النص المفهرس

صفحات 1-20

سَرْحُ
زِيَاضِ الصَّالِحِينَ
(٣)

حُقُوق الطَّبْع مَحَفُوظَة لِدَارِ التَّوَادِرِ
الطّبْعَةُ الْأُولَى
١٤٣٥هـ-٢٠١٤م
طَبْعَةخَاصَّة
لوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية
دولة قطر
turathuna@islam . gov.qa
قامت بعمليات التقصير الضوئي والإخراج الفني والطباعة
◌ُالَولُ
سوريا - دمشق
ص. ب: 34306
هاتف : 00963112227001
فاكس: 00963112227011
لبنان - بيروت
ص.ب: 4462/14
هاتف: 009611652528
فاكس: 009611652529
E-mail : info@daralnawader. com
Website : www.daralnawader.com

أوقاف
AWQAF
سَشَرْحُ
◌ِنَاضِ الصَّالِحِينَ
المُسَتَّى
الْفَوَائِ لَرعَةُ الْحَارِ
شَرعَ كَابِ الرَاضِنُ
تَأْلِيْفُ
اُلْعَلَّاَمَةِ ابنِ كَمَالِ بَاشَا
سَمْسِ الدِّينِ أَحَمَدَ بن سُليمانَ بنِكَمَالِ بَاشًا الرُّومِيّالخَنِفِيِّ
المؤُلُود في طُوَقَات سَنة ٨٧٢ هـ، وَتَوَفَّ فِي الصُّطَنطِينِيَّة سَنَة ٩٤٠هـ
رَحَمَهُ الله تعَالى
تَحْقِيْقَ وَدِرَاسَة
مَخْصَّةٍ مِنَ أ
بِإِنْشِرَافٍ
نُالدُّنُطَالِ
ـن المحققِيْنَ
الْجَلَّدُ الثَّالِثُ
من مطبوعات
وَزَارَةُ الأَوْقَافِ وَالشُّؤُوْرُالِْسْلامِيَّةِ
إِدَارَةُ الشّؤُونِ الإِسْلَامِيَّةِ
بتمويل الإدارة العامة للأوقاف
دولةقطرْ

C
3

٥٠- باب
الخوفِ
* قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّىَ فَأَرْهَبُونِ﴾ [البقرة: ٤٠].
* وقال تعالى: ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾ [البروج: ١٢].
* وقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَيِّكَ إِذَا أَخَذَ اَلْقُرَى وَهِىَ ظَلِمَّةُ إِنَّ
أَخْذَهُ أَلِمٌ شَدِيدٌ ﴿ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَيَةً لِّمَنْ خَافَ عَذَابَ الْأَخِرَةِّ ذَلِكَ يَوْمٌ
تَجْمُوْعُ لَّهُ النَّاسُ وَذَلِكَ بَوْمٌ مَّشْهُودٌ ﴿ وَمَا تُؤَخِرُهُ إِلَّا لِأَجَلِ مَعْدُودٍ.
١٠٤
يَوْمَ بَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسُ إِلَّا بِإِذْنِهِ، فَمِنْهُمْ شَقِىٌّ وَسَعِيدٌ
فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُواْ
١٠٥
فَفِى النَّارِ لَمُمْ فِهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ﴾ [هود: ١٠٢ -١٠٦].
* وقال تعالى: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللّهُ نَفْسَهُ ﴾ [آل عمران: ٢٨].
؛ وقال تعالى: ﴿يَوْمَ يَفِرُ الْزَّهُ مِنْ أَخِهِ ل وَأُمِّهِ، وَأَسِهِ ا
وصحِبْنِهِ،
٣٥
وَبَنِيْهِ لِكُلِّ امْرٍِ مِنْهُمْ يَوْمَيِذٍ شَأْنٌ يُضِهِ﴾ [عبس: ٣٤ - ٣٧].
* وقال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ
شَىْ ءُ عَظِيمٌ ﴿ يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ
كُلُّ ذَاتٍ حَمْلٍ خَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَرَى وَمَا هُم بِسُكَرَى وَلَكِنَّ

عَذَابَ اَللَّهِ شَدِيدٌ﴾ [الحج: ١ - ٢].
* وقال تعالى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَيِّهِ جَنَّثَانِ﴾ [الرحمن: ٤٦]
الآيات.
* وقال تعالى: ﴿ وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسََّ لُونَ * قَالُواْ إِنَّا كُنَّا
قَّلُ فِىّ أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ ) فَمَنَ اَللّهُ عَلَيْنَا وَوَقَنَنَا عَذَابَ السَّمُومِ ﴾ إِنَّا
كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ, هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ﴾ [الطور: ٢٥-٢٨].
والآيات في الباب كثيرة جداً معلومات، والغرضُ الإشارةُ
إلى بعضها، وقد حَصَلَ.
(الباب الخمسون)
(في الخوف)
قال الإمام الغزاليُّ: الخوف والرجاء يرجعان إلى قَبيل الخواطر،
وأما المَقدُور للعبد: مُقدِّماتها، والخوف رِعْدَةٌ في القلب عن ظنِّ مكروه
يناله، والخشية نحوهُ، لكن الخشية تقتضي ضَرْباً من الاستعظام والمَهابة.
* قوله تعالى: ﴿وَإِتَّىَ فَأَرْهَبُونِ﴾ [البقرة: ٤٠]؛ أي: فاخشَوْن، قال:
ابن عباس ◌َ﴾: أي إن نزل بكم ما أنزلت بمَن كان قبلكم من النَّقَمات؛ من
المَسْخ وغيره، وهذا انتقالٌ من الترغيب إلى الترهيب، فدعاهم إليه
بالرَّغبة والرَّهبة؛ لعلهم يرجعون إلى الحَقِّ، واتباع الرسول، والاتعاظ
بالقرآن وزواجره(١).
(١) انظر: ((تفسير ابن كثير)) (١ / ٣٧٥).
٦

