النص المفهرس
صفحات 561-580
النبيُّ ◌َّهِ: ((كَبِّر))؛ أي: ليتكلم أكبرُ منك، وحقيقة الدعوى إنما هي لعبد الرَّحمن، ولا حَقَّ فيها لابني عَمِّه، وإنما أمر النبيُّ ◌َّر أن يتكلم الأکبرُ؛ لأنه لم يكن المراد بكلامه حقيقةَ الدعوى، بل سماعَ صورة القِصَّة، وكيف جرت، فإذا أراد حقيقة الدعوى؛ تكلّم صاحبُها، ويحتمل أن عبدَ الرَّحمن وَكَّل حُوَيِّصة ومُحَيِّصةَ في الدَّعوى ومُساعدته، أو أمر بتوكيله، وفي هذا: فضيلة السِّنِّ عند التساوي في الفضائل، ولهذا نظائرُ؛ فإنه يُقدَّم بها في الإمامة، وفي ولاية النكاح ندباً، وغير ذلك(١). (ق): كبير السِّنِّ لم يستحقَّ التقديم إلا من حيث القِدَمُ في الإسلام، والعلم به، والفقه فيه، ولو كان الشيخ عَرِيًّا عن ذلك؛ لاستحق التأخير، وكان المُتَّصف بذاك هو المُستحقَّ للتقديم، و[إن] كان شاباً، قدم على عمر بن عبد العزيز وفدٌ، فتقدم شابٌّ للكلام، فقال له عمر: كبِّر كبِّر، فقال يا أمير المؤمنين؛ لو كان الأمر بالسِّنِّ؛ لكان ههنا مَن هو أولى بالخلافة منك، فقال: تكلّم، فأبلغ، وأوجز(٢). ٣٥٢ - وعن جابرٍ ﴿ه: أنَّ النبيَّ وَُّ كَانَ يَجْمَعُ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ مِنْ قَتْلَ أُحُدٍ - يَعْني: في القَبْرِ -، ثُمَّ يَقُولُ: ((أَيُّهُمَا أَكْثَرُ أَخْذاً لِلْقُرْآنِ؟»، فَإِذَا أُشِيرَ لَهُ إلى أَحَدِهِمَا، قَدَّمَهُ في اللَّحْد، رواه البخاري. (١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١١ / ١٤٣، ١٤٦). (٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٩/٥). ٥٦١ إلى آخر الباب * قوله: ((أيهما أكثر أخذاً للقرآن؟»: (ط): نبه بقوله: ((أخذاً) على أن القرآن خالط لحمَه ودَمه، وأخذ بمَجامعه، وحُقَّ لمثله أن يقدَّم على كل مَن سواه في حياته في الإمامة، وفي حياته(١) في القبر. ٣٥٣ - وعن ابنِ عمرَ ﴾: أنَّ النبيِ ﴿ قال: ((أَرَاني في المَنَامِ أَتَسَوَّكُ بِسِوَاكٍ، فَجَاءَتِي رَجُلانٍ، أَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الآخَرِ، فَنَاوَلْتُ السِّوَاكَ الأَصْغَرَ، فِقِيلَ لِي: كَبِّرْ، فَدَفَعْتُهُ إلى الأكْبَرِ مِنْهُمَا))، رواه مسلم مُسْنَداً، والبخاريُّ تعلِيقاً. (ك): ((أراني)) بفتح الهمزة بلفظ مُتكلِّم المُضارع، والفاعل والمفعول عبارتان عن معنىّ واحد، وهذا من خصائص أفعال القُلوب، وفي بعضها بضم الهمزة، ومعناه: أَظُنُّ نفسي(٢). (ط): ((أتسوك)) ثالث مفاعيل (أرى) بحذف (أن) ورفع الفعل؛ کقوله : ألا أَيُّهذا الَّلَائِمِي أَحضُرَ الوَغَى (١) في الأصل: ((حماية)). (٢) انظر: ((الكواكب الدراري)) للكرماني (٣/ ١٠٥). ٥٦٢ والمفعول الأول: الضمير المرفوع المستتر، والثاني: المنصوب البارز، و((في المنام)) ظرف؛ أي أُرِيتُ نفسي في المنام مُتسوِّكاً، انتهى(١). قال صاحب ((التحرير)): قوله: ((فقيل لي: كبر))؛ أي: ادفع إلى الأکبر، وفيه: دليلٌ على تقديم حقِّ الأكبر من الجماعة الحاضرين، والبداية به، وفيه: دليلٌ على أن استعمال سواك الغير ليس بَمكروه، إلا أن المُستحبّ أن يغسلَه، ثم يَستعملَهُ. وقال ابن بطأَّل: فيه: تقديمُ ذي السِّنِّ في السِّواك، وكذا ينبغي تقديمُه في الطعام، والشَّراب، والمَشْي، والكلام؛ قياساً على السِّواك، وهذا من باب أدب الإسلام. وقال المهلب: تقديم ذي السِّنِّ أولى في كل شيء، ما لم يترتب القوم في الجلوس، فإذا ترتَبوا؛ فالسُّنة تقديمُ الأيمن فالأيمن من الرئيس. ٣٥٤ - وعن أبي موسى ﴿ه، قال: قالَ رسولُ الله ◌َّهِ: ((إنَّ مِنْ إِجْلالِ اللهِ تعالى إِكْرَامَ ذِي الشَّيْبةِ المُسْلِمِ، وَحَامِلِ القُرْآنِ غَيْرِ الغَالي فِيهِ، وَالجَافي عَنْهُ، وإِكْرَامَ ذِي السُّلْطَانِ المُفْسِطِ)»، حديثٌ حسنٌ رواه أبو داود. ● قوله ◌َله: ((إن من إجلال الله)): (ط): أي: من جملة تعظيم الله تعالى وتَوقِيره أن يُكرَمَ موضعُ وَقَاره، (١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٣/ ٧٨٨). ٥٦٣ وهو شَيْبةُ المسلم؛ ولهذا السِّرِّ قال الخليل: زِدْني وَقاراً(١). (حس): قال طاوس: من السُّنة أن يُوقَّر أربعةٌ: العالِمُ وذو الشَّيْبة والسُّلطانُ والوالد(٢). * قوله : ((غير الغالي فيه والجافي عنه)): (نه): لأن من أخلاقه صلوات الله عليه وآدابه التي أمر بها القَصْدَ في الأُمور، وخير الأُمور أَوسَطُها، وكلا طرفي قَصْد الأُمور دمیمٌ، ومنه حديث: ((اقرؤوا القُرآنَ، ولا تَجْفُوا عنه)(٣)؛ أي: تعاهدوه، ولا تَبْعُدوا عن تلاوته(٤). (ط): يريد لا تغلوا في القرآن؛ بأن تَبْذُلوا جُهْدَكم في قراءَته وتجويده من غير تفكّر وتدبُّر، ولا تجفوا عنه؛ بأن تتركوا قراءَته وتشتغلوا بتأويله و تفسيره(٥) . * قوله ير: ((وإكرام ذي السلطان المقسط»: (نه): ((المقسط)): هو العادل، يقال: أقسط يقسط فهو مُقسِطٌ: إذا عدل، وقسَط يَقسِطُ فهو قاسط: إذا جار، فكأن الهمزة في (أقسط) للسَّلْب، کما یقال: شكا إليه؛ فأشكاه، انتهى(٦). (١) المرجع السابق (١٠ / ٣١٨٦) (٢) انظر: ((شرح السنة)) للبغوي (١٣ / ٢٧). (٣) رواه الإمام أحمد في ((المسند)) (٣/ ٤٢٨) من حديث عبد الرحمن بن شبل ضـ وهو حديث صحيح. انظر: ((صحيح الجامع الصغير)) (١١٦٨). (٤) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (٣/ ٣٨٢). (٥) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (١٠ / ٣١٨٦). (٦) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (٤ / ٦٠). ٥٦٤ كرر لفظ (الإكرام) في الفِقْرة الثالثة من الكلام؛ تأكيداً ومُبالغةً؛ أي: هو يستحقُّ من النُّصح والإكرام الحَظَّ الأوفر، والنصيبَ التامَّ؛ فإن السُّلطان ظِلُّ الله، يأوي إليه كلُّ مظلوم. ٣٥٥ - وعن عَمْرٍو بنِ شُعَيْبٍ، عن أبِيهِ، عن جدِّه ﴾، قال: قال رسولُ اللهِ وَّهِ: ((لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَرْحَمْ صَغِيرَنَا، وَيَعْرِفْ شَرَفَ کَبِیرِنَا))، حديثٌ صحيحٌ، رواه أبو داود، والترمذي، وقال الترمذيُّ: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. وفي رواية أبي داود: ((حَقَّ كَبِيرِنَا)). * قوله وتيقر: ((ليس منا من لم يرحم صغيرنا): الرحمة: رقّةٌ في القلب، وانعطاف يقتضي التفضُّل والإحسانَ على مَن رَقَّ له؛ أي: ليس من خيارنا؛ أي: ليس مَجبولاً على أخلاقنا مَن لم يرحم صغيرنا؛ لضعفه وغَفْلَته، وقِلَّة حِيلَته، ولم يعرف شرفَ كبيرنا؛ لسَبْقه إلى الإسلام، وكونه عرف الله قبلنا . قال بعضُ العارفين: إذا رأيت أصغرَ منك؛ فاحترمه؛ وقل: إنه أقلُّ ذُنوباً مني، وإذا رأيت أكبرَ منك؛ فوَقِّرْهُ، وقل: إنه أطاع الله قبلي، ولمَّا سُئل العبَّاس ◌َ ◌ّه: أنت أكبر أم رسول الله وََّ؟ قال: هو أكبر، وأنا وُلِدتُ قبله. ٥٦٥ ٣٥٦ - وعن مَيْمُونِ بنِ أَبِي شَبيبٍ - رحمه الله -: أَنَّ عَائِشَةً رضي الله عنها مَرَّ بها سَائِلٌ، فَأَعْطَتْهُ كِسْرَةً، وَمَرَّ بِهَا رَجُلٌ عَلَيْهِ ثِيَابٌ وَهَيْئَةٌ، فَأَقْعَدَتْهُ، فَأَكَلَ، فَقِيلَ لَهَا في ذلك؟ فقالت: قال رسول الله وَّهِ: ((أَنْزِلُوا النَّاسَ مَنَازِلَهُمْ))، رواه أبو داود، لكِنْ قال: مَيْمُونٌ لَمْ يُدْرِك عَائِشَةَ. وَقَدْ ذَكَرَهُ مُسْلمٌ في أوَّلِ ((صَحِيحِهِ)) تَعْلِيقاً، فقال: وَذُكِرَ عَنْ عائِشَةَ رضي الله عنها، قالت: أَمَرَنا رسولُ اللهِ وَّهِ أَنْ نْزِلَ النَّاسَ مَتَزِلَهُمْ، وَذَكَرَهُ الحَاكِمُ أَبُو عبدِالله في كِتابِهِ(((مَعْرِفَة عُلُومِ الحَدِيث))، وقال: هو حديثٌ صحيح. * قولها: ((أمرنا رسول الله ﴿ ﴿ أن ننزل الناس منازلهم)): (ق): فيه: الحَضُّ على مراعاة مقادير الناس، ومراتبهم، ومناصبهم، فيعامل كلَّ واحد منهم بما يليق بحاله، وبما يلائم منصبَه في الدِّين، والعلم، والشَّرَف، والمَرتبة؛ فإن الله تعالى قد رتَّب عبيده وخلقَه، وأعطى كل ذي حَقِّ حَقَّه(١). (ن): هذا في بعض الأحكام، أو أكثرها، وقد سوَّى الشرعُ بينهم في الحُدود وأشباهها مِمَّا هو معروفٌ، والله أعلم، انتهى (٢). (١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (١ / ١٢٧). (٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١ / ٥٥). ٥٦٦ قال الحَكِيمُ الترمذيُّ في ((النوادر)): الإكرام غذاءُ الآدميِّ، فإذا غُذِيَ الطّفلُ بالخُبز اليابس؛ فهو مقتول، والتارك لتدبير الله في خلقه غيرُ مستقيم سبيلُه، فقد دبّر الله الأحوال لعَبيده غنيّ وفقراً، وعِزًّا وذُلاً، ورفعة وضَعَة في هذه الدنيا للابتلاء؛ ليبلوهم أيُّهم يشكر [على العطاء]، وأيُّهم يصبر على المَنْع، فالعاقل عن الله يعاشر أهل دنياه على ما دبّر الله لهم، فهذا الموافق لله، فالغنيُّ قد عوَّده الله النعمةَ، وهي منه كرامةٌ، لا كرامة ثواب، ولكن كرامة ابتلاء؛ كما في التنزيل: ﴿إِذَا مَا أَبْئَلَهُ رَبُّهُ، فَأَكْرَمَهُ، وَنَعَّمَهُ، فَيَقُولُ رَبِّت أَكْرَمَنِ﴾ [الفجر: ١٥] الآيتين، فرد عليه بقوله: ﴿كلا﴾ [الفجر: ١٧]؛ أي: لست أُكرِمُ بِدُنْيَا، ولا أهين أحداً بمنعها، فإذا لم تُنزله المنزلةَ التي أنزله الله، فاستهنتَ به وجفوتَه من غير جُرم؛ فقد تركتَ مُوافقةَ الله في تدبيره، وأفسدت عليه دينَه(١)، فقولها: ((أن ننزل الناس منازلهم))؛ أي: المنازلَ التي أنزلها الله من دنياهم، والآخرةُ قد غُيِّب شأنُها عن العباد، فإذا سوَّيت بينهما في مجلس، أو مَأْدُبَة، أو مُعاطاة؛ من هدية، ونحوها؛ كان ما أفسدتَ أكثرَ مِمَّا أصلحتَ، فالغنيُّ يَجِدُ عليك إذا أَقَصَيْتَ(٢) مجلسَه، أو دعوته إلى طعام دُونٍ، أو أهديت له شيئاً طَفِيفاً؛ لأن الله تعالى لم يُعوِّده ذاك، والفقير يَعظُم ذلك القليلُ في عينه، ويَقْنَع بذلك. وكذلك مُعاملة المُلوك والؤُلاة على هذا السبيل، فإذا عاملت معه مُعاملةَ الرَّعِيَّة؛ فقد استخففت بحقُّه، وهو ظل الله في الأرض، به تسكن (١) انظر: ((نوادر الأصول)) للحكيم الترمذي (١ / ٤١٠). (٢) في الأصل: ((قضيت)). ٥٦٧ النفوس، وتجمع أمورهم، والناظر إلى [ظل] الله [عليهم] في شُغل عن الالتفات إلى أعمالهم، وإنما نفر قومٌ من السلف عنهم وجانبوهم؛ لاشتغالهم بالنظر إلى سِيَرهم وأعمالهم(١)، ولو كان لهم طريق إلى النظر إلى ظله؛ لشغلهم ذلك عن النظر إلى أعمالهم، وهَابُوهم، وأجلُّوهم، وعظموا حُرمتَهم، أولئك قوم لم تمت شهواتُ نفوسهم، ولم يكن لقلوبهم مطالعةٌ إلى ما ذكرت، فخافوا إن خالطوهم؛ أن يجدوا حلاوةَ برِّهم، فتخلط قلوبهم بقلوبهم، فاختاروا المُجانبةَ والإعراضَ عنهم، والآخرون نظروا إليهم، فشُغلوا بما أُلبسوا من ظِلُّه عن جميع ما هم فيه، فلم يضرُّهم اختلاطهم