النص المفهرس

صفحات 161-180

قال أبو عُثمانَ: الزُّهد: أن تترك الدنيا رأساً، ثم لا تُبالي مَن أخذها.
وقال مُحمَّد بن خَفِيف: الزُّهد: سُلُؤُّ القلب عن الأسباب، ونَفْضُ
الأيدي من الأملاك، وقال أيضاً: وُجود الراحة في الخروج من المُلك.
وقيل: الزُّهد خَلْعُ الراحة، وبَذْل المجهود، وقطع الآمال.
وقال أبو سُفيان بن مِسْعَر، وأبو رَوْحٍ وغيرهما مِن البَصريين : الزُّهد في
الدنيا: معرفة صِغَر قَدْرها، ثم لا يَضُّك التنعُّم بها إذا كنت عارفاً بِقَدْرها، ولا
يضرُّك أخذُها وتركُها، فسَمَّوا معرفةَ صِغَر قدرها زُهداً.
وقال سُفيان الثوريُّ: الزهد في الدنيا: قِصَرُ الأَمَل، ليس بأكل
الغَليظ، ولا لُبس العَباءِ.
وقيل: الزَّاهد لا يفرح بمَوجود من الدنيا، ولا يأسَفُ على مفقود
منها .
وقال رجل ليحيى بن معاذ: متى أدخل حانوتَ التوكُّل، وألبس رِداءَ
الزَّاهد، وأقعد مع الزَّاهدين؟ فقال: إذا صرت من رياضتك لنفسك في
السِّرِّ إلى حَدٍّ لو قطع الله عنك الرِّزْقَ ثلاثة أيام؛ لم تَضعُّف في نفسك، فأما
ما لم تبلغ هذه الدرجةَ: فجُلوسُك على بساط الزاهدين جَهلٌ، ثم لا آمَنُ
أن تفتَضَحَ، انتھی(١).
(الغزالي): الانقطاعُ عن الدنيا، إما بانزواء الدنيا عن العبد، ويُسمَّى
ذلك فقراً، وإما بانزواء العبد عن الدنيا، ويُسمَّى زُهداً، ولكل واحد منهما
(١) انظر: ((الرسالة القشيرية)) (ص: ١١٥).
١٦١

درجةٌ في نَيَّل السَّعادات، وحَظُّ في الإعانة على الفوز والنجاة(١).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: الزهد: ترك ما لا ينفع في الآخرة،
والوَرَع: ترك ما يخاف ضرَرُه في الآخرة، وهذه العبارة مِن أحسن ما قيل
في الزُّهد والوَرَعِ، وأَجمَعِها (٢).
* قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا كَمَآءٍ أَنْزَلْنَهُ مِنَ السَّمَآءِ ﴾ [يونس: ٢٤]
الآيةَ، ضرب الله تبارك وتعالى مثلاً لزهرة الحياة الدنيا، وزينتها، وسرعة
انقضائها وزوالها بالنبات الذي أخرجه الله من الأرض بما أنزل اللهُ مِن السَّماء
من الماء؛ من زُروع وثمار على اختلاف أنواعها وأصنافها، وما تأكل الأنعام
مِن أَبِّ وقَضْبٍ، وغير ذلك، ﴿حَّ إِذَا أَخَذَتِاَلْأَرْضُ زُخْرُفَهَا ﴾ [يونس: ٢٤]؛ أي:
زينتَها الفانية، ﴿وَأَزَّيَّنَتْ﴾ [يونس: ٢٤]؛ أي: حَسُنَت بما خرج في رُباها من
زُهور نَضِرَةٍ مُختلفة الأشكال والألوان، ﴿وَظَرَ أَهْلُهَا ﴾ الذين زرعوها
وغرسوها ﴿أَنَّهُمْ قَدِرُونَ عَلَيْهَا﴾ أي: على جَدَادها وحَصادها، فبيناه
كذلك؛ إذ جاءتها صاعقةٌ، أو ريح باردة، فأيبست أوراقَها، وأتلفت ثمارَها،
﴿فَجَعَلْنَهَا حَصِيدًا﴾؛ أي: يَبَساً بعد تلك الخُضرة والنَّضَارة ﴿كَن لَّمْ تَغْنَ
بِالْأَمْسِ﴾؛ أي: كأنها ما كانت حِيناً قبل ذلك، وقال قتادة: ﴿كَأَن لَّمْ تَغْنَ﴾
كأن لم تنعم(٣) ﴿كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآَيَتِ﴾؛ أي: نُبيِّن الحُجَجَ والأدِلَّةِ ﴿لِقَوْمٍ
يَنَفَكَّرُونَ﴾ فيعتبرون بهذا المثل في زوال الدنيا عن أهلها سريعاً، مع
اغترارهم وتمسُّكهم بمَواعِدِها، ونقلَتِها عنهم؛ فإن من طبعها الهَربَ ممَّن
(١) انظر: ((إحياء علوم الدين)) للغزالي (٤ / ١٩٠).
(٢) انظر: ((مدارج السالكين)) لابن القيم (٢ / ١٠).
(٣) في الأصل: ((تنغمر)).
١٦٢

طلبها، أو الطلب لمَن هرب منها (١).
(الوَاحِدِيُّ): ﴿كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِّ﴾ ؛ أي: كأن لم يكن أمسٍ، ولم
تقِم على الصِّفة التي كانت قبلُ؛ من قولهم: غَنِيَ القومُ بالمكان: إذا أقاموا
به، وقال الزَّجَّاج: كأن لم تُعْمَر بالأمس، والمَغاني: المنازل التي يَعمُّرها
أهلها بالنزول .
(قض): ﴿بِالْأَمْسَّ﴾؛ أي: فيما قُبَيله، وهو مَثلٌ في الوقت القريب،
والمُمَثَّل به مضمونُ الحكاية، وهو زوال خُضرة النبات فجأةً، وذهابه
حُطاماً بعدما كان غَضّاً، والتفَّ وزَيَّن الأرضَ، حتى طمع فيه أهلُه، وظَنُوا
أنه قد سلم من الجوائح، لا الماء، وإن وَلِيَه حرفُ التشبيه؛ لأنه من التشبيه
المُركَّب، وخَصَّ المُتفكّرین؛ فإنهم الذین ینتفعون به، انتهى(٢).
قال الحافظ أبو الفرج بن الجَوزيِّ: الحِكمةُ في تشبيه الدنيا بالماء
عشرةُ أقوال:
أحدها: أن الماء يجري بالطَّبْعِ، ولا يستَقِرُّ، كذلك الدنيا لا تَستقِرُّ.
الثاني: أن قليل الماء يكفي، وكثيره يُهلك؛ كذلك الدنيا قليلُها
یکفي، و کثیرها یلھي.
الثالث: أن الماء إذا طال حَبْسُه؛ تغيَّر وفسد، واستحال في حَقِّ
مُتناوِلِه سُقْماً؛ كذلك الدنيا لِمُمْسِكها بَلاءٌ وأَدىّ.
الرابع: أن الماء إذا سقى الشَّجرَ؛ أبان عن جوهرها بإظهار ثمرها؛
(١) انظر: ((تفسير ابن كثير)) (٧/ ٣٥٠).
(٢) انظر: ((تفسير البيضاوي)) (٣/ ١٩٣).
١٦٣

