النص المفهرس

صفحات 41-60

النكرة إذا كان مضافاً إلى معرفة، و((الوكيل)) بمعنى المفعول؛ أي: نعم
المُوكَل إليه اللهُ تعالى، و((الله)) مبتدأ، و((حسبنا)) خبر مُقَدَّم، والمَخصُوصُ
بالمدح بـ «ونعم الو کیل)) محذوف، انتھی(١).
قال الشيخ أبو بكر محمدُ بن إسحاق الكَلاباذيُّ: في هذا الحديث إشارةٌ
إلى الرُّجوع إلى الله، والاعتماد عليه، والتبرُّؤْ من الحَوْل والقُوَّة، والنظر إلى
الأفعال، والسُّكون إلى شيء دون الله في الأحوال، ألا ترى أنهم لمَّا تحيَّروا
وتثاقلوا في نفوسهم؛ لم يدُلَّهم على عمل من أعمالهم يرجعون إليه، ولا
أمرهم بفعل شيء من أفعالهم يعتمدون عليه، بل وجَّههم إلى الله تعالى؟! قال
تعالى: ﴿فَفِرُّوَاْ إِلَى اللَّهِ﴾ [الذاريات: ٥٠].
٤١٠ - وعَنْ أَبي هُريرةَ ﴿ه، قال: قالَ رَسُولُ اللهِوَلِ: ((مَنْ
خَافَ، أَدْلَجَ، وَمَنْ أَدْلَجَ، بَلَغَ المَنْزِلَ. أَلاَ إِنَّ سِلْعَةَ اللهِ غَالِيَّةٌ، أَلَ
إِنَّ سِلْعَةَ اللهِ الجَنَّةُ)، رواه الترمذي، وقال: حديثٌ حسنٌ.
وَ(أَدْلَجَ): بإسْكان الدَّال، ومعناه: سَارَ مِنْ أَوَّلِ اللَّيْلِ،
وَالمُرَادُ: التَّشْمِيرُ في الطَّاعَة، والله أعلم.
[ِالتَّلامُ عَبْيَة)]
* قوله ريفي: ((من خاف أدلج)):
(١) انظر: ((المفاتيح في شرح المصابيح)) للمظهري (٥ / ٤٧٢).
٤١

(الجوهري): أدلج القومُ: إذا ساروا [من] أوَّلَ الليل، فإن ساروا من
آخر الليل؛ فقد ادَّلجوا بتشديد الدال(١).
(ط): قيل: مَن خاف البياتَ من هجوم العَدُوِّ عليه وقتَ السَّحَر؛ يسير
في الليل، ويبلغ المأمَن، هذا مثل ضربه النبيُّ ◌َّارِ لسَالك طريق الآخرة؛ فإن
الشيطان على طريقه، والنَّفْسُ وأَمَانِيه الكاذبةُ أعوانُهُ، فإن تَقَّظ في سَيْرِهِ،
وأخلص النية في عمله؛ أَمِنَ من الشيطان وكيده، ومِن قَطْع الطريق بأَعوَانه،
ثم أرشد إلى أن سلوك طريق الآخرة صعبٌ، وتحصيل الآخرة مُتعسِّرٌ لا
يَحصُل بأدنى سَعْي، فقال: ((ألا إن سلعة الله غالية))؛ أي: رفيعة القَدْر،
وسِلْعَتُه الجَنَّة العالية الباقية، ثمنُها الأعمالُ الصَّالحة، انتهى(٢).
ويحتمل أن يكون حَثَّ على التشمُّر للعبادة، وإحياء أكثر الليل
بالصَّلاة والذِّكر، ومن البواعث عليه خوفُ البيات من المنايا؛ فإنَّ مَن خاف
هُجومَ الموت عليه، وانتهاء الأعمار، وانقطاع الأعمال؛ طار عنه النومُ،
وأَدلج في سَيْرِه إلى الآخرة.
رُوي عن عطاء السُّلَميِّ [أنه] كان لا ينام بالليل، فقالت له ابتُه: ما لي أرى
الناسَ ينامون، وأنت لا تنام؟ فقال: إن أباك يخاف البياتَ، وقال تعالى: ﴿أَفَأَمِنَ
أَهْلُ الْقُرَىَ أَن يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَابَيَنَّاوَهُمْ نَآَيِمُونَ﴾ [الأعراف: ٩٧](٣)، أنشد بعضُهم :
يا كَثِيرَ الرُّقَادِ والغَفَلاَتِ
كَثْرَةُ النَّومِ تُورِثُ الحَسَراتِ
(١) انظر: ((الصحاح)) للجوهري (١ / ٣١٥)، (مادة: دلج).
(٢) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (١١ / ٣٣٨٤).
(٣) رواه أبو نعيم في «حلية الأولياء)) (٢/ ١١٤).
٤٢

