النص المفهرس
صفحات 621-640
وعن سَهْل بن حُنِيف ◌َه قال: قال رسول الله وَّهِ: (مَنْ أَعانَ مُجَاهِداً
في سَبيل الله، أَوَ غَارِماً في عُسْرَّتِهِ، أَو مُكاتباً في رَقَبْتِهِ؛ أَظَلَّهُ الله يومَ القِيامَةِ
في ظِلِّهِ يومَ لا ظِلَّ إِلَّ ظِلُّهُ))، رواه أحمدُ بن حنبل، وأبو بكر بنُ أبي شيبة،
وعبد بن حميد، والحاكم(١).
وعن عمر بن الخطاب عظته قال: سمعت رسولَ الله وَّه يقول: ((مَن
أَظلَّ رأسَ غَازٍ؛ أَظلَّهُ الله يومَ القِيَامَةِ، ومَن جَهَّزَ غَازِياً حَتَّى يَستَقِلَّ؛ كانَ لهُ
مِثْلُ أَجْرِ مَنْ يَموتُ، أو يَرجِعُ، ومَن بنَى الله مَسجِداً يُذكَرُ فيه اسمُ الله؛ بنَى
اللهُ بَيْتاً فِي الجَنَّةِ))، رواه أحمد بن حنبل، وأبو بكر بن أبي شيبة، وابن
ماجَهْ، وابن حِبَّان في ((صحيحه))، والحاكم(٢).
وعن أبي هريرة : أن رسولَ الله ◌َّه قال: ((أَوْحَى اللهُ تعالى إلَى
إِبراهِيمَ عَليهِ السَّلامُ: يا خَلِيلي؛ حَسِّنْ خُلُقَكَ، ولو معَ الكُفَّارِ؛ تدخُلْ
مَدْخَلَ الأَبْرَارِ، وإِنَّ كَلِمَتِي سَبقَتْ لِمَنْ حَسَّنَ خُلُقَهُ؛ أَنْ أَظِلَّهُ تحتَ
عَرْشِي، وأَنْ أُسْكِنَه مِن حَظيرَةِ قُدُسِي، وأن أُدْنِيَه مِن جِوَارِي))، قال الحافظ
المُنذريُّ: رواه الطبرانيُّ بسند ضعيف(٣).
(١) رواه الإمام أحمد في ((المسند)) (٣/ ٤٨٧)، وابن أبي شيبة في ((المصنف)) (٢٢١٧٦)،
وعبد بن حميد في ((٤٧١))، والحاكم في ((المستدرك)» (٢٤٤٨). وهو حديث
ضعيف. انظر: ((السلسلة الضعيفة)) (٤٥٥٥).
(٢) رواه الإمام أحمد في ((المسند)) (١/ ٢٠)، وابن أبي شيبة في ((المصنف)) (١٩٥٥٣)،
وابن ماجه (٢٧٥٨)، والحاكم في ((المستدرك)) (٢٤٤٧). وهو حديث ضعيف.
انظر: ((ضعيف الترغيب والترهيب)) (٧٩٧).
(٣) رواه الطبراني في ((المعجم الأوسط)) (٦٥٠٦). وهو حديث ضعيف جداً. انظر:
((ضعيف الترغيب والترهيب)) (١٥٩٩).
٦٢١
قال شيخنا الإمام العلامة شهابُ الدين أبو الفضل أحمدُ بن حجر
العسقلانيُّ رحمه الله: وأُنْشِدُكم لنفسي في المعنى:
وإنظَارُ ذِي عُسْرٍ وتَخْفِيفُ ثِقْلِهِ
وزدْ سَبْعَةً إِظْلالُ غَازٍ وعَوْنُهُ
خَفِيفِ يَدٍ حَتَّى يُكاتِبَ أَهْلَهُ(١)
وتَحْسِينُ خُلْقٍ مَعْ إِعَانةٍ غَارِمِ
وعن جابر بن عبدالله عنه قال: قال رسول الله وٍَّ: ((ثَلاثٌ مَنْ كُنَّ
فيه أَظلَّهُ الله ◌ُّ تحتَ ظِلِّ عَرْشِه يومَ لا ظِلَّ إِلاَّ ظِلُّهُ: الوُضُوءُ فِي المَكَارِهِ،
والمَشْيُ إلى المَساجدِ في الظَّلَمِ، وإِطعَامُ الجَائعِ))، رواه أبو الشيخ في
كتاب ((الثواب))، وأبو القاسم الأصبهانيُّ، وعنه مرفوعاً: ((مَن حَفرَ قَبْراً؛
بنَى اللهُ له بَيْتاً» ... الحديثَ، ((ومَن كَفَلَ يَتِيمَاً، أو أَرْمَةَ؛ أَظلَّهُ الله في
ظِلِّهِ، وأَدخلَهُ الجَنَّةَ))، رواه الطبرانيُّ في ((الأوسط)(٢)، وفي سنده الخليلُ
بن مُرَّة(٣)، وقد ضُعِّف.
وعن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسولُ اللهِ وَِّ: ((أَتَدرُونَ مَن
السَّابِقُونَ إلى ظِلِّ الله يومَ القِيَامَةِ؟)) قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: ((الذين إذا
أُعْطُوا الحَقَّ؛ قَبِلُوه، وإذا سُئلوه؛ بَذَلُوهُ، وحَكَمُوا لِلنَّاسِ كحُكْمِهِم لأَنْفُسِهِم)»،
(١) كذا في الأصل، وفيه إقواء كما ترى، وهو في ((فتح الباري)) (٢/ ١٤٤):
خفيف يدٍ حتى مكاتب أهلهِ
والبيتان في ((فتح الباري)) بسياق مختلف بعض الشيء، فليراجع .
(٢) رواه الطبراني في ((المعجم الأوسط)) (٩٢٩٢). وهو حديث ضعيف. انظر: ((ضعيف
الترغيب والترهيب)» (٢٠٥٠).