(الكشاف): ﴿وَإِنََّىَ فَأَرْهَبُونِ﴾ أوكدُ في الاختصاص من ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾
[الفاتحة: ٥] (١).
(م): في هذا الحصر دلالةٌ على أنه يجب على العبد أن لا يخافَ أحداً
إلا الله؛ لأن الكُلَّ بقضاء الله وقدره، ولو كان العبدُ مستقلاً بالفعل؛ لم يكن
لهذا الحَصْر فائدةٌ(٢).
* قوله تعالى: ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾ [البروج: ١٢]:
(الكشاف): البطش: الأخذ بالعُنف، فإذا وصف بالشدَّة؛ فقد تضاعف
وتفاقم، وهو بَطشُه بالجبابرة والظَّلَمة، وأخذهم بالعِقاب والانتقام(٣).
* قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَيِّكَ إِذَا أَخَذَ اَلْقُرَى وَهِىَ ظَلِمَّةً﴾ [هود:
١٠٢]؛ أي: كما أهلكنا القُرونَ الظالمةَ المُكذِّبة لرُسلنا؛ كذلك نفعل
بنظائرهم، وأشباههم، وأمثالهم.
وفي ((الصحيحين)) مرفوعاً: ((إنَّ اللهَ لَيُمْلي للظَّالِمِ حَتَّى إذا أَخذَهُ؛ لم
يُفْلِتْهُ))، ثم قرأ رسولُ اللهِ وَهِ: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِىَ ظَلِمَّةُ
إِنَّ أَخْذَهُوَأَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ [هود: ١٠٢] (٤).
* قوله: ﴿إِنَّ فِ ذَلِكَ لَيَةٌ ﴾ [هود: ١٠٣]؛ أي: في إهلاكنا الكافرين،
(١) انظر: ((الکشاف» للزمخشري (١/ ١٥٩).
(٢) انظر: ((تفسير الرازي)) (٣/ ٣٨).
(٣) انظر: ((الكشاف)) للزمخشري (٤ / ٧٣٣).
(٤) رواه البخاري (٤٦٨٦)، ومسلم (٢٥٨٣ / ٦١)، من حديث أبي موسى
الأشعري ﴿ه، وانظر: ((تفسير ابن كثير)) (٢ / ٤٦٠).
٧

وإنجائنا المؤمنين، ونصرة الأنبياء ﴿لَآيَةٌ﴾؛ أي عظةً واعتباراً(١).
(م): ﴿لَّمَنْ خَافَ عَذَابَ الْآَخِرَةَّ﴾ [هود: ١٠٣]؛ أي: لِمَن آمن بالفاعل
المُختار، بخلاف من ادَّعى أن إهلاك الأُمَم كان بسبب طبائع الكواكب
واقترانها(٢).
قوله تعالى: ﴿وَذَلِكَ يَوْمٌ مَّشْهُودٌ ﴾ [هود: ١٠٣]؛ أي: عظيم تحضره
الملائكة كُلُّهم، والرُّسل، والخلائق بأسرهم، والجِنُّ، والطَّيْرِ، والُحوش،
والدَّوابُ، ﴿ وَمَا تُؤَخِّرُهُ﴾؛ أي: ما نؤخر إقامة القيامة إلا لمُدَّة مُؤقتة، لا يزاد
عليها ولا ينقص منها؛ فإنه قد سبقت كلمةُ الله وقضاؤه في وجود أُناس
معدودين، وضرب مُدَّة معينة، إذا انقضت وتكامل وُجودُ أولئك المُقدَّر
خروجُهم؛ أقام الله السّاعةَ(٣).
* وقوله تعالى: ﴿لَا تَكَلَّمُ نَفْسُ﴾ [هود: ١٠٦]؛ أي: في يوم القيامة
لا تتكلم نفس إلا بإذن الله؛ كما في ((الصحيحين)) في حديث الشفاعة
الطويل: ((لا يَتكلَّمُ يَومَئذٍ إِلَّ الرُّسُلُ، ودَعوى الرُّسُلِ يَومَئذ: اللَّهُمَّ؛ سَلِّمْ
سَلِّمْ))(٤).
وقوله: ﴿فَمِنْهُمْ﴾؛ أي من أهل الجمع ﴿شَفِىٌّ وَسَعِيدٌ﴾ روى
الحافظ أبو يعلى عن عمر ◌ُه: لمَّا نزلت ﴿فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ ﴾ [هود: ١٠٦]؛
(١) انظر: ((تفسير ابن كثير)) (٧ / ٤٧٠).
(٢) انظر: ((تفسير الرازي)) (١٨ / ٤٧).
(٣) انظر: ((تفسير ابن كثير)) (٧ / ٤٧٠).
(٤) انظر: ((تفسير ابن كثير)) (٧ / ٤٧١)، والحديث رواه البخاري (٦٥٧٣)، ومسلم
(١٨٢ / ٢٩٩)، من حديث أبي هريرة ﴾.
٨

سألت النبيَّ ◌َِّ، فقلت: يا رسولَ الله؛ علامَ نعمل على شيء قد فُرِغَ منه، أو
على شيء لم يُفَرِغْ منه؟ فقال: ((بل على شَيْءٍ قَدْ فُرِغَ مِنْهُ يا عُمرُ، وجَرَتْ به
الأَقْلَامُ، ولَكِنْ كُلٌّ مُيسَّرٌ لمَا خُلِقَ له)(١).
(م): تخصيص هذين القسمين بالذِّكر لا يدلُّ على نفي القسم الثالث،
وهم أصحاب الأعراف(٢).
وقوله تعالى: ﴿لَهُمْ فِهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ ﴾ [هود: ١٠٦]، قال: ابن عباس:
الزَّفيرُ في الحَلْقِ، والشَّهيق في الصَّدْر.
وقوله: ﴿مَا دَامَتِ السَّمَوَتُ وَالْأَرْضُ﴾ [هود: ١٠٧]: قال ابن جرير: من
عادة العرب إذا أرادت أن تصِفَ الشيءَ بالدَّوام أبداً؛ قالت: هذا دائمٌ دوامَ
السَّماوات والأرض، وكذلك يقولون: هو باق ما اختلف الليلُ والنهار،
فخوطبوا بما يتعارفونه بينهم.
قلت: ويحتمل أن يراد بالسَّماوات والأرض الجِنسُ؛ لأنه لابدَّ في عالَم
الآخرة من سماوات وأرض؛ كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيِّرَ الْأَرْضِ
وَالسَّمَوَثٌ ﴾ [إبراهيم: ٤٨]؛ كما قال الحسنُ في هذه الآية: سماءٌ غير هذه
السَّماء، وأرض غير هذه الأرض، فما دامت تلك السَّماءُ، وتلك الأرض،
وقال: ابن عباس في هذه الآية: لكل جَنَّة سماءٌ وأرض(٣).
(قض): فيه نظر؛ لأنه تشبيهٌ بما لا يَعرفُ أكثرُ الخلق وجودَه ودوامَه، ومَن
(١) انظر: ((تفسير ابن كثير)) (٧/ ٤٧١)، والحديث رواه أبو يعلى في «مسنده)) (٥٤٦٣).
(٢) انظر: ((تفسير الرازي)) (١٨ / ٤٩).
(٣) انظر: ((تفسير ابن كثير)) (٧ / ٤٧٢).
٩

عرفه؛ فإنما يعرف بما يدلُّ عليه دوامُ الثواب والعقاب، فلا يُجدي له التشبيهُ.
وقوله: ﴿إِلََّّ مَا شَآءَ رَبُّكٌ﴾ [هود: ١٠٨]: استثناء من الخلود في النار؛ لأن
بعضَهم، وهم فُتَّاق المُوحِّدين يخرجون منها، وذلك كافٍ في صِحّة
الاستثناء؛ لأن زوالَ الحُكم عن الكل يكفيه زواله عن البعض، وهم المُراد
بالاستثناء الثاني؛ فإنهم مُفارِقُون عن الجنة أيام عذابهم؛ فإن التأبيدَ من مبدأ
مُعيَّن ينتقض باعتبار الابتداء؛ كما ينتقض باعتبار الانتهاء، وهؤلاء وإن شَقُوا
بعِصيانهم؛ فقد سَعِدُوا بإيمانهم، ولا يقال: فعلى هذا لم يكن قوله: ﴿فَمِنْهُمْ
شَقِىٌّ وَسَعِيدٌ ﴾ [هود: ١٠٥] تقسيماً صحيحاً؛ لأن من شرطه أن يكون صفةُ كلِّ
قسم مُنتفيةً عن قسيمه؛ لأن ذلك الشرطَ حيث التقسيم لانفصال حقيقيٍّ، أو
مانع من الجمع، وهاهنا المُراد أن أهلَ الموقف لا يخرجون عن القِسمين،
وأن حالَهم لا يخلو عن السَّعادة والشَّقاوة، وذلك لا يمنع اجتماع الأمرين في
شخص باعتبارين، أو لأن أهل النار يُنقلون عنها إلى الزَّمْهَرير وغيره من
العذاب أحياناً، وكذلك أهل الجنة يُنْعَّمون بما هو أعلى من الجنة؛ كالاتصال
بجناب القُدُس، والفوز برضوان الله ولقائه، أو مِن أصل الحكم والمُستثنى
زمانُ توقُّهم في الموقف للحساب؛ لأن ظاهرَه يقتضي أن يكونوا في النار
حين يأتي اليوم، أو مُدَّهُ لَئِهم في الدنيا والبرزخ إن كان الحُكم مطلقاً غيرَ مُقْيَّد
باليوم، وقيل: هو من قولهم: ﴿زَفِيرٌ وَشَهِينٌ﴾، وقيل: ﴿إلَّا﴾ هاهنا بمعنى
سوى؛ كقولك: عليَّ ألفٌ إلا الألفان القديمان، والمعنى: سوى ما شاء ربُّك
من الزيادة التي لا آخرَ لها على مُدَّة بقاء السَّماوات والأرض(١).
(١) انظر: ((تفسير البيضاوي)) (٣ / ٢٦٤).
١٠