كذلك الدنيا تبرز جواهرَ الرِّجال من کریم ولئيم.
الخامس: أن الماءَ يستر عيبَ الأرض، والمال يستر عيبَ الشخص.
السادس: أن المطرَ لا يأتي بحَوْل مُحتال؛ كذلك المال لا يُجتَبُ
بغير الأقدار.
السابع: أن الإنسان لا يقدر على دفع المطر؛ كذلك لا يقدر على رَدِّ
ما قُسِم له من الدنيا.
الثامن: أن الزرعَ يفسد إذا أُكثر عليه الماءُ؛ كذلك القلبُ يفسد
بالمال والتكاثر.
التاسع: أن الماء يُطهِّر الأنجاسَ؛ كذلك التصدُّق بالمال يُزيل
الأوساخَ.
العاشر: أن المال إذ اجتمع؛ سال؛ كذلك الدنيا إذا تمَّت؛ مَرَّت.
* قوله تعالى: ﴿ وَأَضْرِبْ لَمُ مَّثَلَ الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا﴾ [الكهف: ٤٥]:
أي: في زوالها، وفَنائها، وانقضائها؛ ﴿كَمَآءٍ أَنزَلْنَهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ
◌ِهِ، نَبَاتُ الْأَرْضِ﴾؛ أي: بما فيها من الحَبِّ، فشَبَّ وحَسُن، وعلاه الزهرُ
والنَّوْرُ والنُّضرةُ، ثم بعد هذا كُلِّه أصبح هَشِيماً يابساً ﴿نَذْرُوهُ اَلَِّخُ﴾؛ أي:
تُفرِّقه وتطرحه ذات اليمين وذاتَ الشمال، وكثيراً ما ضرب اللهُ مثلَ الحياة
الدنيا بهذا المثل؛ كما في (سورة الزمر): ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَآءِ
مَآءُ﴾ [الزمر: ٢١] الآيةَ، وفي (سورة الحديد): ﴿أَعْلَمُواْ أَنَّمَا الْحَيَوَةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ
وَلَوٌ ﴾ [الحديد: ٢٠] الآيةَ(١).
(١) انظر: ((تفسير ابن كثير)) (٩/ ١٤١).
١٦٤

· وقوله: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُّونَ زِينَةُ الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا﴾ [الكهف: ٤٦]؛ أي: الإقبال
على عبادة الله، والتفرُّغ لطاعته خيرٌ لكم من اشتغالكم بهم، والجَمْعِ لهم،
والشَّفَقة المُفرطة عليهم، ﴿وَالْبَقِيَتُ الصَّالِحَتُ خَيرُ﴾ من الصلوات الخمس،
قاله ابن عباس، وسعيد بن جبير وقالا أيضاً: هُنَّ: سبحان الله، والحمد لله،
ولا إله إلا الله، والله أكبر، وكذا قال سعيد بن المُسيَّب، ومجاهدُ، والحسنُ،
ورُوي مرفوعاً إلى النبيِّ ◌َّ، وروى عليُّ بن طلحة عن ابن عباس: قوله تعالى:
﴿وَالْبَقِيَتُ الصَّالِحَتُ ﴾ [الكهف: ٤٦]، قال: هي ذكر الله؛ قَولُ: لا إله إلا الله،
والله أكبر، وسُبحان الله، والحمد لله، وتبارك الله، ولا حولَ ولا قُوَّةَ إلا بالله،
وأستغفر الله، وصلى الله على رسول الله، والصِّيام، والصَّلاة، والحَجُّ،
والصَّدَقة، والعِثْقُ، والجهاد، والصِّلَة، وجميع أعمال الحَسَنات؛ إذ هُنَّ الباقيات
الصالحات التي تبقى لأهلها في الجنة ما دامت السماواتُ والأرض(١).
* قوله تعالى: ﴿أَنَّمَا الْحَيَوَةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَوٌ وَزِينَةٌ﴾ [الحديد: ٢٠]، يقول
تعالى مُوَهِّناً أمرَ الحياة بأنها لعبٌ، وزِينٌ، وتفاخُرٌ، وتكاثر، ثم ضرب لها
مثلاً في أنها زَهرةٌ فانية، ونِعمةٌ زائلة، فقال: ﴿كَمَثَلِ غَيْتٍ ﴾ [الحديد: ٢٠]،
هو المطر الذي يأتي بعد قُنوط الناس، فيُعجِبُ الزُّرَّاعَ نباتُ ذلك الزرع
الذي ينبت بالغَيْث، وكما يُعجِبُ ذلك؛ كذلك تُعجِبُ الحياةُ الدنيا الكفّارَ؛
فإنهم أَحرصُ شيءٍ عليها، وأَمْيَلُ الناس إليها، ثم يَهِيجُ ذلك الزرع، فتراه
مُصفرًاً بعد ما كان أخضرَ نَضِراً، ثم يكون بعد ذلك كلُّه يَبَساً مُتحَطّماً؛
كذلك الحياة الدنيا تكون أولاً شابّةً، ثم تَكْتَهِلُ، ثم تكون عجوزاً شَوْهاء،
والإنسان كذلك يكون في أَوَّل عُمره غَضّاً طَرِيّاً بَهِيَّ المَنظر، ثم يشرع في
(١) انظر: ((تفسير ابن كثير)) (٩ / ١٤٢).
١٦٥