(٣) في الأصل: ((أحمد)) .
٦٢٢
رواه أحمدُ بن مَنيع، وأحمد بن حنبل(١)، وفي سندهما ابنُ لَهِيعة.
وعن أبي هريرة ﴿ه قال: قال رسولُ اللهِوَّهِ: ((زُرِ القُبُورَ؛ تَذْكُرٍ
الآخِرَةَ، واغْسِلِ المُؤْتَى؛ فإنَّ مُعالجةَ جَسَدٍ خَارِ مَوعِظةٌ بَليِغَةٌ، وصَلِّ على
الجَنائِزِ لعلَّ ذلك أَنْ يُحْزِنَكَ؛ فإنَّ الحَزينَ في ظِلِّ الله يَتعرَّضُ لكُلِّ خَيْرِ))،
رواه الحاكم(٢)، ورُواته ثقات.
وعن أنس بن مالك ه قال: قال رسولُ اللهِوَّهِ: ((التَّاجرُ الصَّدُوقُ
تحتَ ظِلِّ العَرْشِ يومَ القِيَامةِ))، رواه الأصبهانيُّ وغيره.
قال شيخنا المذكور رحمه الله ورضي عنه: وأُنشِدُكم لنفسي في المعنى:
وكُرْهُ وُضُوءِ ثُمَّ مَطْعِمُ فَضْلِهِ
وَزِدْ تِسْعَةً حُزْنٌ ومَشْيٌّ لِمَسْجدٍ
وتَاجِرُ صِدْقٍ في المَقَالِ وفِعْلِهِ
وآخِذُ حَقِّ بَاذِلٌ ثُمَّ كَافِلٌ
وعن عليٍّ بن أبي طالب ◌َه قال: قال رسولُ الله ◌َّهِ: ((أَدِّبوا أَولادَكُم
على خِصَالٍ ثَلاثٍ؛ على حُبِّ نَبَيِّكم، وحُبِّ أَهْلِ بَيْتِهِ، وعلى قِراءَةِ
القُرآنِ؛ فإنَّ حَمَلَ القُرآنِ في ظِلِّ الله يومَ لا ظِلَّ إلا ظِلُّهُ معَ أَنبيائِه
وأَصْغِیَائِهِ))، رواه صاحب ((الفردوس))(٣).
وعن الحسن قال: [قال] موسى عليه السلام: ((يا رَبِّ؛ ما جَزاءُ مَن عادَ
(١) رواه الإمام أحمد في ((المسند)) (٦ / ٦٧). وهو حديث ضعيف. انظر: ((ضعيف
الجامع الصغير)) (١٠١).
(٢) رواه الحاكم في ((المستدرك)) (١٣٩٥)، من حديث أبي ذر ظه. وهو حديث
ضعيف. انظر: ((السلسلة الضعيفة)) (٣٦٦٣).
(٣) وهو حديث ضعيف جداً. انظر: ((السلسلة الضعيفة)) (٢١٦٢).
٦٢٣
مَرِيضاً؟ قال: أَبعثُ مَلائِكَتِي يَعُودُونَهُ في قَبرِهِ إلى يَومِ القِيَامَةِ، قال: فمَا جَزاءُ
مَن غَسَّل مَيّاً؟ قال: أُخرِجُه مِن ذُنُوبِهِ كَيَومَ وَلَدَتْهُ أُمُّه، قال: فمَا جَزاءُ مَن
شَيَّعَ جَنازةً؟ قال: أَبعثُ إِلَيهِ مَلائِكَتي برَاياتِهِم يُشيِّعُونَهُ مِن قَبْرِهِ إلى مَحْشَرِهِ،
قال: فمَا جَزاءُ مَن عَزَّى النَّكْلَى؟ قال: أُظِلُّهُ فِي ظِلِّي يومَ لا ظِلَّ إلاَّ ظِلِّي))،
رواه سعيد بن منصور، ثنا أبو مُعاويةَ، ثنا العَوَّامُ بن حَوْشَب، عنه.
وعن أنس بن مالك عنه قال: قال رسولُ الله ◌َّهِ: ((إذا خَرجَ المُسلِمُ مِن
بَيْتِهِ يَعُودُ أَخَاهُ المُسلِمَ؛ خَاضَ فِي الرَّحْمَةِ إلى حَقْوَيْهِ، فإذا جلسَ عندَ
المَريضِ؛ غَمَرَتْهُ الرَّحْمَةُ، وغَمَرتِ المَريضَ الرَّحْمَةُ، وكانَ المَرِيضُ في ظِلِّ
عَرْشِه، وكانَ العَائِدُ في ظِلِّ قُدُسِه)) الحديثَ، رواه أبو يعلى المَوصِليُّ (١).
وعنه قال: ((ثَلاثٌ فِي ظِلِّ الرَّحمَنِ يومَ القِيامَةِ: وَاصِلُ الرَّحِم، ويُمَدُّ
له في عُمُرِه، ويُوسَّعُ له في رِزْقِهِ، وامرأةٌ ماتَ زَوجُها، وتركَ أيتاماً، فتقومُ
هيَ على الأَيْتَامِ حَتَّى يُغنِيَهُمُ الله رَ، أو يَمُوتوا، ورَجلٌ اَّخذَ طَعاماً، فدَعا
إِلَيْه اليتَامَى والمَساكِينَ))، رواه أبو اللَّث السَّمَر قنديُّ في كتابه ((تنبيه
الغافلین» بغیر إسناد، ولم أقف له على أصل.
