النص المفهرس
صفحات 61-80
والمراد منها أن الله تعالى يكافئ العبدَ ويُجازيه في مُعاملاته التي بها التقرب
إلى الله تعالى بأضعاف ما يَتقرَّب العبدُ إلى الله تعالى، وسُمِّي الثوابُ تقرُّباً
مُشاكلةً وتحسيناً، ولأنه من أجله وبسببه؛ كقوله تعالى: ﴿ وَجَزَّوْاْ سَيْئَةٍ سَيِّئَةٌ
مِثْلُهاً﴾ [الشورى: ٤٠]، وقيل: تقرُّب الباري سبحانه إليه بالهداية، وشَرح
صدره لِمَا تقرَّب به، وكأن المعنى: إذا قصَد ذلك وعَمِله؛ أعنتُه عليه،
وسَھَّلته له.
(شف): قلَّما يوجد في الأحاديث حديثٌ أرجى مِن هذا؛ فإنه وَّ
رتَّب قولَه: ((لقيته بمثلها مغفرة)) على عدم الإشراك بالله فقط، ولم يذكر
الأعمالَ الصَّالحة.
(مظ): لا يجوز لأحد أن يغترَّ بهذا الحديث، ويقول: إذا كان
كذلك؛ فأُكثِرُ الخطيئةَ حتی یُكثِرَ الله مغفرتي، وإنما قال ذلك؛ لئلا پيئس
المُذنبون من رحمته، انتھی.
وأيضاً؛ إن علم هذا المُغتَرُّ أنه يُختَم له بالحسنى، وتأتيه مَنيَّتُه وهو
مُؤمن بالله حقاً؛ فليقل ما شاء، وهيهاتَ، وإنما قطع نِياطَ قلوب العارفين
الخوفُ من سوء الخاتمة، نعوذ بالله منه، والتمادي في العصيان من علامة
الخُذلان، وكيف يأمن أن يكون مِمَّن قد طُبع على قلبه، وهو لا يَشعُر(١).
(ط): التمثيل في هذا الحديث مُركَّب من أُمور مُتوهَّمة مَثَّلت صورة
تقرُّب العبد إلى الله بالطاعة والإخلاص فيها معَ مُعاونة الله تعالى بتيسير
الطاعة، وتسهيل السُّلوك إليه بصُورة تقُّب مَن يُعنى بحاله من الخَواصِّ إلى
(١) انظر: ((المفاتيح في شرح المصابيح)) للمظهري (٣/ ١٣٥).
٦١
بعض العُظماء؛ فإنه يستقبله، ويخطو خَطَواتٍ نحوَه؛ تقليلاً للمسافة؛ إكراماً
له، وهذا المعنى يقرُب من الوجه الثاني الذي ذكره الشيخ الُّورِبِشْتِيُّ.
فإن قلت: ما معنى التعريف في (الحسنة) و(السيئة)؟ ولم خُصَّت
القرينة الثانية؛ أعني: ((من جاء بالسيئة)) بلفظ الجزاء؟ ولم وُضِعت (سيئة)
موضع الضمير الراجع إلى المذكور في الشرط، ونُكِّرت؟ ولم قيل في
القرينة الأولى: ((وأزيد)) بالواو، وفي الثانية ((أو أغفر))؟ وما وجه النظم بين
قوله: ((من تقرب ... )) إلى آخر الحديث، وبين الكلام السابق؟
قلت - وبالله التوفيق -: أما التعريف فيهما: فللعهد الذُّهنيِّ؛
كقولك: دخلت السُّوقَ في بلد كذا؛ أي: سُوقاً من الأسواق، فالمعنى:
أيَّة حسنة كانت، وأيّة سيئة كانت، وأما اختصاص ذكر الجَزاء بالثانية: فلأن
ما يقابل العملَ الصالح من الثواب كلُّه إفضال وإكرام من الله تعالى، وما
يقابل السيّةَ هو عَدْلٌ وقِصَاص، فلا يكون مقصوداً بالذَّات كالثواب،
فَنَصَّ (١) بالجزاء.
وأما إعادة السيئة نكرةً: فلتنصيص معنى الوحدة المُبهم في السيئة،
والمعرفة المُطلقة وتقريرها، وأما معنى واو العطف في (وأزيد): فلمُطلق
الجمع إن أريد بالزِّيادة الرُّؤية؛ كقوله: ﴿لَلَِّينَ أَحْسَنُواْ اْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ ﴾ [يونس:
٢٦]، وإن أريد بها الأضعافُ؛ كما في قوله: ﴿كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَثْبَتَتْ سَبْعَ
سَنَاِلَ فِ كُلّ سُتْبُلَةٍ مِّأْئَةُ حَبَّةٌ ﴾ [البقرة: ٢٦١] الآيَةَ: فالواو بمعنى (أو) التنويعية؛
كما هي في قوله تعالى: ((أو أغفر)) في الحديث.
(١) في الأصل: ((فيض))، والمثبت من ((شرح المشكاة)) للطيبي (٥/ ١٧٢٥).
٦٢
وأما وجه النظم: فإنَّ تركيبَ الحديث مِن باب اللَّفِّ والنشر؛ لأن
قوله: ((ومن تقرب مني)) إلى قوله: ((هرولة)) مُناسِبٌ للقرينة الأولى
[وقوله]: ((ومن لقيني)) إلى آخر الحديث مُناسِبٌ للقرينة الثانية، ونعني
بقولنا: إن (من تقرَّب) مناسب للقرينة الأولى: أن القُربَ إلى الله إنما
يحصل بواسطة الطاعة المُقارنة للإخلاص، وقَمْع هوى النفس الأَمَّارة
بالسُّوء، والفَناء عن الأوصاف البشرية المانعة للوصول إلى حظيرة القُدُس،
وكلَّما زاد الإخلاص في الطاعة، والتوُّل فيه، وبَعُد عن هوى النفس
وشهواتها ولَذَّاتها؛ ازداد قُرْباً إلى الله، ومَراتِبُ القُرْب لا تُحصَى، وذكر في
الحديث منها ثلاثاً؛ تقريباً(١).