الكُهولة، فتتغير طِبَاعُه، ويفقد بعض قِوَاهُ، ثمَّ يَكبَرُ، فيصير شيخاً كبيراً،
ضعيفَ القِوى، قليلَ الحركة، يُعجِزه الشيءُ اليسير، ولمَّا كان هذا المثلُ
دالاً على زوال الدنيا وانقضائها؛ رَغَّبَ فيما في الآخرة من الخير، وحَذَّر
من عذابها، فقال: ﴿وَفِ الْآَخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ ﴾ [الحديد: ٢٠]؛
أي: ليس في الآخرة القريبة إلا إما هذا وإما هذا.
﴿وَمَا الْحَوَةُ الدُّنْيَآ إِلَّا مَنَعُ الْغُرُورِ﴾ [الحديد: ٢٠]؛ أي: هي مَتاعٍ، فإن
عاد لمَن رکن إلیه؛ فإنه یغتُّ بها، ويُعجِبُه، حتى يعتقد أنه لا دارَ سِواها،
وهي حقيرةٌ قليلة بالنسبة إلى الدار الآخرة.
روى ابن جرير عن أبي هريرة قال: قال رسولُ الله ◌َِّ: «مَوضعُ سَوْطٍ
من الجَنَّة خَيرٌ مِنَ الدُّنيا وما فيها؛ اقرؤوا: ﴿وَمَا الْحَيَوَةُ الدُّنْيَآ إِلَّا مَنَعُ الْغُرُورِ ﴾
[الحديد: ٢٠]))(١) .
* قوله تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَاَلْبَنِينَ ﴾ [آل
عمران: ١٤]، يخبر تعالى عَمَّا زُيِّن للناس في هذه الدُّنيا من أنواع المَلاذِّ؛ من
النساء، والبنين، فبدأ بالنساء؛ لأن الفتنة بهِنَّ أشدُّ؛ كما في الصَّحيح: أنه وَّ
قال: ((ما تَركْتُ فِتْنَةً أَضرَّ على الرِّجَالِ من النِّساءِ))(٢)، فأما إذا كان القَصْدُ بهنَّ
الإعفافَ، وكثرةَ الأولاد: فهذا مَطلوبٌ مَرغوبٌ فيه، وحُبُّ البنين يكون
[تارة] للتفاخر والزِّينة، فهو داخل في هذا، وتارة يكون لتكثير أُمّة مُحمَّد ◌َه
مِمَّن يعبد اللهَ وحدَه، فهذا ممدوحٌ مَحمودٌ، وكذلك حُبُّ المال تارةً يكون
(١) رواه ابن جرير الطبري في ((تفسيره)) (١٣ / ٤٢٨). وهو حديث صحيح. انظر:
((صحيح الجامع الصغير)) (٦٦٣٥).
(٢) رواه البخاري (٥٠٩٦)، ومسلم (٢٧٤٠ / ٩٧)، من حديث أسامة بن زيدظـ
١٦٦

للفَخْرِ والخُيَلاء، والتكبُّر على الضُّعفاء، فهذا مَذمومٌ، وتارةً يكون للنفقة في
القَرابات، وصِلَة الأرحام، ووجود البرِّ والطاعات، فهذا مَحمودٌ شرعاً،
والقِنْطارُ: المالُ الجَزيل، وقيل: ألف دينار، وقيل: ألف ومئة دينار،
وقيل: اثنا عشر ألفاً وقيل: أربعون ألفاً، وقيل: ستون ألفاً، وقيل: سبعون
ألفاً، وقيل ثمانون ألفاً.
وفي ((مسند أحمد)) عن أبي هريرة به قال: قال رسول الله ولي تى :
(القِنْطَارُ: اثنا عشرَ أَلَفَ أُوْقِيّة؛ كلُّ أُوْقِيَّةٍ خَيرٌ مِمَّا بِينَ السَّمَاءِ والأَرْضِ))(١).
وفي ((مستدرك الحاكم)) عن أنس بن مالك قال: سُئل رسولُ اللهِ وَاهـ
عن قول الله ◌ّ: ﴿وَالْقَتَطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ﴾ [آل عمران: ١٤]؟ قال: ((القِنْطَارُ:
أَلْفَا أُوْقِيَّةِ))، صحيحٌ على شرط الشيخين، ولم يُخرِّجاه(٢).
وروى ابن أبي حاتم عن أبي سعيد الخُدريِّ قال: القِنْطَارُ: مِلءُ مَسْكِ
الثور ذهباً(٣).
وحُبُّ الخَيْل على ثلاثة أقسام:
أحدها: للجهاد في سبيل الله.
وثانيها: أن تُربطَ فخراً ونَوَاءً لأهل الإسلام، فهذه على صاحبها وزرٌ.
(١) رواه الإمام أحمد في ((المسند)) (٢/ ٣٦٣)، وهو حديث ضعيف. انظر: ((السلسلة
الضعيفة)» (٤٠٧٦).
(٢) رواه الحاكم في ((المستدرك)) (٢٧٣١) وهو حديث موضوع. انظر: ((ضعيف الجامع
الصغير)) (٤١٤٣).
(٣) رواه الدارمي في ((سننه)) (٣٤٥٨)، وابن أبي حاتم في «تفسيره)) (٣٢٥٩) وقال العيني
في ((عمدة القاري)» (٢٣ / ٤٨): وروي مرفوعاً والموقوف أصح.
١٦٧

