النص المفهرس

صفحات 641-660

الفواضل(١) والألطاف، ﴿عَلِيمٌ﴾ بمَن هو مِن أهلها (٢).
(م): ﴿ُّهُمْ وَيُحِبُونَهُ,﴾ قدم مَحبَّته لهم على مَحبَّتهم له، وهذا حَقٌّ،
ولولا أن الله أحبَّهم؛ لما وَفَّقهم في أن صاروا مُحبِّين له(٣).
٣٨٦ - وعن أبي هريرةَ ﴿ه، قال: قالَ رسولُ اللهِلَّهِ: ((إنَّ اللهَ
تعالى قَالَ: مَنْ عَادَى لِيَ وَلِيّاً، فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالحَرْبِ، وَمَا تَقَرَّبَ إِليَّ
عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ، وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ
إِلَّ بِالَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَيْتُهُ، كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ،
وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِها، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِها،
وإِنْ سَأَنِي، أَعْطَيْتُهُ، وَلَئِنْ اسْتَعَاذَنِي، لأُعِيذَنَ))، رواه البخاري.
معنى ((آذَنْتُهُ»: أعْلَمْتُهُ بِأنِّ مُحَارِبٌ له.
وقوله: «اسْتَعَاذَني»: روي بالباءِ، وروي بالنون.
(الأَوْلُ)
سبق شرحه في (الباب الحادي عشر).
(١) في الأصل: ((الواصل)).
(٢) انظر: ((الكشاف)) للزمخشري (١ / ٦٨٠).
(٣) انظر: ((تفسير الرازي)) (١٢ / ٢١).
٦٤١

٣٨٧ - وعنه، عن النبيِّ ◌َ﴿، قال: ((إِذاَ أَحَبَّ اللهُ تَعَالَى
العَبْدَ، نَادَى جِبْرِيلَ: إِنَّ اللهَ تَعَالَى يُحِبُّ فُلاناً، فَأَحْبِبْهُ، فَيُحِبُّهُ
جِبْرِيلُ، فَيُّنَادِي فِي أَهْلِ السَّمَاءِ: إِنَّ اللهَ يُحِبُّ فُلاناً، فَأَحِبُّوهُ،
فَيُحِبُّهُ أَهْلُ السَّمَاءِ، ثُمَّ يَوْضَعُ له القَبُولُ في الأَرْضِ))، متفقٌ عليه.
وفي رواية لمسلم: قالَ رَسُولُ اللهِوَّهِ: ((إِنَّ اللهَ تَعَالَى إِذَا أَحَبَّ
عَبْداً، دَعَا جِبْرِيلَ، فَقَالَ: إنِّي أُحِبُّ فُلاناً، فَأَحْبِبُهُ، فَيُحِبُّهُ جِبْرِيلُ،
ثُمَّ يُنَادِي فِي السَّمَاءِ، فَيَقُولُ: إِنَّ اللهَ يُحِبُّ فُلاناً، فَأَحِبُّوهُ، فَيُحِبُّهُ
أَهْلُ السَّمَاءِ، ثُمَّ يُوضَعُ له القَبُولُ في الأَرْضِ، وإذا أَبْغَضَ عَبْداً،
دَعَا جِبْرِيلَ، فَيَقُولُ: إِنِّي أَبْغِضُ فُلاناً، فَأَبْغِضْهُ، فَيُبْغِضُهُ جِبْرِيلُ،
ثُمَّ يُنَدِي فِي أَهْلِ السَّمَاءِ: إِنَّ الله يُبْغِض فُلاناً، فَأَبْغِضُوهُ، فَيَبْغِضُهُ
أَهْلُ السَّماءِ، ثُمَّ تُوضَعُ له البَغْضَاءُ في الأَرْضِ)).
(الثَّانِى))
(ن): محبة الله تعالى لعبده: هي إرادته الخيرَ له، وهدايته، وإنعامه
عليه، ورحمتُه، وبُغضه: إرادة عقابه، أو شَقاوته، ونحوه(١)، وحُبُّ جبريلَ
(١) ما ورد من صفات للباري سبحانه وتعالى من الحب والبغض والرضا وغيرها لابد
من إثباتها بلا تمثيل، ولا تعطيل، بل نثبت ما أثبته الله لنفسه، ونفى مماثلته
بخلقه .
والقول في الصفات كالقول في الذات، فإن الله ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا في
صفاته ولا في أفعاله، فإذا كان له ذات حقيقةً لا تماثل الذوات، فالذات متصفة
بصفات حقيقة لا تماثل سائر الصفات.
٦٤٢