قال: سَوَّدت: هذه الأوراقَ، وأنشدت لنفسي في ضبط هؤلاء السَّبعة:
مُعَزِّ لنَكْلَى ثُمُّ مُطعِمُ حِلِّهِ
وحَامِلُ قُرآنٍ مَرِيضٌ وعَائِدٌ
وَوَاصِلُ أَرْحَامٍ يَفُوزُوا بظِلِّهِ
مَساكِينَ والأَيتامَ كَافِلةٌ لَهُمْ
(١) رواه أبو يعلى في ((مسنده)) (٣٤٢٩)، وفيه عباد بن كثير، قال الهيثمي في ((مجمع
الزوائد» (٢/ ٢٩٦): وكان رجلاً صالحاً، ولكنه ضعيف الحديث، متروك؛ لغفلته.
٦٢٤
٣٧٧ - وعنه، قالَ: قال رسولُ اللهِنَّهِ: ((إِنَّ الله تعالى يَقُولُ
يَوْمَ القِيَامَةِ: أَيْنَ المُتَحَابُونَ بِجَلالِي؟ اليَوْمَ أُظِلُّهُمْ فِي ظِلِّي يَوْمَ
لا ظِلَّ إلاَّ ظِلِّ»، رواه مسلم.
(الثَّالُِّ)
(ن): فيه: دليلٌ لجواز قول القائل: إن الله يقول(١)، وسبق التنبيه
[عليه] في آخر (الباب السابع والثلاثين).
: قوله: ((أين المتحابون بجلالي؟)):
(ق): هذا نداء تَنْويهٍ وإكرام، و((بجلالي)) روي باللام وبالباء، ومعناهما
مُتقارِبٌ؛ لأن المقصود من هذا السَّبيةُ؛ أي: لعظيم حَقِّي وحُرمة طاعتي،
لا لغرض من أغراض الدُّنيا(٢).
(ط): خَصَّ الجَلال بالذِّكر؛ دلالةً على الهَيْبة والسَّطْوة؛ أي: المُتنزِّهون
عن شائبة الهوى، والنفس، والشيطان، في المَحبِّة، فلا يَتحابُّون إلا لأجلي
ولو جهي(٣).
(ق): إن في القيامة ظلالاً بحسَب الأعمال الصالحة تقي صاحبَها من
وَهْج الشمس، ولَفَح النار، وأنفاس الخَلْق؛ كما قال عليه السلام: ((الَرَّجُلُ
في ظِلِّ صَدَقَتِهِ حَتَّى يُقْضَى بينَ النَّاسِ))(٤)، ولكنَّ ظِلَّ العَرش أعظم الظُّلال
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٧ / ٨٤).
(٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٦ / ٥٤١).
(٣) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (١٠ / ٣٢٠٠).
(٤) رواه ابن حبان في ((صحيحه)) (٣٣١٠)، من حديث عقبة بن عامر تظله. وهو =
٦٢٥
وأشرفها، فيخُصُّ الله به مَن يشاء مِن صالح عباده، ومن جملتهم المُتحابُّون
لجلال الله، ویحتمل أن يقال: ليس هناك إلا ظِلُّ واحد يستظل به المؤمنون،
لكن لمَّا كان الاستظلال بذلك الظل لا يُنال إلا بالأعمال الصالحات؛ نُِب
لكل عمل ظِلٌّ؛ لأنه به وصل إليه، والله أعلم(١).
وهذا كلُّه بناءً على أن الظُّلال حقيقة لا مجاز، وهو قول الجمهور،
وقال عيسى بن دينار: إن معْناه يَكُنُّهم من المَكاره، ويجعلهم في كَنَفَه
وسَتْره؛ كما يقول: أنا في ظِلِّك؛ أي: في ذُرَاك وسَتْرك.
٣٧٨ - وعنه، قال: قالَ رَسَوُلُ اللهِوَّهِ: ((وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ!
لاَ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا، وَلاَ تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا، أَوَلا أَدُلُّكُمْ
عَلَى شَيْءٍ إِذَا فَعَلْتُمُوهُ تَحَابَبْتُمْ؟ أَفْشُوا السَّلامَ بَيْنَكُمْ))، رواه مسلم .
* قوله {﴾﴾: «لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا»:
(ن): هو على ظاهره وإطلاقه، فلا يدخل الجنة إلا مَن مات مؤمناً،
وإن لم يكن كاملَ الإيمان، قال الشيخ أبو عمرو: لا يَكمُّل إيمانكم إلا
بالتحابٌّ، ولا تدخلون الجنة عند دخول أهلها إذا لم تكونوا كذلك، وهذا
الذي قاله محتمل.
= حديث صحيح. انظر: ((تخريج مشكلة الفقر)) (١١٨).
(١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٦ / ٥٤٢).
٦٢٦
وقوله: ((ولا تؤمنوا حتى تحابوا)» هكذا هو في جميع الأُصول
والرِّوايات، و((لا تؤمنوا)) بحذف النون من آخره، وهي لغة معروفة(١).
(ط): لعل سقوط النون من المَنفِّي؛ نظراً إلى لفظ السابق؛ ليتعلَّق به
أمرٌ آخر(٢) .
(ن): معناه: لا يكمل إيمانكم، ولا يَصلُح حالُكم في الإيمان إلا
بالتحابِّ(٣).
(ق): الإيمان المذكور أولاً: هو التصديق الشرعيُّ المذكور في
حديث جبريل، والإيمان المذكور ثانياً؛ أعني: قوله: (ولا تؤمنوا حتى
تحابوا): هو الإيمان العمليُّ المذكور في قوله: ((الإيمانُ بِضْعٌ وسَبُعونَ
باباً»(٤)، ولو كان الثاني هو الأوَّلَ؛ لزم منه أن لا يدخلَ الجنةَ مَن أبغض
أحداً من المؤمنين، وذلك باطل، فتعيَّن ما ذكرناه(٥).
(ن): ((أفشوا)) بقطع الهمزة المفتوحة، فيه: الحَثُّ العظيم على إفشاء
السلام، وبذله للمسلمين كلهم؛ مَن عرفته، ومَن لم تعرفه، والسلام أول
أسباب التآلف، ومفتاح استجلاب المَودَّة، وفى إفشائه تمكُّن أُلفة المُسلمين
بَعضِهِم لبعض، وإظهارُ شِعارهم المُميِّز لهم من غيرهم من أهل الملل، مع
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٢ / ٣٦).