وثالثها: للتعفُّف، واقتناء نَسْلِها، ولم ينس حقَّ الله في رِقابها، فهذه
لصاحبها سَتْرُ؛ كما ثبت في الصَّحيح، قال ابن عباس: المُسوَّمة: الراعية،
وقال مَكحولٌ: الغُرَّة والتَّحْجِيلُ(١).
وفي ((مسند أحمد)) عن أبي ذرِّ ◌َبه قال: قال رسول الله وَّ: ((ليسَ
مِنْ فَرَسِ عَرَبِيٍّ إِلاَّ يُؤْذَنَ لهُ معَ كُلِّ فَجْر يَدْعُو بَدَعْوَتين؛ يَقولُ: اللَّهُمَّ؛ إِنَّكَ
خَوَّلْتَنِي مَنْ خَوَّلتني مِن بَنِي آدَمَ؛ فاجْعَلْنِي مِن أَحَبِّ أَهْلِهِ ومَالِهِ إِلَيْهِ»(٢).
وقوله: ﴿وَاَلْأَنَْرِ﴾؛ يعني: الإبلَ، والبقر، والغنم، ﴿ذَلِكَ مَتَعُ
الْحَيَوَةِ الدُّنْيًّا﴾؛ أي: إنما هذه زهرةُ الحياة الدنيا، وزينتُها الفَانيةُ الزائلة (٣).
(الكشاف): المُزيِّنُ هو الله سُبحانه؛ للابتلاء؛ كقوله تعالى: ﴿إِنَّا
جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةٌ لََّا لِنَبْلُوَهُمْ﴾ [الكهف: ٧]، ويدلُّ عليه قراءةُ مجاهد
(زَيَّنَ) على تسمية الفاعل، وجعل الأعيانَ التي ذكرها شهواتٍ؛ مُبالغةً في
كونها مُشتهاةً مَحْرُوصاً على الاستمتاع بها، والوَجْه: أن يَقصِدَ تخسيسَها،
فيُسمِّيها شَهواتٍ؛ لأن الشهوة مُسترذلة عند الحُكَماء، مَذْمُومٌ مَن اتبعها،
شاهدٌ على نفسه بالبَهيميَّة، وقال: ﴿حُبُّ الشَّهَوَاتِ﴾ [آل عمران: ١٤]، ثم فسَّرها
بهذه الأجناس؛ ليكون أقوى لتَخْسِيسها، وأدلَّ على ذَمِّ مَن يَستعظِمُها،
ويتهالك عليها، ويَرجحَ طلبُها على طلب ما عند الله.
و﴿اَلْمُقَنَطَرَةِ﴾ مبنية من لفظ القنطار؛ للتوكيد؛ كقولهم أَلَفٌ مُؤْلَّفة،
(١) انظر: ((صحيح البخاري)) (٦/ ٣٣).
(٢) رواه الإمام أحمد في ((المسند)) (٥/ ١٧٠) وهو حديث صحيح. انظر: ((صحيح
الترغيب والترهيب)) (١٢٥١).
(٣) انظر: ((تفسير ابن كثير)) (٣/ ٣١).
١٦٨

ويَدْرَةٌ مُبَدَّرَةٌ، و﴿اَلْمُسَوَمَةِ﴾: المُعَلَّمة؛ من السُّومَة، وهي العلامة، أو
المَرْعِيَّة؛ من أسام الدابَّةَ، ﴿وَالْأَنْعَمِ﴾: الأزواج الثمانية(١).
* قوله تعالى: ﴿وَأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللّهِ حَّ فَلَا تَغُرَّتَّكُمُ الْحَيْوةُ الدُّنْيَا﴾
[فاطر: ٥]؛ أي: المَعادُ كائنٌ لا محالةَ، فلا يغرنكم العِيشَةُ الدَّنِية بالنسبة إلى
ما أعدَّ الله لأوليائه، وأَتباع رُسُله من الخير العظيم، فلا تلتهوا عن ذلك الباقي
بهذه الزَّهرة الفانية، و﴿الْغَرُورُ ﴾: الشيطان، قاله ابن عباس؛ أي: لا يَفْتِنكُم
الشيطانُ، ويَصْرِفَنَّكم عن اتباع رُسل الله، وتصديق كلماته؛ فإنه غَدَّارٌ كذَّابٌ
أَفَاٌ (٢).
* قوله تعالى: ﴿أَلَهَنْكُمُ اَلْتَّكَائِّرُ ) حَّ زُرْتُ الْمَقَابِرَ﴾ [التكاثر: ١ -٢]؛
أي: أَشْغلَكُمْ حُتُّ الدُّنيا ونَعَيمِها وزَهرتِها عن طلب الآخرة وابتغائها، وتمادى
بكم ذلك حَتَّى جاءكم الموتُ، وزُرتم المقابرَ، وصِرتُم مِن أهلها، وروى ابن
أبي حاتم عن [ابن] زيد بن أسلمَ عن أبيه قال: قال ◌َّ: ((﴿أَلَهَنْكُمُ التَّكَائِرُ﴾:
عن الطَّاعَةِ، ﴿حَّ زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾: حَتَّى يَأْتِيَكُم المَوتُ))(٣)، وقال الحَسنُ
البصريُّ: أَلْهَاكُم التكاثرُ في الأموال والأولاد (٤).
وفي «مسند أحمد)) عن مُطرِّف بن عبدالله [بن] الشِّخِّير، عن أبيه
قال: انتهيت إلى رسول الله وَّ، وهو يقول: ((﴿أَلَهَنْكُمُ التَّكَاثُرُ﴾؛ يقُولُ
(١) انظر: ((الكشاف)) للزمخشري (١ / ٣٧٠).
(٢) انظر: ((تفسير ابن كثير)) (١١ / ٣٠٦).
(٣) رواه ابن أبي حاتم في «تفسيره)) (١٠ / ٣٤٥٩)، وهو مرسل.
(٤) انظر: ((تفسير ابن كثير)) (١٤ / ٤٤٢).
١٦٩

ابنُ آدمَ: مَالي مَالي، وهل لكَ مِن مَالِكَ إلاَّ مَا أَكْلَتَ فَأَقْنَيْت، أو لَبِسْتَ
فَأَبْلَيْتَ، أو تَصدَّقتَ فَأَمْضَيتَ))(١)، زاد مسلم في ((صحيحه)): ((ومَا سِوَى
ذلكَ؛ فذَاهِبٌ وتَارِكُهُ لِلنَّاسِ)(٢)، وذكر الحافظ ابن عساكر عن الأَحنَف بن
قَيْس: أنه رأى في يد رجل درهماً، فقال: لمَن هذا الدِّرهمُ؟ فقال الرجل:
لي، فقال الرجل: إنما هو لك إذا أنفقتَه في أَجْرٍ، وابتغاء شُكر، ثم أنشد:
فَإِذا أَنفِقْتَهُ فالمَالُ لكَ(٣)
أَنْتَ لِلِمَالِ إِذا أَمْسَكْتَهُ
* قوله: ﴿كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ ، ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [التكاثر: ٣ -٤]،
قال الحسن: هذا وَعيدٌ بعدَ وعيد، وقال الضَّخَاك: ﴿كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾؛
يعني: الكُفَّارَ، ﴿ ثُمَّ كَلََّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ ﴾؛ يعني: أيها المؤمنون.
قوله: ﴿كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ﴾ [التكاثر: ٥]؛ يعني: لو علمتم حَقَّ
العلم؛ لما ألهاكم التكاثر عن طلب الدار الآخرة، حَتَّى صِرْتُم إلى المَقابر.
وقوله: ﴿لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ﴾ [التكاثر: ٦]: تفسيرٌ للوَعيد المُتقدِّم، وهو
قوله: ﴿كَلَّاسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ توعّدهم بهذا الحال، وهو رُؤية النار.
قوله: ﴿لَتُسْتَلُنَّ يَؤْمَيِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ [التكاثر: ٨]؛ أي: عن شُكر ما أنعم
الله به عليكم؛ من الصِّحَّة، والأَمْن، والرِّزق، وغير ذلك(٤).
وفي ((مسند الإمام أحمد)) عن جابر قال: أكلَ رسولُ الله ◌َِّ، وأبو
(١) رواه الإمام أحمد في ((المسند)) (٤ / ٢٤).
(٢) رواه مسلم (٢٩٥٩ / ٤)، من حديث أبي هريرة .
(٣) رواه ابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) (٢٤/ ٣٤٢).
(٤) انظر: ((تفسير ابن كثير)) (١٤ / ٤٤٥).
١٧٠