٤١٤ - وعَنْ جابرٍ ﴿ه، قالَ: جاءَ أَعْرابِيٌّ إلى النَّبِيِّ ◌َِّهه
فقالَ: يا رَسُولَ الله! ما المُوجِبَتَانِ؟ فَقالَ: (مَنْ مَاتَ لاَ يُشْرِكُ بِاللهِ
شَيْئاً، دَخَلَ الجَنَّةَ، وَمَنْ مَاتَ يُشْرِكُ بِهِ شَيْئاً، دَخَلَ النَّارَ)، رواهُ
مُسلم.
(الثَّالُِّ)
* قوله: ((ما الموجبتان)):
(ق): هذا سؤالُ مَن سمعهما ولم يَدْرِ ما هما، فأُجيب بأنهما الإيمان
والشِّرْكُ، وسُمّيا بذلك؛ لأن الله تعالى أوجب عليهما ما ذكره؛ من الخُلود
(١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٥ / ١٧٢٥).
٦٣
في الجَنَّة، أو في النار(١).
(ط): يقال: أَوجبَ الرَّجلُ: إذا عمل ما تَجِبُ به الجنةُ أو النار، ويقال
للحسنة: مُوجِبةٌ، وللسيئة: مُوجِبةٌ، فالوجوب عند أهل السُّنَّة بالوَعْد والوَعِيد،
وعند المُعتزلة بالعَمل(٢).
(ن): الخَصْلة المُوجبة للجنة، والخَصْلة المُوجبة للنار، وهذا مِمَّا
أجمع عليه المسلمون، أما دخول المُشرك النارَ: فهو على عُمومه، فيدخلها
ويُخَلَّد فيها، وأما دخول مَن مات وهو غير مُشرك الجنةَ: فهو مقطوع له به،
لكن إن لم يكن صاحبَ كبيرة [مات] مُصِرًّا عليها؛ دخل الجنةَ أولاً، وإن كان
صاحبَ كبيرة، ومات عليها؛ فهو تحت المَشيئة، فإن عُفِي عنه؛ دخل أولاً،
وإلا؛ عُذِّبَ، ثم أُخرج من النار، ودخل الجنةَ، وإن جَرَتْ عليه قبل ذلك
أنواعٌ من العذاب والمِحْنة(٣).
٤١٥ - وَعَن أَنَسٍ ﴿﴾: أَنَّ النَّبِيَّ ◌َهِ، وَمُعَاذْ رَدِيفُهُ عَلَى
الرَّحْلِ، قالَ: (يا مُعَاذُ!)) قالَ: لَبَيْكَ يا رَسُولَ الله وسَعْدَيْكَ، قَالَ:
(يا مُعَاذُ!))، قالَ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللهِ وَسَعْدَيْكَ، قالَ: ((يَا مُعاذُ!))
قال: ◌َبَيْكَ يَا رَسُولَ اللهِ وَسَعْدَيْكَ، ثَلاثاً، قالَ: ((ما مِنْ عَبْدٍ يَشْهَدُ
(١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (١ / ٢٩٠).
(٢) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٢ / ٤٩٣).
(٣) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٢ / ٩٦).
٦٤
أَنْ لاَ إِلَهَ إلاَّ اللهُ، وأَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ صِدْقاً مِنْ قَلْبِهِ، إِلاَّ
حَرَّمَهُ اللهُ عَلَى النَّارِ)، قالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! أَفَلا أُخْبِرُ بها الناسَ
فَيَسْتَبْشِرُوا؟ قالَ: ((إِذاً يَتَّكِلُوا))، فَأَخْبَرَ بِها مُعَاذٌ عِنْدَ مَوْتِهِ تَأَثُّماً،
متفقٌ عليه.
وقوله: ((تَأَئماً): أَيْ: خَوْفاً مِنَ الإثمِ فِي كَثْمِ هذا العِلْمِ.
(ن): ((الرديف)): هو الذي يركب خلف الراكب، وأصله مِن ركوبه
على الرِّدْف، وهو العَجُز، وأراد المُبالغةَ في شِدَّة قُرْبه؛ ليكون أوقعَ في
نفس سامعه؛ لكونه أضبطَ، وتكرير ندائه وَ لّ مُعاذاً؛ لتأكيد الاهتمام بما
يُخبره، وليَكمُل تنبُّه مُعاذ.
وفي الصَّحيح: أنه وَّر كان إذا تكلَّم كلمة؛ أعادها ثلاثاً(١)؛ لهذا
المعنی(٢).
(ق): سبب التكرار؛ ليستحضر ذِهنَهُ وفهمَهُ؛ ليشعر بعِظَم ما يُلقيه
إليه(٣) .
(نه): ((لبيك)): من التلبية، وهي إجابة المُنادي؛ مأخوذٌ من ◌َبَّ
بالمكان، وألبَّ [به]: إذا أقام به، ولم يُستعمل إلا على لفظ التثنية في معنى
(١) رواه البخاري (٩٤)، من حديث أنس ﴿ه.
(٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١ / ٢٣١).
(٣) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (١ / ٢٠٣).
٦٥
التكرير؛ أي: إجابة بعد إجابة، وهو منصوب على المَصدر بعامل لا يظهر،
كأنك قلت: ألبَّ إلباباً بعد إلباب، وكذلك سَعْدَيك، معناه ساعَدْتُ طاعتك
مُساعدةً [بعد مُساعدة]، وإسعاداً بعد إسعاد؛ ولهذا ثُنِّي، ولم يُسمع
مفرداً(١).
