النص المفهرس
صفحات 541-560
الاستعارة ما يُنَفِّرُ أُولي الألباب عَمَّا كرهَهُ الله لعباده، ونهاهم عنه، ويُرغِّبهم
فيما رَضِيَهُ لهم، وأمرهم به، و﴿أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ نُصِب على النداء، أو على
المدح، وفي هذا دليلٌ بَيِّن على أن نساءَ النبيِّ وٍَّ من أهل بيته؛ لأنه
مَسْبُوقٌ بقوله: ﴿ يَنِسَآءُ السَّيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ ﴾ [الأحزاب: ٣٢](١).
٣٤٦ - وعن يزيدَ بنِ حَيَّنَ، قالَ: انْطَلَفْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ
◌ُ، فَلَمَّا جَلَسْنَا إِلَيْهِ،
سَبْرَةَ، وَعَمْرُو بْنُ مُسْلِمٍ إلى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ◌َ
قال له حُصَيْنٌ: لَقَدْ لَقِيتَ يَا زَيْدُ خَيْراً كَثِيراً، رَأَيْتَ رَسولَ اللهِِّ،
وَسَمِعْتَ حَديثَهُ، وَغَزَوْتَ مَعَهُ، وَصَلَّيْتَ خَلْفَهُ، لَقَدْ لَقِيتَ يَا زَيْدُ
خَيْراً كَثِيراً، حَدِّثْنَا يَا زَيْدُ مَا سَمِعْتَ مِنْ رسول اللهِ وَّهِ، قال:
يَا بْنَ أَخِي! وَاللهِ! لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي، وَقَدُمَ عَهْدِي، وَنَسِيتُ بَعْضَ
الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رسولِ الله ◌ِِّ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ، فَاقْبَلُوا، وَمَا
لا، فَلا تُكَلِّفُونِيهِ، ثُمَّ قال: قامَ رسولُ اللهِ وَّهِ يَوْماً فِينَا خَطِيباً بِمَاءِ
يُدْعَى خُمّاً بَيْنَ مَكَّةَ وَالمَدِينَةِ، فَحَمِدَ الله، وَأَثْنِى عَلَيْهِ، وَوَعَظَ،
وَذَكَّرَ، ثُمَّ قَالَ: ((أمَّا بَعْدُ: أَلَ أَيُّهَا النَّاسُ! فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ يُوشِكُ أَنْ
يَأْتِيَ رَسُولُ رَبِّي فَأُجِيبَ، وَأَنَا تَارٌِّ فِيَكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَلُهُمَا كِتَابُ
الله، فِيهِ الهُدَى وَالنُّورُ، فَخُذُوا بِكِتَابِ الله، وَاسْتَمْسِكُوا به))،
(١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (١٢ / ٣٩٠٠).
٥٤١
فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ الله، وَرَضَّبَ فِيهِ، ثُمَّ قَالَ: ((وَأَهْلُ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ
اللهَ في أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ في أَهْلِ بَيْتِي))، فَقَالَ لَهُ حُصَيْنٌ:
وَمَنْ أَهْلُ بَيْتِهِ يَا زَيْدُ، أَلَيْسَ نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ؟ قَالَ: نِسَاؤُهُ مِنْ
أَهْلِ بَيْتِهِ، وَلكِنْ أَهْلُ بَيْتِهِ مَنْ حُرِمَ الصَّدَقَةَ بَعْدَهُ، قَالَ: وَمَنْ هُمْ؟
قَالَ: هُمْ آلُ عَلِيٍّ، وَآلُ عَقِيلٍ، وَآلُ جَعْفَرٍ، وَآلُ عَبَّاسٍ، قَالَ: كُلُّ
هؤُلاءِ حُرِمَ الصَّدَقَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ، رواه مسلم.
وفي روايةٍ: ((أَلَا وَإِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ تَقَلَيْن: أَحَدُهُمَا كِتَابُ
الله، وَهُوَ حَبْلُ الله، مَنِ اتَّبَعَهُ، كَانَ عَلَى الهُدَى، وَمَنْ تَرَكَهُ، كَانَ
عَلَى ضَلالَةٍ).
* قوله: «بماء يدعى خماً):
(ن): هو بضم الخاء المعجمة، وتشديد الميم، وهو اسم لغَيْضَة
على ثلاثة أميال من الجُحْفَة، عندها غَدِيرٌ مشهور، يضاف إلى الغَيْضَة،
فيقال: غَدِیر خُمٌ(١).
(ق): هو موضعٌ معروف، وقد أكثرت الشِّيعةُ، وأهلُ الأهواء فيه من
الكذب على رسول الله وَّ﴿ في استخلافه علياً ﴿﴿ُه، ووصِيَّته إيّاه، ولم يَصِحَّ
من ذلك شيءٌ إلا هذا الحديثَ (٢).
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٥ / ١٧٩).
(٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٦/ ٣٠٣).
٥٤٢
* قوله وخلفي: ((وأنا تارك فيكم ثقلين)):
(نه): سَمَّاهما تَقَلَين؛ لأن الأخذَ بهما، والعمل بهما ثقيلٌ، ويقال لكل
خَطير نفيس: ثَقَلٌّ، فسَمَّاهما ثَقَلَين؛ إعظاماً لقَدْرهما، وتَفخِيماً لشأنهما(١).
