّي، أعاد النَّعْسَ الذي هو الانكباب على الوجه؛ ليضمَّ
(١) رواه البخاري (٢٧٣٠).
(٢) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (١ / ١٩٠)، (١١٤/٥)، (٢/ ٥١٠)،
(٤/ ٨٤)، (٢ / ٨١).
(٣) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (١٠ / ٣٢٧٤).
١٩٣
معه الانتكاسَ الذي هو الانقلاب على الرأس؛ ليترقّى في الدُّعاء عليه من
الأهون إلى الأغلظ، ثم ترقَّى منه إلى قوله: ((وإذا شيك؛ فلا انتقش)) على
معنى أنه إذا أُوقِع في البلاء؛ فلا يُترخَّم عليه؛ فإن مَن وقع في بلاء إذا تَرحَّم
له الناس؛ ربما هان الخَطْبُ عليه، ويتسلَّى بعضَ التسلِّي، وهو بخلافه، بل
يزيد غيظُهم بفرح الأعداء، وشَمَاتتهم، وإنما خَصَّ انتقاشَ الشَّوْك بالذِّكر؛
لأن الانتقاشَ أسهلُ ما يُتصوَّر من المُعاونة لمَن أصابه مكروهٌ، فإذا نفى ذلك
الأهونَ؛ فيكون ما فوق ذلك منفياً بالطريق الأَوْلَى.
* قوله: ((إن كان في الحراسة)) :
(تو): أراد بالحِراسة الحِرَاسةَ من العَدُوِّ وأنْ يهجمَ عليه، وذلك يكون
في مُقدِّمة الجيش، و((الساقة)) مُؤخّرة الجيش، والمعنى: ائتماره لِما أُمر،
وإقامته حيث أُقيم، لا يَبْعُد مِن مكانه بحال، وإنما ذكر الحِراسةَ والسَّاقَةً؛
لأنهما أشدُّ مَشقَّة، وأكثر آفةً، الأوَّل عند دُخولهم دارَ الحرب، والآخر عند
خروجهم منها.
(ط): قد تقرَّر في علم المعاني أن الشَّرطَ والجزاءَ إن اتحدا؛ دلَّ
على فخامة الجَزاء، وكماله والشَّرطيتان مؤكدتان للمعنى السابق؛ فإن
قوله: ((آخذ بعنان فرسه)) يدل على اهتمامه بشأن ما هو فيه من المُجاهدة
في سبيل الله، وليس له هَمُّ سواه، لا الدِّرهم والدِّينار، فتراه أشعثَ رأسُه،
مُغْبَرَّةً قدماه، وإذا كان في الحِرَاسة؛ يبذل جُهدَه فيها، لا يفتُر عنها بالنوم
والغَفْلة ونحوهما؛ لأنه ترك نصيبه من الراحة والدَّعَة، وإن كان في سَاقَةٍ
الجيش؛ لا يخاف الانقطاعَ، ولا يهتمُّ إلى السَّبْق، بل يُلازم ما هو لأجله.
١٩٤
فعلى هذا: هذه القرينة إلى آخرها جاءت مُقابلةً للقرينة الأُولى، فدَلَّت
الأُولى على اهتمام صاحبها بعَيْش العَاجلة، والثانية على اهتمام صاحبها بعَيْش
الآجلة(١).
(تو): في قوله: ((لم يؤذن))، و((لم يشفع)) إشارةٌ إلى عدم التفاته إلى
الدنيا وأربابها؛ بحيث يفنى بكُلِّيته في نفسه لا يبتغي مالاً ولا جاهاً عند الناس،
بل يكون عند الله وجيهاً، ولم يقبل الناسُ شفاعتَه، وعند الله شفيعاً مُشَفَّعاً.
٤٦٩ - وعنهُ، ﴿ه، قالَ: لَقَدْ رَأَيْتُ سَبْعِين مِنْ أَهْلِ الصُّفَّةِ،
مَا مِنْهُمْ رَجُلٌ عَلَيْهِ رِداءٌ، إِمَّا إِزَارٌ، وَإِمَّا كِسَاءٌ، قَدْ رَبَطُوا في
أَعْنَاقِهِمْ، فَمِنْهَا مَا يَبْلُغُ نِصْفَ السَّاقَيْنِ، وَمِنْهَا مَا يَبْلُغُ الكَعْبَيْنِ،
فَيَجْمَعُهُ بِيَدِهِ كَرَاهِيَّةَ أَنْ تُرَى عَوْرَتُهُ»، رواه البخاري.