(ق): معنى صِدْقِ القلب: تصديقُه الجازم؛ بحيث لا يخطر له نقيضُ
ما صَدَّق به، وذلك إما عن بُرهان؛ فيكون عِلماً، أو عن غيره؛ فيكون اعتقاداً
جَزْماً(٢).
(ك): يحترز به عن شهادة المنافقين، ولفظ ((من قلبه)) يمكن تعلُّقُه
بـ ((صدقاً))؛ فالشهادة لفظية، وبـ ((يشهد))؛ فالشهادة قلبية (٣).
(ط): ((صدقاً) هاهنا أُقيم مُقام الاستقامة؛ لأن الصِّدقَ كما يُعبَّر به
قولاً عن مُطابقة المَقُول الضميرَ، والمُخبرُ عنه؛ قد يُعبَّر به فعلاً عن تحرِّي
الأفعال الكاملة، والأخلاق المَرضيَّة، قال تعالى: ﴿أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ
رَبِهِمْ ﴾ [يونس: ٢]، و﴿ فِ مَفْعَدِ صِدْقٍ﴾ [القمر: ٥٥]، و﴿ وَالَّذِى جَآءَ بِالصِّدْقِ
وَصَدَّقَ بِهٌِ﴾؛ أي: حَقَّق ما أورده قولاً بما تحرَّاه فعلاً(٤).
(ط): التحريم بمعنى المَنع؛ كما في قوله تعالى: ﴿وَحَرَامُ عَلَى قَرْيَةٍ
أَمْلَكْتَهَا﴾ [الأنبياء: ٩٥](٥).
(١) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (٤ / ٢٢٢).
(٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (١ / ٢٠٨).
(٣) انظر: ((الكواكب الدراري) للكرماني (٢ / ١٥٥).
(٤) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٢ / ٤٧٦).
(٥) المرجع السابق، (٢ / ٤٧٤).
٦٦
(ك): هذا استثناء من أَعمِّ عامِّ الصِّفات؛ أي: ما أحدٌ يشهد كائناً بصفة
إلا بصفة التحريم(١).
(ق): يجوز أن يُحرِّم الله مَن مات على الشهادتين على النار مطلقاً،
ومَن دخل النارَ من أهل الشهادتين بكبائره؛ حُرِّم على النار جميعُه أو بعضُه؛
كما قال في الحديث الآخر: ((فيُحَرِّمُ صُورَهُم على النَّارِ))(٢)، وقال: ((حَرَّمَ اللهُ
على النَّارِ أَن تَأْكُلَ أثرَ السُّجُودِ)(٣)، ويحتمل أن يكون معناه: يخُرَّمُ على نار
الكُفَّار التي تُنْضِحُ جُلودَهم، ثم تُبدَّل، وقد قال رَّهِ: (أَمَّا أهلُ النَّارِ الذين هُم
أَهلُها: فإنَّهِم لا يَمُوتونَ فيها، ولا يَحْيَوَن، ولكن ناسٌ أَصابُهم النارُ
بذُنوبِهِم، فَأَماتَهُم اللهُ إماتةً حَتَّى إذا كانُوا فَحْماً؛ أَذِنَ لهم في الشَّفَاعِةِ))
الحديث(٤).
* قوله: ((أفلا أخبر)):
(ك): فإن قلت: الهمزة تقتضي الصَّدارةَ، والفاءُ عدمَها، فما وجه
جمعهما؟
قلت: المَعطوف عليه مُقدَّر بعد الهمزة؛ نحو: أَقَلتَ ذلك؛ فلا أُخبرُ؟!
والنون محذوفةٌ من ((فيستبشروا))؛ لأن الفاء وقعت بعد النفي، أو
الاستفهام، أو العَرْض، وقوله: ((وإذا) جوابُ جَزاء؛ أي: إن أخبرتَهم؛
(١) انظر: ((الكواكب الدراري)) للكرماني (٢/ ١٥٥).
(٢) رواه البخاري (٧٤٣٩)، ومسلم (١٨٣ / ٣٠٢)، من حديث أبي سعيد الخدري
(٣) رواه البخاري (٨٠٦)، ومسلم (١٨٢ / ٢٩٩)، من حديث أبي هريرة
(٤) رواه مسلم (١٨٥ / ٣٠٦)، من حديث أبي سعيد الخدري ـ
٦٧
يَتَكِلُوا، وكأنه قال: لا تخبرهم؛ لأنه حينئذ يتكلون على الشهادة المُجرَّدة؛
فلا يشتغلون بالأعمال الصالحة(١).
(ن): ((تأثماً) بفتح الهمزة، وضمِّ المثلثة المُشددة، يقال: تأثَّم الرجلُ:
إذا فعل فعلاً يخرج به عن الإثم، وتَحرَّجَ: أزال عنه الحَرجَ، وتَحنَّث: أزال
عنه الحِنْثَ، ومعنى تأثُّم مُعاذ: أنه كان يحفظ علماً يخاف فَوْتَه وذهابَه بمَوته،
فخشي أن يكون مِمَّن كتم علماً، ومِمَّن لم يمتثل أمرَ رسول الله ◌َّ في تبليغ
سَنَّتَه، فيكون إثماً، فاحتاط وأخبر بها؛ مَخافةَ الإثم، وعلم أنه وَّهِ لم يَنْهَهُ عن
الإخبار بها نھي تحریم.
قال القاضي: أو يكون مُعاذٌّ بلغَهُ بعد ذلك أمرُ النبيِّ وَّ لأبي هريرة،
وخاف أن یکتمَ علماً عُلِّمه؛ فیأثم.
قال الشيخ أبو عمرو بنُ الصَّلاح: منَعَهُ من التبشير العامِّ؛ خوفاً من
أن يسمعَ ذلك مَن لا خبرةَ له ولا عِلمَ؛ فيغترُّ ويتَّكِل، وأخبر به ◌َّفز على
الخُصوص مَن أمِنَ عليه الاغترارَ والاتكالَ مِن أهل المعرفة؛ فإنه أخبر بها
مُعاذاً، فسلك مُعاذٌ هذا المَسلكَ، فأخبر به مِن الخاصَّة مَن رآه أهلاً
لذلك(٢).
(ط): وترجم البخاريُّ على هذا الحديث بقوله: (بابُ مَن خَصَّ
بالعلم قوماً؛ دون قوم؛ كراهية أن لا يفهموا)(٣).
(١) انظر: ((الكواكب الدراري)) للكرماني (٢ / ١٥٥).
(٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١ / ٢٤٠).
(٣) انظر: ((صحيح البخاري)) (١ / ٣٧).
٦٨
فإن قلت: هَبْ أنه تأثّم من كِتْمَان ما أمر الله بتبليغه؛ حيث قال: ﴿لَتُبَيِّنُنَّهُ.
لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾ [آل عمران: ١٨٧]، فكيف لا يتأثّم من النهي في قوله: ((إذاً
یتکلوا))؛ أي: لا تبشرهم؟
قلت: النهي مُقيّد بالاتكال، فإذا زال القَيْدُ؛ زال المُقيّد، ولعل وُرودَ
المَنع أنه من الأسرار الإلهية، لا يجوز كشفُها وإذاعتها عند العامَّة، ولا يبعد
أن يقال: إن نداءَ الرسول الله ﴿ مُعاذاً ثلاثَ مَرَّات؛ كان للتوقُّف في إفشاء
هذا السِّرِّ عليه(١).
(ط): أحسن ما قيل في معنى هذا الحديث وأمثاله: ما ذهب إليه
الحسنُ البصريُّ؛ أي: مَن قال هذه الكلمةَ، وأدَّى حَقَّها وفريضتَها، ويؤيدُه
قوله: (صدقاً من قلبه)؛ أي: حَقَّق ما أورده قولاً بما تحرَّاه فعلاً، ثم بعد
تأويل الحسن قَولُ مَن قال: إن هذا كان قبل نزول الفرائض، والأمر،
والنهي؛ فحينئذ يكون قد أتى بما يَجِبُ عليه، فحَرَّمه الله على النار، وأما
بعد وجوب الأركان: فلا يكون ذلك كافياً في الإخلاص.
ويؤيدُه ما رواه البخاريُّ عن عائشة رضي الله عنها قالت: ((إنَّما نزل
أوَّلَ ما نزل منه سورةٌ من المُفصَّل فيها ذكرُ الجَنَّةِ والنار، حتى إذا ثابَ
الناسُ إلى الإسلام؛ نزل الحَلالُ والحَرامُ، ولو نزل أوَّلُ شيء: لا تشربوا
الخمر أبداً؛ لقالوا: لا ندع الخمرَ أبداً، ولو نزل: لا تزنوا؛ لقالوا: لا ندع
الزِّنا أبداً، ولقد نزل بمَكَّةَ على مُحمَّد صلوات الله وسلامه عليه: ﴿ بَلِ
السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُ ﴾ [القمر: ٤٦]، وما نزلت (سورة البقرة)،
(١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٢/ ٤٧٤).
٦٩
و(النساء) إلا وأنا عنده))(١).
قال بعضُ المُحقِّقين: قد يتَّخذ أمثالَ هذه الأحاديث المُبطلةُ والمُرجئة
ذريعةً على طرح التكاليف، وسيأتي الجواب عنه في (الحديث الرابع عشر)
من هذا الباب(٢).
٤١٦ - وعَنْ أَبِي هُريرةَ - أَوْ أَبِي سعِيدِ الخُدْرِيِّ - عَ﴾، شَكَّ
الرَّاوِي، وَلاَ يَضُرُّ الشَّكُّ فِي عَينِ الصَّحابِيِّ؛ لأنهُم كُلَّهُمْ
عُدُولٌ، قال: لما كانَ غَزْوَةُ تَبُّوكَ، أصابَ الناسَ مَجَاعَةٌ، فَقالُوا:
يا رَسُولَ الله! لَوْ أَذِنْتَ لَنَا فَتَحَرْنَا نَوَاضِحَنا، فَأَكَلْنا وَادَّهَنّا؟ فَقَالَ
رَسُولُ اللهِ﴾: ((افْعَلُوا))، فَجَاءَ عُمَرُ عَ﴿ه، فقالَ: يَا رَسُولَ الله!
إِنْ فَعَلْتَ، قَلَّ الظَّهْرُ، وَلَكِنْ ادْعُهُمْ بِفَضْلٍ أَزْوَادِهِمْ، ثُمَّ ادْعُ الله
لَهُمْ عَلَيْها بِالبَرَكَةِ لَعَلَّ الله أَنْ يَجْعَلَ في ذلكَ البَرَكَةَ؛ فَقَالَ
رَسُولُ اللهَ وَُّ: (نَعَمْ)، فَدَعَا بِنِطْعٍ، فَسَطَهُ، ثُمَّ دَعَا بِفَضْلِ
أَزْوَادِهِمْ، فَجَعَلَ الرَّجُلُ يجيءُ بِكَفِّ ذُرَةٍ، ويجيءُ الآخَرُ بِكَفِّ
تَمْرٍ، ويَجِيءُ الآخَرُ بِكِسرَةٍ، حَتَّى اجْتَمَعَ عَلَى النّطْعِ مِنْ ذَلِكَ
شَيءٌ يَسِيرٌ، فَدَعَا رَسُولُ اللهِوَهُ بِالبَرَكَةِ، ثُمَّ قالَ: ((خُذُوا في
(١) رواه البخاري (٤٩٩٣).