عليه السلام، والملائكة يحتمل وجهين؛ أحدهما: استغفارهم له، وثناؤهم
عليه ودُعاؤهم.
والثاني: أن مَحبَّتهم على ظاهرها المَعروف من المخلوقين، وهو
مَيْل القلب إليه، واشتياقه إلى لقائه، وسببُ حُبِّهم إياهم: كونُهُ مُطيعاً لله،
مَحبوباً له، ومعنى: ((يوضع له القَبول في الأرض))؛ أي: الحُبُّ في قُلوب
الناس، ورضاهم عنه، فتَميل إليه القُلوبُ، وترضى عنه، وقد جاء في
رواية: ((فتوضع له المحبة)»(١).
(ق): يعني بالقَبول: مَحبَّةً أهل الدِّين والخير له، والرِّضا به، والسُّرور
بلقائه، واستطابة ذكره في حال غَيْبته؛ كما أجرى الله تعالى عادته بذلك في
حَقِّ الصَّالحين من سلف هذه الأمة، وإعلامُ الله تعالى جبريلَ، وإعلامُ جبريلَ
الملائكةَ مَحبََّ العبد المذكور تَنْويهٌ له، وتشريفٌ له في ذلك المَلأ الکریم؛
ليَحصُل من المنزلة المُنِيفة على الحَظِّ العظيم(٢).
٣٨٨ - وعن عائشةَ رضي الله عنها: أَنَّ رَسُولَ اللهِوَّهِ، بَعَثَ
رَجُلاً عَلى سَرِيَّةٍ، فَكَانَ يَقْرَأُ لأَصْحَابِهِ فِي صَلاتِهِمْ، فَيَخْتِمُ بـ:
﴿قُلْ هُوَ اَللَّهُ أَحَدُ ﴾، فَلَمَّا رَجَعُوا، ذَكَرُوا ذَلِكَ لرسُولِ اللهِ وَِّ،
= وانظر: ((مجموع الفتاوى)) لشيخ الإسلام ابن تيمية (٣/ ١٧) وما بعدها.
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٦ / ١٨٣)، والحديث رواه الترمذي (٣١٦١)، من
حديث أبي هريرة . وهو حديث صحيح. انظر: ((صحيح الجامع الصغير))
(٢٨٤) .
(٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٦ /٦٤٤).
٦٤٣

فقال: ((سَلُوهُ: لأَيِّ شَيْءٍ يَصْنَعُ ذلِكَ؟))، فَسَأَلُوهُ، فَقَالَ: لأَنَّهَا
صِفَةُ الرَّحْمنِ، فَأَنَا أُحِبُّ أَنْ أَقْرَأَ بِها، فقال رَسُولُ اللهِ وَّ:
((أَخْبِرُوهُ أَنَّ الله تَعَالَى يُحِبُّهُ))، متفقٌ عليه.
34
قوله: ((لأنها صفة الرحمن)) :
(ط): ﴿قُلْ هُوَ اَللَّهُ أَحَدُّ ﴾ [الإخلاص: ١]، في معنى: (لا إله إلا الله)،
مع تعلیلہ علی وجھین:
أحدهما: أنه سبحانه هو الصَّمَد المَرجُوع إليه في حَقِّ العباد والمخلوقات،
ولا صمَدَ سواه، ولو تُصوَّر سواه صَمَد؛ لفسد نِظامَ العالم، ومِن ثَمَّ كرر لفظ
(الله)، وأوقع (الصَّمد) المُعرَّف خبراً له، وقطعه جُملةً مُستأنَفَةً على بيان المُوجَب.
وثانيهما: أن الله هو الأحد في الإلهية؛ إذ لو تُصوِّر غيره؛ لكان إما أن
يكون فوقه فيها، وهو مُحالٌ، وإليه الإشارة بقوله: ﴿وَلَمْ يُولَدْ ﴾ [الإخلاص:
٣]، أو دونه فيها؛ فلا يستقيم أيضاً، وإليه لمَحَ بقوله: ﴿لَمْ يَلِدْ﴾ [الإخلاص:
٣]، أو مُساوياً له، وهو مُحالٌ أيضاً، وإليه رمز بقوله: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ كُفُوا
أَحَدٌ ﴾ [الإخلاص: ٤]، ويجوز أن تكون الجُمَل المنفية تعليلاً للجملة الثانية
المثبتة، كأنه لمَّا قيل: هو الصمد، المَعبودُ، الخالق، الرَّازق، المُثيبُ،
المُعاقب، ولاصمد سواه؛ قيل: لم كان كذلك؟ أجيب؛ لأنه ليس أحدٌ فوقه
يمنعه عن ذلك، ولا مُساوٍ يعاونه فيه، ولا دونه يَستِقِلُّ به، قال تعالى: ﴿وَمَا
لَهُمْ فِيهِمَا مِن شِرْكٍ وَمَا لَهُمِنْهُم مِّن ظَهِيرٍ﴾ [سبأ: ٢٢](١).
(١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٥/ ١٦٤٩).
٦٤٤

(ن): قال المَازَريُّ: مَحبَّةُ الله تعالى لعباده: إرادةُ ثوابهم وتَنعيمهم،
وقيل: محبته لهم: نفسُ الإثابة والتنعيم، لا الإرادة، قال القاضي: وأما
مَحبَّتهم له سبحانه: فلا يَبعُد فيها المَيْل منهم إليه سبحانه، وقيل: مَحبَّتهم
له: استقامتُهم على طاعته، وقيل: الاستقامة ثمرة المَحبَّة، وحقيقة المحبة
ميلهم [إليه]؛ لاستحقاقه سبحانه المَحبَّةَ من جميع وُجوهها(١).
(ق): هو سبحانه مَحبوبٌ لمحبِّه على حقيقة المحبة؛ كما هو
المعروف عند مَن رزقه الله شيئاً من ذلك، فنسأله تعالى أن لا يَحرِمَنا ذلك،
وأن يجعلنا من مُحبِّه المُخلِصين(٢).
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٦ / ٩٥).
(٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٢ / ٤٤٤).
٦٤٥

