النص المفهرس
صفحات 141-160
وذكر أنه إذا دنا من حُفرته؛ نادى ما لي مِن شفيع يُطاع، ولا صديق حَمِيم، وعند ذلك يُنادَى: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَدَىْ كَمَا خَلَقْنَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَكْتُم مَّا خَوَّلْنَكُمْ وَرَآءَ ظُهُورِكُمٌ﴾ إلى قوله: ﴿َتَزْعُمُونَ ﴾ [الأنعام: ٩٤]، ثم إذا أدخِل القبرَ؛ ضُرب ضربة تُدعَر لها كلُّ دابة غيرَ الإنس والجِنِّ. وأما وليُّ الله: فإنه إذا احتُمل إلى قبره، ويُشِّر بالجَنَّة؛ نادى حمَتَه: يا إخوتاه! أما علمتم أني بُشِّرتُ بعدكم برضاً من الله، والجَنَّة، والنجاة من سُخْط الله، والنار، فعَجَلُوني إلى حُفرتِي؛ فإن أوَّلَ حِبَائِي الجَنَّةُ، وإن حِبَاءَكم المغفرة، ﴿قَالَ يَلَيْتَ قَوْمِىِ يَعْلَمُونَ (٦) بِمَا غَفَرَ لِ رَبِّ وَجَعَلَنِى مِنَ المُرمِینَ ﴾ [یس: ٢٦ -٢٧]، والملائکة يُنادون: امضٍ وليَّ الله إلی ربِّ کریم، يُِّبُ بالشيء اليسير الجَزِيلَ العظيمَ، اللهم؛ اجعل غُدوَّه أو رواحه(١) إلى الجنة، فإذا أُدخِل القبرَ؛ یلقی بحزمة من ريحان یَجِدُ رُوحَها کُّ ذي رُوح غيرَ الجِنِّ والإنس. ٤٤٥ - وعن ابن مسعودٍ ﴾، قالَ: قَالَ رَسُولُ الله ◌َّه: ((الجَنَّةُ أَقْرَبُ إِلَى أَحَدِكُمْ مِنْ شِرَاكِ نَعْلِهِ، وَالنَّارُ مِثْلُ ذَلِكَ))، رواه البخاري. * قوله ويفي: ((الجنة أقرب إلى أحدكم من شراك نعله)): (نه): (الشِّراك) أحدُ سُيور النعل التي تكون على وجهها(٢). (١) في الأصل: ((روحه)). (٢) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (٢ / ٤٦٧). ١٤١ (ط): ضرب القُرْبَ مثلاً بالشِّراك؛ لأن سببَ حصول الثواب والعقاب إنما هو بسعي العبد، وتحرِّي السَّعْي بالأقدام، وكلُّ من عمل خيراً؛ استحق الجنة بوعده، ومن عمل شرًّا؛ استحقَّ النار بوعيده، وما وعد وأوعد مُنجزان، فكأنهما حاصلان، وقوله: ((ذلك)) إشارةٌ إلى المذكور؛ أي: النار مثل الجنة في كونها أقربَ من شِراك النَّعْل(١). (ك): وفيه: دليلٌ واضح على أن الطاعاتِ مُوصِلةٌ إلى الجنة، والمعاصي مُقرِّبةٌ من النار، وقد يكون في أيسر الأشياء، فينبغي للمؤمن أن لا يزهدَ في قليل من الخير، ولا يَستقِلَّ قليلاً من الشرِّ، فيحَسبه ھَيِّناً، وهو عند الله عظيم؛ فإن المؤمن لا يعلم الحسنةَ التي يرحمه الله بها، والسَّيئةَ، التي يَسْخَطُ الله عليه بها(٢). (١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٦ / ١٨٦١). (٢) انظر: ((الكواكب الدراري)) للكرماني (٢٣ / ١١). ١٤٢ ٥٤- باب فضل البكاء من خشية الله تعالى وشوقاً إليه قال الله تعالى: ﴿ وَيَخِرُونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾ [الإسراء: ١٠٩]. * قال الله تعالى: ﴿أَفِّنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ ﴾ وَتَضْحَكُونَ وَلَا تَكُونَ﴾ [النجم: ٥٩ - ٦٠]. (الباب الرابع والخمسون) (في فضل البكاء من خشية الله) * قوله تعالى: ﴿ وَيَخِرُونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ﴾ [الإسراء: ١٠٩]: (م): قال الزجَّاج: ((الذَّقن)) مَجْمَع اللَّحْيَين، وكلما يبتدئ الإنسان بالخُرور للسجود؛ فأقرب الأشياء من وَجْه الأرض الذَّقن. عن صالح المُرِّيِّ قال: قرأت القرآن على رسول الله وَّ فِي المَنام، فقال لي: يا صالحُ؛ هذه القراءةُ، فأين البكاء؟! وعن ابن عباس ما قال: إذا قرأتم سجدة (سُبحان)؛ فلا تعجلوا بالسُّجود حتى تبكوا؛ فإن لم تبك عينُ أحدكم؛ فلیَبْكِ قلبُه(١). (١) انظر: ((تفسير الرازي)) (٢١/ ٢٠٠). ١٤٣ (قض): كرر (يخرون)؛ لاختلاف الحال والسَّبب؛ فإن الأول للشُّكر عند إنجاز