بكر، وعمر﴿﴿ رُطَباً، وشربوا ماءً، فقال النبيُّ ◌َّهِ: ((هَذا منَ النَّعِيمِ الذي
تُسألُونَ عَنْهُ))(١).
وفي (سنن الترمذي)) عن أبي هريرة قال: قال النبيُّ نَّهِ: ((إن أوَّل
ما يُسْأَلُ عنهُ - يعني: يومَ القيامة العَبْدَ - [من ] الَّعِيمِ أَن يُقالَ له: ألم نُصِحَّ لكَ
جِسْمَكَ، ونَزْوِيكَ مِنَ المَاءِ البَارد؟!))(٢).
وروى ابن أبي حاتم عن عكرمة قال: لمَّا نزلت هذه الآية؛ قالت
الصَّحابة: يا رسولَ الله؛ وأيُّ نعيم نحن فيه، وإنما نأكل في أنصاف بطوننا
خُبْزَ الشَّعير؟! فأوحى الله تعالى إلى نبيه وَّهَ: قل لهم: أَلَيْسَ يَحْتَذُونَ
النِّعَالَ، ويَشْرَبُونَ المَاءَ البارد؟! فهذا من النَّعيم(٣). وروى أيضاً عن ابن
مسعود، عن النبيِّ نَّهِ في قوله: ﴿ ثُمَّ لَتُسْتَلُنَّ يَؤْمَيِذٍ عَنِ النَّعِيمِ ﴾ [التكاثر:
٨]، قال: الأَمْنُ والصِّحَّة(٤)، وقال زيد بن أَسْلَمَ عن رسول الله وَّل في هذه
الآية: يعني: شِبَعَ البُطون، وباردَ الشَّراب، وظِلالَ المَساكِن، واعتدالَ
الخَلْقِ، ولَذَّةَ النوم(٥)، وقال مُجاهدٌ: عن كُلِّ لَذَّة من لَذَّات الدنيا.
وعن ابن عباس مَ﴾ قال: قال رسولُ الله ◌َّ: ((ما فوقَ الإزارِ، وظِلُّ
(١) رواه الإمام أحمد في ((المسند)) (٣/ ٣٥١). وهو حديث صحيح. انظر: ((صحيح
الجامع الصغير)) (٧٠٠١).
(٢) رواه الترمذي (٣٣٥٨). وهو حديث صحيح. انظر: ((صحيح الجامع الصغير))
(٢٠٢٢).
(٣) رواه ابن أبي حاتم في ((تفسيره)) (١٩٤٦٢)، وهو مرسل.
(٤) رواه ابن أبي حاتم في ((تفسيره)) (١٩٤٦١).
(٥) حديث مرسل، وانظر: ((تفسير ابن كثير)) (١٤ / ٤٤٩).
١٧١

الحَائِطِ، وخُبْزٌ(١) يُحاسَبُ العَبْدُ به يومَ القِيَامةِ، أو يُسألُ عنه))، رواه البزَّار (٢).
وفي ((مسند أحمد)) عن أبي هريرة ◌ُه، عن النبيِّ وَّ: ((يَقولُ اللهُ ◌َ
لابنِ آدمَ: حَمَلْتُكَ على الخَيْلِ والإِبِلِ، وزُوَّجْتُكَ النِّسَاءَ، وجَعلتُكَ تَرْبَعُ
وتَرْأَسُ، فَأَيْنَ شُكْرُ ذلك؟!))(٣).
(الكشاف): ﴿كَلَّا﴾ُ رَدْعٌ وتنبيةٌ على أنه لا ينبغي للناظر أن تكون الدنيا
جميعَ هَمِّه، ولا يهتمُّ لدينه، ﴿سَوْفَ تَعْلَمُونَ ﴾ إنذارٌ؛ ليخافوا، فينتبهوا عن
غَفْلَتِهِم، والتكرير تأكيدٌ للرَّدْع والإنذار، و﴿ ثُمَّ﴾ دلالةٌ على أن الإنذار الثاني
أبلغُ من الأول وأشدُّ؛ كما تقول: أقول لك، ثم أقول لك: لا تفعل،
المعنى: سوف تعلمون الخطأَ فيما أنتم عليه إذا عاينتم ما قُدَّامَكم من هَوْل لقاء
الله، وجواب ﴿لَوْ تَعْلَمُونَ﴾ محذوفٌ؛ أي: لو تعلمون مابين أيديكم علمَ
الأمر اليقين؛ كعلمكم ما تَسْتَقِنُونه؛ لفعلتم ما لا يُوصَفُ ولا يُكْتَنَّهُ، ولكنكم
ضُلاَلٌ جَهلةٌ، واللام في ﴿ لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ﴾ جواب قَسَم محذوف،
والقَسَم؛ لتوكيد الوعيد؛ وأن ما أوعد به؛ لا مَدخلَ للرَّيْبِ فيه، وکرره
معطوفاً بـ (ثم)؛ تغليظاً بالتهديد، وزيادةً في التَّهْويل.
والنعيم الذي يسأل عنه الإنسانُ: هو نعيم مَن عكف هِمَّته على استيفاء
اللذَّات، فأما مَن تَقْوَّى بها على العلم والعمل، وكان ناهضاً بالشكر؛ فهو
(١) كذا في ((تفسير ابن كثير)) (١٤ / ٤٥٠)، والصواب: ((فضل)) مكان: ((وخبز)) كما في
(«مجمع الزوائد» للهيثمي (١٠ / ٢٦٧)، و((الترغيب والترهيب)) للمنذري (٤ / ٧٨).
(٢) حديث ضعيف. انظر: ((ضعيف الترغيب والترهيب)) (١٨٧٧).
(٣) رواه الإمام أحمد في ((المسند)) (٢ / ٤٩٢)، ورواه مسلم (٢٩٦٨ /١٦).
١٧٢