٤٨-بل
التحذيرِ من إيذاءِ الصَّالحِينَ،
والضَّعَفَةِ والمساكينِ
* قال الله تعالى: ﴿ وَاُلَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ
بِغَيْرِ مَااكْتَسَبُواْ فَقَدٍ أَخْتَمَلُواْ بُهْتَنًا وَإِثْمَا مُِّينًا﴾ [الأحزاب: ٥٨].
* وقال تعالى: ﴿فَمَّا الْقِيَمَ فَلَ نَقْهَرْ ب وَأَمَّا السَّآئِلَ فَلَا نَنْهَرْ﴾
[الضحى: ٩ - ١٠].
(الباب الثامن والأربعون)
(في التحذير من إيذاء الصالحين والضَّعَفة والمساكين)
(ن): قال: أبو إسحاق الزَّجَّاج، وصاحب ((المطالع)): (الصالح): هو
القائم بما عليه؛ من حقوق الله تعالى وحقوق العباد(١).
(قض): (الصلاح) هو القيام بما ينبغي، والتحرُّز عما لا ينبغي(٢).
* قوله تعالى: ﴿ وَاُلَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ بِغَيْرِ مَااكْتَسَبُواْ
فَقَدٍ أَحْتَمَلُواْ بُهْتَنَّا وَإِثْمَا مُِّينًا ﴾ [الأحزاب: ٥٨]؛ أي: يَنسُبون إليهم ما هم بُرآءُ منه
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٤ / ١١٧).
(٢) هذه الفقرة والتي قبلها جاءت قبل الباب، والمناسب إثباتها بعده.
٦٤٦

لم يعملوه، فقد احتملوا البَهْتَ البيِّن؛ أن يُحكَى عن أحد من المؤمنين ما لم
يفعلوه على سبيل العَيْب والنَّقْص لهم، ومِن أكثر مَن يدخل في هذا الوعيد
الكَفرةُ، ثم الرَّافِضة الذين ينسبون إلى الصحابة ما لم يَصدُر منهم، ولا فعلوه
أبداً.
روى ابن أبي حاتم عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسولُ الله ◌ِكالآتى:
(أيُّ الرِّبًا أَرْبَى عِنْدَ اللهِ؟)) قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: ((أَرْبَى الرِّبا: استِخْلالُ
عِرْضِ امْرِىءٌ مُسلمٍ))، ثم قرأ: ﴿ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾
[الأحزاب: ٥٨] الآيةَ(١).
(الکشاف): ﴿پِغيرِ مَا آڪتسبُوا ﴾ بغير جناية واكتساب للأذى، قيل:
نزلت في ناس من المنافقين يُؤذون عليًّا تَهُ، وقيل: في الذين أَفَكُوا عائشة
رضي الله عنها، وقيل: في زُناة كانوا يتبعون النساءَ وهُنَّ كارهات، وعن
الفُضيل: لا يحِلُّ لك أن تؤذيَ كلباً، أو خنزيراً بغير حَقٍّ؛ فكيف؟! وكان ابنُ
عَوْن لا يَكْرِي الحَوَانِيتَ إلا مِن أهل الذمَّة؛ لِمَا فيه من الرَّوْعَة عند كَرِّ
الحَوْل(٢).
(م): ﴿ِغَيْرِ مَا أَكْتَسَبُواْ﴾ احترازٌ عن الأمر بالمعروف من غير عُنف
زائد، ويحتمل أن يقال: الإيذاء القَوْلي؛ إذ مَن ضرب وأخذ المالَ لا يقال:
احتمل بُهتاناً؛ وذلك أن الله تعالى أراد إظهارَ شرف المُؤمن، فلمَّا ذكر أن مَن
آذى اللهَ ورسولَه لُعِن؛ ذكر إيذاءَ المؤمن بالقول، وإنما خَصَّ الإيذاء القوليّ؛
(١) انظر: ((تفسير ابن كثير)) (١١ / ٢٤١).
(٢) انظر: ((الكشاف)) للزمخشري (٣ / ٥٦٩).
٦٤٧

لأنه أعمُّ وأتمُّ؛ إذ الفقيرُ الغائب لا يمكن إيذاؤه بالفعل، ويمكن إيذاؤه
بالقول؛ بأن يقول فيه ما يَصِل إليه، فيتأذَّى، وإنما قلنا: إنه أتمُّ؛ لأنه يصل إلى
القلب؛ فإن الكلامَ يخرج من القلب، واللُّسانُ دليلُه، ويدخل في القلب،
والآذانُ سبيلُه(١).
* قوله تعالى: ﴿فَمَّا الْقِيَمَ فَلَ نَقْهَرْ﴾ [الضحى: ٩]، سبق في (الباب
الثالث والثلاثين).
٣٨٩ - وعن جُنْدُبِ بنِ عبدالله ◌َ﴿ه، قال: قالَ رسولُ الله ◌َّت:
(مَنْ صَلَّى صَلاَةَ الصُّبْحِ، فَهُوَ فِي ذِمَّةِ اللهِ، فَلاَ يَطْلُبْنَّكُمُ اللهُ مِنْ ذِمَّتِهِ
بِشَيْءٍ؛ فَإِنَّهُ مَنْ يَطْلَبْهُ مِنْ ذِمَّتِهِ بِشَيْءٍ، يُدْرِكْهُ، ثُمَّ يَكُبُّهُ عَلَى وَجْهِهِ
فِي نَارِ جَهَنَّم)، رواه مسلم.
* قوله ◌َّفي ((من صلى الصبح فهو في ذمة الله))، سبق في (الباب السابع
والعشرين).
(١) انظر: ((تفسير الرازي)) (٢٥/ ١٩٨).
٦٤٨