(٢) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٢ / ٤٧٧).
٧٠
أَوْعِيَِّّكُمْ)»، فَأَخَذُوا فِي أَوْعِيَتِهِمْ حَتَّى ما تَرَكُوا في العَسْكَرِ وِعاءً
إِلَّ مَلَؤْوَهُ، وَأَكَلُوا حَتِى شَبِعُوا، وَفَضَلَ فَضْلَةٌ، فقالَ رَسُولُ الله ◌َِلِ:
(أَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّ اللهُ، وأَنِّي رَسُولُ اللهِ، لاَ يَلْقَى اللّهَ بِهِمَا عَبْدٌ
غَيْرَ شَاكِّ، فَيُحْجَبَ عَنِ الجَنَّةِ)، رواهُ مسلم.
* قوله: ((يوم غزوة تبوك)):
(ن): المراد باليوم هاهنا: الوقت، لا الزمان الذي هو ما بين طلوع
الفجر وغروب الشمس، و((تبوك)) مِن أدنى أرض الشام، و((المجاعة)) بفتح
الميم: الجُوع الشديد، و((النواضح)) من الإبل يُستقى عليها، والأنثى
ناضِحَةٌ، وقولهم: ((لو أذنت لنا)) هذا من أحسن آداب خطاب الكِبار،
والسؤال منهم، فيقال: لو فعلتَ كذا، لو أمرت بكذا، معناه: لكان خيراً،
وصواباً، ورأياً متيناً، أو مصلحةً ظاهرة، وما أشبه هذا، فهذا أجمل من
قولهم للكبير: افعل كذا، بصيغة الأمر.
وفيه: أنه لا ينبغي لأهل العسكر الغُزاة أن يُضيِّعوا دوابَّهم التي يستعينون
بها في القتال بغير إذن الإمام، ولا يأذن لهم إلا إذا رأى مصلحةً، أو خاف
مفسدة ظاهرة .
قال صاحب ((التحرير)): قوله: ((وادهنا)) ليس مقصودُه ما هو المعروف
من الادِّهان، وإنما معناه: اتخذناه دُهناً من شُحومها .
وقول عمر عنه: ((يا رسول الله؛ إن فعلت قلّ الظهر)) فيه: جواز الإشارة
٧١
على الأئمة والرؤساء، وأن للمَفضول أن يُشيرَ عليهم، بخلاف ما رَأَوْه إذا
ظهرت مَصلحتُه عنده، والمُراد بالظَّهْر: الدوابُ، سُمِّيت ظهراً؛ لكونها يُركَبُ
على ظهورها، أو لكونها يُستظهَرُ بها، ويُستعان على السَّفر(١).
(ق): هذا الأمر منه وَّ كان بحُكم النظر المَصْلَحِيِّ، لا بالوحي، ألا
ترى كيف عرض عليه عمرُ مصلحةً أخرى ظهر له رُجْحانُها، فوافقه؟! ففيه:
دليل على العمل بالمَصالح، وعلى سماع رأي أهل العقل والتَّجارِب(٢).
، قوله: ((لعل الله أن يجعل في ذلك)):
(ن): هكذا وقع في الأُصول التي رأينا، وفيه محذوفٌ تقديره:
يجعل في ذلك بركةً، أو خيراً أو نحو ذلك، فحُذف المفعول؛ لأنه فَضْلة،
وأصل البركة: كثرة الخَيْرِ، و((النطع)) فيه أربعُ لغات مَشهُورات، أشهرها:
كسر النون مع فتح الطاء، والثانية: بفتحهما، والثالثة: بفتح النون مع
إسكان الطاء، والرابعة: بكسر النون مع إسكان الطاء، وقوله: ((فضلت))
بكسر الضاد وفتحها، لغتان(٣).
(ق): ((فيحجب)) رويناه بفتح الباء ورفعها، فالنصب بإضمار (أن)
بعد الفاء في جواب النفي، وهو الأظهر والأجْوَدُ، وفي الرفع إشكالٌ؛ لأنه
يرتفع على أن يكون خبرَ مبتدأ محذوف؛ أي: فهو يُحجبُ، وهو نقيض
المقصود، فلا يستقيم المعنى حتَّى يُقدَّر (لا) النافية؛ أي: فهو لا يُحجب،
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١ / ٢٢٤).
(٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (١ / ١٩٨).
(٣) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١ / ٢٢٥).
٧٢
ولا تُحذَفُ (لا) النافية في مثل هذا.
وهذا - والله أعلم - فيمَن لقي الله بريئاً من الكبائر، فأما المُرتكِبُ
[لها] الذي لم يتب منها: فهو في مشيئة الله التي دل عليها قوله تعالى:
﴿وَيَغْفِّرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ ﴾ [النساء: ٤٨]، وجاءت الأحاديثُ الكثيرة
الصَّحيحة المُفيدة بكثرتها حُصولَ العلم القطعيِّ؛ أن طائفة كثيرة من أهل
التوحيد يدخلون النارَ، ثم يخرجون منها بالشَّفاعة، أو بالتفضُّل، أو بما
شاء الله، فدل ذلك أن هذا الحديثَ ليس على ظاهره، ولأهل العلم فيه
تأويلان :
أحدهما: أن هذا العُمومَ يُراد به الخُصوصُ مِمَّن يعفو الله عنه من أهل
الكبائر مِمَّن شاء الله أن يغفر له ابتداءً من غير توبة كانت منهم، ولا سببَ
يقتضي ذلك غيرُ مَحْض كرم الله تعالى وفضله، وهذا على مذهب أهل
السُّنة، خلافاً للمُبتدعة المانعين تفضّلَ الله تعالى بذلك، وهذا مذهب مردودٌ
بالأدلة القَطِعِيَّة.