قال في ((الفائق)): قيل للحِنِّ والإنس: الثَّقَلان؛ لأنهما قُطَانُ الأرض،
وكأنهما أثْقَلاها، وقد شُبِّه بهما الكتابُ والعِثْرةُ في أن الدِّين يُستصلَحُ بهما،
ويُعمَّر كما عُمِّرت الدُّنيا بالفَّقَلين (٢).
(حس): سُمِّي الجِنُّ والإنس تَقَلين؛ لأنهما فُضِّلا بالتمييز على سائر
الحيوان، وكلُّ شيءٍ له قَدْر ووزن يُتْنَافَس فيه فهو ثَقَل(٣).
* قوله : ((أذكركم الله في أهل بيتي)):
(ط): أي: أُحذِّركم اللهَ في شأن أهل بيتي، وأقول لكم: اتقوا الله،
ولا تُؤْذوهم، فاحفظوهم، والتذكير بمعنى الوَعْظ يدلُّ عليه قوله: ((ووعظ
وذَكَّر))(٤).
(ق): هذه الوَصِيَّة، وهذا التأكيد العظيم يقتضي وجوبَ احترام آل
النبيِّ ◌َّةِ، وأهل بيته، وإبرارهم، وتوقيرهم، ومحبَّتِهم وجوبَ الفُروض
المُؤَّدة التي لا عُذْرَ لأحد في التخلُّفُ عنها، هذا مع ما عُلم من خُصوصيتهم
بالنبيِّ نَّر، وبأنهم جزء منه؛ فإنهم أُصوله التي نشأ منها، وفُروعُه التي تنشأ
(١) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (١ / ٢١٦).
(٢) انظر: ((الفائق في غريب الحديث)) للزمخشري (١ / ١٧٠).
(٣) انظر: ((شرح السنة)) للبغوي (١٤ / ١١٨).
(٤) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (١٢ / ٣٩٠٣).
٥٤٣
عنه، فويلٌ لمَن خالف رسولَ الله ◌َّهِ فِي وَصِيَّته، وقابله بنقيض مقصوده
وأُمنيته، فوا خجَلَهُم؛ إذ وقفوا بين يديه، ووا فَضِيِحَتَهُم يومَ يُعرَضُون
علیه(١).
* قوله: ((ومَن أهل بيته؟»:
(ق): هذا سؤال مَن تمسَّك بظاهر لفظ ((البيت))؛ فإن الزوجة هي أهلُ
بيت الرجل؛ إذ هي التي تَقُقُّه، وتُلازمُه، وتقوم بمصالحه، ولذلك أجابه
زيدٌ؛ بأن قال: ((نساؤه من أهل بيته))؛ أي: بيته المحسوس، وليس هذا هو
المُرادَ هنا؛ ولذلك قال في جواب السائل في رواية أخرى: ((لا))(٢)؛ أي: ليس
نساؤه من أهل بيته.
المعنى ههنا: ولكن هم أَصْلُه وعَصَبَتُه، ثم عَيَّنهم بأنهم الذين تحرم
عليهم الصَّدَقات الشرعية، وهم: آل عليٍّ إلى آخره، وقد عَيَّنَهم زيدٌ تعييناً
یرفع معه الإشکالَ، انتھی(٣).
قال الشيخ عماد الدِّين أبو الفِداء إسماعيلُ بن كثير: عنى زيدُ بن أرقمَ:
أن نساءَه من أهل بيته، وقرابتُه أحقُّ بهذه التسمية، وهذا يشبه ما ثبت في
((صحيح مسلم): أن رسول الله وَ﴿ لمَّا سُئل عن المسجد الذي أُسِّس على
التقوى من أول يوم، فقال: ((هُو مَسْجِدي هَذا))(٤)، فهذا من هذا القَبيل؛ فإن
(١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٣٠٤/٦).
(٢) رواه مسلم (٢٤٠٨ / ٣٧)، من حديث زيد بن أرقم ظا
(٣) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٦ / ٣٠٤).
(٤) رواه مسلم (١٣٩٨ / ٥١٤)، من حديث أبي سعيد الخدري
٥٤٤
الآيَةَ نزلت في أزواج النبيِّ وَّةِ، وهُنَّ داخلاتٌ في أهل البيت، لكن القرابةَ
أحقُّ وأَوْلى بالدُّخول؛ كما أن الآيةَ نزلت في مسجد قُباء، ومسجدُه ◌َلِ أحقُّ
وأَوْلى بالتأسيس على التقوى(١).
(ن): أي: نساؤه من أهل بيته الذين يُساكنونه، ويعولهم ويأمرهم
باحترامهم، وسَمَّاهم ثَقَلاً، ووعظ في حَقِّهم، وذَكَّر، فنساؤه داخلاتٌ في
هذا كلِّه، ولا يدخلن فيمَن حَرُمَ عليهم الصدقة(٢) .
* قوله: «هو حبل الله)):
(ن): قيل: المراد بحَبْل الله عَهْدُه، وقيل: السبب المُوصِل إلى رضاه
ورحمته، وقيل: هو نوره الذي يهدي به، انتھی(٣).
٣٤٧ _ وعَن ابنِ عُمَرَ ﴾، عَنْ أبي بَكْرِ الصِّدِّيق ◌َ﴿ه:
مَوْقُوفاً عَلَيْهِ أَنَّهُ قَالَ: ارْقُبُوا مُحَمَّداً فٍَّ فِي أَهْلِ بَيْتِهِ، رواه البخاري.