٤٩- بان
إجراءِ أحكامِ الناسِ على الظاهرِ
وسرائرُهم إلى الله تعالی
قال الله تعالى: ﴿فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلَوَةَ وَءَاتَواْ الزَّكَوَةَ
فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ﴾ [التوبة: ٥].
(الباب التاسع والأربعون)
(في إجراء أحكام الناس على الظاهر وسرائرهم إلى الله تعالى)
﴿فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلَوَةَ وَءَاتَّوْ الزَّكَوَةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ﴾ [التوبة: ٥]،
اعتمد الصِّدِّيق في قتال مانعي الزكاة على هذه الآية الكريمة وأمثالها؛ حيث
حرمت قتالهم بشرط هذه الأفعال، وهي: الدُّخول في الإسلام، والقيام
بأداء واجباته، ونبّه بأعلاها على أدناها؛ فإن أشرف الأركان بعد الشهادة
الصلاةُ التي هي حَقُّ الله تعالى، وبعدها أداءُ الزكاة التي [هي] نفع مَتعدٍّ إلى
الفُقراء والمحاويج، وكثيراً ما قرن الله بين الصلاة والزكاة، وقال عبدالله ابن
مسعود: أُمرتم بإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، ومَن لم يُزدِّ؛ فلا صلاة له(١)؛
(١) رواه الطبراني في ((المعجم الكبير)) (١٠٠٩٥). وهو حديث ضعيف. انظر: ((تخريج
مشكلة الفقر)) (٥٨).
٦٤٩

وقال عبد الرَّحمن بن زيد بن أسلمَ: أبى الله أن يقبل الصَّلاةَ إلا بالزكاة،
وقال: یرحمُ الله أبا بكر ما كان أفقهَه(١)!
وقوله: ﴿فَخَلُّوْ سَبِيلَهُمْ﴾ [التوبة: ٥]، قال: تَوبتُهم: خَلْعُ الأوثان، وعبادةٌ
ربهم، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، ثم قال في آية أخرى: ﴿فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُوا
الضَلَوْةَ وَءَاتَواْ الزَّكَوَةَ فَإِخْوَنُكُمْ فِ آلِدِينٌ﴾ [التوبة: ١١](٢).
(م): فيه لطيفةٌ، وهي أنه تعالى ضَيَّق عليهم جميعَ الخيرات، وألقاهم
في جميع الآفات، ثم بَيِّن أنهم لو تابوا عن الكُفر، وأقاموا الصَّلاةَ، وآتوا
الزكاةَ؛ فقد تخلَّصوا عن تلك الآفات، فنرجو من فضل الله تعالى أن يكون
الأمر كذلك يوم القيامة، وأيضاً؛ فالتوبة عبارةٌ عن تطهير القُوَّة النظرية عن
الجَهل، والصَّلاةُ والزَّكاة عبارةٌ عن تطهير القُوَّة العملية عَمَّا لا ينبغي، وذلك
يدل على أن كمال السعادة مَنوطٌ بهذا المعنى(٣).
٣٩٠ - وعن ابن عمرَ ﴿﴾: أن رَسُولَ اللهِوَ له قال: ((أُمِرْتُ أَنْ
أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لا إلهَ إلاَّ الله، وأَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ الله،
وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ، وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ، فَإِذَا فَعَلُوا ذلِكَ، عَصَمُوا مِنِّي
دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَّهُمْ إِلاَّ بِحَقِّ الإسْلامِ، وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللهِ تَعَالَى))،
متفقٌ عليه.
(١) انظر: ((تفسير ابن كثير)) (٧ / ١٤٨).
(٢) المرجع السابق، (٧/ ١٤٩).
(٣) انظر: ((تفسير الرازي)) (١٥ / ١٨٠).
٦٥٠

(الأَوْاُ)
(قض): إذا قال الرسول وَّهِ: ((أُمرت))؛ فُهم منه أن الله تعالى أمره،
وإذا قاله الصَّحابيُّ؛ فُهم منه أن الرسول وَّل أمره؛ فإن مَن اشتهر بطاعة
رئيس، إذا قال ذلك؛ فُهم منه أن الرئيسَ أمره(١).
(ك): فائدة العُدول عن التصريح: دعوى اليقين، والتعويل على
شهادة العقل(٢).
(خط): معلومٌ أن المراد بالناس هنا عَبَدَةُ الأوثان، دون أهل الكتاب؛
لأنهم يقولون: لا إله إلا الله، ثم يُقاتلون، ولا يُرفع عنهم السيف(٣).
(ط): الذي يذاق من لفظ ((الناس)) العُموم والاستغراق، وبيانه من
وجوه :
أولها: أنه من العامِّ الذي خُصَّ منه البعض، وذلك أن القَصْد الأَوْلى
من هذا الأمر حُصول هذا المطلوب؛ كقوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ
وَاُلْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦]، فإذا تخلَّف منه لعارض؛ لا يَقدَح في
عُمومه، ألا ترى أن عَبدةَ الأوثان إذا وقعت المُهادَةُ معهم؛ سقط عنهم
المُقاتَلةُ، وتثبت العِصْمةُ؟!
وثانيها: أن يُعبَّر بمجموع الشهادتين، وفعل الصلاة، والزكاة عن
إعلاء كلمة الله، وإظهار دينه، وإذعان المُخالفين، فيحصل في بعضهم
(١) انظر: ((تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة)) للبيضاوي (١ / ٤٦).
(٢) انظر: ((الكواكب الدراري) للكرماني (١ / ١٢٢).
(٣) انظر: ((معالم السنن)) للخطابي (١١/٣).
٦٥١