وثانيهما: لا يُحجبون عن الجنة بعد الخروج من النار، وتكون فائدته
الإخبارَ بخُلود كلِّ مَن دخل الجنةَ فيها، وأنه لا يُحجَب عنها، ولا عن شيء
من نعيمها(١).
٤١٧ - وَعَنْ عِثْبَانَ بْنِ مالكٍ ◌َُ، وهو مِمَّنْ شَهِدَ بَدْراً،
(١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (١ / ١٩٨).
٧٣
قالَ: كُنْتُ أصَلِّي لِقَوْمِي بَنِي سَالِمٍ، وَكَانَ يَحُولُ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ وادٍ
إِذَا جاءَتِ الأَمْطارُ، فَيَشُقُّ عَلَيَّ اجْتِيَازُهُ قِبَلَ مَسْجِدِهِمْ، فَجِئْتُ
رَسُولَ اللهِ ﴿، فَقُلْتُ لَهُ: إِنِّي أَنْكَرْتُ بَصَرِي، وَإِنَّ الوَادِيَ الَّذِي
بَيْنِي وَبَيْنَ قَوْمِي يَسِيلُ إِذَا جَاءَتِ الأَمْطارُ، فَيَشُقُّ عَلَيَّ اجْتِيازُهُ،
فَوَدِدْتُ أنَّكَ تَأْتِي، فَتُصَلِّي فِي بَيْتِي مَكاناً أَنَّخِذُهُ مُصَلَّى، فقال
رَسُولُ اللهِ﴿: ((سَأَفْعَلُ))، فَغَدًا عَلَيَّ رَسُولُ الله، وآبُو بَكْرٍ
بَعْدَ ما اشْتَدَّ النَّهارُ، واسْتَأذنَ رَسُولُ اللهِوَهِ، فَأَذِنْتُ لهُ، فَلَمْ
يَجْلِسْ حَتَّى قال: ((أَيْنَ تُحِبُّ أَنْ أُصَلِّيَ مِنْ بَيْئِكَ؟))، فَأَشَرْتُ لَهُ
إلى المَكانِ الَّذِي أُحِبُّ أَنْ يُصَلِّي فيه، فَقَامَ رَسُولُ اللهِلَّهِ، فَكَبَّرَ،
وَصَفَفْنا وَرَاءَهُ، فَصَلَّى رَكَعَتَيْنٍ، ثُمَّ سَلَّمَ، وَسَلَّمْنا حِينَ سَلَّمَ،
فَحَبَسْتُهُ عَلَى خَزِيرَةٍ تُصْنَعُ لَهُ، فَسَمِعَ أَهْلُ الدَّارِ أَنَّ رَسُولَ اللهِوَلجي
فِي بَيْتِي، فَثَابَ رجالٌ مِنْهُمْ حَتَّى كَثُرَ الرِّجالُ فِي البَيْتِ، فَقَالَ
رَجُلٌ: مَا فَعَلَ مَالِكٌ؟ لا أَرَاهُ! فَقَالَ رَجُلٌ: ذَلِكَ مُنَافِقٌ لاَ يُحِبُّ
اللهَ وَرَسُولَهُ، فقالَ رَسُولُ اللهِوَّهِ: ((لاَ تَقُلْ ذَلِكَ، أَلاَ تَرَاهُ قَالَ:
لاَ إِلَهَ إِلَّ اللهُ يَبْتَغِي بِذَلِكَ وَجْهَ اللهِ تعالى؟!))، فَقَالَ: اللهُ ورَسُولُهُ
أَعْلَمُ، أَمّا نَحْنُ، فَوَاللهِ! ما نَرَى وُدَّهُ، وَلاَ حَدِيثَهُ إلَّ إِلى المُنَافِقِينَ!
فقالَ رسولُ الله ◌َّهِ: ((فَإِنَّ اللهَ قَدْ حَرَّمَ على النَّارِ مَنْ قَالَ: لاَ إِلَهَ
إِلَّ الله يَبْتَغِي بِذَلِكَ وَجْهَ الله))، متفقٌ عليه.
٧٤
و((عِتْبَان)): بكسر العين المهملة، وإسكان التاء المُثَنَّاةِ فَوْقُ
وبَعْدَها باءٌ مُوَخَّدَةٌ. و((الخَزِيرَةُ) بالخاءِ المُعْجَمَةِ، وَالزَّايٍ: هي
دَقيقٌ يُطْبَخُ بِشَخْمٍ.
وقوله: ((ثابَ رِجَالٌ)) بالَّاءِ المُثَلَّثَةِ؛ أَيْ: جَاؤُوا، وَاجْتَمَعُوا.
(النَّادُ)
* قوله: ((أنكرت بصري)»:
(ق): أي: عَمِیتُ بعد أن لم أکن کذلك، انتهى(١).
فيه: الاعتناء بتحرِّي الألفاظ البليغة عند التخاطُب؛ فإن العَمى رُبَّما
يحمله السامع المُعانِد على عمى القلب، ولم يزل البُلغاءُ يستعملون هذا في
کلامهم، قال:
أَرَىَ بَصَرِي قَدْ رَابَنِي بَعْدَ حِدَّةٍ
وحَسْبُكَ دَاءَ أَنْ تصِحَّ وَتَسْلَما
(ك): قوله: ((أتخذه)) بالرفع والجزم.