مَعْنى: ((ارْقُبُوا)): رَاعُوهُ، وَاحْتَرِمُوهُ، وَأَكْرِمُوهُ، والله أعلم.
* قول الصديق ظه: ((ارقبوا محمداً ◌َّ﴿ في أهل بيته)): فيه: الحَثُّ
الشَّديدُ على مُوالاة أهل البيت [و] من والاهم، ومُعاداة مَن عاداهم، فينبغي
(١) انظر: ((تفسير ابن كثير)) (١١ / ١٦٠).
(٢) انظر: ((شرح مسلم) للنووي (١٥ / ١٨٠).
(٣) المرجع السابق، (١٥ / ١٨١).
٥٤٥
أن يُستحضر شخصُه الكريم حياً بين أَظْهُرهم، يشاهِدُ أدبَهم وتعظيمَهم
وإكرامَهم أهلَ البيت؛ فإن حقيقةَ المُراقبة استحضارُ الرَّقيب.
٥٤٦
٤٤-بل
توقيرِ العلماءِ والكبارِ وأهلِ الفضلِ
وتقديمهم على غيرِهم، ورفعٍ مجالسهم،
وإظهار مرتبتھم
قال الله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِى الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا
٠
يَتَذَكَّرُ أُوْلُواْ الْأَلْبَبِ﴾ [الزمر: ٩].
(الباب الرابع والأربعون)
(في توقير العلماء والكبار وأهل الفضل
وتقديمهم على غيرهم ورفع مجالسهم وإظهار مرتبتهم)
* قوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِى الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٩]:
(م): فيه تنبيه عظيم على فضيلة [العلم]، وقد فرَّق بين سبعة في
القرآن، فرّق بين الخبيث والطيب، فقال تعالى: ﴿قُل لَّا يَسْتَوِى الْخَبِيثُ
وَاُلَِّبُ﴾ [المائدة: ١٠٠]؛ يعني: الحلال، والحرام، وفرَّق بين الأعمى
والبَصير، والُّور والظُّلمة، والجنة والنار، والحيِّ والميِّت، فقال تعالى:
﴿وَمَا يَسْتَوِى الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ (٥) وَلَا اُلُّلُمَتُ وَلَ النُّورُ ﴾ وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحُورُ (٥)
وَمَا يَسْتَوِىِ الْأَخَُّْ وَلَ الْأَمْوَتُ ﴾ [فاطر: ١٩ - ٢٢]، وإذا تأملت، وجدت كلَّ ذلك
مأخوذاً من الفرق بين العَالِم والجاهل(١).
(١) انظر: ((تفسير الرازي)) (٢ / ١٦٥).
٥٤٧
(ش): ذكر ابن عبد البَرِّ عن عبدالله بن داود قال: إذا كان يومُ القيامة؛
عزل الله سبحانه العُلماءَ عن الحساب، فيقول: ادخلوا الجَنَّةَ على ما كان
منکم، إني لم اجعل حِکمتي فیکم إلا لخير أردته بكم.
قال ابن عبد البَرِّ في هذا الخبر: إن الله وَ يُجلس العلماءَ يوم القيامة
حتى يُقضَى بين الناس، ويدخلَ أهلُ الجنة الجنةَ، وأهلُ النار النارَ، ثم يدعو
العلماء، فيقول: يا معشرَ العُلماء؛ إني لم أضع حكمتي فيكم، وأنا أريد أن
أُعَذِّبكم، قد علمت أنكم تَخْلِطُون من المعاصي ما لا يَخْلِطُ غيرُكم، فستَرتُها
عليكم، وغفَرتُها لكم، وإنما كنت أُعبَد بفُتياكم وتعليمِكم عبادي، ادخلوا
الجنة بغير حساب، ثم قال: لا مُعطيَ لما منعَ الله، ولا مانع لما أعطی.
قال: وروى الطبرانيُّ بإسناد جَيِّد مرفوعاً إلى النبيِّ ◌َّهِ: إن الله إذا
جمع الناس في صعيد واحد؛ قال للعلماء: إني كنت أُعبَدُ بفَتَوَاكُم، وقد
علمت أنكم تَخلِطُون ما لا يَخِلِطُ الناس، وإني لم أضع علمي فيكم، وأنا
أريد أن أُعذِّبكم، اذهبوا فقد غفرتُ لكم(١)، هذا معنى الحديث، وقد رُوي
مسنداً ومرسلاً .
فإن قيل: فقواعد الشرع تقتضي أن يُسامَحَ الجاهل بما لا يُسامَح به
العالمُ، وأن يغفر له ما لا يغفر للعالم؛ فإن حُجَّة الله عليه أَقْوَمُ منها على
الجاهل، وعلمه بقُبح المَعصية، وبُغْض الله إياها، وعقوبته عليها أعظمُ،
ونعمة الله عليه بما أودعه من العلم [أعظم] من نعمته على الجاهل، فمن
حُبِيَ بالإنعام والإكرام، ثم تجرَّأ على انتهاك المُحرَّمات، واستخف
(١) رواه الطبراني في ((المعجم الأوسط)) (٤٢٦٤) وابن عبد البر في ((جامع بيان العلم
وفضله)) (١ / ٤٧)، من حديث أبي موسى الأشعري
٥٤٨
بالتَّبِعَات والسَّيِّئَات؛ استحق أن يُقابلَ من الانتقام بما لا يُقابَلُ به مَن ليس
مثلَه، وعلى هذا جاء قوله تعالى: ﴿َنِسَآءَ النَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ
تُبَيِّنَةٍ يُضَعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنٍ﴾ [الأحزاب: ٣٠]؛ ولهذا كان حَدُّ الحُرِّ
ضعفي حَدِّ العبد؛ لكمال النعمة عليه، وفي الحديث: ((أَشدُّ النَّاسِ عَذَاباً
يومَ القِيَامَةِ عَالِمٌ لم يَنفَعْهُ [الله] بعِلْمِهِ)).