بالقول والفعل، وفي بعضهم بإعطاء الجِزْية، وفي الآخرين بالمُهادئة، ألا
ترى أن المنافق إذا ظهر الإيمان؛ سقط عنه القتل، ودخل تحت العِصْمَة،
وهو أغلظ كفراً من الكتابيّ؟!
ثالثها: أن الغرضَ من ضرب الجِزْيةِ وإنزال الهَوَانِ والصَّغَار على
الذميِّ هو اضطرارُهم إلى الإسلام، وإبدالهم العِزَّة بالذُّلِّ، وسببُ السَّبَب
سببٌ، فتكون المُقاتلة سبباً للقول والفعل.
ويظهره قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِّنَ الْأَنْعَمِ ثَمَنِيَةَ أَزْوَجْ﴾ [الزمر: ٦]،
المُنزَلُ هو المطر، وهو سببٌ لإنبات(١) العُشب، وهو سببٌ لتكثير
الحيوان، فعلى هذا: غلب في الحديث السببُ الأول - أي: المُقاتلةُ ـ على
السّبب الثاني - أي: أخذ الجِزْيةِ - على أن الاحتمال قائم في أن ضَرْبَ
الجِزْية كان بعد هذا القول(٢).
(قض): إنما خَصَّ الصَّلاةَ والزَّكاة بالذِّكر، والمُقاتلة عليهما أيضاً
بحَقِّ الإسلام؛ لأنهما أُمَّا العباداتِ البدنية والمالية، والمعيارُ على غيرهما،
والعُنوان له؛ ولذلك سَمَّى الصلاة عمادَ الدِّين، والزكاةَ قَنطرةَ الإيمان،
وأكثر الله سبحانه ذكرَهما مُتقارنتين في القرآن(٣).
(ك): ((إقام الصلاة)) إما تعديل أركانها، وحفظها من أن يقع زيغ في
فرائضها وسُننها وآدابها؛ من أقام العُودَ: إذا قَوَّمه.
(١) في الأصل: ((لا يزال)).
(٢) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٢ / ٤٥٢).
(٣) انظر: ((تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة)) للبيضاوي (١ / ٤٦).
٦٥٢

وإما الدَّوام عليها؛ من قامت السُّوق: إذا نفَقَتْ.
وإما التجلُّد والتشمُّر في أدائها؛ من قامت الحربُ على ساقها.
وإما أداؤها؛ تعبيراً عن الأداء بالإقامة؛ لأن القيامَ بعضُ أركانها.
والصلاةُ: هي العبادة المُفتَتحةُ بالتكبير، المُختَتَمةُ بالتسليم.
والزكاةُ: هي قَدْرُ المُخرَج من النِّصاب للمُستحِقِّ.
فإن قلت: فإذا شهدوا؛ عُصِموا [وإن لم يقيموا ولم يؤتوا](١)؛ إذ
بعد الشهادة لابدَّ من الانكفاف عن القتال في الحال، ولا تنتظر الإقامةُ،
ولا الإيتاءُ، ولا غيرهما، وكان حَقُّ الظاهر أن يُكتفى بقوله: ((إلا بحق
الإسلام))؛ فإن الإقامةَ والإتيانَ من حَقِّه.
قلت: ذكرها تعظيماً واهتماماً بشأنها، وإشعاراً بأنهما في حكم الشهادة،
أو المراد ترك القتال مُطلقاً مستمرًّا، لا ترك القتال في الحال المُمكن إعادتُه
بترك الصلاة والزكاة، وذلك لا يَحصُل إلا بالشَّهادة وإتيان الواجبات كلِّها(٢).
(ط): ((إلا بحق الإسلام)): استثناء من أعمِّ عامِّ الجارِّ والمجرور،
فمعنى الحديث: أُمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن
محمداً رسولُ الله، فإذا شهدوا؛ عَصَمُوا مني دماءَهم وأموالَهم، ولا يجوز
إهدارُ دمائهم، واستباحةُ أموالهم بسبب من الأسباب إلا بحَقِّ الإسلام؛ مِن
قتل النفس المَحرَّمة، وترك الصلاة، ومنع الزكاة .
وأما تقديم قوله: ((ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة)) وإزالتهما عن
(١) ما بين معكوفتين من ((الكواكب الدراري)) للكرماني (١ / ١٢٣).
(٢) انظر: ((الكواكب الدراري)) للكرماني (١ / ١٢٢).
٦٥٣