لرُقَاداً يَطُولُ بعدَ مَمَاتٍ
إِنَّ فِي القَبْرِ إِنْ نَزَلْتَ إِلَيهِ
بذُنوبٍ عَمِلْتَ أَو حَسَنَاتٍ
ومِهَاداً مُمَهَّداً لكَ فِيه
تِ وَكَمْ نَالَ آمِناً بَبَيَاتِ
أَأَمِنْتَ البَياتَ مِن مَلَكِ المَو
وقال أبو بكر بن عَيَّاش : رأيت في مَنامي ثلاثَ ليالٍ هذا البيتَ:
وكَيْفَ تَنَامُ العَيْنُ وَهْيَ قَرِيرَةٌ
ولَم تَدْرِ فِي أَيِّ المَحَلَّيْنِ تَنْزِلُ
٤١١ - وعن عائشةَ رضي الله عنها، قالت: سمعتُ
رَسُولَ اللهِنَّهِ يقول: ((يُحْشَرُ النَّاسُ يَوْمَ القِيَامَةِ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلاً))،
قُلْتُ: يا رَسُولَ اللهِ! الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ جَمِيعاً يَنْظُرُ بَعْضُهُمْ إلى
بَعْضٍ؟! قَالَ: ((يَا عَائِشَةُ! الأَمْرُ أَشَدُّ مِنْ أَنْ يُهِمَّهُمْ ذَلِكَ».
وفي روايةٍ: ((الأَمْرُ أَهَمُّ مِنْ أَنْ يَنْظُرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ»،
متفقٌ عليه.
((غُرْلاً)) بِضَمِّ الغَيْنِ المُعْجَمَةِ: أَي: غَيْرَ مَخُونِينَ.
* قوله: ((غرلاً))، سبق شرح الحديث في (الباب السادس عشر).
(ط): قولها: ((الرجال والنساء)) مبتدأ، و((جميعاً) حالٌ سَدَّ مسَدَّ
الخبر؛ أي: مُختلطون جميعاً، ويجوز أن يكون الخبر ((ينظر بعضهم إلى
٤٣

بعض)) وهو العامل في الحال قُدِّم؛ اهتماماً؛ كما في قوله تعالى: ﴿وَالْأَرْضُ
جَمِيعًا قَبْضَتُّهُ﴾ [الزمر: ٦٧]، وفيه: معنى الاستفهام؛ ولذلك أُجيب بقوله:
((الأمر أهمٌّ من أن ينظرَ بعضهم إلى بعض))(١).
(١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (١١ / ٣٤٩٩).
٤٤

٥١-باب
الرجاء
قال الله تعالى: ﴿قُلْ يَعِبَادِىَ الَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا
نَقْنَّطُواْ مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ, هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾
[الزمر: ٥٣].
وقال تعالى: ﴿وَهَلْ تُجْزِىّ إِلَّا الْكَفُورَ﴾ [سبأ: ١٧].
وقال تعالى: ﴿إِنَّا قَدْ أُوحِىَ إِلَيْنَا أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَن كَذَّب
وَتَوَلَى﴾ [طه: ٤٨].
* وقال تعالى: ﴿وَرَحْمَتِ وَسِعَتْ كُلَّ شَىْءٍ﴾ [الأعراف: ١٥٦].
(الباب الحادي والخمسون)
(في الرجاء)
(الغزالي): هو ابتهاجُ القلب بمعرفة فضل الله سبحانه، واستِرِوَاحُه
إلى سَعة رحمته، وهذا من جُملة الخواطر غيرُ مَقدور للعبد، والرجاء
[الذي] هو مَقدورٌ: هو بذكر فضل الله، وسَعَة رحمته(١).
(١) انظر: ((إحياء علوم الدين)) للغزالي (١ / ١٦٢).
٤٥

(ش): الرجاء حَادٍ يَحدُو القلوبَ إلى الله والدَّار الآخرة، ويُطيِّبُ لها
السَّيْرِ، والفرق بينه وبين التمنِّي: أن التمنِّيَ يكون مع الكَسَل، ولا يسلك
بصاحبه طريقَ الجِدِّ والاجتهاد، والرجاء يكون مع بَذْل الجُهد، وحُسن
التوكل، فالأول كحال من يتمنى أن يكون له أرضٌ يبذرها، ويأخذ زرعَها،
والثاني كحال من يَشُقُّ أرضَه، ويَفلَحُها، ويَبِذُرها، ويرجو طلوعَ الزرع؛
ولهذا أجمع العارفون على أن الرجاء لا يصِحُّ إلا مع العمل.
قال شاهٌ الكِرمانيُّ: علامة حُسن الرجاء حُسنُ الطاعة، والرجاء ثلاثة
أنواع؛ نوعان محمودان، ونوعٌ غُرورٌ مَذمومٌ، فالأولان: رجاءُ رجُلٍ عمل
بطاعة الله، على نور من الله فهو راجٍ لثوابه، ورجل أذنب ذنباً، ثم تاب منه
إلى الله، فهو راجٍ لمغفرته، والثالث: رجل مُتَمادٍ في التفريط والخطايا،
يرجو رحمة الله بلا عمل، فهذا هو الغُرور والتمنِّي والرجاء الكاذب.
واختلفوا أيُّ الرَّجاءَیْن أُکملُ؛ رجاءُ المُحسِن ثوابَ إحسانه، أو رجاء
المُذِنِب التائب مغفرةَ ربِّه وعفوَه؟ فطائفة رجَّحت رجاءَ المُحسن؛ لقوة
أسباب الرجاء معه، وطائفة رجَّحت رجاءَ المُذنب؛ لأن رجاءه مُجرَّد عن
علة رؤية العمل، مَقرونٌ برؤية ذِلَّة الذنب.
قال یحیی بن معاذ: یکاد رجائي لك مع الذنوب یغلِبُ علی رجائي
لك مع الأعمال؛ لأني أَجِدُني أعتمد في الأعمال على الإخلاص، وكيف
أُحرزها، وأنا بالآفات معروفٌ؟! وأَجِدُني في الذنب أعتمد على عَفْوِك،
وكيف لا تغفرها، وأنت بالجُود موصوف؟!(١)
(١) انظر: ((مدارج السالكين)) لابن القيم (٢ / ٣٥).
٤٦