(الثَّالِثُ عَشَرٌ»
* قوله: ((لقد رأيت سبعين من أهل الصفة)) كانت في شِماليٍّ
مسجده ﴿، ينزل بها الغُرباء الذين ليس لهم أهلٌ وأصحابٌ.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: لم يكن أهل الصُّفَّة ناساً
بأَعِيُِّهِم يلازمون الصُّفَّةَ، بل كانوا يَقِلُّون تارةً، ويكثرون أُخرى، ويقيم
الرجل بها أياماً، ثم ينتقل منها، والذين ينزلون بها هم من جنس سائر
(١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (١٠/ ٣٢٧٥).
١٩٥
المسلمين، ليس لهم مَزِيةٌ في علم ولا دين، بل فيهم من ارتدَّ عن الإسلام
وقتله بَّهِ؛ كالعُرنيِّين، ونزلها من خِيَار المُسلمين سعدُ بن أبي وَقَّاص،
وهو أفضلُ مَن نزل بالصُّفَّة، ثم انتقل عنها، ونزلها أبو هريرة، وغيره، وقد
جمع أبو عبد الرحمن السُّلَميُّ تاریخَ مَن نزل بالصُّفّة، وقد رُوي أنه كان بها
غلامُ المُغيرة بن شعبة، وأن النبيَّ وَِّ قال: ((هذا وَاحِدٌ من السَّبعَةِ))، وهذا
الحدیثُ كَذِبٌ باتفاق أهل العلم(١).
(نه): ((الرداء»: هو الثوب، أو البُرْدُ الذي يضعه الإنسان على عاتقه،
وبین کتفيه فوق ثيابه(٢).
(ط): أي: لم يكن له ثوبٌ يَترَّدى به، بل كان له إما إزارٌ فحَسْبُ،
أو كساء فحَسْبُ، وتأنيث الضمير في ((منها)) باعتبار الجمعية في الأكسِية
والأُزُر، وتعدُّد المُكْتَسِين، والإفراد في ((بيده) باعتبار الرَّجُل المذكور(٣).
٤٧٠ - وعنهُ، قالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((الدُّنْيَا سِجْنُ المُؤْمِنِ
وَجَنَّةُ الكَافِرِ))، رواه مسلم.
(الزَّزَةُ عَنْشَ)
(ن): كون الدنيا سِجْنَ المؤمن: معناه أن المؤمن مَسجونٌ ممنوعٌ في
(١) انظر: ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (١١ / ١٦٧).
(٢) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (٢ / ٢١٧).
(٣) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (١٠ / ٣٣١٢).
١٩٦
الدنيا عن الشَّهَوات المُحرَّمة والمكروهة، مُكلَّفٌ بفعل الطاعات الشاقَّة،
فإذا مات؛ استراح من هذا، وانقلب إلى ما أعد الله له من النعيم الدائم،
والرَّاحة الخالصة(١).
(ق): لأن المؤمن مُقيّد فيها بقيود التكاليف، مع ما هو فيه من توالي
أنواع البلايا والمِحَن، والمُكابدات من الهُموم، والغُموم، والأنداد،
والعِيال، والأولاد، فأشدُّ الناس بلاءَ الأنبياءُ، ثم الأولياء، وثم الأمثل
فالأمثل، يُبتلى الرَّجلُ على حسَب دينه، ثم هو في هذا السجن على غاية
الخَوْف والوَجَل؛ إذ لا يدري بماذا يُختَم له من عمل، وهو يتوقَّع أمراً لا
شيء أعظم منه، ويخاف هلاكاً لا هلاكَ فوقه، والكافر مُنفَكٌّ عن تلك
التكاليف، آمِنٌ من تلك المَخاويف، مُقبلٌ على لذَّاته، مُنهَمِكٌ في
شهواته، مُغتَرٌّ بمُساعدة الأيام، يأكل ويتمتَّعُ كما تفعل الأنعام، وعن قريب
يستيقظ من هذه الأحلام، ويَحصُل في السِّجن الذي لا يُرام، نسأل الله
السَّلامةَ من أهوال يوم القيامة (٢).