قال بعضُ السَّلَف: يُغفر للجاهل سبعون ذنباً قبل أن يغفر للعالم
ذنبٌ .
فالجواب: أن ما ذكرتموه حَقٌّ لا ريب فيه، ولكن مقتضى الشرع
والحكمة أيضاً: أن مَن كثُرت حسناتُه، وكان له في الإسلام تأثيرٌ ظاهر؛ فإنه
يحتمل له ما لا يحتمل لغيره، ويُعفى عنه ما لا يُعفى عن غيره؛ فإن المعصيةَ
خَبَثٌ، والماء إذا بلغ قُلَتين؛ لم يحمل الخَبَثَ، بخلاف الماء القليل؛ فإنه
لا يحمل أدنى خَبَث، فيؤثِّر فيه، ويُفِسدُه، ومن هذا قولُ النبيِّوَّ لِعُمر ◌َهُ:
((ومَا يُدريكَ لعَلَّ اللهَ اطَّلِعَ على أَهْلِ بَدْرٍ فقال: اعمَلُوا ما شِئْتُم، فَقَدْ غَفَرْتُ
لَكُم))(١)، وهذا هو المانع مَن قتل من حَسَّ عليه وعلى المسلمين، وارتكب
مثلَ ذلك الذنب العظيم، وكان مقتضى العقوبة قائماً، ولكن منع من ترتُّب
أثره عليه ما له من المشهد العظيم.
ولما حضَّ النبيُّ وَّ على الصدقة، فأخرج عثمان ◌َبه تلك الصدقةَ
العظيمة؛ قال النبيُّ ◌َّهِ: ((ما ضَرَّ عُثمانَ ما فعلَ بعدَ اليَوم)) (٢)، وقال لطلحة لما
(١) رواه البخاري (٢٨٤٥)، من حديث علي ضـ
(٢) رواه الترمذي (٣٧٠١)، من حديث عبد الرحمن بن سمرة ظه، وهو حديث
حسن. انظر: ((صحيح سنن الترمذي)) (٢٩٢٠).
٥٤٩
طأطأً للنبيِّ وَ﴿ حتى صَعِد على ظهره على الصخرة: ((أَوْجَبَ طَلحَةُ))(١)، وهذا
موسى بنُ عِمران كليم الرَّحمن ألقى الألواحَ التي فيها كلامُ الله ◌َ، الذي
كتب له، ألقاها على الأرض حتى تكسَّرت(٢)، ولطَم عينَ ملَك المَوت
ففقأها (٣)، وأخذ برأس أخيه يَجرُّه إليه، وهو نبيٌّ كريم، كلُّ هذا لم يَنقُص منه
شيئاً عند رَبِّه رَّ؛ فإن الأمر الذي قام به موسى عليه السلام، وصَبْرَه على
ما أُوذِيَ في الله لا يُؤثِّر فيه أمثالُ هذه الأُمور، ومعلوم في فِطْرَة الناس أن مَن له
ألوفٌ من الحسنات يُسامَح بالسيئة الواحدة؛ كما قيل:
جَاءَتْ مَحَاسِنُهُ بِأَلْفِ شَفِيعِ
فإذا الحَبِيِبُ أَتَى بذَنْبٍ وَاحِدٍ
وقال آخر:
فأفعَالُه اللاتي سَرَرْنَ كَثِيرُ
فإِنْ يَكُنِ الفِعْلُ الَّذِي سَاءَ وَاحِداً
والله سبحانه يُعامِلِ مع الذين آثروا مَحابَّه ومَراضيَه طُولَ عُمُرهم،
وغلبتهم دَوَاعي طَبْعِهم أحياناً من العفو والمسامحة ما لا يُعامِل مع غيرهم،
وأيضاً؛ فإن العالم إذا زلَّ فإنه يُحسِن إسراع الفَيْئة، ومُداواة الجُرح، فهو
كالطبيب الحَاذِقِ البَصِير بالمرض وأسباب علاجه، وهذا فَضْل الخِطاب في
هذا الموضع، وبه يتبين أن الأمرين حَقٌّ، ولا مُنافاةَ بينهما أصلاً، وأن كل
(١) رواه الترمذي (١٦٩٢)، من حديث الزبير بن العوام څ، وهو حديث حسن.
انظر: ((صحيح سنن الترمذي)» (٢٩٣٩).
(٢) رواه الإمام أحمد في ((المسند)) (١/ ٢٧١)، والطبراني في ((المعجم الكبير)
(١٢ / ٥٤)، من حديث ابن عباس ﴿﴾. وهو حديث صحيح. انظر: ((صحيح الجامع
الصغير)) (٥٣٧٤).
(٣) رواه مسلم (٢٣٧٢ / ١٥٨)، من حديث أبي هريرة .
٥٥٠
واحد منهما إنما زاد قبح ذنبه على ذنب الآخر؛ بسبب جَهْلِهِ، وتجرد
خطيئته عَمَّا يقاومُها، [فعاد] القبح في الموضعين إلى الجهل، وما يستلزمه،
وإلى العلم وما يستلزمه، وهذا دليلٌ ظاهر على شرف العلم وفضله،
وبالله التوفيق(١).