قوله تعالى: ﴿قُلْ يَعِبَادِىَ الَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا نَقْنَعُواْ مِن رَّحْمَةِ
اللَّهِ﴾ [الزمر: ٥٣]، هذه الآية الكريمة دَعوةٌ لجميع العصاة من الكفرة وغيرهم
إلى التوبة والإنابة، وإخبارٌ بأن الله يغفر الذنوبَ جميعاً لمَن تاب منها،
ورجع عنها، وإن كانت مهما كانت، وكَثُرت وكانت مثلَ زَبَد البحر؛ فإن
بابَ التوبة والرَّحمة واسعٌ، ولا يصِحُ حَمْل هذه على غير التوبة؛ لأن
الشِّرْكَ لا يُغفر ما لم يتب منه.
روى البخاريُّ عن ابن عباس: أن ناساً من أهل الشِّرْك كانوا قد قَتلوا
فأكثروا، وزنَوْا فأكثروا، فأتوا مُحمَّداً وَّ فقالوا: إن الذي تقول وتدعو إليه
لَحَسَنٌ لو تخبرنا أن لِمَا عملناه كَفَّارٌ، فنزل ﴿ وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا
ءَاخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِى حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ﴾ [الفرقان: ٦٨]، ونزل
﴿قُلْ يَعِبَادِىَ الَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ [الزمر: ٥٣](١).
وروى الإمام أحمد بن [حنبل] عن ثَوْبان مولى رسول الله وَّه قال:
سمعت رسول الله وَي﴿ يقول: ((مَا أُحِبُّ أنَّ لي الدُّنيا وما فيها بهذه الآية:
﴿يَعِبَادِىَ الَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ [الزمر: ٥٣]، إلى آخر الآية، فقال رجل:
يا رسولَ الله؛ فمَن أشرك؟ فسكت النبيُّ وَّه ساعةً، ثم قال: ((إلاَّ مَن
أَشْرَكَ)) ثلاث مرات(٢).
وروى الإمام أحمد عن عمرو بن عَبَسَةً(٣) قال: جاء رجلٌ إلى النبيِّ وَله
(١) رواه البخاري (٤٨١٠).
(٢) رواه الإمام أحمد في ((المسند)) (٥/ ٢٧٥). وهو حديث ضعيف. انظر: ((ضعيف
الجامع الصغير)» (٤٩٨٠).
(٣) في الأصل: ((عنبسة))، وهو خطأ.
٤٧

شيخٌ كبير على عصاً له، فقال يا رسولَ الله؛ إنَّ لِي غَدَرَاتٍ وفَجَرَاتٍ، فهل
يُغْفَر لي؟ قال: ((أَلَسْتَ تَشْهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ؟)) قال: بلى، وأشهد أنك رسولُ
الله، فقال: ((قَدْ غُفِرَ لك غَدَرَاتُكَ وفَجَرَاتُكَ)(١).
قال الحسن في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَنُواْ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَ لَوْ بَتُوبُوا﴾
[البروج: ١٠]: انظروا إلى هذا الكرم والجُود، قتلوا أولياءَه، وهو يدعوهم إلى
التوبة والمغفرة، قال عليٌّ بن أبي طلحة عن ابن عباس [في قوله تعالى]: ﴿قُلْ
يَعِبَادِىَّ الَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا نَقْنَعُواْ مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٥٣]، قال: فدعا
إلى مغفرته مَن زعم أن المسيحَ هو الله، ومَن زعم أن المسيحَ ابنُ الله، ومَن
زعم أن عُزيراً ابنُ الله، ومَن زعم أن الله فقيرٌ، ومَن زعم أن يَد الله مغلولةٌ،
ومَن زعم أن الله ثالثُ ثلاثة، يقول الله تعالى لهؤلاء: ﴿ أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ
وَيَسْتَغْفِرُونَةٌ، وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ [المائدة: ٧٤] ثم دعا إلى توبته مَن هو
أعظم قولاً من هؤلاء؛ مَن قال: ﴿أَثْرَبِّكُمُ الْأَعْلَى﴾ ومَن قال: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُم
مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِى ﴾ [القصص: ٣٨]، قال ابن عباس: مَن آيس العبادَ من التوبة بعد
هذا؛ فقد جَحدَ كتابَ الله، ولكن لا يَقدِر العبد أن يتوبَ حتى يتوبَ اللهُ عليه.
وروى عبدالله بن الإمام أحمد، عن علي بن أبي طالب څ قال: قال
رسول الله وَله: ((إنَّ اللهَ يُحِبُّ العبدَ المُؤْمِنَ التَوَّابَ)) (٢)، وروى ابن أبي
حاتم، عن عُبيد بن عُمَير قال: إن إبليسَ قال: يا ربِّ؛ إنك أخرجتني من
(١) رواه الإمام أحمد في «المسند» (٤ / ٣٨٥). وفيه انقطاع. انظر: ((السلسلة الصحيحة))
(٣٣٩١).
(٢) رواه عبدالله ابن الإمام أحمد في ((زوائد المسند)) (١ / ٨٠). وهو حديث موضوع.
انظر: ((ضعيف الجامع الصغير)) (١٧٠٥).
٤٨