(٢) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (١٠ / ٣٠٣٨).
(٣) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٢ / ٣٦).
(٤) رواه الترمذي (٢٦١٤)، من حديث أبي هريرة ظه. وهو حديث شاذ بهذا اللفظ.
انظر: ((ضعيف سنن الترمذي)) (٤٨٩).
(٥) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (١ / ٢٤٢).
٦٢٧
ما فيه من رياضة النفس، ولُزوم التواضع، وإعظام حُرُمات المسلمين.
وذكر البخاريُّ في ((صحيحه)) عن عمار بن ياسر عته أنه قال: ((ثَلاثٌ
مَنْ جَمعَهُنَّ؛ فقد جمعَ الإيمان: الإنصافُ مِن نَفَسِكَ، وبَذلُ السَّلامِ
للعَالَم، والإنفاقُ مِن الإِقْتَار))(١)، وروى غير البخاريِّ هذا الكلام مرفوعاً
إلى النبيِّ نَّهِ، و(بذل السلام للعالَم)، و(السلام على مَن عرفت، ومن لم
تعرف)، و(إفشاء السلام) كُلُّها بمعنىّ، وفيها لطيفةٌ أُخرى، وهي: أنها
تتضمَّن رفعَ التقاطُع، والتَّهَاجُر، والشَّخْناء، وفساد ذات البَيْن التي هي
الحَالِقَةُ، وأن سلامَه لله تعالى هو الذي لا يتبع فيه هواه، ولا يَخُصُّ به
أحبابَه، والله أعلم(٢).
(ط): جعل إفشاء السلام سبباً للمَحبَّة، والمحبة سبباً لكمال الإيمان؛
لأن إفشاء السلام سببٌ للتحابِّ والتوَادِّ، أو هو سببُ الأُلفة والجمعية بين
المسلمين المُسبِّب لإعلاء كلمة الدِّين، وفي التهاجُر والتقاطُع والشَّحْناء
التفرقةُ بين المسلمين، وهي سبب انثلام الدين، والوَهْن في الإسلام(٣).
٣٧٩ - وعنه، عن النبيِّ ◌َّهِ: ((أَنَّ رَجُلاً زَارَ أَخَاً لَهُ فِي قَرْيَةٍ
أُخْرَى، فَأَرْصَدَ اللهُ لَهُ عَلى مَدْرَجَتِهِ مَلَك))، وذكر الحديث إلى
(١) رواه البخاري في ((صحيحه)) (١ / ١٩) تعليقاً.
(٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٢ / ٣٦).
(٣) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (١٠ / ٣٠٣٨).
٦٢٨
قوله: ((إنَّ اللهَ قَدْ أَحَبَّكَ كَمَا أَحْبَيْتَهُ فِيهِ))، رواه مسلم، وقد سبقَ
بالبابِ قبلَه.
٣٨٠ - وعن البَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ◌ُهَا، عن النبيِّ وَّهِ: أنه قالَ في
الأَنْصَارِ: ((لاَ يُحِبُّهُمْ إِلَّ مُؤْمِنٌ، وَلاَ يُبْغِضُهُمْ إلَّ مُنَافِقٌ، مَنْ
أَحَبَّهُمْ، أَحَبَّهُ الله، وَمَنْ أَبْغَضَهُمْ، أَبْغَضَهُ الله))، متفقٌ عليه.
(الَُّ وَالسَّادُِّ)
(ن): يعني: مَن عرف مرتبة الأنصار، وما كان منهم من نُصرة دين
الإسلام، والسَّعي في إظهاره، وإيواء المسلمين، وقيامهم في مُهمَّات
الدِّين حقَّ القيام وحُبِّهم النبيَّ بِّهِ، وحبه إياهم، وبذلهم أموالَهم وأنفُسَهم
بين يديه، وقتالهم ومُعاداتهم سائر الناس؛ إيثاراً للإسلام، ثم أحب
الأنصار لهذا؛ كان ذلك من دلائل صحة إيمانه، وصدقه في إسلامه؛
لسروره بظهور الإسلام، ومَن أبغضهم؛ كان بضدِّ ذلك، واستُدل به على
نفاقه وفساد سريرته(١).
(ق): الآية قد تكون ظنيةً، وقد تكون قطعيةً، وحُبُّ الأنصار من
حيث كانوا أنصارَ الدِّين ومُظهريه دلالةٌ قاطعة على إيمان مَن كان كذلك،
وبغضُهم دلالة قاطعة على النفاق.
وقوله: ((أحبه الله))، و((أبغضه الله)) :
يحتمل أن يكون خبراً عاماً لكل من الصِّنفين، ويحتمل أن يكون ذلك
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٢ / ٦٤).
٦٢٩
خرج مخرج الدُّعاء(١).
(ك): ((الأنصار)) جمع نصير؛ كشريف وأشراف، أو جمع ناصر؛
كصاحب وأصحاب، واختُصَّ عُرفاً بأصحاب المدينة، والذين آوَوا
ونصروا، وهم المُبتدئون بالبيعة على إعلان توحيد الله وشريعته؛ فلذلك
كان حُبُّهم علامةَ الإيمان، فإن قلت: الأنصار جمع قِلَّة؛ فلا يكون لما فوق
العشرة، لكنهم كانوا آلافاً؛ قلت: القِلَّة والكثرة إنما اعتبرتا في نكرات
الجموع، وأما في المعارف: فلا فرق بينهما (٢).