بهم، وبهذه القوة كان أصحابُ رسول الله وَّهِ يَلقَوْن الأُمراءَ الذين قد ظهر جَوْرُهم، ويقبلون جوائزَهم، وكان مالك بن دينار، ومحمد بن واسع، والحسن البصريُّ يَلقَوْنهم بما ذكرت، ويُظهرون العطفَ عليهم، والنصيحة لهم، وقد غَلِط في هذا الباب كثيرٌ من الناس من قلة معرفته بتدبير الله، والذي عليه رأس العبودية. واحتجُّوا بحديث ابن عباس ﴾: ((مَلِعُونٌ مَن أَكرمَ بالغِنى، وأَمانَ بالفَقْر))(٢)، وتأويله عندنا: أن الذي يعظُم في عينه هذا الحُطام، فيُعظِّم أهلَ الدُّنيا، ويكرمهم؛ تعظيماً لما في أيديهم؛ قد عشق الدُّنيا عشقاً أسكره عن الآخرة، فيُعظِّم أبناءَ الدُّنيا، ويَحقِرُ أبناء الآخرة، وهذا يستوجب لعنة الله؛ لأن قلبه مَيِّت، وهو مفتون يكرم مفتوناً، فأما عبد يرى الغنيَّ مُبتلىّ بغناه، تراكمت عليه أثقالُ النعمة، وغرق في حسابها، فيرحمه كالغريق الذي (١) في الأصل: ((شرهم وعمالهم)). (٢) رواه ابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) (٦٠/ ٣٥٦). ٥٦٨ ذهب به السَّيلُ، فإذا لقيته؛ أكرمه وبِرَّه؛ إبقاء على دينه، وارحمه بقلبك؛ لئلا يفسد، فإذا حَقَّرته؛ فقد أهلكته. هذا فعل الأنبياء والأولياء، وبذلك أوصى رسول الله بص له فقال: ((إذا جَاءكُم كَرِيمُ قَومٍ؛ فأَكرِمُوهُ)(١)، وكريم القوم رئيسُهم، ومَن عَوَّده قومه الإكرامَ، ألا ترى أنه لم ينسبه إلى دِين، ولم يذكر منه صَلاحاً ولا ديناً؟ فإذا كان مَن عَوَّده قومُه الإكرامَ والعز؛ أنت مأمورٌ بإكرامه؛ فكيف بمَن أكرمه الله، فأكرمه ونَعَّمه كرامةَ الابتلاء، فهذا يُكرِمِ بالله، ويُهين لله، وكذلك أهل الفساد من المُوحِّدين يرحمهم في الباطن، ويلطُف بهم، ويَرفُق بهم في الظاهر؛ إبقاء على أحوالهم في أمر دينهم، والرِّفق محبوبٌ مُباركٌ. ٣٥٩ - وعن أَنَسٍ ﴿، قال: قالَ رسولُ اللهِلَّهِ: ((مَا أَكْرَمَ شَابٌّ شَيْخاً لِسِنِّهِ، إلاَّ قَيَّضَ اللهُ لَهُ مَنْ يُكْرِمُهُ عِنْدَ سِنِّه))، رواه الترمذي، وقال: حديثٌ غريبٌ. * قوله: ((ما أكرم شاب شيخاً لسنه)»: (نه): سن الجارحة مؤنثة، ثم استُعيرت للعُمر؛ استدلالاً بها على طُوله وقِصَره، وبقيت على التأنيث(٢). (١) رواه ابن ماجه (٣٧١٢)، من حديث ابن عمر ظلها، وهو حديث حسن. انظر: ((صحيح الجامع الصغير)) (٢٦٩). (٢) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (٢ / ٤١٢). ٥٦٩ (ط): ((لسنه))؛ أي: لأجل شَيْبه، لا لأمر آخرَ؛ فإن الشَّيخُوخةَ في نفسها مكروهةٌ، وما يكرمها [مَن يكرمها] إلا لأمر آخر، فمَن أكرمها لله تعالی؛ لكونها وقارَه؛ لا بُدَّ أن يُجازیَه بمثله؛ بأن يُقدِّر له عمراً یبلغ به إلى الشَّيخُوخة، ويُقدِّر له مَن يكرمه، انتهى(١). قال الإمام الغزاليُّ: هذا إشارةٌ إلى دوام الحياة؛ فليُنبَه له، فلا يُوفَّق لتوقير الشُّيوخ إلا من قُضِي له بِطُول العُمُر (٢). وقال بعضُ العلماء: في هذا الحديث: حَثٌّ على إكرامِ المَشايخ، وتعظيمهم، وتبجيلهم، وتفخيم أمرهم، والتواضُع لهم، والتحفف في حاجاتهم، والتوقير لهم؛ يعني: لا يكرم شابٌّ شيخاً؛ لمَكان سِنِّه إلا ويتيح الله تعالى عند طَعْنه في السِّنَّ، وضَعفه عن النُّهوض بالأعمال مَن يكفيه حَرَّ السَّعْي، ويُوقِّره، ويُعظُّمه؛ جزاء لما سلف منه، وهذا في دار الدُّنيا، وأما في الآخرة: فالله أعلم ما الذي يُتيبه ويُعطيه على ذلك. (١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (١٠ / ٣١٨٥). (٢) انظر: ((إحياء علوم الدين)) (٢ / ١٩٦). ٥٧٠ ٤٥- باب