الجَنَّة من أجل آدمَ، وإنِّي لا أستطيعُه إلا بسُلطانك، قال: فأنت مُسَلَّطٌ،
قال: يا ربِّ؛ زدني، قال: لا يُولد له ولدٌ؛ إلا وُلِد لك مثلُه، قال: يا ربِّ؛
زدني، قال: صُدورهم مَساكِنُ لكم، وتَجْرونَ منهم مَجرى الدَّمِ، قال:
يا ربِّ؛ زدني، قال: ﴿وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِ الْأَمْوَلِ
وَالْأَوْلَدِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا﴾ [الإسراء: ٦٤]، فقال آدمُ: قد
سَلَّطته عليَّ، وإني لا أمتنع إلا بك، قال: لا يُولد لك ولدٌ إلا وَكَلْتُ به مَن
يحفظه مِن قُرناء السُّوء، قال: يا ربِّ؛ زدني، قال: الحسنة عشرة، أو أزيد،
والسيئة واحدة، أو أمحوها، قال: يا ربِّ؛ زدني، قال: بابُ التوبة مفتوحٌ
ما كان الرُّوح في الجسد، قال: يا ربِّ؛ زدني، قال ﴿قُلْ يَعِبَادِىَ الَّذِينَ أَسْرَفُواْ
عَّ أَنْفُسِهِمْ لَا نَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ
الرَّحِيمٌ﴾ [الزمر: ٥٣](١).
(م): هذه الآية تدل على رجاء الرّحمة من وجوه:
الأول: أنه سمَّى المُذنبَ بالعبد، والعُبودية مُشعرة بالحاجة، والذِّلَّة،
والمسكنة، واللائق بالكريم الرحيم إفاضةُ الخير والرحمة على المساكين.
الثاني: أنه أضافهم إلى نفسه، وشرفُ الإضافة يفيد الأمنَ من العذاب.
الثالث: قال: ﴿أَسْرَفُواْ عَلَى أَنفُسِهِمْ﴾ [الزمر: ٥٣]؛ أي: ضرر تلك الذنوب
ما عاد إليّ، بل هو عائد إليهم، فیکفیهم ذلك، ولا حاجة إلى إيجاب ضرر آخرَ
بهم .
الرابع: قال: ﴿لَا نَقْنَطُواْ﴾ [الزمر: ٥٣]، والنهي عن القُنوط أمرٌ بالرجاء،
(١) رواه ابن أبي حاتم في «تفسيره)) (١٨٤٠٢).
٤٩

وإذا أمر به؛ فلا يليق به إلا الكرم.
الخامس: لمَّا قال: ﴿يَعِبَادِىَ﴾؛ كان المُناسِب أن يقول: ﴿رَّحْمَتٍِ﴾،
فأضاف الرحمة إلى أعظم أسمائه وأجلُّها، فيجب أن تكون أعظمَ أنواع
الرَّحمة والفضل.
السادس: لم يقل: إنه يغفر الذنوبَ، بل أعاد اسم الله، وقرن به لفظ
﴿إِنَّ﴾ المُفيدَ لأعظم التأكيد؛ مُبالغةً في الوعد بالرحمة.
السابع: التأكيد بقوله: ﴿حَمِيعًا﴾ .
الثامن: ختم الآية بقوله: ﴿الْغَفُورُ﴾، ولفظُ الفعول يفيد المُبالغة.
التاسع: وصفه بكونه رحيماً، والرحمة تفيد فائدةً زائدة على المغفرة؛
لأن الغفور إشارةٌ إلى إزالة مُوجبات العقاب، والرحيم إشارة إلى تحصيل
موجبات الرحمة والثواب.
العاشر: قوله: ﴿إِنَّهُ هُوَ﴾ يفيد الحَصْرَ والمُبالغةَ، معناه: لا غفورَ
ولا رحيمَ إلا هو، وذلك يفيد الكمالَ في وصفه بالغُفران والرّحمة، فهذه الوُجوه
العَشرةُ مجموعةٌ في هذه الآية، فنسأل الله بها الفوزَ والنجاةَ من العِقَاب (١).
* قوله تعالى: ﴿وَهَلْ تُّجَزِىّ إِلَّا الْكَفُورَ﴾ [سبأ: ١٧]؛ أي: لا يُعاقَب إلا
الكَفور، قال الواحديُّ في ((الوسيط)): يعني: أن المُؤْمنَ يُكفّر عنه ذنوبُه
بطاعته، والكافر يُجازى بكل سُوء يعمله، وقال الفَرَّاء: المُؤمن يجزى،
ولا يُجازى؛ أي: يجزى الثوابَ بعمله، ولا يكافأ بسيئاته.
* قوله تعالى: ﴿ إِنَّا قَدْ أُوحِىَ إِلَيْنَا أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَن كَذَّبَ وَتَوَلَ﴾ [طه:
(١) انظر: ((تفسير الرازي)) (٢٧ /٤).
٥٠