مَقرَّهما هذا، وعطفهما على الشهادتين: فللدَّلالة على أنهما بمنزلتهما في
كونهما غايةً للمُقاتلة؛ إيذاناً بأنهما أُمَّا العبادات وأسناها، ويؤيد هذا
التأويلَ روايةُ أبي هريرة؛ فإنه لم يذكر فيها الصَّلاة والزكاة(١).
* قوله: «فإذا فعلوا ذلك»:
(ك): فإن قلت: المشار إليه بعضُه قولٌ؛ فكيف جاز إطلاق الفعل عليه؟
قلت: إما باعتبار أنه عمل اللِّسان، وإما على سبيل التغليب للاثنين على
الواحد(٢).
(ق): ((العصمة)): المَنع والامتناع، والعصام الخَيْطُ الذي يُشَدُّ به فَمُ
القِرْبَة، سُمِّي بذلك؛ لمَنعه الماءَ من السَّيلان(٣).
(ك): الإضافة في قوله: (بحق الإسلام) إما بمعنى اللام، أو بمعنى
(من)، أو بمعنى (في)، والحقُّ الذي يتعلق بالدَّمِ هو كالقِصَاص، وبالمال؛
کالضمان (٤).
(ق): الحقُّ المُستثنى: هو ما بَّنْه وَِّ بقوله: ((زِناً بعدَ إِحْصَانٍ، أو
كُفْرِ بعدَ إِيمَانٍ، أَو قَتْل النَّفْسِ التي حَرَّمَ الله) (٥).
(١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٢ / ٤٥٣).
(٢) انظر: ((الكواكب الدراري)) للكرماني (١ / ١٢٣).
(٣) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (١ / ١٨٨).
(٤) انظر: ((الكواكب الدراري)) للكرماني (١ / ١٢٣).
(٥) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (١/ ١٨٩)، والحديث رواه أبو داود (٤٥٠٢)، من
حديث عثمان ظُته. وهو حديث إسناده صحيح على شرط الشيخين. انظر: ((إرواء
الغليل)) (٧/ ٢٥٥).
٦٥٤

(ك): لفظة (على) في قوله: ((على الله)) مُشعرةٌ بالإيجاب في عرف
الاستعمال، فهو على سبيل التشبيه؛ أي: هو كالواجب على الله في تحقيق
الوقوع، أو هو واجب عليه شرعاً بحسَب وعده، ومعناه: أن أُمورَ سرائرهم
إلى الله، وأما نحن: فنحكم بالظاهر، فنعاملهم بمُقتضى ظاهر أقوالهم
وأفعالهم، أو معناه: هذا القتال، وهذه العصمة، وإنما هو من الأحكام
الدُّنيوية، وهو ما يتعلَّق بنا، وأما الأُمور الأُخرَوية، ودخول الجنة والنار،
والثواب والعقاب، وكَمِّيتهما وكيفيتهما: فهو مُفوّضٌ إلى الله لا دخلَ لنا
فیه(١) .
(خط): فيه: أن مَن أظهر الإسلامَ، وأسرَّ الكُفرَ يقبل إسلامُه في
الظاهر، وهذا قول أكثر العلماء، وذهب مالك إلى أن توبة الزِّنديق
لا تُقبل، وحُكي ذلك عن أحمد بن حنبل(٢).
(ن): اختلف قول أصحابنا في قبول توبة الزِّديق، وهو الذي يُنكر
الشرعَ جُملةً، فذكروا فيه خمسةَ أَوجُه، أصخُها والأَصْوَبُ منها: قَبَولُها
مُطلقاً؛ للأحاديث العَمِيمة المُطلقة .
والثاني: لا تقبل، ويَتحتَّم قتلُه، لكنه [إن] صدق في توبته؛ نفعه
ذلك في الدار الآخرة.
والثالث: إن تاب مرة واحدة؛ قُبلت توبته، وإن تکژَّر ذلك منه؛ لم
تقبل .
(١) انظر: ((الكواكب الدراري)) للكرماني (١ / ١٢٤).
(٢) انظر: ((معالم السنن)) للخطابي (٢ / ١١).
٦٥٥

والرابع: إن أسلم ابتداء من غير طلب؛ قُبل منه، وإن كان تحت
السَّیف؛ فلا .
والخامس: إن كان داعياً إلى الضَّلال؛ لم يقبل منه، وإلا ؛ قُبل.
وفي هذا الحديث: فوائدُ؛ منها: وجوبُ قتال مانعي الزكاة، وتاركي
الصلاة، وغيرهما من واجبات الإسلام، قليلاً كان أو كثيراً، وسيأتي بقية
الفوائد في (كتاب الزكاة)(١).
قال: سمعتُ
٣٩١ - وعن أبي عبدِاللهِ طَارِقِ بْنِ أَشْیَمَ
رسولَ اللهِ وَّهِ يَقُولُ: ((مَنْ قَالَ لا إِلَهَ إلَّ اللهُ، وَكَفَرَ بِمَا يُعْبَدُ مِنْ
دُونِ الله، حَرُمَ مَالُهُ وَدَمُهُ، وَحِسَابُهُ عَلى اللهِ تَعَالَى))، رواه مسلم.
(الثَّانِى)
(ق): سكت عن كلمة الرسالة في هذا الحديث؛ لدلالة كلمة
التوحيد عليها؛ لأنهما متلازمان، فهي مُرادٌ قطعاً، ثم النطق بالشهادتين
يدلُّ على الدُّخول في الدِّين، والتصديق لكل ما يتضمَّنُه، وعلى هذا:
فالنُّطق بالكلمة الأُولى يفيد إرادةَ الثانية؛ كما يقال: قرأت: ﴿الْحَمْدُ لِّهِرَبِّ
الْعَلَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢]، والمراد جميع السورة، ويدل على صِحَّة ما قلناه
الرِّواياتُ الثابتة في الصَّحيح: ((أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لا إلهَ
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١ / ٢٠٧، ٢١٢).
٦٥٦