٣٨١ - وعن مُعاذٍ ﴿ُه، قال: سمِعتُ رَسُولَ اللهِ وَه يقولُ:
((قَالَ اللهُ وَّ: المُتَحَابُّونَ فِي جَلَالي، لَهُمْ مَنَابِرُ مِنْ نُورِ يَغْبِطُهُمُ
النَّبِيُّونَ وَالشُّهَدَاءُ))، رواه الترمذي، وقال: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
النَّا
* قوله ومي: ((المتحابون بجلالي لهم منابر من نور)):
سبق قريباً معنى قوله: ((المتحابون بجلالي)).
(قض): ((لهم منابر)) تمثيل لمنزلتهم ومَحَلُّهم، مَثَّلها بما هو أعلى
ما يُجلَس عليه في المجالس والمَحافِل على أعزِّ الأوضاع وأشرفها؛ من
جنس ما هو أبهى وأحسن ما يُشاهَد؛ ليدل على أن رتبتهم في الغاية
القصوى من العَلاء والشَّرف والبَهاء.
(١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (١ / ٢٦٦).
(٢) انظر: ((الكواكب الدراري)) للكرماني (١ / ١٠٢).
٦٣٠
وأما قوله: ((يغبطهم)): فاعلم أن كل ما يتحلى به الإنسان ويتعاطاه
من علم وعمل؛ فإن له عند الله منزلة لا يشارك فيها صاحبه مَن لم يتصف
بذلك، وإن كان له من نوع آخر ما هو أرفع قَدْراً وأعزُّ ذُخْراً، فيغبطه؛ بأن
يتمنى ويُحبَّ أن يكون مثلَ ذلك مضموماً إلى ما له من المراتب الرفيعة
والمنازل الشريفة.
وذلك معنى قوله: ((يغبطهم النبيون والشهداء))؛ فإن الأنبياء قد استغرقوا
فيما هو أعلى من ذلك؛ من دعوة الخلق، وإظهار الحق، وإعلاء الدِّين،
وإرشاد العامَّة، وتكميل الخاصَّة، إلى غير ذلك من كُلِّياتٍ أشغلتهم عن
العُكوف إلى مثل هذه الجزئيات والقيام بحقوقها، والشهداء وإن نالوا مرتبة
الشهادة، وفازوا بالفوز الأكبر؛ فلعلهم لم يعاملوا مع الله مُعاملةَ هؤلاء، فإذا
رأوهم يوم القيامة في منازلهم، وشاهدوا قُربَهم وكرامتهم عند الله تعالى؛
وَدُّوا لو کانوا ضامِین خِصالهم إلی خصالهم، فیکونوا جامعین بین الحسنیین،
فائزین بالمرتبتين.
هذا، وظاهرٌ أنه لم يقصد في ذلك إلى إثبات الغِبْطة لهم على حال
هؤلاء، بل بيان فضلهم، وعُلوِّ شأنهم، وارتفاع مكانهم، وتقريرها على آكد
وجه وأبلغه، والمعنى: أن حالَهم عند الله يوم القيامة بمثابة لو غبط النبيون
والشهداء يومئذ، مع جلالة قدرهم ونباهة أمرهم حالَ غيرهم؛ لغبطوهم(١).
(ط): يمكن أن تحمل الغِبْطةُ هاهنا على استحسان الأمر المَرضيِّ،
المَحمود فعلُه؛ لأنه لا يُغبط إلا في الأمر المحمود المَرضيِّ؛ فإن الأنبياءَ
(١) انظر: ((تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة)) للبيضاوي (٣/ ٢٥٨).
٦٣١
والشُّهداء يحمدون إليهم فعلَهم، ويرضَوْن عنهم فيما تحرَّوا من المَحبَّ في الله،
وأيضاً في بعض روايات هذا الحديث في وصفهم: ((لا يَخافُونَ إذا خافَ
النَّاسُ، ولا يَحْزَنُونَ إذا حَزِنَ النَّاس))(١) والتعريف فيه للاستغراق، فلا يبعد
أن هذه الحالةَ في المَحشر، فيحصل لهم من الفراغ والأمن في بعض الأوقات
ما لا يحصل لغيرهم؛ لاشتغالهم بحالهم أو حال أُمَّتهم، فيغبطونهم لذلك(٢).
٠٠
٣٨٢ - وعن أَبَي إدريسَ الخَوْلانِيِّ - رَحِمَهُ الله -، قال:
دَخَلْتُ مَسْجِدَ دِمَشْقَ، فَإِذَا فَتَىِّ بَرَّاقُ الثَّايَا، وَإِذَا النَّاسُ مَعَهُ، فَإِذَا
اخْتَلَفُوا فِي شَيْءٍ، أسْنَدُوهُ إِلَيْهِ، وَصَدَرُوا عَنْ رَأْبِهِ، فَسَأَلْتُ عَنْهُ،
فَقِيلَ: هَذَا مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ ﴿ه، فَلَمَّا كَانَ مِنَ الغَدِ، هَجَّرْتُ،
فَوَجَدْتُهُ قَدْ سَبَقَنِي بِالتَّهْجِيرِ، وَوَجَدْتُهُ يُصَلِّي، فَانْتُظَرْتُهُ حَتَّى قَضَى
صَلاَتَهُ، ثُمَّ جِنْتُهُ مِنْ قِبَلِ وَجْهِهِ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، ثُمَّ قُلْتُ: وَاللهِ!
إِنِّي لأُحِبُّكَ للهِ، فَقَالَ: آللِ؟ فَقُلْتُ: أللهِ، فقال: اللهِ؟ فَقُلْتُ: أَشْهِ،
فَأَخَذَنِي بِحَبْوَةِ رِدَائِي، فَجَبَذَنِي إِلَيْهِ، فَقَالَ: أَبْشِرْ؛ فَإِنِّي سَمِعْتُ
رَسُولَ اللهِوَّهُ يقول: ((قَالَ اللهُ تَعَالَى: وَجَبَتْ مَحَبَّتَي لِلْمُتَحَابِّينَ
فِيَّ، والمُتَجَالِسِينَ فِيَّ، وَالمُتَزَاوِرِينَ فِيَّ، وَالمُتَبَاذِینَ فِيَّ))، حديث
صحيح، رواه مالِك في ((المُوَطَّأ)) بإسنادِهِ الصَّحيحِ.