٣٤٨ - وعن أبي مسعودٍ عُقبةَ بنِ عَمْرٍو البدريِّ الأنصاريِّ
قال: قالَ رسولُ اللهِ وَلِ: ((يَؤُمُّ القَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ الله، فَإِنْ كَانُوا
في القِرَاءَةِ سَوَاءٌ، فَأَعْلَمُهُمْ بِالسُّنَّةِ، فَإِنْ كَانُوا فِي السُّنَّةِ سَوَاءً،
فَأَقْدَمُهُمْ هِجْرَةً، فَإِنْ كَانُوا فِي الهِجْرَةِ سَوَاءٌ، فَأَقْدَمُهُمْ سِنَّا، وَلاَ
يَؤُمَّنَّ الرَّجُلُ الرَّجُلَ فِي سُلْطَانِهِ، وَلاَ يَقْعُدْ فِي بَيْثِهِ عَلَى تَكْرِمَتِهِ إلاَّ
یاذْنِهِ»، رواه مسلم.
وفي روايةٍ لَهُ: ((فَأَقْدَمُهُمْ سِلْماً، بَدَلَ ((سِنَّ))؛ أَيْ إِسْلاَمَاً.
وفي روايةٍ: ((يَؤُمُّ القَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ الله، وَأَقْدَمُهُمْ قِرَاءَةً،
فَإِنْ كَانَتْ قِرَاءَتُهُمْ سَوَاءً، فَيَؤُمُّهُمْ أَقْدَمُهُمْ هِجْرَةً، فَإِنْ كَانُوا فِي
الهِجْرَةِ سَوَاءٌ، فَلْيَؤُمَّهُمْ أَكْبَرُهُمْ سِنَّ».
وَالمُرَادُ(بِسُلْطَانِهِ»: مَحَلُّ وِلاَيَتِهِ، أَوْ المَوْضِعُ الَّذِي يَخْتَصُّ
بِهِ، ((وَتَكْرِمَتُهُ)) بفتح التاءِ وكسر الراءِ: وَهِيَ مَا يَنْفَرِدُ بِهِ مِنْ فِرَاشٍ
وَسرِيرٍ وَنَحْوِهِمَا.
(١) انظر: ((مفتاح دار السعادة)) لابن القيم (١ / ١٧٥).
٥٥١
(الأَوْلُ)
(ط): ((يؤم القوم أقرؤهم)) إخبارٌ في معنى الأمر؛ كما أن قوله تعالى:
﴿اَلَِّ لَا يَنْكُِّ إِلََّ زَانِيَةٌ ﴾ [النور: ٣] إخبارٌ في معنى النهي(١).
(ن): فيه: دليلٌ لمن يقول بتقديم الأقرأ على الأفقه، وهو مذهب
أبي حنيفة، وأحمدَ، وبعض أصحابنا، وقال مالك والشافعيُّ وأصحابنا:
الأفقه مُقدَّم على الأقرأ؛ لأن الذي يحتاج إليه من القراءة مضبوطٌ، والذي
يحتاج إليه من الفقه غيرُ مضبوط، وقد يَعرِضُ في الصلاة أمرٌ لا يقدر على
مُراعاة الصَّواب فيه إلا كاملُ الفقه، قالوا: ولهذا قدَّم النبيُّ وَّ أبا بكر ◌َظُ
في الصلاة على الباقين، مع أنه وَّ نَصَّ على أن غيرَه أقرأ منه، وأجابوا عن
الحديث؛ بأن الأقرأ من الصحابة كان هو الأفقة، لكن في قوله: ((فإذا كانوا
في القراءة سواء؛ فأعلمهم بالسنة)) دليلٌ على تقديم الأقرأ مُطلقاً، ولنا وجه
اختاره جماعة من أصحابنا: أن الأَوْرَع مُقدَّم على الأفقه والأقرأ؛ لأن
المقصود من الإمامة يَحصُل من الأَوْرَع أكثرَ من غيره(٢) .
(ق): هذا - والله أعلم - كان في أول الإسلام، عند عدم التفقُّه،
فكان المُقدَّم هو القارئَ وإن كان صبياً، على ما جاء في حديث عمرو بن
سَلِمة، فلمَّا تفقَّه الناسُ في القرآن والسُّنة؛ قُدِّم الفقیه؛ بدليل تقديمه ێ أبا
بكر، وقد نصَّ أن أقرأهم أُبيِّ، فلو كان الأقرأ مُقدَّماً؛ لكان أُبيِّ أَوْلَى
بالإمامة، والمُراد من ((السُّنة)) أحاديثُ السُّنن عن رسول الله وَّهِ.
وفي قوله: ((يؤم القوم أقرؤهم)) حجَّةٌ لنا في مَنْع إمامة المرأة
(١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٤ / ١١٥٢).
(٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٥ / ١٧٢).
٥٥٢
للرجال؛ لأن القوم هم الرجال؛ لأن بهم قِوَامَ الأُمور، وقد قال تعالى:
﴿لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ﴾ ﴿وَلَ نِسَآءٌ مِّن ◌ِسَآءٍ﴾ [الحجرات: ١١]، قال الشاعر:
ولا أَدْرِي وسَوْفَ إِخَالُ أدري
أَقَوْمٌ آلُ حِصْنٍ أَمْ نِسَاءُ
فسمى الرِّجال قَوْماً(١).