الوَعْد، والثاني لِمَا أثَّر فيهم من مواعظ القرآن حالَ كونهم باكين من خَشْيَة الله، واللام فيه لاختصاص الخرور به، ﴿وَيَزِيدُهُمْ ﴾ سماعُ القرآن ﴿خُشُوعًا﴾، كما يزيدهم علماً ويقيناً بالله(١). الواحدي: قال عبد الأعلى التَّيْمِيُّ: مَن أُوتي مِن العلم ما لا يُيكيه لَخِليقٌ أن لا يكون أُوتي علماً ينفعه؛ لأن الله تعالى نعتَ العُلماءَ، فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أُوتُواْالْعِلْمَ مِن قَبْلِهِ: إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾ [الإسراء: ١٠٧] إلى قوله: ﴿خُشُوعًا﴾ [الإسراء: ١٠٩]؛ أي: يزيدهم القرآن تَواضُعاً. قوله تعالى: ﴿أَفِّنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ ﴾ وَتَضْحَكُونَ وَلَا نَبْكُونَ ) وَأَنْتُمْ سَيِّدُونَ﴾ [النجم: ٥٩ - ٦١]؛ أي: من القرآن تعجبون؛ إنكاراً، وتضحكون؛ استهزاءً، ﴿وَأَنْ سَِدُونَ﴾ لاهون غافلون، وقيل: أَشِرُون بَطِرُون(٢). (قض): ﴿سَيِّدُونَ﴾؛ أي: مستكبرون؛ من سَمَد البعيرُ في مَسِيره: إذا رفع رأسه، أو مُغَنُّون؛ ليشغلوا الناسَ عن استماعه؛ من السُّمود، وهو الغِناءُ (٣). (الثعلبي): عن أبي هريرة قال: لمَّا نزلت هذه الآية: ﴿أَفَنْ هَذَا اْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ ﴾ وَتَضْحَكُونَ وَلَا نَبَّكُونَ﴾ [النجم: ٥٩ - ٦٠] بكى أهل الصُّفَّة حتى جرت دموعُهم على خُدودهم، فلمَّا سمع رسولُ اللهِ وٍَّ خَنِينَهم؛ بكى معهم، فبكينا ببكائهم، فقال عليه الصلاة السلام: ((لا يَلِجُ النَّارَ البَّكَّاءُ مِن خَشْيَةِ الله، ولا يَدخُلِ الجَنَّةَ مُصِرٍّ على مَعصِيَة الله، ولو لم تَذْنِبُوا؛ لَجَاءَ اللهُ (١) انظر: ((تفسير البيضاوي)) (٣/ ٤٧١). (٢) انظر: ((معالم التنزيل)) للبغوي (٤ / ٢٥٧). (٣) انظر: ((تفسير البيضاوي)) (٥ / ٢٦٢). ١٤٤ بِقَومِ يُذْنِبُونَ، فَيَغْفِرُ لَهُم))(١). روي أن النبيَّ نَّهِ: نزل عليه جبريل، وعنده رجل يبكي، فقال: مَنْ هذا؟ فقال: فلان، فقال جبريل: إنا نَزَنُ أعمالَ بني آدم كلَّها إلا البُكاءَ؛ فإن الله وَكَ لَيُطِفِىءُ بالدَّمعة بُحوراً من نار جَهنَّم(٢). وعن عبدالله بن السَّائب قال: قدم علينا سعدُ بن أبي وَقَّاص بعد ما كُفَّ بصَرُه، فأتيته مُسلِّماً عليه، فانتسبني، فانتسبتُ، قال: مرحباً يا بن أخي، [بلغني] أنك حَسَنُ الصوت بالقُرآن، سمعت رسولَ الله وَّ يقول: ((إنَّ هذا القُرآنَ نزلَ بِحُزْنٍ، فإذا قَرأْتُمُوهُ؛ فابكُوا، وإن لم تَبْكُوا؛ فَتَبَاكُو)(٣). وعن صالح أبي الخليل قال: لمَّا نزلت ﴿أَفِّنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ وَتَصْحَكُونَ وَلَا نَبَّكُونَ﴾ [النجم: ٥٩ -٦٠]؛ ما رُئي النبيُّ ◌َّ ضاحكاً(٤). ٠ ٠ ٤٤٦ _ وعَنِ ابنِ مسعودٍ ﴿ه، قالَ: قال لي النبيُّ ◌َّ: ((اقْرَأْ عَلَيَّ القُرْآنَ»، قلتُ: يَا رَسُولَ اللهِ أَقْرَأُ عَلَيْكَ، وعَلَيْكَ أُنْزِلَ؟! قالَ: (إِنِّي أُحِبُّ أَنْ أَسْمَعَهُ مِنْ غَيْرِي))، فقرَأْتُ عليه سورةَ النِّسَاءِ، حَتَّى جِئْتُ إِلى هذهِ الآية: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلّ أُمَّتِم (١) حديث موضوع بهذا السياق، لكن الفقرة الأولى والثالثة لهما شواهد صحيحة. انظر: ((السلسلة الضعيفة)) (٦٦٩٥). (٢) رواه الإمام أحمد في ((الزهد)) (ص: ٢٧) من طريق أبي الجراح عن رجل من أصحابهم يقال له: خازم، عن النبي ◌َّر، وإسناده منقطع. (٣) ضعيف. انظر: ((ضعيف الجامع الصغير)) (٢٠٢٥). (٤) انظر: ((تفسير الثعلبي)) (٩ / ١٥٨). ١٤٥ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾ الآية [النساء: ٤١]، قال: ((حَسْبُكَ الآنَ))، فالتفَتُّ إِلَيْهِ، فإذا عيناه تَذْرِفان، متفق عليه. (الأَوْاُ) * قوله : ((إني أحب أن أسمعه من غيري)): (ق): أي: أستَطِيبُ؛ وذلك أن السَّامعَ قد يكون أحضرَ من القارئ؛ الاشتغال القارئ بالقراءة وكيفيتها، ويحتمل أن يكون معنى ((أحب)) بيانَ سُنَّة قراءة الطالب على الشيخ، وبكاؤه وّه كان لتعظيم ما تضمَّنته هذه الآيةُ من هَوْل المَطْلَع وشِدَّة الأمر(١). (ن): فيه: استحبابُ استماع القراءة، والإصغاء لها، والبُكاء عندها، وتدبُّرها، واستحبابُ طلب القراءة من غيره، وهو أبلغ في التفهُم والتدبُّر من قراءته بنفسه، وفيه : تواضعُ أهل العلم والفضل، ولو مع أتباعهم(٢) . (ق): في قوله: ((حسبك)) دليلٌ على جواز الوقف الكافي من الآيٍ والمقاطع؛ لأن الكلامَ حيث قال له: (حَسْبُك) غيرُ تامٍّ، بل تمامُه فيما بعده، وقيل: إن قوله وَّ لعبد الله: (حَسْبُك) تنبيهٌ على ما في الآية، لا أنه وقَفَهُ هناك(٣). (نه): يقال: ذرَفت العين تَذْرِف: إذا جرى دمعُها(٤). (١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٢ / ٤٢٧). (٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٦/ ٨٨). (٣) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٢/ ٤٢٧). (٤) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (٢ / ١٥٩). ١٤٦ ٤٤٨ - وعَنْ أَبي هريرةَ ﴾، قال: قالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ: ((لاَ يَلِجُ النَّارَ رَجُلٌ بَكَى مِنْ خَشْيَةِ اللهِ حَتَّى يَعُودَ اللََّنُ في الضَّرْعِ، وَلاَ يَجْتَمِعُ غُبَارٌ فِي سَبِيلِ الله وَدُخَانُ جَهَنَّمَ))، رواه الترمذي، وقال: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. (الثَّالِثُ)) * قوله وَّجُ: ((حتى يعود اللبن في الضرع)): عَظَّم ◌َِّ أمرَ البُكاء مِن خشية الله، فقال: إن الباكيَ من خشية الله تعالى مُحرَّم على النار تحريماً مُؤَّداً؛ بحيث يستحيل دخولُه النارَ كاستحالة عَوْد اللََّن إلى الضَّرْعِ، وهذا كما يقال: لا يكون هذا حتى يَشيبَ الغُرابُ، ويَنْيَضَّ القَارُ، ويلج الجمل فِي سَمِّ الخياط . وللبُكاء منزلة عظيمة لا تُنال بغيره، ورُوي أن القَطْرةَ من الدمع تُطْفِىءُ بُحوراً من النار. وفي ((سنن ابن ماجه)) عن عبدالله بن مسعود ظه قال: قال رسول الله وَله : ((مَا مِن عَبْدٍ مُؤمنٍ يَخرجُ من عَيْنَهِ دُموعٌ، وإن كانَ مثلَ رَأْسِ الذُّبابِ مِن خَشْيَةِ الله، ثُمَّ تُصِيبُ شيئاً من حُرِّ وَجْهِهِ؛ إلا حَرَّمَهُ اللهُ على النَّارِ))(١). وفي قوله ◌َلي: ((لا يجتمع على عبد غبارٌ في سبيل الله ودخان جهنم)) مبالغةٌ أيضاً في تحريم المُجاهد على النار؛ وذلك أن مَن حضر الوَقْعةَ لا يُصيبه دُخانُ جَهَنَّم، ولا يَقرُبُ من النار، فيكيف بمَن باشر الحُروبَ، وجاهد مع (١) رواه ابن ماجه (٤١٩٧)، وهو حديث ضعيف. انظر: ((السلسلة الضعيفة)) (٤٤٩٠). ١٤٧ أعداء الله، وقاتل وقُتل؟! ويُروى أن عبدالله بن المبارك كتب إلى الفُضيل بن عياض رحمهم الله : لَعَلِمْتَ أَنَّك في العِبَادةِ تَلَعَبُ يا عَابِدَ الحَرَمَيْنِ لَو أَبْصَرْتَنَا فَنُحُورُنا بدمائنا تَتَخَضَّبُ مَنْ كَانَ يَخْضِبُ خَدَّهُ بِدُمُوعِه فُولُنَا يومَ الصَّبِيحَةِ تَثْعَبُ أَو كَانَ يُتْعِبُ خَيْلَهُ في بَاطِلٍ رَهْجُ السَّنَابِك والغُبَارُ الطَّيِّبُ رِيحُ العَبِيرِ لَكُمْ ونَحْنُ عَبِيِرُنا قَوْلٌ صَحِيحٌ صَادِقٌ لا يَكذِبُ وَلَقَدْ أَتَانَا عَنْ مَقَالٍ نَبِيِّنا قَلْبِ امْرِكٍ ودُخَانُ نارٍ تَلْهَبُ(١) لا يُجْمَعَنَّ غُبَارُ خَيْلِ الله ◌ِفِي * ٤٤٩ - وعنهُ، قالَ: قالَ رَسُولُ اللهِوَّهِ: ((سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لاَ ظِلَّ إلاَّ ظِلُّهُ: إمامٌ عادِلٌ، وشابٌّ نَشَأْ في عِبادَةِ الله تَعَالَى، وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ في المَسَاجِدِ، وَرَجُلانِ تَحَابًّا في اللهِ، اجْتَمَعَا عَلَيْهِ، وَتَفَرَّقَا عَلَيْهِ، وَرَجُلٌ دَعَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمالٍ، فقال: إِنِّي أَخَافُ الله، وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَخْفاها حَتَّى لاَ تَعْلَمَ شِمالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ، وَرَجُلٌ ذَكَرَ الله خالِياً، فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ))، متفقٌ عليه. (١) رواه ابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) (٤٤٩/٣٢). ١٤٨ ٤ سبق في (الباب السادس والأربعين). ٤٥٠ - وعن عبدِ اللهِ بْنِ الشِّخِّيرِ ﴿ه، قال: أَيْتُ رَسُولَ اللهِ وَِّ، وهُوَ يُصَلِّي، ولِجَوْفِهِ أَزِيزٌ كَأَزِيزِ المِرْجَلِ مِنَ الْبُكاءِ، حديث صحيح رواه أبو داود، والترمذي في ((الشَّمائلِ)) بإسنادٍ صحيح. (الْصُ) (نه): ((أزيز))؛ أي: خنين بالخاء المعجمة، وهو صوت البكاء، وقيل: هو أن يَجِيشَ جَوْفُهُ ويَغلي بالبُكاءِ(١). (تو): ((أزيز المرجل)): صوت غَلَيَانه، وقيل: المِرْجَل: القِدْرُ من حديد، أو حجر، أو خزف؛ لأنه إذا نُصِبَ كأنه أُقيم على رِجْل وفيه: دليلٌ على أن البُكاءَ لا يبطل الصلاة. ٤٥١ - وعن أَنَسِ ظُ، قالَ: قالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ لِأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ◌َُه: (إِنَّ اللهَ وَكَ أمَرَِّي أَنْ أَقْرَأَ عَلَيْكَ: ﴿لَمْ يَكُّنِ اَلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [البينة: ١] قالَ: وَسَمَّاني؟ قالَ: ((نَعَمْ»، فَبَكى أُبِّيِّ، متفقٌ عليه. وفي روايةٍ : فَجَعَلَ أُبِيِّ بَيْكي. (١) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (١ / ٤٥). ١٤٩ (السَّاكُ) ، قوله ◌َ﴾ لأُبي: «إن الله أمرني أن أقرأ عليك ﴿لَمْ يَكُنِ اُلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ * [البينة: ١ ]) : (ن): سببه أن تستَنَّ الأُمَّة بذلك في القراءة على أهل الإتقان والفضل، ويتعلموا آدابَ القراءة، ولا يأنفَ أحدٌ من ذلك، وقيل: للتنبيه على جلالة أُبِيّ، وأهليته لأَخْذِ القُرآن عنه، وكان يُعدُّ رأساً وإماماً في إقراء القرآن، ويتضمَّن مُعجزةً له وَلِ﴾ (١). (تو): إنما خُصَّ به أُبيّ؛ لمَا قَيَّض الله له من الأمانة في هذا الشأن، فأمر الله نبيَّهِ وَ ﴿ أن يقرأ عليه؛ ليأخذ عنه رَسْمَ التِّلاوة؛ كما أخذ نبيُّ الله عن جبريل، ثم يأخذهُ على هذا النَّمَط الآخِرُ عن الأوَّل، والخلَفُ عن السَّلَف، انتھی . وقيل: لأن أُبَّ عه كان أسرعَ أخذاً لألفاظ رسول الله وََّ، فأراد أن يأخذ أُبيِّ ألفاظَه ويقرأ كما سَمِع منه، ويُعلِّمَ غيره. (ق): إنما كان ذلك؛ ليُلقن عنه أُبيِّ كيفيةَ القراءة، وصِفتها، ولیبین طريق تحميل الشيخ للراوي بقراءته عليه، وفي حديث ابن مسعود [الذي] سبقَ: قراءة التلميذ على الشيخ، وكلاهما صحيح، وتخصيص (سورة لم يكن)؛ لما تَضمَّنته من ذكر الرِّسالة، والصُّحف، والكتب في قوله تعالى: ﴿رَسُولٌ مِّنَ اللَّهِ يَنْلُواْ صُحُفًا مُطَهَّرَةً ٥ فِيَهَا كُنُبُّ قَيِّمَةٌ﴾ [البينة: ٢ -٣]، وهو مناسب لحالهما (٢). (١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٦ / ٨٦). (٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٢ / ٤٢٦). ١٥٠ (مظ): إذ فيها قِصَّة أهل الكتاب، وأُبيِّ كان من عُلماء اليهود؛ ليعلم أُبيِّ حال أهل الكتاب، ويعلم خطابَ الله معهم(١). (ن): لأنها وَجِيزةٌ جامعة لقواعدَ كثيرة من أُصول الدِّين، وفُروعه، ومُهِمَّاته في الوَعْد والوَعيد، والإخلاص، وتطهير القُلوب، وكان الوقت يقتضي الاختصار، انتهى(٢). أو لأنها مُختصَّة بفضيلة ليست لسائر السُّوَر، روى أبو نعيم الحافظُ في كتاب ((أسماء الصحابة)) عن [أحد بني] فُضيل قال: سمعت رسولَ الله ◌ِله يقول: ((إنَّ اللهَ لَيَسْمَعُ قراءةَ ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَغَرُواْ﴾، فيقول: أَبَشِرْ عَبْدِي، [فوَعِزَّتي]؛ لأَمَكِّنَنَّ [لكَ] في الجَنَّة حتَّى تَرْضَى))(٣)، قال الحافظ عمادُ الدِّين ابن كثير: هذا حديث غريبٌ جِدَّا(٤). ، قوله: ((وسماني لك؟»: (ق): استبعد أُبِيّ ◌ُ ذلك؛ لأن تَسمِيتَهُ تعالى له، وتعيينه ليقرأ عليه النبيُّ ◌َيِّ تشريفٌ عظيم، وتأهيل لم يَحصُل مثلُه لأحد من الصحابة (٥). (ن): سببه: أنه يجوز أن يكون الله تعالى أمر النبيَّ ◌َلي أن يقرأ على رجل من أُمَّتِهِ، ولم يَنُصنَّ على أُبيِّ فأراد أُبيِّ أن يتحقَّق هل نصّ عليه، أو (١) انظر: ((المفاتيح في شرح المصابيح)) للمظهري (١٠٢/٣). (٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٦ / ٨٦). (٣) رواه أبو نعيم في ((معرفة الصحابة)) (١ / ٣٥٠). وقال: وهو عندي إسناد منقطع. وقال ابن منده كما في («أسد الغابة)) لابن الأثير (١ / ١٢٣): هذا حديث منكر. (٤) انظر: ((تفسير ابن كثير)) (١٤ / ٤٢٢). (٥) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٢ / ٤٢٦). ١٥١ قال: على رجل؟ ففيه: الاسِتَثْباتُ في المُحتَمِلات، انتهى(١). وأما سبب بكائه: فكأنه استشعرَ في نفسه ما مضى من هَفَواتِهِ، وفَرَطَاتِهِ، وما سبق من تقصيره وزَلاَّته، وقام بقلبه عَظمةُ مولاه، وما يليق بعِزِّ جَنَابِ كبريائه وعُلاه، فاستصغر واستحقر نفسه حيث سَمَّاه؛ كما في بعض روايات ((الصحيحين)): وقد ذُكِرْتُ عندَ رَبِّ العَالَمِين؟ قال ◌َّ: (نعم))(٢)، زاد أبو نُعيم الحافظ، والطبرانيُّ: ((نعم، باسْمِك ونَسَبِكَ في المَلأ الأَعْلَى))(٣)، فأخذ في البكاء؛ سُروراً بنَيْل هذه المنزلة الرَّفيعة، والمنقَبَة العظيمة، وزاد أيضاً الإمامُ أحمدُ في («مسنده)): فقلت له: يا أبا المُنذر؛ فَفرحتَ بذلك؟ قال: وما يمنعني، والله تعالى يقول: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اَللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ، فَذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ ﴾ [يونس: ٥٨]؟!(٤) ويُستحسَنُ الاستشهاد في هذا المَقام بقول القائل : قَوْلِ المُبَشِّرِ بعدَ الْيَأْسِ بِالفَرجِ أهَلاً بمَا لَم أَكُنْ أَهْلاً لمَوْقِعِه ذُكِرْتَ ثَمَّ عَلى مَا فِيكَ مِنْ عِوَجٍ لكَ البِشَارَةُ فَاخْلَعْ مَا عَلَيْكَ فقَد (ط): قوله: ((سماني لك؟!)) فيه تعجُّبٌ؛ إما هَضْماً لنفسه؛ أي: أنى لي هذه المنزلة؟! أو استلذاذاً؛ لذلك قال: (١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٦ / ٨٦). (٢) رواه البخاري (٤٩٦١)، ومسلم (٧٩٩ / ٢٤٥)، من حديث أنس څ. (٣) رواه أبو نعيم في ((حلية الأولياء)) (١ / ٢٥١)، والطبراني في ((المعجم الكبير)) (٥٣٩)، قال الهيثمي في ((مجمع الزوائد» (٩/ ٣١٢): رواه الطبراني في «الأوسط)) (٤٤٤) بأسانید، ورجال الرواية وثقوا. (٤) رواه الإمام أحمد في ((المسند)) (٥ / ١٢٣). ١٥٢ بلى سَرَّني أنِّي خطرتُ بيالِكِ وقوله في رواية: (وقد ذُكِرتُ عندَه؟!) تقريرٌ للتعجُّب بعد تقرير، و(عند) هاهنا كنايةٌ عن الذَّات وعَظمَتِهِ؛ كقوله: ﴿ وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَيِّهِ﴾ [الرحمن: ٤٦]؛ أي: عَظمتَه وجَلالَه(١). (ن): في هذا الحديث فوائدُ جَمَّةٌ؛ منها: استحبابُ قراءة القرآن على الخُذَّاق فيه، وأهل العلم به والفَضْل، وإن كان القارئ أفضلَ من المقروء عليه، ومنها: هذه المَنْقَبَةُ الشَّريفة لأُبيِّ بقراءة النبيِّ وَّةِ، ولا يُعلم أحدٌ من الناس شاركه فيها، ومنها: مَنقبةٌ أُخرى له بذكر الله له، ونَصِّه عليه في هذه المنزلة الرفيعة، ومنها البُكاء للسُّرور بما يُبشّر الإنسان به ويُعطاه من معالي الأُمور (٢). ٤٥٢ - وعنهُ، قالَ: قالَ أَبُو بَكْرٍ لِعُمَرَ ﴾ بعدَ وفاةِ رسُولِ الله وَ﴾: انْطَلِقْ بِنا إلَى أُمِّ أَيْمَنَ عُ﴾ نَزُورُها كما كانَ رَسُولُ اللهِوَهِ يَزُورُها، فَلَمَّا انْتُهَيْنَا إِلَيْها، بَكَتْ، فَقالا لها: ما يُبْكِيكِ؟ أَمَا تَعْلَمِينَ أَنَّ ما عِنْدَ اللهِ تَعالى خَيْرٌ لِرَسُولِ الله ◌ِوَلِ؟ قالَتْ: إِنِّي لاَ أَبْكِي أَنِّي لا أَعْلَمُ أَنَّ مَا عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ لِرَسُولِ اللهِ، ولَكِنِّي أَبْكِي أَنَّ الوَحْيَ قَدِ انْقَطَعَ مِنَ السَّماءِ؛ فَهَيَّجَتْهُما عَلى البُكاءِ، فَجَعَلاَ يَبْكِیانِ مَعَهَا، رواهُ مسلم، وقد سبق في باب: زيارَةٍ أهل الخير. (١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٥ / ١٦٨٤). (٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٦ / ٨٦). ١٥٣ الشَّائِ سرـ سبق في (الباب الخامس والأربعين). * ٤٥٣ - وعَنِ ابنِ عُمَرَ ﴾، قال: لمَّا اشْتَدَّ بِرَسُولِ الله ◌ِوَه وَجَعُهُ، قيلَ لَهُ في الصَّلاةِ، فقال: ((مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنّاسِ»، فقالتْ عائشةُ رضيَ الله عنها: إِنَّ أبَا بَكْرٍ رَجُلٌ رَقِيقٌ، إِذَا قَرَأَ القُرآنَ، غَلَبَهُ البُكاءُ، فقال: ((مُرُوهُ فَلْيُصَلِّ)). وفي روايةٍ عن عائشةَ رضي الله عنها، قالتْ: قلتُ: إنَّ أبا بَكْرِ إذا قامَ مَقَامَكَ، لَمْ يُسْمِعِ النَّاسَ مِنَ البُكَاءِ، متفقٌ عليه. (الثَّافِرُ) قولها: ((أن أبا بكر رجل رقيق)): (ق): أي: رَقِيقُ القلب، كثير الخَشْيَة، سريع الدمعة(١). (ن): فيه: فضيلةٌ لأبي بكر حظه، وتنبيهٌ على أنه أَحقُّ بخلافة رسول الله ◌َ﴿ من غيره، وفيه: أن الإمامَ إذا عَرض له عذرٌ عن حضور الجماعة؛ استخلف مَن يُصلِّي بهم، وأنه لا يَستخلِفُ إلا أفضلَهم(٢). (١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٢ / ٤٩). (٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٤ / ١٣٧). ١٥٤ ٤٥٤ - وعَنْ إبراهيمَ بْنِ عبدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ: أَنَّ عبدَ الرَّحْمَنِ بنَ عَوْفٍ . ٩ أَتَيَ بِطَعام، وكانَ صائِماً، فَقَالَ: قُتِلَ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيرٍ ﴾، وَهُوَ خَيْرٌ مِنِّي، فَلَمْ يُوجَدْ لَهُ ما يُكَفَّنُ فيهِ إلاَّ بُرْدَةٌ إِنْ غُطِّيَ بها رَأْسُهُ، بَدَتْ رِجْلاهُ، وإنْ غُطِّيَ بها رِجْلاهُ بَدَا رَأْسُهُ، ثُمَّ بُسِطَ لَنَا مِنَ الدُّنْيا ما بُسِطَ - أَوْ قالَ: أُعْطِينا مِنَ الدُّنْيَا مَا أُعْطِينَا - قَدْ خَشِينَا أَنْ تَكُونَ حَسَنَاتُنَا عُجِّلَتْ لِنَا، ثُمَّ جَعَلَ يَبْكِي حَتَّى تَرَكَ الطَّعَامَ، رواهُ البخاري. التَّلُ * قوله: ((وهو خير مني)): (ك): فإن قيل: هو من العشرة المُبشَّرة، فكيف يكون مُصعب خيراً منه؟ قلت: قاله؛ تواضُعاً، وهَضْماً لنفسه؛ كقوله ◌َّهِ: ((لا تُفضِّلُوني علی یُونُسَ))(١). قال ابنُ بَطَّال: إنما استحَبَّ رسول الله وَّ [له] التكفينَ في تلك البُرْدَة؛ لأنه قُتل فيها، وفيها يُبعث، وفي ذكر عبد الرحمن حالَه وحالَ نفسه دلالةٌ على أن العالِم ينبغي له أن يذكرَ سِيَرَ الصَّالحين، وتقلّلَهم من الدنيا؛ لتقِلَّ رغبتَه فيها، وإنما كان يبكي؛ شفقةً أن لا يلحق بمن تقدَّمَه، وحُزناً على تأخّره عنهم . وفيه: أنه ينبغي للمرء أن يتذكرَ نِعَمَ الله، ويعترفَ بالتقصير عن أداء (١) انظر: ((الكواكب الدراري)) للكرماني (٧ / ٧٤). ١٥٥ شُكره، ويتخَوَّف عن أن يُقاصَّ بها في الآخرة، ويُذهب بتنعمه فيها، وفيه: بيان ما كان عليه صَدْرُ هذه الأُمَّة؛ وفيه: أن الصبرَ على مُكابدة الفقر وصُعوبته من منازل الأبرار(١). (ط): ((عجلت لنا))؛ يعني: خشينا أن ندخل في زُمرة [من قيل في] حقه: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَآءُ لِمَنْ تُرِيدُ﴾ [الإسراء: ١٨] يعني: من كانت العَاجِلةُ هَمَّه، ولم يُرِدْ غيرها؛ تفضَّلنا عليه مِن منافعها ما نشاء لمن نريد. وقوله تعالى: ﴿أَذْهَبْتُمْ لَتِبَتِكُمْفِى حَاتِكُ الدُّنْيَا وَأُسْتَمْنَعْتُم بِهَا ﴾ [الأحقاف: ٢٠]؛ يعني: أذهبتم ما كُتب لكم من الطيِّبات؛ أي: أصبتموه في دنياكم، فلم يبقَ لكم بعد استيفاء حَظُّكم شيءٌ منها، والمُراد بالحَظُّ: الاستمتاعُ والتنقُم الذي يشغل الرجلَ لالتذاذه به عن الدِّين وتكاليفه، حَتَّى يعكفَ هِمَّته على استيفاء اللذَّات، ولم يَعِشْ إلا ليأكلَ الطيِّبَ، ويلبسَ الليِّنَ، ويقطعَ أوقاته باللَّهو والطَّرَب، ولا يَعبأُ بالعلم والعمل، ولا يُحمِّل نفسَه مشاقَّهما. فأما مَن تمتَّع بنعمة الله وأرزاقه التي لم يخلقها إلا لعباده، ويتقوَّى بها على دراسة العلم، والقيام بالعمل، وكان ناهِضاً بالشُّكر، فهو عن ذلك بِمَعِزِلٍ، رُوي أن النبيَّ ◌َّهِ أكل هو وأصحابُه تمراً، وشربوا عليه ماءً، فقال: ((الحمد لله الذي أطعمنا، وسَقانا، وجعلنا مسلمين))(٢). (١) المرجع السابق، الموضع نفسه. (٢) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٤ /١٣٨٩)، والحديث رواه أبو داود (٣٨٥٠)، والترمذي (٣٤٥٧)، وابن ماجه (٣٢٨٣)، من حديث أبي سعيد الخدري ظـ وسنده ضعيف. انظر: ((ضعيف سنن الترمذي)) (١ / ٤٤٨). ١٥٦ ٤٥٥ - وعن أبي أمامةَ صُدَيِّ بْنِ عَجْلانَ الباهِلِيِّ ﴾﴾، عن النبيِّ نَّهِ، قال: ((لَيْسَ شَيْءٌ أَحَبَّ إِلَى اللهِ تَعَالَى مِنْ قَطْرَتَيْنِ وَأَثَرَيْنِ: قَطْرَةُ دُمُوعٍ مِنْ خَشِيَةِ اللهِ، وَقَطْرَةُ دَمٍ تُهَرَاقُ فِي سَبِيلٍ الله. وَأَمَّا الأثَرَانِ: فَأَثَرٌّ فِي سَبِيلِ اللهِ تَعَالى، وَأَثَرٌّ فِي فَرِيضَةٍ مِنْ فَرَائِضِ اللهِ تَعَالى»، رواه الترمذي، وقال: حديثٌ حسنٌ. (الَشْرُ) * قوله تلقي: ((قطرة دموع)): (ط): أي: قطراتها، فلمَّا أُضيفَت إلى الجمع؛ أُفردت؛ ثقةً بذِهْن السامع؛ نحو: كُلُوا فِي بَعْضٍ بَطْنِكُمُ تَعِفُّوا وإنما أَفرد الدَّمَ، وجمع الدَّمعَ؛ تنبيهاً على تفضيل إِهْرَاق الدَّمِ في سبيل الله على تَقَاطُرُ الدُّموع بُكاءً(١). (قض): (الأثر) بفتحتين: ما بقي من الشيء دالاً عليه، والمُراد بالأثرين: آثارُ خُطا الماشي في سبيل الله، والسَّاعي في فريضة من فرائضه، أو ما يبقى على المُجاهدين من أثرَ الجِرَاحات، وعلى السَّاعي المُتعَب في أداء الفرائض والقيام بها والكَدِّ فيها؛ مِن علامة ما أصابه فيها؛ کاحتراق الجَبْهة من حَرِّ الرَّمْضَاء التي يسجد عليها، وانفطار الأقدام من بَرْد الماء (١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٨ / ٢٦٥٢). ١٥٧ الذي يتوضَّأ منه(١). * ٤٥٦ - حديثُ العِرْباضِ بْنِ سارِيَةَ ﴾، قال: وَعَظَنَا رَسُولُ اللهِو ◌َ﴿ مَوْعِظَةً وَجِلَتْ مِنْهَا القُلُوبُ، وَذَرَفَتْ مِنْهَا العُيُونُ. (الجَادِي عَشَرَ) سبق في (الباب الثامن عشر). (١) انظر: ((تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة)) للبيضاوي (٢ / ٥٩٤). ١٥٨ ٥٥- باب فضلِ الزهدِ فی الدنیا، والحثِّ على التقلُّلِ منها، وفضلِ الفقرِ قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَوْةِ الدُّنْيَا كَمَآءٍ أَنْزَلْنَهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَطَ بِهِ، نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَمُ حَتَّىَ إِذَاْ أَخَذَتِاَ لْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَأَزَّيَّنَتْ وَظَرَبَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَدِرُونَ عَلَيْهَا أَتَنِهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَّمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ اْلَيَتِ لِقَوْمٍ يَنَفَكَّرُونَ﴾ [يونس: ٢٤]. * وقال تعالى: ﴿وَأَضْرِبْ لَهُمْ مَّثَلَ الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا كَمَآءٍ أَنْزَلْنَهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ، نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا نَذْرُوهُ الرَِّحُ وَكَانَ اللهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ مُقْنَدِرًا الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا وَاَلْبَقِيَتُ الصَِّحَتُ خَيْرُ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا ﴾ [الكهف: ٤٥ - ٤٦]. * وقال تعالى: ﴿أَعْلَمُوْاْ أَنَّمَا الْحَيَوَةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَمْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِ اَلْأَمْوَلِ وَالْأَوْلَدِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَانُهُ، ثُمَّ ◌َِيجُ فَرَنَّهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ خُطَمَاً وَفِ الْآَخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَنُ ج وَمَا الْحَيَوَةُ الدُّنْيَآَ إِلَّا مَتَعُ الْغُرُورِ ﴾ [الحديد: ٢٠]. ١٥٩ * وقال تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَمِ وَاَلْحَرْثِّ ذَلِكَ مَتَعُ الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا وَاللّهُ عِندَهُ, حُسْنُ الْمَعَابِ﴾ [آل عمران: ١٤]. وقال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَهِ حََّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَوَةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّتَّكُمْ بِلَّهِ الْغَرُورُ﴾ [فاطر: ٥]. وقال تعالى: ﴿أَلْهَنْكُمُ الْتَّكَاثُرُ ن ◌َحَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ ا كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ ( ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ ن كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ اُلْيَقِينِ ﴾ [التكاثر: ١ - ٥]. * وقال تعالى: ﴿وَمَا هَذِهِ الْحَيَوَةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبُّ وَإِنَّ الدَّارَ الْآَخِرَةَ لَهِىَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٤]. والآيات في الباب كثيرة مشهورة. (الباب الخامس والخمسون) (في فضل الزهد في الدنيا والحَثِّ على التقلُّل منها وفضل الفقر) قال أبو عبد الرحمن السُّلَميُّ: الزُّهد: هو عُزوفُ النفس عن الشيء، والاجتناب له، والزُّهد في الحرام فرضٌ، وفي الحلال نفلٌ. وتكلم المشايخُ في الزهد على حسَب أحوالهم، قال الجُنَيدُ: الزُّهد: استصغارُ الدُّنيا، ومَحْوُ آثارها من القلب. ١٦٠