زيارةِ أهلِ الخير ومجالستهم وصحبتهم ومحبتهم وطلبٍ زيارتهم، والدعاءِ منهم، وزيارة المواضعِ الفاضلةِ قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَنَّهُ لَآ أَبْرَحُ حَتَّ أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِىَ حُقُبًا﴾ إلى قوله تعالى: ﴿قَالَ لَهُ، مُوسَى هَلْ أَتَِّعُكَ عَ أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشِدًا﴾ [الكهف: ٦٠ - ٦٦] ، وقال تعالى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَوْةِ وَالْعَشِ يُرِيدُونَ وَجْهَةٌ﴾ [الكهف: ٢٨]. (الباب الخامس والأربعون) (في زيارة أهل الخير ومجالستهم وصُحبتهم ومَحَبَّتهم وطلب زيارتهم والدعاء منهم، وزيارة المواضع الفاضلة) قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَنَّهُ لَآ أَبْرَحُ حَتٌَّ أَبْلُغَ مَجْمَعَ اَلْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِىَ حُقُبًا﴾ إلى قوله: ﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَ أَنْ تُعَلِّمَنِ﴾ [الكهف: ٦٠ - ٦٦]؛ سبب قول موسى لفتاه - وهو يوشع بن نون - هذا الكلام: أنه ذكر له أن عبداً من عباد الله بمَجمَع البحرَين عنده من العلم ما لم يُحط به موسى، فأحبَّ الذهابَ إليه، وقال: ﴿لَا أَبْرَعُ﴾؛ أي: لا أزال سائراً ﴿حَتَّى أَبْلُغَ ٥٧١ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ﴾ وهما بحر فارس ممَّا يلي المَشرِق، وبحر الرُّوم مِمَّا يلي المَغرِب، ﴿أَوْ أَمْضِىَ حُقُبًا﴾؛ أي: ولو أسير حُقباً من الزمان، والحُقْبُ في لغة قَيْس: سنة، وقيل: ثمانون سنة، وقال مجاهد: سبعون خريفاً، ورُوي عن ابن عباس ﴿حُقُبًا ﴾ دهراً. فلما بلغا مجمع البحرين؛ وجد الخَضِرَ الذي آتاه الله رحمةً من عنده، وعلماً من لَدُنه، فقال له موسى، وسأله بلطف لا على وجه الإلزام والإجبار، وهكذا ينبغي أن يكون سؤال المُتعلِّم من العالم: ﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ﴾؛ أي: أَصْحَبُك وأُرافقك ﴿عَلَىَّ أَنْ تُعَلِّمَنِ﴾ مِمَّا علمك الله شيئاً أسترشد به في أمري؛ من علم نافع، وعمل صالح، فعندها قال الخضر لموسى: ﴿إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِىَ صَبْرًا﴾ إلى آخر ما قَصَّ الله في كتابه(١). * قوله تعالى: ﴿وَأَصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم﴾ [الكهف: ٢٨] سبق في (الباب الثاني والثلاثين). ٣٦٠ - وعن أَنَسٍ ﴿ه، قال: قال أبو بكرٍ لعمرَ ﴾ بعدَ وفاةِ رسولِ الله وَّهِ: انْطَلِقْ بِنَا إلى أُمَّ أَيْمَنَ رضي الله عنها نَزُورُهَا كَمَا كَانَ رسولُ اللهِّهِ يَزُورُهَا، فَلَمَّا انْتُهَيَا إِلَيْهَا، بَكَتْ، فَقَالاَ لَهَا: مَا يُبْكِيكِ، أَمَا تَعْلَمِينَ أَنَّ مَا عِنْدَ الله خَيْرٌ لِرَسُولِ اللهِ وَّهِ؟ فقالت: إِنِّي لا أَبْكِي أَنِّي لا أَعْلَمُ أَنَّ مَا عِنْدَ الله تعالى خَيْرٌ لرسولِ اللهِلَّهِ، (١) انظر: ((تفسير ابن كثير)) (٩ / ١٦١). ٥٧٢ وَلَكِنْ أَنْكِي أَنَّ الوَحْيَ قَدِ انْقَطَعَ مِنَ السَّمَاءِ، فَهَيَّجَتْهُمَا عَلَى الْبُكَاءِ، فَجَعَلاَ يَيْكِيَانِ مَعَهَا، رواه مسلم. (الأَوْلُ) (ق): ((أم أيمن)) اسمُها بركةُ بنت ثعلبةَ بن عمرو بن حِصْن(١)، كُنِيَتْ بابنها أيمن بن عُبيد الحَبَشيِّ، تزوجت بعد [عبيد] زيد بن حارثة، فولدت له أسامة بن زيد، كانت لأم رسول الله وَّة، ثم صارت له بالميراث، وكان والده يقول: (أُمُّ أَيْمِنَ أُمِّي بعدَ أُمِّي)(٢)، وكان ◌َّهِ يُكرِمُها ويَبْرُّها مَبْرَّةَ الأُمّ، ويكثر زيارتها، وکان چ عندها كالولد(٣). * قوله: ((نزورها)): (ط): هو أفخمُ بلاغةً من أن لو قيل: نَزُرْها حسَب ما اقتضاه تعظيم المَزور، كأنه قيل لِمَ ننطلق إليها؟ فأُجيب: ((نزورها))؛ لأنها مُستحِقَّة لذلك، نحوه في الاستئناف قولُ الشاعر : وقال رَائدُهُم أرْسُوا نُزَاوِلُها (٤) (ن): فيه: زيارة الصالحين، وفضلها، وزيارة الصالح لمَن دُونه، (١) في الأصل: ((حُصین)). (٢) رواه ابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) (٨ / ٥١) عن سليمان بن أبي الشيخ معضلاً. وهو حديث ضعيف. انظر: ((ضعيف الجامع الصغير)) (١٢٧٦). (٣) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٦ / ٣٦٢). (٤) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (١٠/ ٣٨٢٣). ٥٧٣ وزيارة الإنسان لمَن کان صدیقُه یزوره، ولأهل وُدِ صديقه، وزيارة جماعة من الرجال المرأةَ الصالحة، وسماع كلامها، واستصحاب العالِم أو الكبير صاحباً له في الزِّيارة، والعِيَادة، ونحوها، والبكاء حزناً على فراق الصالحين، وإن كانوا قد انتقلوا إلى أفضلَ مِمَّا كانوا عليه(١). * قولها: ((أن الوحي)»: (ق): ((أن)) مفتوحة؛ لأنها مَعمولة لـ ((أبكي)) بإسقاط حرف الجر، تقديره: أبكي لأن، أو من أجل أن؛ يعني: أن الوحي لمَّا انقطع؛ عَمِل الناسُ بآرائهم، ومُقايسَتهم، فوقع التَّنَازُعِ والفِتَن، وعَظُمت المصائبُ والمِحَن؛ لذلك نجمَ بعدَه ◌َّهِ النِّفاقُ، والارتداد، والشِّقاق، ولولا أن الله تدارك الدِّينَ بثاني اثنين؛ لَما بقي منه أَثَرٌ ولا عَيْن(٢). ٣٦١ - وعن أبي هريرةَ ﴿ه، عن النبي ◌َّهِ: ((أنَّ رَجُلاً زَارَ أخاً لَهُ فِي قَرْيَةٍ أُخْرَى، فَأَرْصَدَ الله تعالى عَلَى مَدْرَجَتِهِ مَلَكاً، فَلَمَّا أَتَى عَلَيْهِ، قال: أَيْنَ تُريدُ؟ قال: أُرِيدُ أَخاً لي في هذِهِ القَرْيَةِ، قال: هَلْ لَكَ عَلَيْهِ مِنْ نِعْمَةٍ تَرِّبُّهَا عَلَيْهِ؟ قال: لا، غَيْرَ أَنِّي أَحْبَيْتُهُ في الله تعالى، قَالَ: فَإِنِّي رسولُ الله إلَيْكَ بِأَنَّ اللهَ قَدْ أَحَبَّكَ كَمَا أَحْبَبْتَهُ فِیهِ»، رواه مسلم. (١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٦ / ١٠). (٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٦ / ٣٦٢). ٥٧٤ يقال: أَرْصَدَه لِكَذَا: إذَا وَكَّلَهُ بِحِفْظِهِ، وَ«المَدْرَجَةُ)) بفتحِ الميمِ والراءِ: الطَّريقُ، ومعنى ((تَرُّبُّهَا)): تَقُومُ بِهَا، وَتَسْعَى في صَلاحِهَا . (الثَّانِى) (ن): ((المَدْرَجة)» الطريق، سُمِّيت بذلك؛ لأن الناس يَدرُجون علیھا، أو یمضُون ويمشون. قال العلماء: مَحبَّ الله عبدَه هي رحمتُه له، ورضاه عنه، وإرادته له الخيرَ، وأن يفعل به فعلَ المُحِبِّ لمَحبوبه، وفي هذا الحديث: فضيلة المحبة في الله تعالى، وأنها سببٌ لحُبِّ الله تعالى العبدَ، وفيه: فضيلة زيارة الصالحين والأصحاب، وفيه: أن الآدميين قد يرون الملائكة(١). (ق): وفيه: أن الحُبَّ في الله، والتَّزاوُرَ فيه من أفضل الأعمال، وأعظم القُرُبات إذا تجرد ذلك عن أغراض الدُّنيا وأَهْوَاء النفوس (٢). (ط): فإن قلت: كيف طابق قوله: ((أريد أخاً لي)) للسؤال، وهو قوله: ((أین ترید»؟ قلت: لأن السؤال مُتضمّن لقوله: أين تتوجَّه، ومَن تقصد، ولمّا كان قَصْدُه الأَوْلَى الزِّيارةَ؛ ذكره، وترك ما لا يَهُمُّ، ونظيره: قوله تعالى: (١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٦ / ١٢٤). (٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٦ / ٥٤٣). ٥٧٥ ﴿وَمَآ أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يَمُوسَى ﴾ قَالَ هُمْ أُوْلَاءٍ عَلَى أَثَرِى وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبٍ لِتَرْضَى﴾ [طه: ٨٣ -٨٤]، لمَّا كان الغرضُ من السؤال في استعجاله له إنكارَ تركه القومَ وراءَه وتقدُّمه عليهم؛ قدَّمه في الجواب، وأخَّر ما وقع السؤال عنه (١). ٣٦٢ - وعنه، قال: قالَ رسولُ اللهِ وَّهِ: ((مَنْ عَادَ مَرِيضاً، أَوْ زَارَ أَخَاً لَهُ في الله، نَدَاه مُنَادٍ: بِأَنْ طِبْتَ، وَطَابَ مَمْشَاكَ، وَتَبَوَّأْتَ مِنَ الجَنَّةِ مَنْزِلاً))، رواه الترمذي، وقال: حديثٌ حسنٌ، وفي بعض النسخ: غريبٌ. (الثَّالُِّ) * قوله: ((طبت ... إلى آخره): (ط): القرائن الثلاث يجوز أن تحمل على الدُّعاء، وعلى الإخبار، [وقوله: ((طبت)) دعاء لنفسه](٢) و((طاب ممشاك)) دعاء له، وأن كل خطوة خطاها يُحَطُّ بها سيّةٌ، ويُكتب له بها حسنةٌ، وهذا في الدنيا، وفي الآخرة: (تبوأت من الجنة منزلاً)، والتنكير في (منزلاً) للتفخيم؛ أي: منزلاً أيَّ منزل، انتهى(٣). (١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (١٠/ ٣٢٠٠). (٢) ما بين معكوفتين من ((شرح المشكاة)) للطيبي (١٠ / ٣٢٠٤). (٣) المرجع السابق (١٠ / ٣٢٠٤). ٥٧٦ أنشد : أخاَّلَهُ في الله أَوْ زَارَةْ إن زَارَ یَوْماً رَجُلٌ مُسْلِمٌ بأَن يَخُطَّ اللهُ أَوْزَارَةْ فَهِوَ جَدِيرٌ عِنْدَ أَهْلِ النُّهَى * * ٣٦٣ - وعن أبي موسى الأشعريِّ ﴾: أَنَّ النَّبِيَّ وَغْرِ قال: ((إنَّمَا مَثَلُ الجَلِيسِ الصَّالِحِ وَجَليسِ السُّوءِ، كَحَامِلِ المِسْكِ، وَنَفِخِ الكِيرِ، فَحَامِلُ المِسْكِ، إمّا أنْ يُحْذِيَكَ، وَإِمَّا أَنْ تَبْتَاعَ مِنْهُ، وَإِمَّا أنْ تَجِدَ مِنْهُ رِيحاً طَيَِّةً، وَنَفِخُ الكِيرِ، إِمَّا أَنْ يُحرِقَ ثِيَابَكَ، وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ مِنْهُ رِيحاً مُنْتِنَةً))، متفقٌ عليه. ((يُحْذِيكَ)): يُعْطِيكَ. 3 * قوله: ((وجليس السوء)) : (ق): هو من باب إضافة الشيء إلى صفته (١). (ن): فيه: فضيلة مُجالسة الصالحين وأهل الخير، والمروءة، ومكارم الأخلاق، والورع، والعلم، والآداب، والنهي عن مُجالسة أهل الشرِّ وأهل البِدَع، ومَن يغتاب الناس، أو يكثر مُجونه وبَطالتُه، ونحو ذلك من الأنواع المَذمُومة (٢). (١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٦ / ٦٣٣). (٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٦ / ١٧٨). ٥٧٧ (ق): فيه: الحث على مُصاحبة من يزيدك نُطْقُه علماً، وفعلُه أدباً، ونظرُه خشيةً، والزَّجْر عن مُخالطة مَن هو على نقيض ذلك(١). (ط): قيل: مصاحبة الأخيار تورث الخير، ومصاحبة الأشرار تورث الشرَّ؛ كالريح إن هَبَّت على الطِّيب؛ عبَقَتْ طِيباً، وإن مَرَّت على النَّتَن؛ حملت نتناً. وقيل: إذا جالست الحَمْقَى؛ عَلِقِ بك من حماقتهم ما لا يعلَقُ بك من العقل إذا جالست العُقلاء؛ لأن الفسادَ أسرعُ إلى الناس، وأشدُّ اقتحاماً في الطَّبع(٢). (ن): فيه: طهارة المِسْك، واستحبابه، وجواز بيعه، وقد أجمع العلماء على جواز هذا، ولم يخالف فيه إلا الشِّيعةُ، ولا يُعتدُّ بهم في الإجماع. ومِن الدَّلائل على طهارته الإجماعُ، وهذا الحديث، وهو قوله: ((إِما أن يبتاع منه))، والنَّجِسُ لا يصِحُّ بيعه، ولأنه ◌َّ﴿ كان يستعمله في بدنهِ ورأسه، ويصلي به، ويُخبِرِ أنه أطيبُ الطَّيب، ولم يزل المسلمون