من ذلك بمَعْزِل(١).
* قوله تعالى: ﴿وَمَا هَذِهِ الْحَيَوَةُ الدُّنْيَاَ إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ﴾ [العنكبوت: ٦٤]
الآيةَ، يُخبر تعالى عن حَقارة الدنيا، وزوالها وانقضائها، وأنها لا دوامَ لها،
وأن غاية ما فيها لَهْوٌ ولَعِبٌ، ﴿وَإِنَّ الدَّارَ الْآَخِرَةَ لَهِىَ اَلْحَيَوَانُ﴾؛ أي:
الحياةُ الدائمة الحَقُّ الذي لا زوالَ له، ولا انقضاءَ، بل هي مُستمِرَّة أبدَ
الآباد، وقوله: ﴿لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٤]؛ أي: لو علموا؛
لآثروا ما بقي على ما يفنى(٢).
وأمَّا الأحاديثُ، فأكثرُ مِنْ أَنْ تُحْصَرَ، فَتُنَبِّهُ بِطَرَفٍ مِنها
على ما سواه.
٤٥٧ - عن عَمْروِ بْنِ عَوْفٍ الأنصاريِّ، ﴿هِ: أَنَّ رَسُولَ الله ◌ِهـ
بَعَثَ أبا عُبيدةَ بنَ الجِرَّاحِ عُه إلى البَحْرَيْنِ يَأْتِي بِجِزْيَتِهَا، فَقَدِمَ
بِمَالٍ مِنَ الْبَحْرَيْنِ، فَسَمِعَتِ الأَنصَارُ بِقُدُومٍ أَبِي عُبَيْدَةَ، فَوَافَوْا صَلاةَ
الفَجْرِ مَعَ رَسُولِ اللهِ وَّهِ، فَلَمَّا صَلَّى رَسُولُ اللهِ، انْصَرَفَ،
فَتَعَرَّضُوا لَهُ، فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللهِ وَهِ حِينَ رَآهُمْ، ثُمَّ قالَ: ((أَظُنُكُمُ
سَمِعْتُمْ أَنَّ أَبَا عُبَيْدَةَ قَدِمَ بِشَيءٍ مِنَ البَحْرَيْنِ؟)»، فقالوا: أَجَل
يا رَسُولَ الله، فقال: «أَبْشِرُوا، وَأَمَّلُوا ما يَسُؤُكُمْ، فَوَاللهِ! ما الفَقْرَ
(١) انظر: ((الكشاف)) للزمخشري (٤ / ٧٩٨).
(٢) انظر: ((تفسير ابن كثير)) (١٠ / ٥٢٩).
١٧٣

أَخْشَى عَلَيْكُمْ، وَلَكِنِّي أَخْشَى أَنْ تُبْسَطَ الدُّنْيَا عَلَيْكُمْ كَمَا بُسِطَتْ
عَلَى مَنْ قَبْلَكُمْ، فَتَنَافَسُوهَا كَمَا تَنَافَسُوهَا؛ فَتُهْلِكَكُمْ كَمَا أَهْلَكَتْهُمْ))،
متفقٌ عليه.
(الأَوْاُ)
(غب): ((الجزية)): ما يُؤخذ من أهل الذمَّة، وتسميتها بذلك؛ لاجتزائها
في حَقْن دَمِهم(١).
* قوله: ((فوافوا)) :
(ك): من المُوافاة، يقال: وافيت القومَ: أَتَيْتُهم(٢).
(ق): أي: جاؤوا فاجتمعوا عند صلاة الصُّبح معه؛ ليَقسِمَ بينهم ما جاء
به أبو عُبيدة؛ لأنهم أرهقتهم الحاجةُ والفَاقةُ التي كانوا فيها، لا الحِرْصُ على
الدُّنيا، والرَّغبة فيها؛ ولذلك قال لهم رسولُ الله ◌َّ: ((أبشروا وأَمّلوا ما يسرُّكم))،
وهذا تَهوينٌ منه عليهم ما هم فيه من شِدَّة، وبشَارةٌ لهم بتعجيل الفتح عليهم.
وقوله: ((ما الفقر)) منصوبٌ على أنه مفعول مُقدَّم، وفيه ما يدُلُّ على
أن الفقرَ أقربُ إلى السلامة، والاتساع في الدنيا أقربُ إلى الفتنة، نسأل الله
الكَفافَ والعَفافَ(٣).
(ط): فإن قلت: ما الفائدة في تقديم المفعول في القرينة الأولى دون
(١) انظر: ((مفردات القرآن)) للراغب (ص: ٩٣).
(٢) انظر: ((الكواكب الدراري)) للكرماني (٢٢ / ٢٠٠).
(٣) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٧ / ١١٢).
١٧٤

الثانية؛ يعني: قوله: ((أخشى أن تبسط الدنيا عليكم))؟
قلت: فائدتُه: الاهتمامُ بشأن الفقر؛ لأن الأب المُشْفِقَ [إنما يكون]
اهتمامُه بشأن الولد [و]ضَياعه، وإعدامِه المالَ، كأنه ◌َّ يقول: حالي
معكم خِلافُ حال الوالد؛ فإني لا أخشى الفقرَ؛ كما يخشاه الوالد، ولكن
خَوفي من الغِنى، ثم التعريف في ((الفقر)) إما أن يكون للعهد، فهو الفقر
الذي كانت الصَّحابةُ عليه؛ من الإعدام والقِلَّة، والبَسْط: هو ما بَسطَ الله
تعالى عليهم؛ من فَتْح البلاد، وإما للجنس، وهو الفقر الذي يعرفه كلُّ
أحد ما هو، والبسط الذي يعرفه كل أحد (١).
(نه): (التنافس) مِن المنافسة، وهي الرَّغبة في الشيء، والانفراد به،
وهو من الشيء النفيس الجَيِّد في نوعه، ونافست في الشيء مُنافسةً
ونِفَاساً: إذا رَغِبْتَ فيه، ونُفُس بالضم نِفاساً: إذا صار مرغوباً فيه، ونَفَسْتُ
به بالکسر؛ أي : بخلت(٢).
(ط): حذف إحدى التائين من ((تنافسوها))؛ تخفيفاً؛ والضمير في
(تنافسوها) منصوبٌ بنزع الخافض، وأصلُه: تنافسوا فيها، معناه: ترغبون
فيها، وتشتغلون بجمعها، وتَحرِصُون على إمساكها، فَتَطغَوْنَ بها
فتَهِلِكُون، قال تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنسَنَ لَطْغَ ن أَنْ زَّوَهُ أَسْتَغْفَ﴾ [العلق: ٦ - ٧]،
ويحتمل أن يكون هلاكُهم من أجل أن المال مرغوبٌ، فيطمع الناس فيه،
ويتوقَّعون منه، فمنعه منهم العداوة بينهم، ويفضي ذلك إلى المقاتلة(٣).
(١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (١٠ / ٣٢٧٨).
(٢) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (٥/ ٩٤).
(٣) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (١٠ / ٣٢٧٩).
١٧٥