فإن قلت: الظلمة؛ هل لها دَخْلٌ في ترك الجماعة، أم السيل وحده
یکفي فیه؟
قلت: لا دخل لها، وكذا ضِرَارةُ البصر، بل كلُّ واحد من الثلاث عُذْرٌ
كافٍ في ترك الجماعة، لكن جمع عِثْبانُ بين الثلاثة؛ بياناً لتعدُّد أعذاره؛ ليُعلم
أنه شديد الحِرْصِ على الجماعة، لا يتركها إلا عند كثرة المَوانع(٢).
(١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٢ / ٢٨٣).
(٢) انظر: ((الكواكب الدراري)) للكرماني (٥ / ٥٤).
٧٥
* قوله: ((فلم يجلس حتى قال: أين تحب أن أصلي في بيتك؟»:
(ك): فإن قلت: ثبت إتيانهُ {آ* بيتَ مُلَیکةَ؛ کما ذكره البخاريُّ في (باب
الصلاة على الحَصير): أنه بدأ بالأكل، ثم صلى(١)، وهاهنا بالعكس، فما
الفرق بينهما؟
قلت: المُهِمُّ هاهنا هو الصلاة؛ فإنه دعاه لها، وثَمَّة دعته للطعام،
ففي كل واحد من الموضعين بدأ بالأهمِّ، وهو ما دُعي إليه(٢).
(ن): قال ابن قتيبة: ((الخزيرة)): هي لحم يُقطَّعُ صغاراً، ثم يُصبُّ عليه
ماء كثير، فإذا نَضج؛ ذُرَّ عليه دقيقٌ، فإن لم يكن فيها لحمٌّ؛ فهي عَصِيدَةٌ(٣).
(ك): ((ثاب الرجال)) بالمُثلثة وبالموحدة في آخره؛ أي: جاء واجتمع،
ويقال: ثاب الرجل: رجع بعد ذهابه، قالوا: المراد بالدار هاهنا المَحلَّةُ.
وقوله: ((يريد به وجه الله))؛ أي: ذات الله، وهذه شهادة من رسول الله وَّڼ
بإيمانه باطناً، وبراءته من النِّفاق، وبأنه قالها مُصدِّقاً بها، متقرَّباً بها إلى الله،
فلا يُشَكُّ في صِدْق إيمانه، وهو ممَّن شهد بدراً، فلا يَصِحُّ منه النِّفاق،
انتھی(٤).
* قوله {وَلفي: ((إن الله حرم على النار مَن قال: لا إله إلا الله يبتغي
بذلك وجه الله)) سبق الكلام على أمثاله مراراً؛ أن هذا عامٌّ مَخصوصٌ، وأن
(١) انظر: ((صحيح البخاري)) (١ / ٨٦).
(٢) انظر: ((الكواكب الدراري)) للكرماني (٤ / ٨٤).
(٣) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٥ / ١٥٩).
(٤) انظر: ((الكواكب الدراري)) للكرماني (٤ / ٨٥).
٧٦
هذا فيمَن قالها مُؤدّياً حقَّها وفريضَتَها، أو أن هذا فيمَن شهد بذلك، ومات
قبل أن يتمكّن من العمل، أو هو لمَن قالها عند النَّدَم والتوبة، ومات عليه،
أو كان هذا قبل نُزُول الفرائض ويُؤْيِّدُه ما ذكره مسلم في ((صحيحه)) في
آخر هذا الحديث مِن كلام الزُّهريِّ قوله: (ثم نزلت بعد ذلك فرائضُ وأُمورٌ
نرى أن الأمرَ انتهى إليها، فمن استطاع أن لا يغتَرَّ؛ فلا يَغْترَّ)(١).
وفي ((المعجم الكبير)) للطبرانيٍّ عن زيد بن أرقمَ قال: قال رسول الله ◌َّه:
((مَن قالَ: لا إله إلا الله مُخلِصاً؛ دخلَ الجَنَّةَ))، قال: وقال رسول الله وَلَيه:
(إِخْلاصُهُ أَنْ يَحْجُزَهُ عمَّا حرَّمَ اللهُ عليهِ)(٢).
(ك): فإن قلت: لا بُدَّ من قول: (محمد رسول الله) أيضاً؟
قلت: هذا شِعارٌ لكلمة الشهادة بتمامها .
فإن قلت: هذا يدل على أن العُصاة لا يدخلون النار.
قلت: المقصودُ من التحريم التَّخليدُ؛ جمعاً بينه وبين ما ورد مِن
دُخول بعض أهل المَعصية فيها، وتوفيقاً بين الأدلة(٣).
(ن): في هذا الحديث فوائدُ كثيرة؛ منها: أنه يُستحبُّ لمَن قال:
سأفعل كذا؛ أن يقول إن شاء الله؛ للآية، والحديث؛ ففي رواية البُخاريِّ:
(سَأَفعَلُ إِنْ شَاءَ الله) (٤).
(١) رواه مسلم (٣٣/ ٢٦٤).
(٢) رواه الطبراني في ((المعجم الكبير)) (٥٠٧٤)، وهو حديث موضوع. انظر: ((ضعيف
الترغيب والترهيب)» (٩٢٢).
(٣) انظر: ((الكواكب الدراري)) للكرماني (٤ / ٨٥).
(٤) رواه البخاري (٥٤٠١)، من حديث محمود بن الربيع تظـ
٧٧
وفيه: التبرُّك بالصَّالحين وآثارهم، والصلاة في المواضع التي صَلَّوا
بها، وطلب التبرُّك منهم.
وفيه: زيارة الفاضل للمَفضُول، وحُضور ضيافته.
وفيه: سُقوط الجماعة للعُذر.
وفيه: استصحاب الإمام والعالِم ونحوهما بعض أصحابه في ذهابه.
وفيه: الاستئذان على الرجل في منزله، وإن كان صاحبُه قد تقدَّم.