على استعماله وجواز بيعه، وما رُوي من كراهة العُمَرين ﴿4﴾: فليس فيه نصٌّ لهما، ولا صَحَّت عنهما، بل قسَم عمرُ بن الخطاب المِسكَ على نساء المُسلمين، والمعروف عن عمر استعمالُه(٣). (١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٦ / ٦٣٤). (٢) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (١٠/ ٣٢٠١ - ٣٢٠٢). (٣) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٦ / ١٧٨). ٥٧٨ (ق): يقال: إن أصله الدم، والدم نجِسٌ، فالجواب: لا نُسلِّم أن أصل المِسك الدمُ، وإن سُلُّم؛ فلا نُسلِّم أنه بقي على ما أصله؛ فإنه استحال إلى صلاح يُستطاب، ويُستحسن، ويُفضَّل على أنواع كل الطِّيب، وهذا كاستحالة الدم لبناً، وبيضاً، وإن شئت؛ حَرَّرت فيه قياساً فقهياً، فقلت: مائعٌ له مقَرِّ يستحيل فيه إلى صلاح، فيكون طاهراً؛ كاللَّبَن والبَيْض(١). (نه): ((كير الحداد)): هو المَبنيُّ من الطين، وقيل: الزِّقُّ الذي ينفخ به النار، والمَبنيُّ: الكُور(٢). ٣٦٤ - وعن أبي هريرةَ﴿ه، عن النبيِوَغِ، قال: ((تُنْكَحُ المَرْأَةُ لأَرْبَعِ: لِمَالِهَا، وَلِحَسَبِهَا، وَلِجَمَالِهَا، وَلِدِينِهَا، فَاظْفَرْ بِذَاتِ الدِّينِ تَرِبَتْ يَدَاكَ))، متفقٌ عليه. ومعناه: أَنَّ النَّاسَ يَقْصِدُونَ في العَادَةِ مِنَ المَرْأَةِ هَذِهِ الخِصَالَ الأَرْبَعَ، فَاحْرِصْ أَنْتَ عَلَى ذَاتِ الدِّينِ، وَاظْفَرْ بِهَا، وَاحْرِصْ عَلى صُحْبَتَهَا. (ن): أخبر بَّه بما يفعله الناس في العادة؛ فإنهم يَقصِدُون هذه الخِصَال الأربع، وآخرها عندهم ذاتُ الدِّين؛ فاظفر أنت أيها المُسترشد بذات الدِّين، وفيه: الحَثُّ على مُصاحبة أهل الدِّين في كل شيء؛ لأن صاحبَهم يستفيد من (١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٦ / ٦٣٥). (٢) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (٤ / ٢١٧). ٥٧٩ أخلاقهم، وبَرَكتِهم، وحُسن طريقتهم، ويأمن المفسدة من جهنم(١). (ط): اللامات المُكرَّرة مُؤذِنةٌ بأن كلاًّ منهن مُستقلَّة في الغرض(٢). (قض): اللائق بذوي المروءات وأرباب الدِّيانات أن يكون مَطمَحُ نظرهم الدِّين فيما يأتون وما يذرون، لاسيَّما فيما يدوم أمرُه ويعظُم خطَرُه؛ فلذلك اختاره الرسولُ وَِّ بآكد وجه وأبلغه، وأمر بالظَّفَر الذي هو غاية البُغْية، ومُنتهى الاختيار والطَّلَب الدَّالِّ على تضمُّن المطلوب لنعمة عظيمة وفائدة جليلة(٣). (ط): (فاظفر)) جزاء شرط محذوف؛ أي: إذا تحققت ما فصَّلتُ لك تفصيلاً بَيِّناً؛ فاظفر أيها المسترشد بذات الدِّين؛ فإنها تُكسِبُك منافعَ الدَّارَيْن (٤). (قض): قوله: ((تربت يداك)) هو دعاء في الأصل، إلا أن العربَ تستعملها لمَعانٍ أُخرَ؛ كالمُعاتبة، والإنكار، والتعجُّب، وتعظيم الأمر، والحَثِّ على الشيء، وهو المراد به ههنا(٥). (حس): هي كلمة جارية على ألسنتهم(٦) كقولهم: لا أبَ لك، (١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٠ / ٥٢). (٢) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٧ / ٢٢٥٩). (٣) انظر: ((تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة)) للبيضاوي (٢/ ٣٣٠). (٤) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٧/ ٢٢٥٩). (٥) انظر: ((تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة)) للبيضاوي (٢ / ٣٣١). (٦) في الأصل كتبت كلمة ((العرب)) بين السطرين، ولعلها تفسير للضمير في ((ألسنتهم))، وفي ((شرح السنة)) للبغوي (٩/ ٨٩): ((ألسنة العرب)). ٥٨٠