٤٨]؛ أي: أخبرنا الله فيما أُوحِي إلينا أن العذابَ مخصصٌ لمن كذب بآيات
الله، وتولَّى عن طاعته؛ كما قال تعالى: ﴿فَأَمَّا مَن طَغَى (٦) وَءَثَرَ الْحَيَّوَةَ الدُّنْيَاَ
٣٨
فَإِنَّالْجَحِيمَ هِىَ الْمَأْوَى﴾ [النازعات: ٣٧ -٣٩]، وقوله تعالى: ﴿فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَفَّى ◌َ لَ
يَصْلَنَّهَ إِلَّا الْأَثْقَى الَّذِى كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾ [الليل: ١٤ -١٦]، انتهى(١).
القَصْرُ في الآية الأولى، وتَخصيصُ الحُكم بالاسم في الآية الثانية
مُسَكِّنٌ لقلوب الخائفين، ومُرَوِّحٌ لأفئدة الراجين؛ فإن القَصْرَ مُؤْذِنٌ بأن
المؤمن لا يُجازى، بل يُعفى عنه، والعذاب مُتمخِّضٌ على من كذَّب
وتولَّى، دون مَن صدَّق، وأقبل على عبادة مولاه، وأعرض عَمَّا سواه.
قوله تعالى: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَىْءٍ﴾ [الأعراف: ١٥٦]، هذه
آية عظيمة الشُّمول والعُموم؛ كقوله تعالى إخباراً عن حَمَلة العَرْش: ﴿رَبَّنَا
وَسِعْتَ كُلَّ شَىْءٍ رَّحْمَةٌ وَعِلْمًا﴾ [غافر: ٧].
وفي ((مسند الإمام أحمد)) عن جُندُب بن عبدالله البَجَليِّ قال: جاء
أعرابيٍّ، فأناخ راحِلَتَه، ثم عَقَلها، ثم صلَّى خلفَ رسول الله وََّ، فلما
صلَّى رسول الله وَّ؛ أتى راحلتَه، فأطلق عِقالها، ثم ركبها، ثم نادى:
اللَّهُمَّ؛ ارحمني ومُحمَّداً، ولا تُشرك في رحمتنا أحداً(٢).
فقال رسول الله وَهُ: ((والذي نَفْسِي بِيَدِه؛ ليَدخُلَنَّ الجَنَّةَ الفَاجِرُ في
ديِنِهِ، الأَحمَقُ في مَعِيشَتِهِ، والذي نَفْسِي بَيَدِه؛ ليَدخُلَنَّ الجَنَّةَ الذي قد مَحَشَتْهُ
النارُ بِذَنْهِ، والذي نَفْسِي بيَدِهِ؛ لَيغفرنَّ اللهُ يومَ القِيَامِةِ مَغْفِرةً يتطاوَلُ لهَا
(١) انظر: ((تفسير ابن كثير)) (٩/ ٣٤٢).
(٢) رواه الإمام أحمد في ((المسند)) (٤ / ٣١٢). وهو حديث ضعيف. انظر: ((ضعيف
سنن أبي داود)) (١٠٤١).
٥١

إبليسُ؛ رجاءَ أَن تصِيبَهُ)، رواه الحافظ أبو القاسم الطبرانيُّ (١)، وهو حديثٌ
غريبٌ جِدّاً، وفي إسناده سَعدٌ أبو غَيْلانَ الشَّيْبانيُّ، مجهول، انتهى(٢).
فإذا تأمَّل التائبُ سَعةَ رحمة الله، وأنها سبقت غضبه، وغلبته، وكتبها
على نفسه، ووسعت كلَّ شيء، وبالرّحمة خلق خلقَه، وللرَّحمة خلقهم؛ كما
قال: ﴿إِلَّا مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَإِذَلِكَ خَلَقَهُمْ ﴾ [هود: ١١٩]؛ قوي رجاؤه، ولم يئس
من الرحمة التي يتطاول لها إبليسُ؛ خصوصاً إذا قام بقلبه أن أسماء الرحمة
والإحسان أغلبُ وأكثرُ وأظهرُ من أسماء الانتقام، وفعل الرحمة أكثر من فعل
الغضب، وظهورُ آثار الرحمة أعظمُ؛ لشمولها الوَحشَ، والطَّيْرِ، والدوابَ،
والأنعامَ، وعُمومها لبني آدم؛ جَنيناً، ورَضِيِعاً، وفَطِيماً، وناشئاً، ومُطيعاً،
وعَاصياً، والرحمة إليه أحبُّ، وما خُلق بالرحمة؛ فمطلوبٌ لذاته، وما خَلق
بالغَضَب؛ فمُرادٌ لغيره، أنشد بعضُهم:
فالأَمْرُ مَبْنيٍّ على الجُودِ
حَدِّثْ عَنِ الجُودِ وعَنْ فَيْضِهِ
فِلَسْتَ تُخْصِيهِ بِتَعْدِيدِ
واذكُرْ لنا بعضَ أَعاجِيبِهِ
وخَالِقِ الخَلْقِ بِمَحْدُودٍ
هَيْهاتَ مَا جُودُ مَلِيكِ الوَرَى
بَعْضِ أَيَادِيهِ بمَوجُودِ
حَدِّثْ عنِ البَحْرِ ومَا البَحْرُ في
(١) رواه الطبراني في ((المعجم الكبير)) (٣٠٢٢)، من حديث حذيفة ظه. قال الهيثمي
في («مجمع الزوائد)) (١٠ / ٢١٦): وفي إسناده: سعد بن طالب أبو غيلان، وثقه أبو
زرعة وابن حبان، وفيه ضعف، وبقية رجاله ثقات.
(٢) انظر: ((تفسير ابن كثير)) (٥ / ٤٧٩).
٥٢

٤١٢ - وعَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصامِتِ ﴾، قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلَّى:
(مَنْ شَهِدَ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّ اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ
وَرَسُولُهُ، وَأَنَّ عِيسَى عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ، وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ
وَرُوحٌ مِنْهُ، والجَنَّةَ وَالنَّارَ حَقٌّ، أَدْخَلَهُ اللهُ الجَنَّةَ، عَلَى مَا كَانَ مِنَ
العَمَلِ))، متفقٌ عليه.
وفي روايةٍ لمسلم: ((مَنْ شَهِدَ أَنْ لا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ، وأَنَّ مُحَمَّداً
رَسُولُ اللهِ، حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ النَّارَ)).
(الْأَوْلُ)
(ن): هذا حديث عظيمُ المَوقع، وهو مِن أجمع الأحاديث المُشتملة
على العقائد؛ فإنه ربَُّ جمع فيه ما يخرج عنه مِلَلُ الكفر على اختلاف
عقائدهم وتباعدهم(١).
(شف): ذكر ((عبده))؛ تعريضاً بالنصارى في قولهم بالتثليث، وذكر
((رسوله))؛ تعريضاً باليهود في إنكارهم رسالتَه، وإيمائهم إلى ما لا يَحِلُّ من
قَذْفه، وقَذْف أُمُّه.
(ط): ((وابن أمته)) تعريضٌ بالنصارى، وتقريرٌ لعَبْدِيَّته؛ أي: هو
عبدي، وابن أَمِتِي، كيف تَنسُبونه إليَّ بالبنوَّة؟! وتعريضٌ باليهود ببراءة
ساحته مِن قذفهم، فالإضافة في (أمته) إذاً للتشريف(٢).
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١ / ٢٧٧).
(٢) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٢ / ٤٨٠).
٥٣

(ن): سُمِّي عيسى كلمةً؛ لأنه كان بكلمة: (كن) فحَسْبُ، مِن غير
أب، بخلاف غيره من بني آدم، وقيل: لأنه كان عن الكلمة، فسُمِّي بها؛
كما يقال للمطر: رحمة (١).
(ق): وقيل: لأن الملَك جاء أُمَّه بكلمة البشارة عن أمر الله تعالى،
ومعنى ((ألقاها)): أعلمها بها؛ كما يقال: ألقيتُ عليك كلمةً؛ أي: أَعلَمْتُك
بها(٢).
(تو): الكلمة تقع على كل واحد من الأنواع الثلاثة: الاسم، والفعل،
والحرف، وتقع على الألفاظ المنظومة، والمعاني المجموعة تحتها؛ ولهذا
تستعمل في القَضيّة، والحُكم، والحُجَّة، وبجميعها ورد التنزيل، فتسمية
عيسى بالكلمة؛ لأنه حُجَّة الله على عباده، أبدعه من غير أب، وأنطقه في
غير أوانه، وأحيى الموتى بيده، والحديث في ذلك ذو شجون، ولا يخفى
على ذي اللُّبِّ فَهمُه واستنباطُه، وقيل: لأنه لمَّا انتُفع بكلامه، سُمِّي به؛ كما
يقال: سيف الله، وأسد الله، وقيل: لمَّا خصَّه الله به في صِغَره؛ حيث قال:
﴿إِنِ عَبْدُ اللَّهِ ءَاتَنْنِىَ الْكِتَبَ﴾ [ مريم: ٣٠]، وقوله: ((ألقاها إلى مريم))؛ أي:
أوصلها إليها، وحَصَّلها فيها، وأما تسميته بالروح: فلِمَا كان من إحيائه
للموتى، وقيل: لأنه ذو روح وجسد من غير جُزء من ذي رُوح؛ كالنُّطفة
المُنفصلة من الحَيِّ؛ وإنما اختُرع اختراعاً من عند الله.
(ن): ((وروح منه))؛ أي: رحمة، وقال ابن عرفة: أي: ليس من أب،
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١ / ٢٢٧).
(٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (١ / ٢٠٠).
٥٤

إنما نفخ في أُمُّه الرُّوح، وقيل: (روح منه)؛ أي: مخلوقة من عنده، وعلى
هذا تكون إضافتها إليه إضافةَ تشريف؛ كناقة الله، وبيت الله، وإلا؛ فالعالَم
له سبحانه ومِن عنده(١).
(ق): إضافته إليه؛ لأن النفخ كان عن أمره وأثره بقُدرته، وسُمِّي
النفخُ روحاً؛ لأنه ريح يخرج من الرُّوح، قاله المكيُّون، وقيل: سُمِّي بذلك؛
لأنه رُوحٌ من غير واسطة أب، كما قال في آدم: ﴿وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِى﴾
[الحجر: ٢٩](٢).
(ط): تسميته بالروح، ووصفه بقوله: (منه) إشارةٌ إلى أنه عليه الصلاة
والسلام مُقْرَّبُه وحبيبه؛ تعريضاً باليهود، وبحَطّهم من منزلته، وتنبيهٌ للنصارى
على أنه مخلوقٌ من المخلوقات، روي أن عظيماً من النصارى سمع قارئاً
يقرأ: ﴿وَكَلِمَتُهُ: أَلْقَنَهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ [النساء: ١٧١]، قال: أفغير هذا
دينُ النصارى؟! يعني: هذا يدلُّ على أن عيسى عليه السلام بعضٌ منه،
فأجاب عليُّ بن الحُسين بن واقد صاحب كتاب ((النظائر)): إن الله تعالى أيضاً
يقول: ﴿وَسَخَّرَ لَكُ مَّا فِ السَّمَوَتِ وَمَا فِىِ الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ [الجاثية: ١٣]، فلو أريد
بقوله: ﴿وَرُوٌ مِّنْهُ﴾ بعضٌ منه، أو جزء منه؛ لكان قوله هاهنا: ﴿حِيعَامِنَةً ﴾
معناه بعضٌ منه، أو جزء منه، فأسلم النصرانيُّ.
ومعنى الآية: أنه تعالى سَخَّر هذه الأشياءَ كائنةً منه، وحاصلةً مِن
عنده؛ يعني: أنه مُكوِّنها ومُوجِدُها بقُدرته وحِكمَته، ثم سَخَّرها لخلقه(٣).
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١ / ٢٢٧).
(٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (١ / ٢٠٠).
(٣) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٢ / ٤٨٠).
٥٥