(١) رواه أبو داود (٣٥٢٧)، من حديث عمر بن الخطاب ره. وهو حديث صحيح
لغيره. انظر: ((صحيح الترغيب والترهيب)) (٣٠٢٦).
(٢) انظر: (شرح المشكاة)) للطيبي (١٠ / ٣٢٠٣).
٦٣٢
قَوْلُهُ: ((هَجَّرْتُ)): أَيْ: بَكَّرْتُ، وَهُوَ بتشديد الجيم.
قوله: ((آللهِ، فَقُلْتُ: أَلِ»: الأوَّلُ بهمزةٍ ممدودةٍ للاستفهامِ،
والثاني پِلا مدٌّ.
(التَّافُِ)
* قوله: ((فإذا فتى براق الثنايا»:
(نه): وصف ثناياه بالحُسن والصَّفاء، وأنها تلمع إذا تبسَّم كالبرق،
وأراد صفةً وجهه بالبِشْر والطلاقة، انتهى(١).
هذا البِشْر والطلاقة الدائمة صفة الكُمَّل من أولياء الله، والمُرتضَين من
عباده، وسببه أن قلبهم لما استنار بمعرفة الله سبحانه، وعُمِّر بمحبته؛ أفاض
على ظواهرهم إشراقاً، ونوراً وكساهم بهجةً وسروراً، وفيه يقول قائلهم:
حُلَلاَ يُدَبِّجُهُ الغَمَامُ الرَّاهِمُ
إِنِ السَّماءَ إذا اكتسَتْ كَسَتِ الثَّرَی
وفي حديث هالةَ بنت خُويلد: ((كان رسول الله ﴿ دائمَ البِشْر))(٢).
و((الحبوة)) بضم الحاء المهملة، والكسر لغة، يقال: احتبى الرجل:
إذا جمع ظهره وساقيه برداء ونحوه، والاسم: الحبوة، و((جبذ)): مقلوب
(جذب) بمعناه.
* قوله: قال الله تعالى: ((وجبت محبتي للمتحابين فيّ)):
(ط): ((المحبة في الله))؛ أي في ذات الله وجهته، لا يشوبه الرِّیاء
(١) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (١ / ١٢٠).
(٢) رواه البيهقي في ((شعب الإيمان)) (١٤٣٠)، من حديث هند بن أبي هالة
٦٣٣
والهوى، و((في)) هنا كما في قوله تعالى: ﴿ وَلَّذِينَ جَهَدُواْ فِينَا﴾ [العنكبوت:
٦٩]، وهذا أبلغُ؛ حيث جعل المحبة مظروفاً، انتهى(١).
(المتحابين)) بكسر الباء على صيغة الجمع، وكذلك أخواته الثلاث؛ أي:
ثبتت محبة الله ثبوتاً مؤكداً للذين تكون محبتهم لإخوتهم المؤمنين، ومجالستهم
معهم، وزيارتهم إياهم، وبذلهم لهم خالصاً لوجهه الكريم سبحانه، وتَقَرُّباً إليه
لا يُكدِّره الأغراض، ولا يشوبه الأطماعُ وطلبُ الأعواض، لا كقول القائل:
فَإِنْ قَضَوْها تَنَخَّوْا عَنْكَ أَو طَارُوا
لَهُم لَدئِكَ لُبَانَاتٌ وَأَوْطَارُ
٣٨٣ - عَنْ أَبِي كَرِيمَةَ المِقْدَادِ بْنِ مَعْدِ يكَرِبَ ﴿ه، عن النبيِّ ◌َّ،
قال: ((إذا أَحَبَّ الرَّجُلُ أَخَاهُ، فَلْيُخْبِرْهُ أَنَّهُ يُحِبُّهُ))، رواه أبو داود،
والترمذي، وقال: حديثٌ حسنٌ.
[الشَّ
ء
* قوله تعالي: ((فليخبره أنه يحبه)):
(خط): معناه: الحَثُّ على التودُّد والتألّف؛ وذلك أنه إذا أخبر أنه
يحبه؛ استمال قلبه بذلك، واجتلب به وُدَّه، وفيه: أنه إذا علم أنه مُحِبٌّ له
وادٍّ؛ قَبِل نصيحتَه، ولم يَرُدَّ عليه قوله في عَيْب إن أخبره به، انتهى(٢).
(١) انظر: (شرح المشكاة)) للطيبي (١٠ / ٣١٩٧).
(٢) انظر: ((معالم السنن)) للخطابي (٤ / ١٤٩).
٦٣٤
٣٨٤ - وعن مُعَاذٍ ﴾: أَنَّ رَسُولَ اللهِ﴿ أَخَذَ بِيَدِهِ، وقالَ:
(يَا مُعَاذُ! واللهِ! إنِّي لأُحِبُّكَ، ثُمَّ أُوصِيكَ يَا مُعَاذُ: لاَ تَدَعَنَّ في
دَيْرٍ كُلِّ صَلاةٍ تَقُولُ: اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِكَ وَشُكْرِكَ، وَحُسْن
عِبَادَتِكَ».
حديث صحيحٌ، رواه أبو داودَ، والنسائيُّ بإسناد صحيح.
[المَشَاو]
• قوله ◌َ﴿ لمعاذ: ((إني لأحبك)): فيه مَنقبةٌ عظيمة لمعاذ ظـ
وفيه: استحباب إعلام المَرء صاحبَه أنه يُحبُّه، وإذا أحبه؛ ينبغي أن يريد له
كلَّ خير، ويُهدي إليه، ولمَّا كانت الآخرة خيراً وأبقى، وليس العيشُ إلا
عَيْشُها؛ علَّمه كلماتٍ تنفعُه فيها، وتقرِّبه إلى الله زلفى.