إلاَّ اللهُ، ويُؤْمِنُوا بي وبِمَا جِئْتُ بِهِ)(١).
(ن): فيه: دلالةٌ ظاهرة لمذهب المُحقِّقين والجماهير من السَّلَف
والخَلَف؛ أن الإنسان إذا اعتقد دينَ الإسلام اعتقاداً جازماً لا تردُّدَ فيه؛
كفاه ذلك، وهو من المُوَحِّدين، ولا يجب عليه تعلُّم أدلة المُتكلِّمين،
ومعرفة الله بها، خلافاً لمَن أوجب ذلك، وجعله شرطاً في كونه من أهل
القبلة، وزعم أنه لا یکون له حکمُ المسلمين إلا به، وهذا المذهبُ هو قول
كثير من المُعتزلة، وبعض أصحابنا المُتكلِّمين، وهو خطأٌ ظاهر؛ فإن
المراد التصديقُ الجَازِمُ، وقد حصل، ولأنه وَّ اكتفى بالتصديق بما جاء
به، ولم يشترط المعرفةَ بالدليل، وقد تظاهرت بهذا أحاديثُ في
الصحيحين، يَحصُل بمجموعها التواترُ بأصلها، والعلمُ القَطعيُّ(٢) .
٣٩٢ - وعن أَبِي مَعْبَدِ المِقْدَادِ بْنِ الأسْوَدِ ﴿به، قال: قُلْتُ
لِرَسُولِ اللهِ وَ﴾: أَرَأَيْتَ إِنْ لَقِيتُ رَجُلاً مِنَ الْكُفَّارِ، فَاقْتَلْنَا،
فَضَرَبَ إِحْدَى يَدَيَّ بِالسَّيْفِ، فَقَطَعَهَا، ثُمَّ لاذَ مِنِّي بِشَجَرَةٍ،
فقال: أَسْلَمْتُ لِلّهِ، أَقْتُلُهُ يَا رَسُولَ اللهِ بَعْدَ أَنْ قَالها؟ فَقَالَ:
((لا تَقْتُلْهُ))، فَقُلْتُ: يا رَسُولَ الله! قَطَعَ إِحْدَى يَدَيَّ، ثُمَّ قال ذلِكَ
(١) رواه مسلم (٢١ / ٣٤)، من حديث أبي هريرة ◌َظُه، وانظر: ((المفهم)) للقرطبي
(١ / ١٨٨).
(٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١ / ٢١٠).
٦٥٧

بَعْدَ مَا قَطَعَهَا؟! فقال: ((لا تَقْتُلْهُ، فَإِنْ قَلْتَهُ، فَإِنَّهُ بِمَنْزِلَتِكَ قَبْلَ أَنْ
تَقْتُلَهُ، وَإِنَّكَ بِمَنْزِلَتِهِ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ كَلِمَتَهُ الَّتِي قَالَ))، متفقٌ عليه.
ومعنى (أَنَّهُ بِمَنْزِلَتِكَ)): أَيْ: مَعْصُومُ الدَّمِ، مَحْكُومٌ بِإِسْلاَمِهِ،
ومعنى (أَنَّكَ بِمَنْزِلَتِهِ)): أَيْ: مُّبَاحُ الدَّمِ بِالقِصَاصِ لِوَرَثَتِهِ، لا أَنَّهُ
بِمَنْزِلَتِهِ فِي الْكُفْرِ، والله أعلم.
(الثَّالِثُ)
(ق): فيه: دليل على جواز السُّؤال عن أحكام النوازل قبل وقوعها،
وكرهه بعض السَّلف، وتُحمل على ما إذا كانت تلك المسائلُ ممَّا لا يقع،
و((أسلمت الله))؛ أي تَديَّنْتُ بدين الإسلام؛ ودخلت فيه، وفيه: دليلٌ على
أن مَن صدر عنه أمرٌ يدل على الدُّخول في دِين الإسلام؛ من قول أو فعل؛
حُكم له بذلك بالإسلام، وأن ذلك ليس مقصوراً على النُّطق بكلمة
الشهادة، على أن قوله في هذه الرِّواية: ((أسلمت لله)) يَحتملُ أن يكون ذلك
نقلاً بالمعنى، فيكون بعضُ الزُّواة عَبَّر عن قوله: ((لا إله إلا الله))
بـ (أسلمت)؛ إذ جاء في رواية أُخرى: ((فلمَّا أَهْوَيْتُ لأَقْتُلَهُ قالَ: لا إِلهَ إلاَّ
الله))(١) .
(قض): ((اللِّياذ)) العيادة، وقوله: ((لا تقتله)» يستلزم الحُكمَ بإسلامه،
ويُستفاد منه صِحَّة إسلام المُكْرَه، وأن الكافر إذا قال: أسلمت، أو: أنا
مُسلم؛ حُكم بإسلامه، ومن نهيه عن القتال والتعرُّض له ثانياً بعدما كرَّر أنه
(١) رواه مسلم (٩٥/ ١٥٦)، وانظر: ((المفهم)) للقرطبي (١ / ٢٩٣).
٦٥٨