وفيه: الابتداء بالأهمِّ؛ لأنه ◌َِّ جاء، فلم يجلس حتى صَلَّى.
وفيه: جواز صلاة النفل جماعةً، وفيه: أن الأفضل في صلاة النهار:
أن تكون مَثْنى؛ كصلاة الليل، وهو مذهبنا، ومذهبُ الجُمهور.
وفيه: أنه يُستحبُّ لأهل المَحلَّة وجيرانهم إذا ورد رجلٌ صالح إلى
منزل بعضهم؛ أن يجتمعوا عليه، ويحضروا مجلسَه؛ لزيارته وإكرامه،
وللاستفادة منه.
وفيه: أنه لا بأس بمُلازمة الصلاة في موضع مُعيَّن من البيت، وإنما
جاء في الحديث النهيُّ عن إِيطَانِ موضع مُعيَّن من المسجد؛ للخوف من
الرياء ونحوه.
وفيه: الذبُّ عَمَّن ذُكِر بسوء وهو بريٌ منه.
وفيه: أنه لا يُخلَّد في النار مَن مات على التوحيد.
وفيه غيرُ ذلك(١).
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٥ / ١٦١).
٧٨
(ك)(١): قال ابنُ بَطَّال: وفيه: أن مَن دُعي من الصُّلحاء على شيء؛
يتبرَّك به؛ فله أن يُجيبَ إذا أَمِن العُجْبَ، والوفاءُ بالعهد، وإكرام العلماء إذا
دُعِي إلى شيء بالطعام وشبهه.
وفيه: التنبيه على أهل الفِسْق عند السُّلطان.
وفيه: أن السُّلطانَ يجب عليه أن يستثبتَ، في أمر مَن يُذكر بفسق ويُوجِّه
له أحسنَ الوجوه.
وفيه: أن الجماعة إذا اجتمعوا للصلاة، وغاب أحدٌ منهم؛ أن يسألوا
عنه .
قلت: وفيه: جواز إمامة الأعمى، وإسناد المسجد إلى القوم، وروى
النَّخَعيُّ أنه كان يُكره أن يقال: مسجدُ بني فلان، وهذا الحديث یَردُّه.
وفيه: أنه لا يكفي في الإيمان النُّطْقُ من غير اعتقاد(٢).
٤١٨ - وعن عمرَ بْنِ الخَطَّابِ ﴿، قال: قَدِمَ رَسُولُ اللهِوَّهِ،
بِسَبْ، فَإِذَا امْرَأَةٌ مِنَ السَّبْي تَسْعَى، إِذْ وَجَدَتْ صَبِيّاً في السَّبْي
أَخَذَتْهُ، فَأَلْزَقَتْهُ بِبَطْنِها، فَأَرْضَعَتْهُ، فقالَ رَسُولُ اللهِ: ((أَتْرَوْنَ هَذِهِ
المَرْأَةَ طَارِحَةً وَلَدَهَا فِي النَّارِ؟))، قُلْنَا: لاَ وَالله! فَقَالَ: (اللهُ أَرْحَمُ
بِعِبَادِهِ مِنْ هَذِهِ بِوَلَدِها»، متفقٌ عليه.
(١) في الأصل: ((ق))، والمثبت هو الصواب.
(٢) انظر: ((الكواكب الدراري)) للكرماني (٤ / ٨٦).
٧٩
النَّائِيةِ،
(نه): (السَّبْي): النهب، وأَخذُ الناس عبيداً وإماء، والسَّبِيّة: المرأة
المَنهُوبة، فعيلة بمعنى مفعولة، وجمعها: السَّبايا، انتهى(١).
وفي رواية: ((قلنا: لا، وهي تقدر [على] أن [لا] تطرحه))(٢)، وفي
(سنن ابن ماجه)): عن ابن عمر ﴿﴾ قال: كُنَّا معَ رسول الله ◌َّر في بعض
غَزَواته، وامرأةٌ تَخْصِبُ تَنُوراً لها، ومعها ابنٌ لها، فإذا ارتفع وَهْجُ التُّور،
تَنَخَّت به، فأتت النبيَّ وََّ، فقالت: أنت رسولُ الله؟ قال: (نَعَمْ))، قالت:
بأبي أنت وأُمِّي؛ أليس اللهُ بأَرْحَمِ الرَّاحمين؟ قال: ((بلى))، قالت: أَوليس اللهُ
أرحمَ بعباده من الأُمّ بولدها؟ قال: ((بلى))، قالت: فإن الأُمَّ لا تُلقي ولدَها في
النار، فأكَبَّ رسولُ اللهِ ◌ّه يبكي، ثم رفعَ رأسَهُ إليها، فقال: ((إنَّ اللهَ لا يُعذِّبُ
مِن عِبَاده إلاَّ المَارِدَ المُتمَرِّدَ الذي يَتمرَّدُ على الله، وأَبِى أَن يَقُولَ: لا إلهَ إلاَّ
الله)(٣).
* قوله: ((وهي تقدر)) :
(ط): الواو للحال، وصاحِبُها مُقدَّرٌ؛ أي: لا تكون طارحةً حال(٤)
قدرتها على أن لا تطرح، وفائدة الحال: أن هذه المرأةَ استطاعت(٥) أن
(١) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (٢/ ٣٤٠).
(٢) رواه البخاري (٥٩٩٩)، ومسلم (٢٧٥٤ / ٢٢).
(٣) رواه ابن ماجه (٤٢٩٧)، من حديث ابن عمر معها. وهو حديث موضوع. انظر:
((السلسلة الضعيفة)) (٣١٠٩).
(٤) في الأصل: ((حتى)).
(٥) في الأصل: ((ما استطاعت))، والتصويب من ((شرح المشكاة)) للطيبي (٦ / ١٨٦٤).
٨٠