(فا)(٣): أو أراد أن الدنيا للمؤمن كالسِّجن في جَنْب ما أُعِدَّ له من
المَثُوبة، وللكافر كالجنة في جَنْب ما أُعِدَّ له من العُقوبة، انتهى(٤).
ويؤيد هذا التأويلَ ما رُوي أن يهودياً تعرَّض للحسن بن علي
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٨ / ٩٣).
(٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٧ / ١٠٩).
(٣) رمزٌ لكتاب ((الفائق)) للزمخشري، ونبهنا عليه؛ لأنه لم يذكره في المقدمة.
(٤) انظر: ((الفائق في غريب الحديث)) للزمخشري (٢ / ١٧٥).
١٩٧
وهو في شَظَف من حاله، والحسن ﴿ راكبٌ على بغلة فَارِهَة، عليه
ثيابٌ حسَنةٌ، فقال: جَدُّك يقول: ((الدُّنيا سِجْنُ المُؤمن، وجَنَّةُ الكَافِر))،
فأنا في السِّجن، وأنت في الجنة، فقال: لو علمت ما لك وما ترتَّب لك
من العذاب؛ لعلمت أنك مع هذا الضُّرِّ هاهنا في الجنة، ولو نظرت إلى
ما أُعِدَّ لي في الآخرة؛ لعلمتَ أني مُعذَّب في السِّجن هاهنا، أنشد منصورٌ
الفقيهُ:
هُ كَذا قالَ الرَّسُولُ
جَنَّةُ الكَافِرِ دُنْيًا
حُزْنُه فِيهِ يَطُولُ
وَهْيَ للمُؤْمِنِ سِجْنٌ
(ط): لمَّا مات داودُ الطائيُّ؛ سمع هاتفاً يَهْتِفُ: أُطلق داودُ من
السِّجن، قال شيخنا شيخ الإسلام أبو حفص السُّهْروَرْديُّ: إن السجنَ
والخروج منه يتعاقبان على قلب المؤمن على توالي الساعات، ومُرور
الأوقات؛ لأن النفس كلَّما ظهرت بصِفَاتها؛ أظلم الوقت على القلب حتى
ضاقَ وانكمَد، وهل السِّجن إلا تضييقٌ وحَجْرٌ من الخُروج والوُلوج؟!
وكُلَّمَا هَمَّ القلب بالتبرُّز عن مَشائِم الأهواء الدُّنيوية، والتخلُّص عن قيود
الشَّهَوات العاجلة؛ تسبّاً إلى الآجلة، وتنزهاً في فضاء المَلَكُوت،
ومُشاهدة الجمال الأزَليِّ؛ حَجَرهُ الشيطان المَردودُ عن هذا الباب،
المَطرودُ بالاحتجاب، فتدلَّى بحَبْل النفس الأمّارة إليه، فكدّر صَفْوَ العَيْش
عليه، وحال بينه وبين مَحبُوب طبعه، وهذا من أعظم السُّجون وأَضيقِها؛
فإن مَن حِيلَ بينه وبين مَحبُوبه؛ ضاقت عليه الأرضُ بما رَحُبَت، وضاقت
عليه نفسُه؛ ولهذا المعنى أخبر الله تعالى عن جماعة من الصحابة حيث
١٩٨
تخلَّفوا عن رسول الله وَّه في بعض الغزوات(١).
*
٤٧١ - وعَنِ ابنِ عُمَرَ ﴾، قال: أَخَذَ رَسُولُ اللهِ وَ﴾
بِمَنْكِبَيَّ، فقال: (كُنْ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ، أَوْ عَابِرُ سَبِيلٍ)).
وَكَانَ ابنُ عمرَ ﴿﴾ يقول: إذَا أَمْسَيْتَ، فَلا تَنْتَظِرِ الصَّبَاحَ، وَإِذَا
أَصْبَحْتَ، فَلا تَنْتَظِرِ المَسَاءَ، وَخُذْ مِنْ صِحَّتِكَ لمَرَضِكَ، وَمِنْ
حَيَاتِكَ لِمَوتِكَ، رواه البخاري.