(ش): ((دُبُر الصلاة)) هنا يحتمل قبل السلام وبعده، وكان شيخنا
يُرجّح أن یکون قبل السلام، فراجعته فیه، فقال: دبر كل شيء منه کدُبُر
الحیوان، انتھی(١).
ويؤيده تخريج الحافظ يعقوب بن سفيان هذا الحديثَ بلفظ: ((فلا
تدع أن تقول في كل صلاة))، وساق الحديث في (باب ما يقول إذا فرغ من
التشهد وبين أن يسلم)، وكذلك ذكره البغوي في ((شرح السنة))(٢).
(ط): المذكورات الثلاث غايات، والمطلوب هو البدايات المؤدية
(١) انظر: ((زاد المعاد)) لابن القيم (١/ ٣٠٥).
(٢) انظر: ((شرح السنة)) للبغوي (٣ / ١٨٦).
٦٣٥
إليها، فذِكْرُ الغايات تنبيهٌ على أنها هي المطالب الأوَّلية، وإن كانت
نهاياتٍ، وتلك وسائلُ إليها، فقوله: ((أعني على ذكرك)) المطلوب منه
شرحُ الصَّدر، وتيسُّر الأمر، وإطلاقُ اللِّسان، وإليه لمح قول الكَلِيم عليه
السلام: ﴿رَبِّ أَشْرَحْ لِ صَدْرِى (٥) وَيَسِرْ لِ أَمْرِى﴾ [طه: ٢٥ - ٢٦] إلى قوله: ﴿كَىْ
نُسَيِّحَكَ كَثِيرًا ◌َجٌ وَنَذْكُرََكَ كَثِيرًا﴾ [طه: ٣٣ - ٣٤]، وقوله: ((وشكرك)) المطلوب منه
توالي النعم المُستَجْلِبة لتوالي الشُّكر، وإنما طلب المُعاونةَ عليه؛ لأنه
عسيرٌ جداً؛ ولذلك قال الله تعالى: ﴿وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِىَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ: ١٣]،
وقيل: الشاكر مَن يرى عَجْزَه عن الشُّكر، وأُنشد:
عَلَيَّ لهُ فِي مِثْلِهِا يَجِبُ الشُّكْرُ
إذا كانَ شُكرِي نعمةَ اللهِ نعمةً
وَإِنْ طَالَتِ الأَيَّامُ واتَّسَعَ العُمْرُ
فكيفَ بُلوُ الشُّكرِ إِلاَّ بِفَضْلِهِ
وقوله: ((وحسن عبادتك)) المطلوب منه التجرُّد عمَّا يَشغلُه عن الله
تعالى، ويُلهيه عن ذكره وعبادته؛ ليتفرَّغْ لمُناجاة الله ومناغاته؛ كما أشار إليه
سيد المرسلين صلوات الله عليه: ((وجُعِلَ قُرَّةُ عَيْنِي في الصَّلاةِ) (١)، و((أَرِحْنا بهَا
يا بِلالُ))(٢)، وأخبر عن هذا المَقام بقوله: ((الإِحْسَانُ أن تَعْبُدَ اللهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ) (٣)،
ثم إذا نظرت إلى القرائن الثلاث؛ وجدتها مُرتَّبَةً على البدايات والأحوال،
(١) رواه النسائي (٣٩٣٩)، من حديث أنس ظُه. وهو حديث صحيح. انظر: ((صحيح
الجامع الصغير)) (٣١٢٤).
(٢) رواه أبو داود (٤٩٨٥)، من حديث مسعر ◌ُه. وهو حديث صحيح. انظر: ((صحيح
الجامع الصغير)) (٧٨٩٢).
(٣) رواه البخاري (٥٠)، ومسلم (٨/ ١)، من حديث عمر
٦٣٦
والمقامات، وحُقَّ لذلك أن يقول المُرشِدُ للطالب عند المصافحة: إنِّي أُحِبُّك،
فقُل(١).
٣٨٥ - وعن أَنَسِ هِ: أنَّ رَجُلاً كَانَ عِنْدَ النَّبِّ وَّهِ، فَمَرَّ
رَجُلٌ بِهِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله! إنِّي لأُحِبُّ هَذا، فقال له النبيُّ ◌َيّ:
(أَأَعْلَمْتَهُ؟))، قَالَ: لا: قَالَ: ((أَعْلِمْهُ))، فَلَحِقَهُ، فَقَالَ: إِنِّي أُحِبُّكَ
في الله، فَقَالَ: أَحَبَّكَ الَّذِي أَحْيَبْتَنِي لَهُ، رواه أبو داود بإسنادٍ صحيح.
· قوله: ((أحبك الذي أحببتني له)):
(ط): هذا دعاءٌ له أُخرج مُخرج الماضي؛ تحقيقاً له، وحِرْصاً على
وُقوعه، انتهى(٢
(٢) .
رُوي أن رجلاً قال لمُحمَّد بن واسع: إني لأُحِبُّك في الله تعالى، وقال:
أَحبَّك الذي أحببتني له، ثم حَوَّل وجهَه، وقال: اللَّهُمَّ؛ إني أعوذ بك أن
أُحَبَّ فيك، وأنت لي مُبْغِضٌ (٣).
(١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (١٠٥٢/٣).
(٢) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (١٠/ ٣٢٠٥).
(٣) رواه أبو نعيم في ((حلية الأولياء)) (٢ / ٣٤٩).
٦٣٧
٤٧- باب
علاماتِ حبِّ اللهِ تعالى العبدَ،
والحثِّ على التخلُّقِ بها، والسعي في تحصيلها
قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُونَ اللَّهَ فَتَّبِعُونِ يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ
لَكُرْ ذُنُوبَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [آل عمران: ٣١].