* قوله تعالى: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ [آل عمران: ٢٨] أي: يحذركم
نِقْمتَهُ في مُخالفته، وسَطْوتَه في عذابه.
(قض): فلا تتعرضوا لسَخَطِه بمُخالفة أحكامه، ومُوالاة أعدائه،
وهو تهديدٌ عظيم مُشعِرٌ بتناهي المُنتهى في القُبْح، وذكر النفس؛ ليُعلَم أن
المُحذَّر منه عقابٌ يصدرُ منه تعالى، وكرره بعد آية أخرى؛ تأكيداً، أو
تذكيراً، ثم قال: ﴿وَاللّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ ﴾ [آل عمران: ٣٠]؛ إشارةً إلى أنه تعالى
إنما نهاهم وحَذَّرهم؛ رأفةً بهم، ومُراعاةً لمصالحهم، أو أنه لذو مغفرة،
وذو عِقاب، فتُرجى رحمتُه، ويُخشى عذابُه(١).
* قوله تعالى: ﴿ يَوَمَ يَفِرُ الْزَّهُ مِنْ أَخِهِ ) وَأُمِّهِ، وَأَبِهِ ، وَصَحِيَتِهِ، وَنِيهِ﴾ [عبس:
٣٤ - ٣٦]؛ أي: يراهم يوم القيامة، ويَفِرُّ منهم، ويتباعد عنهم؛ لأن الھَوْل
عظيمٌ، والخَطْبَ جليلٌ، قال: عكرمة: يلقى الرجلُ زوجتَه، ويقول لها:
يا هذه؛ أيَّ بَعْل كنتُ لك؟ فتقول: نِعْمَ البَعْلُ كُنتَ، وتنبئ بخيرٍ ما استطاعت،
فيقول لها: فإني أطلب إليك اليوم حسنةً واحدة تهبينها (٢) لي؛ لعلي أنجو ممَّا
أرى، فتقول: ما أيسر ما طلبت! ولكني لا أُطيق أن أُعطيَك شيئاً، أتخوَّف
مثلَ الذي تخاف، وإن الرجلَ ليلقى ابنَه، فيتعلق به، فيقول: يا بُنَّي؛ أيَّ والد
كنت لك؟ فيُّني بخير، فيقول: يا بُنِيَّ؛ إني احتجت إلى مثقال ذَرَّة من
حسناتك؛ لعلي أنجو بها مِمَّا ترى، فيقول ولدُه: يا أبتي؛ ما أيسر ما طلبت!
ولكني أتخوّفُ مثلَ الذي تتخوَّف؛ فلا أستطيع أن أُعطيَك شيئاً، يقول الله
تعالى: ﴿يَوْمَ يَفِرُ الَّهُ مِنْ أَخِهِ ٦) وَأُمِّهِ، وَأَبِهِ ، وَصَحِبَتِهِ، وَبَنِهِ﴾ [عبس: ٣٤ -٣٦].
(١) انظر: ((تفسير البيضاوي)) (٢ / ٢٦).
(٢) في الأصل: ((تهبها)).
١١

وفي الحديث الصحيح في أمر الشفاعة: أنه إذا طلب إلى كل واحد
من أُولي العزم أن يشفع إلى الله في الخلائق؛ فيقول: نفسي نفسي نفسي،
حتى عيسى بن مريم عليه السلام يقول: لا أسألك اليوم إلا نفسي، لا أسأل
مريمَ التي ولدتني(١)، قال قتادة: يفر المَرْءُ من الأحبِّ فالأَحبِّ، والأقرب
فالأقرب من هول ذلك اليوم(٢).
وقوله: ﴿لِكُلِّ امْرِيٍ مِنْهُمْ يَوْمَيِذٍ شَأَنٌ يُغْنِهِ﴾ [عبس: ٣٧]؛ أي: هو في شغل
شاغل عن غيره، روى الترمذيُّ مُحسِّناً مُصحّحاً عن ابن عباس، عن النبيِّ ◌َّ :
(يُحشرُونَ حُفاةً عُراةً غُرْلاً))، فقالت امرأةٌ: أَيَبْصِرُ، أو يرى بعضُنا عورةَ
بعض؟ فقال: يا فلانة؛ ﴿لِكُلِّ امْرِيٍ مِّنْهُمْ يَوْمَيِذٍ شَأَنٌ يُغْنِهِ﴾ [عبس: ٣٧](٣).
(م): المراد بهذا: أن الذين كان المَرْءُ في الدنيا يفِرُّ إليهم، ويستجير
بهم؛ فإنه يفِرُّ منهم في الآخرة، فيفر من أخيه، بل من أبويه؛ فإنهما أقربُ،
بل من الصاحبة والولد؛ فإن تعلُّق القلب بهما أشدُّ من تعلُّقه بالأبوين(٤).
(قض): ﴿يَغِرُّ الْمَهُ﴾؛ لاشتغاله بشأنه، وعلمه بأنهم لا ينفعونه، أو
للحذر من مطالبتهم بما قصَّر من حقُّهم، وتأخير الأحبُّ فالأحبِّ؛ للمُبالغة،
كأنه قيل: يفر المرء من أخيه، بل من أبويه، بل من صاحبته وبنيه(٥).
(١) رواه أبو نعيم في «حلية الأولياء)) (٥/ ٣٧٢)، عن كعب الأحبار، وأصله في
((البخاري)) (٤٧١٢)، و((مسلم)) (١٩٤ / ٣٢٧)، من حديث أبي هريرة ﴾.
(٢) انظر: ((تفسير ابن كثير)) (١٤ / ٢٥٤).
(٣) رواه الترمذي (٣٣٣٢). وهو حديث صحيح. انظر: ((صحيح الجامع الصغير))
(٢٩٢٤).
(٤) انظر: ((تفسير الرازي)) (٣١/ ٥٩).
(٥) انظر: ((تفسير البيضاوي)) (٥ / ٤٥٤).
١٢

* قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ أَتَّقُواْ رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَىْءُ
عَظِيمٌ﴾ [الحج: ١]، أمر الله عبادَه بتقواه، وأخبرهم بما يستقبلون من أهوال
يوم القيامة وزلزالها، واختلفوا في زلزلة الساعة هل هي بعد قيام الناس من
قبورهم يوم نُشورهم، أو ذلك عبارة عن زلزلة الأرض قبل قيام الناس من
أَجْدَاثهم في آخر أيام الدُّنيا، وأوّل أهوال الساعة؛ كما قال تعالى: ﴿إِذَا
زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا ، وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا﴾ [الزلزلة: ١ -٢]؟
فذهب علقمة والشّعبيُّ أن هذا قبل يوم القيامة، ويؤيده ما رواه ابن جرير
عن أبي هريرة قال: [قال] رسول الله وَّهِ: ((إن الله لمَّا فَرَغَ من خَلْقِ السَّماواتِ
والأَرْضِ؛ خلقَ الصُّورَ، فأعطاه إسرافيلَ، فهو واضعُه على فيه، شَاخِصٌ
بَصَرِهِ إلى العَرْشِ يَنْتَظِرُ مَتى يُؤْمَرُ))، قال أبو هريرة: يا رسول الله؛ وما
الصُّور؟ قال: ((قَرْنٌ»، قال: فكيف هو؟ قال: ((قَرْنٌ عَظِيمٌ ينفخ ثلاثَ
نَفَخَاتٍ: الأُولى نَفْخةُ الفَزَع؛ والثانية نَفْخَةُ الصَّعْقِ، والثالثة: نَفْخةُ القِيَامِ لربِّ
العَالَمِينَ، يأمرُ اللهُ إِسْرَافيلَ بالنَّفْخَة الأُولى، فيقول: انفُخْ نفخةَ الفَزَعِ، فَيَفْزَعُ
أهلُ السَّماوات والأرض إلا مَنْ شاءَ اللهُ، ويَأمرُه فيمُدُّها ويُطوِّلُها، ولا يَفْتُر،
وهي التي يقول الله تعالى: ﴿ يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّحِفَةُ ب تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ ؟ قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ
وَاحِفَةٌ ﴾ [النازعات: ٦ -٨]، فُتسيّر الجبال، فتكون سراباً، وتُرَجُّ الأرضُ بأهلها
رَجّاً، وهيَ التي يقول الله تعالى: ﴿ وَمَا يَنْظُرُ هَؤُلَاءٍ إِلَّا صَيْحَةً وَحِدَةً مَّا لَهَا مِن
فَوَاقٍ ﴾ [ص: ١٥]، فتكون الأرض كالسفينة المُوبَقة تضربها الأمواجُ تكفؤها
بأهلها، وكالقِنْدِيل المُعلَّق بالعَرْشِ [ترجِّجُه] الأرواحُ، فيمتد الناس على
ظهرها، فتذهلُ المُرضعُ، وتضَعُ الحَواملُ، ويَشيب الولْدَان، وتطيرُ
الشَّيَاطِينُ هاربةً، حتى تأتي الأقطار فتلقاها الملائكةُ فتضرب وجهَها، فترجع،
١٣

ويُولِّي الناسُ مُدبرين، ينادي بعضُهم بعضاً، يقول الله تعالى: ﴿يَوْمَ النَّنَادِ
يَوْمَ تُولُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُمْ مِّنَاللَّهِ مِنْ عَاصِةٍ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُفَ لَهُمِنْ هَادٍ﴾ [غافر: ٣٢ -٣٣]،
فبينما هم على ذلك؛ إذ تَصدَّعتِ الأرضُ من قُطر إلى قُطر، ورأوا أمراً
عظيماً، فأخذهم لذلك من الكَرب ما الله أعلم به، ثم نظروا إلى السَّماوات؛
فإذا هي كالمُهْل، ثم خُسِفِ شمسُها، وخُسِفِ قمرُها، وانتثرت نجومُها، ثم
كُشِطَت عنهم))(١)، قال رسول الله ◌َّهِ: ((والأمواتُ لا يَعلَمُونَ بشَيْءٍ مِن ذلك)).
قال أبو هريرة: فمَن استثنى الله حين يقول: ﴿فَفَزِعَ مَن فِي السَّمَوَتِ وَمَنْ
فِ الْأَرْضِ إِلَّا مَن شَاءَ اللَّهُ﴾ [النمل: ٨٧]؟ قال: ((أُولِئِكَ الشُّهَدَاءُ، وإنَّما يَصِلُ
الفزَعُ إلى الأَحْيَاءِ، أُولِئِكَ أَحْيَاءُ عند رَبِّهم يُرزقون، وقاهمُ الله شرَّ ذلك
اليوم، وأَمَّنُهُم، وهو عذابُ الله يبعثه إلى شِرار خلقه، وهو الذي يقول الله:
﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَىْءٌ عَظِيمٌ ﴿ يَوْمَ تَرَوْنَهَا
تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّ أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتٍ حَمْلٍ خَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ
سُكَرَىْ وَمَاهُم بِسُكَرَىْ وَلَكِنَّ عَذَابَ اَللَّهِ شَدِيدٌ﴾ [الحج: ١ -٢])).
وهذا الحديث قد رواه الطبرانيُّ، وابن جرير، وغيرُ واحد مُطوَّلاً
جدّا(٢)، والغرض منه:
أن هذه الزلزلة كائنة قبل يوم الساعة، وأُضيفت إلى الساعة؛ لقربها
منها؛ كما يقال: أشراط الساعة، ونحو ذلك، وقال آخرون: بل هو فرغ
وزلزال وبِلْبَالٌ كائن قبل يوم القيامة في العَرَصَات، واختاره ابن جرير،
(١) في هامش الأصل: ((كشطت البعير كَشْطاً: نزعت جلده)).
(٢) رواه الطبراني في ((الأحاديث الطوال)) (٣٦)، وابن جرير الطبري في ((تفسيره))
(١٧ / ١١٠).
١٤