(ق): معنی «تلھیکم»: تشغلکم عن أُمور دینکم، وعن الاستعداد
لآخرتکم(١).
٤٥٨ _ وعَنْ أَبِي سَعيدٍ الْخُدْرِيِّ ﴿ه، قالَ: جَلَسَ رَسُولُ اللهِ وَه
عَلى المِنْبَرِ، وَجَلَسْنَا حَوْلَهُ، فقالَ: إِنَّ مِمَّا أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِي
مَا يُفْتَحُ عَلَيْكُمْ مِن زَهْرَةِ الدُّنْيَا وَزِينَتِهَا»، متفقٌ عليه.
(الثَّانِى)
(ق): ((زهرة الدنيا)): زينتها، وما يُزهِرُ منها؛ مأخوذٌ من زهر الأشجار،
وهو ما يَصفَرُّ من نُؤَّارها، والنَّوْرُ هو الأبيض منه، هذا قول ابن الأعرابي،
وحكى أبو حنيفة أن النَّوْرَ والزَّهر سواءٌ، وقد فَسَّرها نَِّ [بأنها] بركات
الأرض؛ أي: ما تُزهر به الأرض من الخيرات والخِصْب، انتهى(٢).
بقية الحديث: فقال رجل: أوَ يأتي الخيرُ بالشرِّ يا رسول الله؟ فسكت
عنه رسولُ اللهِ وََّ، فقيل له: ما شأنُكُ تُكلُّم رسولَ اللهِ وَّهِ، ولا يُكلِّمك؟
قال: ورأينا أنه يُنزَلُ عليه، فأفاق يمسح الرُّحَضَاء، وقال: ((أين هذا
السائل؟))، وكأنه حَمِدَهُ، وقال: ((إنَّه لا يأتي الخَيرُ بالشرِّ، وإنَّ ممَّا يُنْبِتُ
الرَّبِيعُ يَقْتُلُ حَبَطاً، أو يُلِّمُّ، إلاَّ آكِلَةَ الخَضِرِ؛ فإنَّهَا أَكَلَتْ حَتَّى إذا امتَلَأَتْ
خاصرتاها؛ استَقْبِلَتِ الشَّمْسَ، فثلَطَتْ ويَالَتْ، ثم رَتَعَتْ، وإنَّ هذا المَالَ
(١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٧ / ١١٣).
(٢) المرجع السابق، (٣/ ٩٦).
١٧٦

خَضِرٌ حُلْوٌ، ونِعْمَ صَاحِبُ المُسلِم هو لِمَن أَعْطَى منهُ المِسْكِينَ، واليَئِیمَ،
وابنَ السَّبِيل، أو كَما قالَ رسولُ اللهِ وَّهِ، وإنه مَن يَأْخُذُه بغَيْرِ حَقِّهِ؛ كانَ
كالَّذِي يَأْكلُ ولا يَشْبَعُ، ويَكونُ عليه شَهِيداً يومَ القِيَامَةِ))، هذا لفظ مسلم (١).
(ن): [معناه]: أنه وَّهِ حَذَّرهم مِن زهرة الدُّنيا، وخاف عليهم منها،
فقال هذا الرجل: إنما يَحصُل لنا ذلك من جهة مُباحة؛ كغنيمة وغيرها،
وذلك خيرٌ، وهل يأتي الخيرُ بالشُّرور؟! وهو استفهام إنكار واستبعاد؛ أي:
يبعد أن يكون الشيءُ خيراً، ثم يترتَّبُ عليه شرٍّ، فقال له النبيُّ ◌ٍَّ: أما الخَير
الحقيقي: فلا يأتي إلا بخير، زاد في بعض روايات مسلم: ((أو خير هو) (٢)
معناه: أن هذا الذي يَحصُل لكم من زهرة الدنيا ليس بخير، وإنما هو فتنة؛
لما يُؤدِّي إليه من المنافسة، والاشتغال بها عن كمال الإقبال على الآخرة.
ثم ضرب لذلك مثلاً: ((إن مما ينبت الربيع ... )) إلى آخره، ومعناه:
أن نبات الربيع وخَضِرَه يَقتل حَبَطاً بالتُّخمة؛ لكثرة الأكل، ((أو يُلِمُ))؛ أي:
يقاربُ القتلَ، إلا إذا اقتصر منه على اليسير الذي تدعو إليه الحاجة،
وتحصل به الكفاية المقتَصدة؛ فإنه لا يضُرُّ، وهكذا المال، وهو كنبات
الربيع مُستحسَنٌ تطلبه النفوس، وتميل إليه، فمنهم من يستكثر منه،
ويستغرق فيه غیرَ صارف له في وجوهه؛ فهذا يُهلِكُه، أو يُقارب إهلاكه،
ومنهم مَن يقتصر فيه؛ فلا يأخذ كثيراً، فإن أخذ كثيراً؛ فَرَّقَه في وجوهه؛
كما تَثْلِطُه الدابة؛ فهذا لا يضرُّه، هذا مُختصَر معنى الحديث.
(١) رواه مسلم (١٠٥٢ / ١٢١).
(٢) رواه مسلم (١٠٥٢ / ١٢١).
١٧٧