قالوا في شرح هذا الحديث معناه: لا تَرْكَنْ إِلَى الدُّنْیا،
وَلاَ تَتَّخِذْهَا وَطَناً، وَلا تُحَدِّثْ نَفْسَكَ بِطُولِ البَقَاءِ فِيهَا، وَلاَ
بالاغْتِنَاءِ بِهَا، وَلاَ تَتَعَلَّقْ مِنْهَا إلَّ بِمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ الغَرِيبُ في غيرِ
وَطَنِهِ، وَلاَ تَشْتَغِلْ فِيهَا بِمَا لا يَشْتَغِلُ بِهِ الغَرِيبُ الَّذِي يُريدُ
الذَّهَابَ إلى أَهْلِهِ، وَبالله التَّوْفِيقُ.
(الَّيُِّ عَةِ)
قوله: ((أخذ بمنكبي)): فائدته إظهار المُلاطفة، وأنه من بطانته
وخَواصِّه، وليزيد تنبُّهه، ويستعدَّ لفهم ما يُلَقى إليه.
(ك): ((كأنك غريب)) كلمة جامعة لأنواع النصائح؛ إذ الغريبُ لقِلَّة
(١) يعني: قوله تعالى: ﴿وَ عَلَى الثََّثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُواْ حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ﴾
[التوبة: ١١٨]، وانظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (١٠ / ٣٢٧٢).
١٩٩
معرفته بالناس قليلُ الحَسَد، والعَداوة، والحِقْد، والنِّفاق، وسائر الرَّذائل التي
منشؤها الاختلاط بالخلائق، ولقِلَّة إقامته قليلُ الدَّار، والبُستان، والمزرعة،
والأهل، والعِيال، وسائر العَلائق التي هي منشأ الاشتغال عن الخالق.
وقوله: ((أو عابر سبيل)) من باب عطف العامٌّ على الخاصِّ، وفيه:
نوع من الترقِّي والترغيب إلى الآخرة، والتوجُّه إليها، وأنها هي المَرجِعُ
ودار القَرار، انتهى(١).
قال الترمذيُّ الحَكِيم: الغريب نازعٌ قلبُه إلى الوطن، شَاخِصٌ أملُه متى
يُنادَى بالرحيل؛ فيرتحل، فكُلَّما قطع مرحلة؛ خَفَّ ظهرُه، وهاج شَوقُه،
ينتظر نفاد المَراحل، ونهايةَ المسافة، فإذا بلغ آخرَ مرحلة؛ قلق وضاق ذَرْعاً،
فإذا وقع بصرُه إلى وطنه؛ رَقَّ ودمَعت عيناه، فبكى مِن طُول الغُربة، ومُقاساة
الوحَشْة، ثم بكى؛ فرحاً بوصوله إلى الوطن، ونظره إلى الأحباب والأُلاَّف.
فعلى هذه الصفة دلَّه رسولُ اللهِ وَّةِ؛ أن يكون نازعَ القلب إلى دار
السَّلام شاخصاً عينَه إلى دعوة السيِّد المَنَّان، ينتظر متى يُدعى؛ فيطير،
فكُلَّما قطع يوماً من عُمره؛ خَفَّ ظهرُه، وهاج شَوْقُه، ينتظر نفاد الأيام
واللَّيالي، فإذا بلغ آخر يومه؛ قلق وضاق ذَرْعاً؛ لخوف الخَطَر الذي رَكبه،
لا يدري بم يُختَم له؟! فإذا كُشِفِ الغِطاء عنه، وبُشِّر بالسَّلام(٢)، ورأى
مكانَهَ من وطنه؛ رَقَّ وبكى مِن طول الغُرْبة، ومُقاساة جَهْدِ النفس، ثم
بکی؛ فرحاً بلقاء مولاه، ووُصوله إليه(٣).
(١) انظر: ((الكواكب الدراري)) للكرماني (٢٢ / ١٩٤).
(٢) في الأصل: ((الإسلام)).
(٣) انظر: ((نوادر الأصول)) للحكيم الترمذي (٢/ ٧٣ - ٧٤).
٢٠٠