واحتجوا بما رواه الإمام أحمد عن عِمرانَ بن حُصَين: أن رسول الله وَّ م قال
وهو في بعض أسفاره، وقد تفاوت بين أصحابه السَّيْرُ، رفع بهاتين الآيتين
صوته: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبِّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَىْءُ عَظِيمٌ ) يَوْمَ
تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتٍ حَمْلٍ خَمْلَهَا
وَتَرَى النَّاسَ سُكَرَىْ وَمَا هُمْ بِسُكَرَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ [الحج: ١ -٢]،
فلمَّا سمع أصحابهُ؛ حَثُّوا المَطِيَّ، وعرفوا أنه عند قول يقوله، فلما تأشَّبوا(١)
حوله؛ قال: ((أَتَدْرُون أيَّ يَومٍ ذاك؟ ذاك يومَ يُنادَى آدمُ، فيُنادِیە رِبُّه ◌َّ،
فيقول: يا آدمُ؛ ابعَثْ بَعْثَ النَّار، فيقول: يا رَبِّ؛ وما بَعْثُ النار؟ فيقال:
مِن كُلِّ أَلْفٍ تسعُ مئة وتسعةٌ وتسعون في النار، وواحدٌ في الجَنَّة))، قال:
فَأَبْلسَ أَصحابُه حَتَّى ما أَوْضَحُوا بِضَاحِكَةٍ، فلمَّا رأى ذلك؛ قال: ((أَبْشِرُوا،
واعمَلُوا، فوالذي نَفْسُ مُحمَّدٍ بِيَدِه؛ إنكم لمَعَ خَلِيقَتَيْن ما كانتا معَ شَيْءٍ
قط إلا كَثَّرتاه؛ يَأْجُوجُ ومَأْجُوجُ، ومَنْ هلكَ مِن بَني آدمَ، وبَني إبليسَ))،
قال: فسُرِّيَ عنهم، ثم قال: ((اعمَلُوا وأبشروا، فوالذي نَفْسُ مُحمَّد بيَدِه؛
ما أَنْتُمُ فِي النَّاسِ إلاَّ كالشَّامَةِ فِي جَنْبِ الْبَعِير، أو الرَّقْمِ فِي ذِرَاعِ الدَّابَّةِ))،
هكذا رواه الترمذيُّ، وصَخَّحه وحَسَّنه(٢).
والأحاديثُ في أهوال القيامة كثيرةٌ جِدّاً؛ ولهذا قال: ﴿إِنَّ زَلْزَلَةَ
السَّاعَةِ شَىْءُ عَظِيمٌ﴾ [الحج: ١]؛ أي: حادث هائلٌ، وطارق مُفْظِعٌ،
والزِّلزال: هو ما يحصل للنفوس من الفَزَع والرُّعْب، وقوله: ﴿تَرَوْنَهَا﴾ من
(١) في الأصل ((مشوا))، والتصويب من مصادر التخريج.
(٢) رواه الإمام أحمد في ((المسند)) (٤/ ٤٣٥)، والترمذي (٣١٦٩)، وهو حديث
صحيح. انظر: ((صحيح سنن الترمذي)) (٢٥٣٤).
١٥

باب ضمير الشأن؛ ولهذا قال: مُفَسِّراً له: ﴿تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ﴾؛ أي:
تشتغل لِهَوْل ما ترى عن أَحبِّ الناس إليها، والتي هي أشفقُ الناس عليه
تُدْهَشُ عنه في حال إرضاعها؛ ولهذا قال: ﴿مُرْضِعَةٍ﴾ ولم يقل: (مرضع)،
وقال: ﴿عَمَّا أَرْضَعَتْ﴾ [الحج: ٢]؛ أي: رضيعها قبل فِطامه، ﴿وَتَضَعُ كُلُّ
ذَاتٍ حَمْلٍ خَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَرَى﴾ [الحج: ٢] من شِدَّة الهَوْل الذي [قد
صاروا فيه؛ قد](١) دُهِشَتْ عقولُهم، وغابت أذهانُهم، فمَن رآهم؛ حَسِب
أنهم سُکاری(٢).
(م): وصف الزلزلة بالعظيم، ولا عظيمَ أعظمُ مِمَّا عظَّمه الله،
و((الذهول)): الذهاب عن الأمر مع دَهْشَة، فإن قيل: أتقولون: إن شِدَّةَ ذلك
اليوم تعُمُّ كلَّ أحد، أم لا؟ قلنا: قال قوم: إنها تختصُّ بأهل النار، وإن أهل
الجنة يُحشرون وهم آمنون، وقيل: بل يَحصُل للكُلِّ؛ لأنه سبحانه لا اعتراضَ
لأحد عليه في شيء من أفعاله(٣).
(قض): ﴿َزَلْزَلَةَ السَّاعَةِ﴾ تحريكُها للأشياء على الإسناد المَجازيِّ،
أو تحريك الأشياء فيها، فأُضيفت إليها إضافةً معنوية؛ بتقدير (في)،
وإضافة المصدر إلى الظرف على إجرائه مُجرى المفعول به (٤).
* قوله تعالى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَيِّهِ جَّكَانٍ﴾ [الرحمن: ٤٦]؛ أي: لمَن
(١) ما بين معكوفتين من ((تفسير ابن كثير)).
(٢) انظر: ((تفسير ابن كثير)) (١٠ / ٥).
(٣) انظر: ((تفسير الرازي)) (٢٣ / ٤).
(٤) انظر: ((تفسير البيضاوي)) (٤ / ١١٣).
١٦