قطع إحدى يديه: أنَّ الحربيَّ إذا جنى على مُسلم؛ لم يؤاخذ بالقِصَاص؛ إذ
لو وجب؛ لرُخِّص له في قطع إحدى يديه قِصَاصاً(١).
(ق): ((إنك بمنزلته))؛ أي: مثله في كونه [غير] معصوم الدَّم،
مُعرَّضاً للقِصَاص، وهذا ليس بشيء؛ لانتفاء سبب القِصَاص؛ وهو العَمْدُ
العُدوان، [وذلك منتفٍ هنا قطعاً؛] لأن المِقدادَ تأوَّل ما تأوَّله أُسامةُ: أنه
قال ذلك خوفاً من السِّلاح، غيرَ أن هذا التأويلَ لم يدفع عنهما التَّوبيخَ
والدَّمَّ، ولا يدفع المُطالبةَ بها في الآخرة، وإنما لم يسقط عنه التوبيخُ والذُّ
وإن كان مُتأوّلاً؛ لأنه أخطأ في تأويله.
فعلى هذا: قوله: ((إنك بمنزلته قبل أن تقتله)) على أنه بمنزلته في
استحقاق الدَّم والتأثيم، غيرَ أن الاستحقاقَ فيهما مُختلفٌ؛ فإن استحقاق
المِقْداد لذلك استحقاقُ مُقصِّر مُؤمنٍ، والآخر استحقاقُ كافر، وإنما وقع
التشبيه فيهما في مُجرَّد الاستحقاق، وقيل: إنه بمنزلته في إخفاء الإيمان؛
أي: لعله كان مِمَّن يُخفي إيمانَهَ بين الكُفَّار، فأُخرج مُكرَهاً؛ كما كنت أنت
بمكّة تخفي إيمانك، ويعتضد هذا التأويلُ بما زاده البخاري في ((صحيحه))
في هذا الحديث من حديث ابن عباس: أنه ◌َ ◌ّ قال للمِقْدَاد: ((إذا كانَ رَجُلٌ
مُؤْمِنٌ يُخفِي إِيمانَهُ معَ قَوْمٍ كُفَّارٍ، فأظهرَ إِيمَانَهُ، فقَتَلْتَهُ، فكذلك كُنْتَ تُخْفِي
إِيمَانَكَ بِمَكَّةَمِن قَبْلُ))(٢)
(ط): ولو حمل على التشديد والتغليظ؛ كما في قوله تعالى:
(١) انظر: ((تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة)) للبيضاوي (٢ / ٤٥٥).
(٢) رواه البخاري (٦٨٦٥)، وانظر: ((المفهم)) للقرطبي (١ / ٢٩٥).
٦٥٩

﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِبُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِىُّ عَنِ الْعَلَمِينَ﴾
[آل عمران: ٩٧]، وقوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَنفِقُواْ مِمَّا رَزَقْتَكُمْ﴾ إلى
قوله: ﴿وَأَلْكَفِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ ﴾ [البقرة: ٢٥٤]؛ لجاز؛ فإنه جعل تارك الحَجِّ
والزكاة في الآيتين مِن زُمرة الكافرين؛ تغليظاً وتشديداً بأن ذلك من أوصاف
الكُفَّار، فينبغي للمسلم أن يحترز عنه، وهذا المَقام يقتضيه؛ لأنه أَزْجَرُ وأَردَعُ
ممَّا ذهبوا إليه من إهدار الدَّم، ولأن جعلَهُ بمنزلة تصريح بأنه ليس على
الحقيقة، بل نازل منزلته في الأمر الفظيع الشَّنيع، وكذلك هو بمنزلتك في
الإيمان بواسطة تكلُّمِه بكلمة الشهادة؛ توهيناً لفعله، وتعظيماً لقوله، ويَقْرُب
منه ما ذكره القاضي عياضٌ: أنك مثلُه في مُخالفة الأُمور، وارتكاب الإثم،
وإن اختلف الإثمان، فسُمِّي إثمه كفراً، وإنمُك معصيةً وفسقاً(١).
٣٩٣ _ وعَنْ أُسَامَةَ بنِ زَيْدٍ ﴿﴾، قَالَ: بَعَثَنَا رَسُولُ اللهِ وَه
إلى الحُرَّقَةِ مِنْ جُهَيْنَةَ، فَصَبَّحْنا القَوْمَ عَلَى مِياهِهِمْ، وَلَحِفْتُ أَنَا
وَرَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ رَجُلاً مِنْهُمْ، فَلَمَّا غَشِيْنَاهُ، قَالَ: لا إِلَهَ إِلاَّ
اللهُ، فَكَفَّ عَنْهُ الأَنْصَارِيُّ، وَطَعَنْتُّهُ بِرُمْحِي حَتَّى قَتَلْتُهُ، فَلَمَّا قَدِمْنا
المَدِينَةَ، بَلَغَ ذلِكَ النَّبِيَّ نَّهِ، فقالَ لي: ((يا أُسَامَةُ! أَقَتَلْتَهُ بَعْدَ
ما قَالَ: لا إِلَهَ إِلَّ اللهُ؟))، قلتُ: يا رسولَ الله! إنَّمَا كَانَ مُتَعَوِّذاً،
فَقَالَ: ((أَقَتَلْتَهُ بَعْدَ مَا قَالَ: لا إِلَهَ إِلَّ اللهُ؟!))، فَمَا زَالَ يُكَرِّرُها عَلَيَّ
(١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٨ / ٢٤٥٥).
٦٦٠