· قوله: ((والجنة حق والنار حق)) :
(ط): هما مصدرٌ؛ مُبالغةً في حقيقته، كأنهما عين الحق؛ كقولك: زید
عَدْلٌ، وهذا تعريض بالزنادقة، وبمَن يُنِكر دارَ الثواب والعقاب(١).
* قوله وقال: ((أدخله الله الجنة على ما كان من العمل)):
(ق): أي: يدخل الجنة ولا بُدَّ، سواء كان عملُه صالحاً أو سيئاً، وذلك
بأن يغفر له بسبب هذه الأقوال، أو يُرْبي ثوابَها على ذلك العمل السيِّئ، وکل
ذلك يحصل إن شاء الله لمَن مات على تلك الأقوال؛ إما مع السَّلامة المُطلقة،
وإما بالمُؤاخذة بالأعمال السيئة، ثم النجاة، وفي رواية لمسلم: ((أَدَخَلَهُ اللهُ مِن
أَيِّ أَبَوابِ الجَنَّ الثَّمَانِيةِ شَاءَ»(٢)، ظاهر هذا مُخالفٌ لحديث أبي هريرة؛ أن
كل مَن كان مِن أهل الجَنَّة إنما يدخل من الباب المُعيَّن للعمل الذي كان يعمله
غالباً؛ كما في قوله: ((مَن كانَ مِن أَهْلِ الصَّلاةِ؛ دُعِيَ مِن بَابِ الصَّلاةِ، ومَن
كانَ مِن أَهْلِ الصِّيَامِ؛ دُعِيَ مِن باب الرَّيَّانِ))، وهكذا الجهاد(٣)، والتوفيق بين
الظاهرين: أن كلَّ مَن يدخل الجنة مُخيّر في الدخول من أيٍّ باب شاء، غيرَ أنه
إذا عُرِضَ عليه الأفضلُ في حَقِّه؛ دخل منه مختاراً للدخول منه، من غير جَبْ
[عليه] ولا منع له من الدخول من غيره؛ ولذلك قال الصِّدِّيق: ما على من
يُدعى من تلك الأبواب مِن ضَرُورةٍ(٤).
(١) المرجع السابق، الموضع نفسه .
(٢) رواه مسلم (٢٨/ ٤٦)، من حديث عبادة بن الصامت صله.
(٣) رواه مسلم (١٠٢٧ / ٨٥)، من حديث أبي هريرة ﴾.
(٤) رواه مسلم (١٠٢٧ / ٨٥)، من حديث أبي هريرة ﴿ه، وانظر: ((المفهم)) للقرطبي
(١ / ٢٠١).
٥٦

(قض): هذا دليل على المعتزلة في مقامين:
أحدهما: أن العُصاةَ من أهل القبلة لا يُخلَّدون في النار؛ لعموم قوله:
«من شهد».
وثانيهما: أنه تعالى يعفو عن السيئات قبل التوبة واستيفاء العُقوبة؛ لأن
قوله: ((على ما كان عليه من العمل)) حال من قوله: ((أدخله الله الجنة))؛ كما
تقول: رأيت فلاناً على أكله؛ أي: آكلاً، ولا شك أن العملَ غيرُ حاصل
حينئذ، بل الحاصل حالَ إدخاله استحقاقُ ما يناسب عملَه من الثواب والعقاب،
ولا يُتصوَّر ذلك في حَقِّ العاصي الذي مات قبل التوبة، إلا إذا أُدخل قبل
استيفاء العقوبة.
فإن قلت: ما ذكرت يَستدعي أن لا يدخل أحدٌ النارَ من العُصاة.
قلت: اللازم منه عُموم العفو، وهو لا يستلزم عدمَ دخول النار؛ لجواز
أن يعفوَ عن بعضهم بعد دخول النار، واستيفاء العذاب، هذا؛ وليس بحَثْم
عندنا أن يدخل النارَ أحدٌ من الأُمَّة، بل العفو عن الجميع بمُوجَب وعده؛
حيث قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ، وَيَغْفِرُ مَادُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءٌ﴾ [النساء:
٤٨]، وقال: ﴿يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًاً﴾ [الزمر: ٥٣] = مَرجوٌّ(١).
(ط): التعريف في (العمل) للعهد، والإشارة به إلى الكبائر، والدليل
عليه أمثال قوله: ((وإن سرق))؛ أي: حديث أبي ذَرٍّ، وقوله: (على ما كان
عليه من العمل) حالٌ؛ كما في قول الحماسِيِّ :
(١) انظر: ((تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة)) للبيضاوي (١ / ٦٤).
٥٧

بجانبٍ قَوْسي مَا مَشَيْتُ على الأَرْضِ
فوَاللهِ لا أَنْسَى قَتِيلاً رُزِتُه
نوَكَّلُ بِالأَذْنَى وإِن جَلَّ ما يَمْضِي
على أنَّها تَعْفُو الكُلُومُ وإنَّما
قال أبو البقاء: (على) وما يتصل بها حالٌ؛ أي: ما أنسى هذا الرُّزْءَ
في حال عفو الكُلُوم؛ أي: حال مُخالفةٍ لحال غيري في استدامة الحزن،
فالمعنى: مَن شهد أن لا إله إلا الله؛ يدخل الجنة في حال استحقاق
العذاب بمُوجَب أعماله من الكبائر؛ أي: حال هذا مخالفة للقياس في
دخول الجنة؛ فإن القياس يقتضي أن لا يدخل الجنة مَن شَأْنُهُ هذا؛ كما
زعمت المعتزلة، وإلى هذا المعنى ذهب أبو ذَرٍّ في قوله: ((وَإِن زَنى، وإن
سَرَقَ؟!)) ورَدَّ بقوله: ((وَإِنْ زَنى، وإن سَرقَ على رَغْمٍ أَنْفِ أَبِي ذَرَ)(١).
٤١٣ - وعن أَبَي ذَرِّ﴾، قال: قالَ النبيُّنَلِ: ((يَقُولُ اللهُ يَتْ:
مَنْ جاءَ بِالحَسَنَةِ، فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا، أَوْ أَزْيَدُ، وَمَنْ جَاءَ بِالسََِّّّةِ،
فَجَزَاءُ سَبَةٍ مِثْلُهَا أَوْ أَغْفِرُ. وَمَنْ تَقَرَّبَ مِنِّي شِبْراً، تَقَرَّبْتُ مِنْهُ
ذِرَاعاً، وَمَنْ تَقَرَّبَ مِنِّي ذِرَاعاً، تَقَرَبْتُ مِنْهُ بَاعاً، وَمَنْ أَتَانِي يَمْشِي،
أَيْتُهُ هَرْوَلَةٌ، وَمَنْ لَقِيَي بِقُرَابِ الأرْضِ خَطِيئَةٌ لاَ يُشْرِكُ بِي شَيْئاً،
لَقِيتُهُ بِمِثْلِها مَغْفِرَةً)، رواه مسلم.
معنى الحديث: ((مَنْ تَقَرَّبَ)) إليَّ بِطاعَتِي، ((تَقَرَّبْتُ)) إليه
(١) تقدم تخريجه، وانظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٢ / ٤٨١).
٥٨