خاف مقامه بين يدي الله گ يوم القيامة عند ربِّه، ونھی النفس عن الهوى ولم
يطغ ولا آثر الحياةَ الدنيا، وعلم أن الآخرة خيرٌ وأبقى، فأدَّى الفريضةَ،
واجتنب المَحارمَ، فله يوم القيامة عند ربه جنتان؛ كما في الصحيح: أن
رسول الله وَّ﴿ قال: ((جَنَّتَانِ مِن فِضَّةٍ آنيتُهُما وما فيهما، وجَنَّان مِن ذهَبٍ
آنيتُهما وما فيهما، وما بينَ القَوْمِ وبينَ أن يَنْظُرُوا إلى ربِّهم ◌َكْ إلَّ رِدَاءُ الكِبْرِيَاءِ
على وَجْهِهِ فِي جَنَّةِ عَدْنٍ))(١)
وروى ابن جرير عن أبي الدَّرداء أن رسولَ الله وَليه قرأ يوماً هذه الآية:
﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَّثَانِ﴾ [الرحمن: ٤٦]، فقلت: وإن زنى، وإن سرق؟
فقال: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّثَانِ﴾ [الرحمن: ٤٦]، فقلت: وإن زنى، وإن
سرق؟ فقال: ((وإن رَغِمَ أَنْفُ أَبي الدَّردَاء))(٢).
رُوي عن أبي الدَّرداء أيضاً أنه قال: ((إن مَن خَافَ مَقامَ ربِّه؛ لم
يَزْنِ، ولم يَسْرِقْ))، وهذه الآية عامَّةٌ في الجِنِّ والإنس، فهي مِن أدلِّ دليلٍ
على أن الجِنَّةَ يدخلون الجنة إذا آمنوا واتقوا (٣).
(م): ((الخوف)»: خشية سببُها عظمةُ المَخشيِّ، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى
اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَوْاْ﴾ [فاطر: ٢٨]؛ لأنهم عرفوا عظمةَ الله، فخافوه، لا لذُلِّ
منهم، بل لعظمة جانب الله، والقول الثاني في ﴿مَقَامَ رَبِهِ﴾ : المَوضِعُ الذي فيه
اللهُ قائمٌ على عباده؛ من قوله: ﴿ أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾ [الرعد: ٣٣]؛
(١) رواه البخاري (٤٨٧٨)، ومسلم (١٨٠ / ٢٩٦)، من حديث عبدالله بن قيس
الأشعري څ .
(٢) رواه ابن جرير الطبري في ((تفسيره)) (٢٧ / ١٤٦).
(٣) رواه ابن جرير الطبري في ((تفسيره)) (٢٧ / ١٤٦).
١٧

أي: حافظ ومُطَّلِعٍ، وقيل: لفظة ﴿مَقَامَ﴾ مُقْحَمٌّ.
وقيل في ﴿جَنََّانِ﴾: جنة لفعل الطاعات، وأخرى لترك المعاصي،
وقيل: جنة للجَزاء، وأُخرى زيادة على الجزاء، ومُحتَمِلٌ أن يقال: جنتان،
إحداهما جِسْمِيةٌ، والأُخرى رُوحيةٌ، وقد ذكرنا في قوله تعالى: ﴿ إِنَ
اُلْمُنَّفِينَ فِى جَنَّتٍ ﴾ [الحجر: ٤٥]: ذكر الجَنَّةَ والجَنَّتين والجَنَّات، فهي لاتصال
أشجارها ومساكنها، وعدم وقوع الفاصل بينها كجَنَّة واحدة، ولسعتها
وكثرة مساكنها جناتٌ، واشتمالها على ما يَلتذُّ به الرُّوحُ والجسمُ كأنهما
جَنَّتَان، فالكل عائد إلى صفة مَدْحٍ(١).
(قض): جنة للخائف الإنسي، وأخرى للخائف الجِنيِّ؛ فإن الخطاب
للفريقين، والمعنى: إن لكُلِّ خائفين منكما، أو لكل واحد جنةً لعقيدته،
والأُخرى لعمله(٢).
* قوله تعالى: ﴿وَأَقْلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَآءَ لُونَ﴾ [الصافات: ٢٧]؛ أي:
أقبل أهلُ الجنة يتحادثون ويتساءلون عن أعمالهم وأحوالهم في الدنيا،
وهذا كما يتحادث أهل الشَّراب على شَرابهم إذا أخذ فيهم الشرابُ بما كان
من أمرهم، قالوا: ﴿إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِى أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ﴾ [الطور: ٢٦]، خائفين من
رَبِّنا، وعذابه، وعقابه، ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا﴾؛ أي: فتصدق الله علينا،
وأجارنا ممَّ نخاف ﴿ إِنَّا كُنَّا مِن قَبْلُ نَدْعُوهٌ﴾؛ أي: نَتَضرَّع إليه.
عن أنس ◌َّه قال: قال رسول الله وَّهِ: ((إذا دَخلَ أهلُ الجَنَّةُ الجَنَّةَ؛
(١) انظر: ((تفسير الرازي)) (٢٩ / ١٠٧).
(٢) انظر: ((تفسير البيضاوي)) (٥ / ٢٧٩).
١٨