قال الأزهريُّ: فيه مثلان، أحدهما: للمُكثر من الجمع، المانع من
الحق، وإليه الإشارة بقوله: ((إن مِمّا يُنْبِتُ الربيعُ)).
والثاني: للمقتصد، وإليه الإشارة بقوله: ((إلا آكِلةَ الخَضِرِ)).
قال القاضي: معناه: أنتم تقولون: نبات الربيع خيرٌ، وبه قِوامُ
الحيوان، وليس هو كذلك مُطلقاً، بل منه ما يَقتُل، أو يُقارِب القتل، فحالة
المَبْطُون والمَتْخُوم كحالة من يجمع المال ولا يصرفه.
ثم ضرب مثلاً لمَن ينفعُه إكثارُه، وهو التشبيه بآكلة الخَضِرِ، وهذا
التشبيه لمَن صرفه في وجوهه الشرعية، ووجه التشبيه: أن هذه الدابة تأكل من
الخَضِرِ حتى تمتلئ خاصِرتُها، ثم تَثْلِط، وهكذا من يجمعه، ثم يَصرِفُه(١).
(ط): قال في ((الفائق): ((الرُّحَضَاء)»: عَرَقُ الحُمَّى، كأنها ترحَضُ الجسدَ؛
أي: تغسله(٢).
(نه): ((الحبط)) بالتحريك: الهَلاك، يقال: حَبِطَت الدَّابَّة تحبط حَبَطاً
بالتحريك: إذا أصابت مرعىّ طيِّباً، فأفرطت في الأكل حتى تنتفخ فتموت؛
وذلك أن الربيع يُنْبِتُ أَحْرَارَ البُقول [و]العُشب، فتستكثر منها الماشية،
(الخَضِرِ)) بكسر الضاد: نوعٌ من البُقُول ليس من أحرارها وجَيِّدها، وإنما
ترعاها المواشي إذا لم تجد سواها، فلا تُكثِرُ من أكلها، و((الَّلْط)): الرَّجِيعُ
الرقيق، وأكثر ما يقال للإبل، والبقر، والفيلة (٣).
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٧ / ١٤٢).
(٢) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (١٠ / ٣٢٧٥).
(٣) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (١/ ٣٣١)، (٢/ ٤٠)، (١/ ٢٢٠).
١٧٨

(ق): الخَضِرِ ليست من أحرار البُقول التي يُنبتها الربيع، ولكنها من
الجَنْبَة التي ترعاها المواشي بعد هَيْج البُقول، قال الأزهريُّ: هو هاهنا
ضَرْبٌ من الجَنْبَة، وهي من الكَلأ ما له أصل غَامِضٌ في الأرض، واحدها
خضرة(١).
(شف): فيه: أن المُقتَصِدَ المَحمود العاقبة، وإن جاوز حَدَّ الاقتصاد
في بعض الأحيان، وقَرُبَ من السَّرف؛ لغلبة الشَّهوة المركُوزة في الإنسان،
وهو المعنيُّ بقوله: (أکلت حتی إذا امتدَّت خاصرتاها» لکنه یرجع عن قریب
عن ذلك الحَدِّ المَذموم، ولا يثبت عليه، بل يلجأ إلى الدلائل النيِّرة،
والبراهين الواضحة، الدافعة للحِرص المُهلك، القَامِعَة له، وهو المَدلول
[عليه] بقوله: ((استقبلت عينَ الشمس وثَلَطت وبالت))، وفيه: إشارةٌ إلى أن
المَحمُودَ العَاقبةِ وإن تكرّر منه الخُروجُ عن حَدِّ الاقتصاد؛ يمكنه أن يَبعُدَ
بمشيئة الله تعالى عن الحَدِّ المَذموم، ويقرُب من الاقتصاد.
(ط): فعلى هذا: الاستثناء في قوله: ((إلا آكلةَ الخَضِرِ)) مُتَّصل، لكن
يجب التأويل في المستثنى، المعنى: أن من جملة ما يُنْبِتُ الربيع شيئاً يقتل
آكله إلا الخَضِرِ منه إذا اقتَصدَ فيه آكِلُه، وتحرَّى دفعَ ما يُؤْدِّيه إلى الهلاك (٢).
(قض): ((آكلة)) نصب على أنه مفعول (يقتل)، والاستثناء مُفرَّغ،
والأصل أن مِمَّا يُنبت الربيع ما يقتل آكلَه إلا آكلةَ الخَضِرِ على هذا الوجه،
وإنما صَحَّ الاستثناء المُفرَّغ من المُثبَت؛ لقصد التعميم فيه، ونظيره: قرأت
(١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٣ / ٩٧).
(٢) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (١٠/ ٣٢٧٥).
١٧٩

إلا يوم كذا (١).
(ط): الأظهر أن الاستثناءَ مُنقطعٌ؛ لوقوعه في الكلام المُثبَت، وهو
غير جائز عند صاحب ((الكشاف)) إلا بالتأويل، ولأن ما يقتل حَبَطاً بعض ما
يُنْبِتُ الربيعُ؛ لدلالة (من) التبعيضية عليه، والتقسيم في قوله: (إلا آكلة
الخَضِرِ)؛ لأن الخَضِرِ غيرُ ما يقتل حَبَطاً(٢).
قال أبو حامد الغزاليُّ: مثال المال مثال الحَيّة التي فيها تِرْياقٌ نافع،
وسُمٌّ ناقع، فإن أصابها المُعَزِّمُ الذي يعرف وجهَ الاحتراز عن شَرِّها،
وطريقَ استخراج تِرْيَاقِها النافع؛ كانت نعمةً، وإن أصابها السَّواديُّ الغبيُّ؛
فهي عليه بلاءٌ مُهْلِكٌ (٣).
وقوله ◌َّهُ: ((كالذي يأكل ولا يشبع)) ذكر في مُقابله قولَه: ((فنعم
المعونة))، ومعناه: أن آخِذ المال بغير حَقِّه؛ بأن جمعَه من الحرام، ومن غير
احتياج إليه، ولم يعرف منه حَقَّه الواجبَ فيه؛ يكون ذلك وبالاً عليه، لا مَعُونةً
له، فيصير كالدَّاء العُضَال الذي يُهْلِك صاحبَه، وهو الحِرْصُ الباعث على مَن به
جوعُ الكلب؛ فإن مَصِيرَه إلى الهلاك.
وقوله: ((ويكون عليه شهيداً يوم القيامة)؛ أي: حُجَّةً عليه يشهد على
حِرْصِه وإسرافه، وأنه أنفقه فيما لا يرضاه الله تعالى، ولم يُؤدِّ حُقوقَه(٤).
(١) انظر: ((تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة)) للبيضاوي (٣/ ٢٩٠).
(٢) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (١٠ / ٣٢٧٦).
(٣) انظر: ((إحياء علوم الدين)) للغزالي (٤ / ١٠٦).
(٤) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (١٠ / ٣٢٧٨).
١٨٠