* قوله تلفزي: ((فأقدمهم هجرة» :
(ن): يدخل فيه طائفتان :
إحداهما: الذين يهاجرون اليوم من دار الكفر إلى دار الإسلام؛ فإن
الهجرة باقية إلى يوم القيامة عندنا وعند جمهور العلماء، وقوله ((لا هِجْرةَ
بعدَ الفَتْحِ)) (٢)؛ أي: الهجرةُ الفاضلة المُهمَّة المطلوبة التي يمتاز بها أهلُها
امتيازاً ظاهراً انقطعت بفتح مكة؛ لأن الإسلامَ قَوِيٍ وعَزَّ بعدَه عِزَّا (٣) ظاهراً
بخلاف ما قبله.
والطائفة الثانية: أولاد المُهاجرين إلى رسول الله وَّ؛ فإن كان أحدُهما
من أولاد من تقدمت هجرته، والآخرُ من أولاد مَنْ تأخرت هجرته؛ قُدِّم
الأول(٤).
* قوله: ((فأقدمهم سلماً):
(ق): أي: إسلاماً، وهذا؛ لفضيلة السَّبْق إلى الإسلام؛ كما قال
(١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٢ / ٢٩٧).
(٢) رواه البخاري (٢٦٣١)، من حديث ابن عباس
(٣) في الأصل: ((امتيازاً)) .
(٤) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٥/ ١٧٣).
٥٥٣
تعالى: ﴿وَالسََِّّقُونَ السَِّقُونَ ) أُوْلَكَ الْمُقَرَّبُونَ﴾ [الواقعة: ١٠ -١١]، وفي رواية
أخرى ((سِنَّ)» مكان ((سلماً».
وروى الزهري في هذا الحديث: ((فإن استووا في القراءة؛ فأفقهم في
دين الله، فإن كانوا في الفقه سواءً؛ فأكبرُهم سِنَّا، فإن كانوا في السِّنِّ
سواءً؛ فَأَصْبَحُهم وَجْهاً، فإن كانوا في الصَّبَاحة والحُسْن سواءً؛ فأكثرهم
حَسباً)).
قال العلماء: إنما رتَّب النبيُّ وَّر للأئمة هذا الترتيبَ؛ لأنها خِلافةُ
النبيِّ ◌ٍَّ؛ إذ هو إمامُ الناس في الدُّنيا والآخرة، فهي بعدَه للأقرب إليه
منزلةً والأشبَه به(١) مرتبةً(٢).
* قوله ◌َله: «ولا يؤمن الرجلُ الرجلَ في سلطانه»:
(ق): أي: في موضع سلطنته، وهو ما يملكه، أو يتسلط عليه بالتصُّف
فيه، وفيه حُجَّة على أن الإمام المَنصُوبَ من السُّلطان، أو مَنْ جُعِل له الصلاةُ
أحقُّ بالتقدُّم مِن غيره حيث كان(٣).
(ن): السُّلطان أو نائبه مُقدَّمٌ على رَبُّ البيت؛ لأن ولايتَه وسُلطانه
عامٌّ(٤).
(تو): لأن الجماعة شُرعت لاجتماع المؤمنين على الطاعة، وتألُّفهم
وتَوادِّهم، فإذا أمَّ الرجلُ الرجلَ في سلطانه؛ أدَّى ذلك إلى توهين أمر
(١) في الأصل: ((إليه)).
(٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٢ / ٢٩٨).
(٣) المرجع السابق، (٢ / ٢٩٩).
(٤) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٥/ ١٧٣).
٥٥٤
السَّلْطنة، وخَلْع رِبِقَةِ الطاعة، وكذلك إذا أَمَّه في أهله وقومه؛ أدَّى ذلك
إلى التباغض، والتقاطع، وظهور الخلاف الذي شرع لرفعه الاجتماعُ،
ولا يتقدَّم الرجل على ذي السَّلطنة لاسيما في الأعياد والجُمُعات، ولا على
إمام الخَيِّ ورَبِّ البيت إلا بالإذن.
(ن): قال أصحابنا: ويُستحبُّ لصاحب البیت أن يأذن لمن هو أفضل
منه(١).
* قوله: «ولا یجلس في تکرِمته»:
(ن): بفتح التاء وكسر الراء، هي الفِراشُ ونحوُهُ مِمَّا يُبسط لصاحب
المنزل ويختصُّ به(٢).
(تو): هو ما يُعَدُّ للرجل؛ إكراماً له في منزله؛ من فراش، وسَجَّادة،
ونحوهما .
(قض): هو في الأصل مصدر كرَّم تكريماً، أطلق على ما يُكرَّم به
مجازاً(٣).
(ق): هذا المنع مبنيٌّ على مَنْع التصرُّف في مُلك الغير، غيرَ أنه خَصَّ
التَّكرِمةَ؛ للتساهل في القعود عليه(٤).
(١) المرجع السابق، الموضع نفسه .
(٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٥ / ١٧٤).
(٣) انظر: ((تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة)) للبيضاوي (١ / ٣٤٣).
(٤) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٢ / ٢٩٩).
٥٥٥
٣٤٩ - وعنه، قال: كان رسولُ اللهِوَ﴿ يَمْسَحُ مَنَاكِبَنَا في
الصَّلاَةِ، وَيَقُولُ: ((اسْتَرُوا وَلاَ تَخْتَلِفُوا، فَتَخْتَلِفَ قُلُوبُكُمْ، لِيَلِنِي
مِنْكُمْ أُولُو الأَحْلاَمِ وَالنُّهَى، ثُمَّ الَّذِينَ يُلُوْنَهُمْ))، رواه مسلم.