اشتَاقُوا إلى الإِخْوَانِ، فَيِجِيءُ سَرِيرُ هَذا حَتَّى يُحَاذِيَ سَرِيرَ هذا،
فيتحَدَّثَان، فيتَّكِئُ ذا، ويَتَّكِئُ ذا فيتحَذَّثان بمَا كان في الدُّنيا، فيقول أحدهما
لِصَاحِبِه: يا فُلانُ؛ أَتَدْرِي أَيَّ يَوْمٍ غَفْرَ اللهُ لنا؟ يومَ كُنَّا في مَوِضع كذا وكذا،
فدعونا اللهَ رَكَ، فغفَرَ لنا)، رواه البزَّار(١).
عن عائشة رضي الله عنها: أنها قرأت هذه الآية فقالت: اللَّهُمَّ؛ مُنَّ
علينا، وقِنا عذابَ السَّمُوم؛ إنك أنت البَرُّ الرَّحيم، قيل للأعمش: في
الصَّلاة؟ قال: نعم(٢).
(م): إشارةٌ إلى أنهم يعلمون ما جرى عليهم في الدُّنيا، ويذكرونه،
فتزداد لذَّةُ المُؤمن؛ حيث إنه انتقل من السِّجن إلى الجَنَّة، ويزداد غَمُّ الكافر
من حيث إنه انتقل من الشَّرَف إلى التَّلَف، ومنَ النَّعيم إلى الجَحِيم(٣).
(الكشاف): ((السَّموم)) الرِّيح الحارَّة التي تدخل المَسامَّ، فسُمِّيت بها
نارُ جهنّم؛ لأنها بهذه الصفة، ﴿مِن قَبْلُ﴾؛ أي: من قبل لقاء الله، والمَصيرِ
إليه؛ يَعِنُونَ: في الدنيا، ﴿تَدْعُوهٌ ﴾ نعبده ونسأله الوِقَايةَ(٤).
(١) رواه البزار في ((مسنده)) (٦٦٦٨). وهو حديث ضعيف. انظر: ((ضعيف الترغيب
والترهيب)» (٢٢٣٧).
(٢) رواه ابن أبي شيبة في ((المصنف)) (٦٠٣٦)، وانظر: ((تفسير ابن كثير)) (١٣ / ٢٣٥).
(٣) انظر: ((تفسير الرازي)) (٢١٩/٢٨).
(٤) انظر: ((الكشاف)) للزمخشري (٤ / ٤١٥).
١٩

وأما الأحاديثُ، فكثيرةٌ جدّاً، فتذكُرُ مِنْها طَرَفاً، وبالله التَّوْفِيقُ:
٣٩٦ - عنِ ابنِ مَسْعودٍ ﴿﴾، قال: حَدَّثْنَا رَسُولُ اللهِ،
وهو الصَّادِقُ المصدوقُ: ((إنَّ أَحَدَكُمْ يُجْمَعُ خَلْقُهُ في بَطنِ أمُّهِ
أَرْبَعِينَ يَوْماً نُطْفَةٌ، ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةٌ مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ
ذَلِكَ، ثُمَّ يُرْسَلُ المَلَكُ، فَيَنْفُخُ فِيهِ الرُّوحَ، وَيُؤْمَرُ بِأَرْبَعِ كَلِماتٍ:
بِكَتْبٍ رِزْقِهِ، وَأَجَلهِ، وَعَمَلِهِ، وَشَقِيٍّ أَوْ سَعِيدٌ، فَوَالَّذِي لا إِلَهَ
غَيْرُهُ! إِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الجَنَّةِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا
إلَّ ذِرَاعٌ، فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الكِتابُ، فَيَعْمَلُ بِعَمَل أَهْلِ النَّارِ،
فَيَدْخُلُهَا، وإِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلٍ أَهْلِ النَّارِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ
وَبَينَهَا إِلَّ ذِرَاعٌ، فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الكِتَابُ، فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الجَنَّةِ،
فَيَدْخُلُهَا))، متفقٌ عليه.
(الأَوْلُ)
* قوله: ((وهو الصادق)):
(ن): أي: الصادق في قوله، المَصْدُوق فيما يأتيه من الوحي
الکریم(١).
(ط): الأولى أن تجعلَ الجُملةُ اعتراضيةً، لا حاليةً؛ ليُعُمَّ الأحوالَ
كلَّها، وأن يكون من عادته ودأبهِ ذلك، فما أحسنَ مَوقعَهُ هاهنا! (٢)
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٦ / ١٩٠).
(٢) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٢ / ٥٣٣).
٢٠