* وقال تعالى: ﴿يَكَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَن دِينِ، فَسَوْفَ
يَأْتِ اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ: أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَفِينَ يُجَهِدُونَ فِی
سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَآَ بِرٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِهِ مَن يَشَاءُ وَاَللَّهُ وَسِعُ عَلِيمٌ﴾
[المائدة: ٥٤].
(الباب السابع والأربعون)
(في علامات حب الله تعالى العبد
والحث على التخلق بها والسعي في تحصيلها)
قوله: ﴿قُلْ إِن كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اَللَّهَ فَتَّبِعُونِ ﴾ [آل عمران: ٣١]، سبق تفسيره
في (الباب السادس عشر).
* قوله تعالى: ﴿يَكَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَن دِينِهِ، فَوْفَ يَأْتِىِ اللَّهُ بِقَوْمٍ
٦٣٨
يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة: ٥٤]، يخبر تعالى أن مَن تولَّى عن نُصرة دينه، وإقامة
شريعته؛ فإن الله تعالى يستبدل به مَن هو خيرٌ لها منهم، وأَشدُّ مَنَعةً، وأَقْوَمُ
سبيلاً، قال الحسن البصريُّ: نزلت في أهل الرِّدَّة أيام أبي بكر عظُه، والقومُ
الذین یحبهم الله ویحبونه، قال الحسن: هم والله؛ أبو بكر وأصحابه، رواه
أبن أبي حاتم، وقال أبو بكر بنُ عيَّاش: هم أهل القَادسية، وروى ابن أبي
حاتم عن ابن عباس قال: هم ناسٌ من أهل اليمن، ثم من كِنْدةَ، ثم من
السَّكُون(١).
* وقوله: ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَفِينَ﴾ [المائدة: ٥٤]، هذه صفات
المؤمنين الكُمَّل؛ أن يكون أحدُهم متواضعاً لأخيه ووليِّه، مُتَعزِّزاً على
خَصْمِهِ وعدوه؛ كما وصفهم بكونهم ﴿أَشِدَاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمّ ﴾ [الفتح:
٢٩]، وفي صفة النبي ◌َّ: أنه الضَّحُوك القَتَّال؛ فهو ضَحُوك لأوليائه، قَتَّالٌ
لأعدائه(٢).
* وقوله: ﴿وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَآيٍ﴾ [المائدة: ٥٤]؛ أي: لا يردُّهم عَمَّا هم
فيه من طاعة الله، وقتال أعدائه، وإقامة الحدود، والأمر بالمعروف، والنهي
عن المنكر، رادٌّ، ولا يصدُّهم عنه صادِّ(٣).
وروى الإمام أحمد عن أبي ذَرَِّ﴿ه قال: ((أَمَرَنِي خَلِيلِي ◌َِّ بسبعِ؛
أَمرني بحُبِّ المَساكِينِ، والدُّنوِّ منهم، وأمرني أن أنظرَ إلى مَن هو دُوني،
(١) انظر: ((تفسير ابن كثير)) (٥/ ٢٥٩).
(٢) المرجع السابق (٥ / ٢٦٠).
(٣) المرجع السابق (٥ / ٢٦١).
٦٣٩
ولا أنظرَ إلى مَن هو فوقي، وأمرني أن أَصِلَ الرَّحِمَ، وإن أدبرَتْ، وأمرني
أن لا أسألَ أحداً شيئاً، وأمرني أن أَقُولَ الحَقَّ، وإن كان مُرًّا، وأن لا أخاف
في الله لومة لائم، وأمرني أن أُكثِرَ من قول: لا حولَ ولا قُوَّةَ إلا بالله؛
فإنهن مِن كَنْز تحتَ العَرْش))(١).
(الكشاف): الراجع من الجَزاء إلى الاسم المُتضمِّن لمعنى الشرط
محذوفٌ، معناه: فسوف يأتي بقوم مكانهم؛ أي: بقوم غيرهم، و[أذلة]
جمع ذليل، وأما ذَلولٌ: فجمعه ذُلُل، ولم يقل: أذلة للمؤمنين؛ لوجهين :
أحدهما: أنه ضمَّن الذلّ معنى الحُنُوِّ والعَطْف، كأنه قيل: عاطفين
عليهم على وجه التذلُّل والتواضع .
والثاني: أنهم مع شرفهم وعُلُوِّ طبقتهم وفضلهم على المؤمنين
خافضون لهم أجنحتَهم، ونحوُه: ﴿أَشِدَاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمّ ﴾ [الفتح:
٢٩]، والواو في ﴿وَلَا يَخَافُونَ ﴾ [المائدة: ٥٤]، يحتمل أن يكون للحال على
أنهم مجاهدون، وحالهم في المجاهدة خلاف حال المنافقين، وأن يكون
للعطف على أن مِن صفتهم المُجاهدة، وأنهم صُلاَّبٌ في دينهم، إذا
شرعوا في إنكار مُنكر، أو أمر معروف؛ مضوا فيه كالمسمار المُحْمَاة،
لا يزعجهم قول قائل، ولا اعتراضُ معترض، واللَّوْمة: المَرَّة من اللَّوْم،
وفيها وفي التنكير مُبالغتان، كأنه قيل: لا يخافون شيئاً قَطُّ، وقوله: ﴿ذَلِكَ﴾
إشارةٌ إلى ما وصف به القومَ؛ من المَحبَّة، والذِّلَّة، والعِزَّة، والمُجاهدة،
وانتفاء خوف اللَّوْمة، ﴿يُؤْتِهِ﴾ يُوقِّق له ﴿مَنْ يَشَاءُ﴾ وهو ﴿وَسِعُ﴾ كثير
(١) رواه الإمام أحمد في ((المسند)) (٥/ ١٥٩). وهو حديث صحيح. انظر: ((السلسلة
الصحيحة)) (٢١٦٦).
٦٤٠