وقوله {َ﴾: ((لِيَلِنِي)) هو بتخفيفِ النُّون، وَلَيْسَ قَبْلَهَا يَاءٌ،
وَرُوِي بتشديد النُّون مَعَ يَاءٍ قَبْلَهَا، ((وَالنُّهَى)): العُقُولُ، ((وَأُولُو
الأحْلام)): هُمْ البَالِغُونَ، وَقِيلَ: أَهْلُ الحِلْمِ وَالفَضْلِ.
(الَّانِى)
* قوله: «یمسح مناکبنا» :
(ن): أي: يُسوِّي بيننا في الصُّفوف، ويُعدِّلنا فيها(١).
[(ط)]: وقوله ((فتختلف)) بالنصب؛ أي: إن اختلفتم؛ فتختلف؛
من قَبِيل: لا تدن من الأسد؛ فيأكُلَك.
فيه: أن القلب تابعٌ للأعضاء، فإذا اختلفت؛ اختلف، وإذا اختلف؛
فسد، ففسدت الأعضاءُ؛ لأنه رئيسها(٢).
(ن): أي: يوقع بينكم العَداوةَ والبَغْضاءَ؛ لأن مُخالفتَهم في الصُّفوف
مُخالفةٌ في ظواهرهم، واختلافُ الظواهر سببُ اختلاف البواطن(٣).
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٤ / ١٥٥).
(٢) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٤ / ١١٤١) ووقع في مطبوعه، وكذا في الأصل:
((يأكلك)) دون فاء، والصواب المثبت. انظر: ((مرقاة المفاتيح)) للقاري (١١٨/٥).
(٣) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٤ / ١٥٧).
٥٥٦
(مظ): يعني: أدب الظاهر علامةُ أدب الباطن، فإن لم تطيعوا أمرَ الله
سبحانه، وأمرَ رسوله ◌َّه في الظاهر؛ يؤدي ذلك إلى اختلاف القُلوب،
فيورث كُدُورةً، فيسري ذلك إلى ظاهركم، فيقع بينكم عداوةٌ؛ بحيث
يُعرِضُ بعضُكم عن بعض(١).
(نه): ((أولو الأحلام والنهى))؛ أي: ذَوُو الألباب والعُقول، واحدها
حِلم بالكسر، وكأنه من الحِلم الأناة والتثبُّت في الأمور، وذلك من شِعار
العُقلاءِ(٢).
(ن): ((النهى)) بضم النون: العُقول، فإذا فُسِّر أولو الأحلام بالعقلاء؛
يكون اللفظان بمعنىَ، عُطف أحدُهما على الآخر تأكيداً، وواحدة النُّهى
نُهْيَة، بضم النون، وهي العقل، ورجل نَهٍ، ويسمى العقل نُهْيةً؛ لأنه ينتهي
إلى ما أُمر به، ولا يتجاوز، وقيل: لأنه ينهى عن القبائح.
قال أبو علي الفارسيُّ: يجوز أن يكون النُّهى مصدراً كالهُدى، وأن
يكون جمعاً كالظَّلَم، قال: والنَّهْيُ معناه في اللغة الثَّبَات والحَبْسُ، والنُّهَى
هي التي تنهى وتحبس عن القبائح.
وقوله: ((ثم الذين يلونهم)) معناه الذين يَقرُبون منهم في هذا الوصف،
وفيه: تقديم الأفضل فالأفضل إلى الإمام؛ لأنه أولى بالإكرام، ولأنه ربما
احتاج الإمام إلى استخلاف، فيكون هو أَوْلى، ولأنه يتفطَّن لتنبيه الإمام إلى
السَّهو لما لا يتفطَّن له غيرُه، وليَضبِطُوا صفةَ الصلاة، ويحفظوها، وينقلوها،
وليُعلِّموها للناس، وليقتدي بأفعالهم مَن وراءَهم، ولا يختصُّ هذا التقديم
(١) انظر: ((المفاتيح في شرح المصابيح)) للمظهري (٢ / ٢٢٣).
(٢) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (١ / ٤٣٤).
٥٥٧
بالصلاة، بل السنة أن يُقدَّم أهلُ الفضل في كل مجمع إلى الإمام وكبير
المجلس؛ كمجالس العلم، والقضاء، والذِّكر، والمُشاورة، ومواقف القتال،
وإقامة الصلاة، والتدريس، واستماع الحديث، ونحوها، ويكون الناس فيها
على مراتبهم في العلم، والدِّين، والعقل، والكفاءة في ذلك الباب،
والأحاديث الصَّحيحة مُتعاضِدَةٌ على ذلك(١).
(تو): يعني: ليَدْنُ مِنِّي العُلماء النُّجَباء أُولو الأخطار، وذوو السَّكينة
والوقار، وفي ذلك [بعد] الإفصاح بجلالة شؤونهم، ونباهة أقدارهم، حثُّ لهم
على المُسابقة إلى تلك الفضيلة، والمبادرة إلى تلك المَواقف والمَصافِّ قبل
أن يتمكَّن منها مَن هو دونهم في الرتبة، وفيه: إرشادٌ لمَن قَصُر حاله عن
المُساهمة لهم في المنزلة إلى تحرِّي ما يزاحمهم فيها، وقد كان رسول الله وَله
إذا صلى(٢)؛ قام أبو بكر ظبه مُحاذياً له، لا يقف ذلك الموقفَ غيرُه، وفي
الحديث: أن النبيَّ وَّ كان يُعجِبُه أن يليَه المهاجرون والأنصار؛ ليحفظوا
عنه(٣) .