بِرَحْمَتِي، وَإِنْ زَادَ زِدْتُ، ((فإِنْ أثانِي يَمْشي))، وَأَسْرَعَ في طاعَتي،
(أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً))؛ أَيْ: صَبَيْتُ عَلَيْهِ الرَّحْمَةَ، وَسَبَقْتُهُ بها، وَلَمْ أَحْوِجْهُ
إلى المَشْي الكَثِيرِ في الوُصُولِ إلى المَقْصُودِ، ((وَقُرَابُ الأَرْضِ))
بضمِّ القافِ، ويُقال بكسرها، والضمّ أصح، وأشهر، ومعناه:
ما يُقارِبُ مِلأَها، والله أعلم.
(الثَّانِى)
* قوله مية: ((من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها وأزيد)»:
(ط): ((أمثالها)) من إقامة صفة الجنس المُميَّز مُقَامَ المَوصوف؛ أي:
عشرُ حسنات أمثالِها(١).
(ن): معناه: أن التضعيف بعشر أمثالها لا بُدَّ منه بفضل الله ورحمته،
ووعده الذي لا يُخلَف، والزيادة بعده بكثرة التضعيف إلى سبعمائة ضعف
إلى أضعاف كثيرة يَحصُل لبعض الناس دون بعض على حسَب مشيئته
سبحانه وتعالى، و((الباع)): طول ذِرَاعي الإنسان وعَضُدَيهِ، وعَرضُ
صدره، وهو قدر أربع أَذْرُع، هذا حقيقة اللفظ، والمُراد في هذا الحديث
المَجازُ(٢).
(ط): ((شبراً)، و((ذراعاً)، و((باعاً)، في الشرط والجزاء منصوباتٌ على
الظرفية؛ أي: مَن تَقرَّب إليَّ مقدارَ شِبْر، و((يمشي)) و((هرولة)) حالان،
(١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٥/ ١٧٢٥).
(٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٧ / ١٢).
٥٩

وقوله: ((خطيئة ومغفرة)) تمییزان(١).
(ق): فإن قيل: مقتضى ظاهر هذا الحِسَاب: أن مَن عمل حسنةً؛
جُوزي بمثلها؛ فإن الذِّراع شبران، والباع ذراعان وأكثر، وقد عُلم بالكتاب
والسُّنة أن أقلَّ ما يُجازى على الحسنة بعشر أمثالها إلى سبع مائة إلى أضعاف
کثیرة لا تحصی، فکیف وجه الجمع؟
قلنا: هذا الحديث ما سيق لبيان مقدار الأجور، وعدد تضاعيفها،
وإنما سِيق لتحقيق أن الله لا يُضيع عمل عامل، قليلاً كان أو كثيراً، وأن الله
تعالى يُسرع إلى قَبوله، وإلى مُضاعفة الثواب عليه أسرعَ مِمَّن جِيء إليه
بشيء، فبادر لأَخْذِهِ، وسُرَّ به، ووقع منه المَوقِعَ، وأما عددُ الأضعاف:
فیُؤخَذ مِن موضع آخر(٢) .
(ن): هذا الحديث من أحاديث الصِّفات يستحيل إرادةُ ظاهره، ومعناه:
مَن تَقَرَّب إليَّ بطاعتي؛ تقرَّبت إليه برحمتي، والتوفيق في الإعانة، وإن زاد؛
زِدْتُ، وإن أتاني يمشي، ويُسرع في طاعتي؛ أتيته هرولةً؛ أي: صَيَبْتُ عليه
الرَّحمةَ، وسبقتُه بها، ولم أُخْرِجْه إلى المَشْي الكثير في الوصول إلى
المقصود، والمراد: أن جزاءه يكون تضعيفَه على حسَب تَقُّبه(٣).
(تو): ((الهرولة)): ضَرْبٌ من التسرُّع في السير، وهو فوق المَشْي
دُونَ العَدْو، وهذه أمثالٌ يُقرَّبُ بها المعنى المراد منها إلى أفهام السَّامعين،
(١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٥ / ١٧٢٥).
(٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٧ / ٨).
(٣) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٧ / ٣). ومذهب السلف إثبات هذه الصفة لله تعالى
بلا تأويل ولا تشبيه ولا تكييف ولا تعطيل. وانظر التعليق على الحديث (٣٨٧).
٦٠