(قض): ((ثم الذين يلونهم)) كالمراهقين، ثم كالصِّبيان المُميِّزین،
ثم كالنساء؛ فإن نوع الرِّجال أشرفُ على الإطلاق(٤).
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٤ / ١٥٥).
(٢) في الأصل: ((صام)).
(٣) رواه ابن ماجه (٩٧٧)، من حديث أنس . وهو حديث صحيح. انظر: ((صحيح
الجامع الصغير)) (٤٩٢٤).
(٤) انظر: ((تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة)) للبيضاوي (١ / ٣٣٦).
٥٥٨
٣٥٠ - وعن عبد الله بن مسعوده، قال: قال رسولُ الله ◌َّفون:
(يَلِنِي مِنْكُمْ أُولُو الأَحْلامِ وَالنُّهَى، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ)) ثَلاثَاً (وَإِيَّكُمْ
وَهَيْشَاتِ الأسْوَاقِ)، رواه مسلم.
[الثَّالِثُ]
(ن): ((هيشات)) بفتح الهاء وإسكان الياء، وبالشين المعجمة؛ أي:
اختلاطَها، والمنازعَة والخُصوماتِ، وارتفاعَ الأصوات، والَّلَغَطَ التي فيها (١).
(حس): وقيل: هي الاختلاط(٢)؛ أي: لا تختلطوا اختلاطَ أهل
الأسواق، فلا يتميز الذُّكور عن الإناث، ولا الصبيان من البالغين.
ويجوز أن يكون المعنى: قُوا(٣) أنفسكم من الاشتغال بأمور الأسواق؛
فإنه يمنعكم أن تلوني.
٣٥١ - وعن أبي يَحْيَى، وَقِيلَ: أبي مُحَمَّدٍ سَهْلٍ بنِ أَبِي حَثْمَة
- بفتح الحاءِ المهملة وإسكانِ الثاءِ المثلثةِ - الأنصاريِّ څبه، قال :
انْطَلَقَ عَبْدُالله بْنُ سَهْلٍ وَمُحَيِّصَةُ بْنُ مَسْعُودٍ إِلى خَيْبَرَ، وَهِيَ يَوْمَئِذٍ
صُلْحٌ، فَتَفَرَّقَا، فأتَى مُحَيِّصَةُ إلى عبدِ اللهِ بنِ سهلٍ، وَهُوَ يَتَشَخَطُ
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٤ / ١٥٦).
(٢) انظر: ((شرح السنة)) للبغوي (٣/ ٣٧٦).
(٣) في الأصل: ((اتقوا)).
٥٥٩
فِي دَمِهِ قَتِيلاً، فَدَفَنَهُ، ثُمَّ قَدِمَ المَدِينَةَ، فَانْطَلَقَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ
سَهْلٍ، وَمُحَيِّصَةُ وَحُوَيِّصَةُ ابْنَا مَسْعُودٍ إلى النَّبِيِّ وَهِ، فَذَهَبَ عَبْدُ
الرَّحْمَن يَتَكَلَّمُ، فقال: (كَبِّرْ، كَبِّزْ))، وَهُوَ أَحْدَثُ القَوْمِ،
فَسَكَتَ، فَتَكَلَّمَا، فقال: ((أَتَحْلِفُونَ وَتَسْتَحِقُونَ قَاتِلَكُمْ؟))، وَذَكَرَ
تمامَ الحَدِيث، متفقٌ عليه.
وقوله وَلِهِ: ((كَبِّرْ كَبِّرْ)) مَعْنَاهُ: يَتَكَلَّمُ الأكْبَرُ.
٤
بقية الحديث: ((أتحلفون وتَستحِقُونَ قاتلَكُم؟ قالوا: كيف نَحلِفُ
ولم نشهد؟ قال: فُتُبرِئكُم يَهودُ بخمسين يميناً، قالوا: وكيف نقبل أيمانَ
قوم كُفَّار، فلما رأى ذلك رسولُ اللهِ وَّةِ؛ أعطى عَقْلَهُ)) (١)، وفي رواية:
(بعث إليهم رسولُ الله ◌َّ مائة ناقة))(٢).
(نه): ((يتشحط في دمه))؛ أي: يتخبّط فيه، ويضطربُ، ويتَمرَّغ(٣).
(ن): ((حويصة ومحيصة)) بتشديد الياء فيهما، وتخفيفهما، لغتان
مشهورتان، أشهرهما التشديد، ومعنى الحديث: أن المقتول هو عبدالله،
وله أخ اسمه عبدُ الرَّحمن، ولهما ابنا عَمِّ؛ مُحيِّصة وحُويِّصة، وهما أكبر
سِنَّا من عبد الرَّحمن، فلما أراد عبد الرّحمن أخو القتيل أن يتكلم؛ قال
(١) رواه مسلم (١٦٦٩ / ١)، من حديث رافع بن خديج ـ
(٢) رواه مسلم (١٦٦٩ / ٥)، من حديث سهل بن أبي حثمة عظته.
(٣) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (٢ / ٤٤٩).
٥٦٠