النص المفهرس
صفحات 481-500
أَنَّفُ، ثُمَّ رَغِمَ أَنْفُ مَنْ أَدْرَكَ أَبَوَيْهِ عِنْدَ الكِبَرِ، أَحَدَهُمَا أَوْ كِلَيْهِما، فَلَمْ يَدْخُلِ الجَنَّةَ))، رواه مسلم. (الَُِّّ) (ق): ((رغم)) بكسر الغين وفتحها، لغتان، رغماً بفتح الراء وكسرها وضَمِّها، معناه لصِق بالرَّغام بفتح الراء، وهو التراب، وأرغم الله أنفَه، أي: ألصقه به(١). (ن): ((الرغام)) تراب مختلط برمل، وقيل: الرَّغْمُ: كلُّ ما أصاب الأنف مِمَّا يُؤذيه(٢). (ق): هذا من النبيِّ نَِّ دعاء مُؤكَّد على من قَصَّر في برِّ أبويه، ويحتمل و جھین : أحدهما: أن يكون معناه: صَرَعه الله لأنفه وأهلكه، وهذا إنما يكون في حَقٌّ من لم يَقُم بما يجب عليه من بِرِّهما. وثانيهما: أن يكون معناه: أذله الله، لأن مَن ألصق أنفَه الذي هو أشرف أعضاء الوجه بالتراب الذي هو مَوْطِئ الأقدام، وأخسُّ الأشياء، فقد انتھی من الذُّلِّ إلى الغاية القُصوى، وهذا يصلح أن يُدعى به على مَن فَرَّط في مُتأكِّدات المَندوبات، ويصح لمَن فَرَّط في الواجبات، وهو الظاهر، وتخصيصه عند الكبر بالذِّكر وإن كان بِرُهما واجباً على كل حال، إنما يكون لشِدَّة حاجتهما، (١) المرجع السابق، (١ / ٢٩٢). (٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٦ / ١٠٩). ٤٨١ ولضعفهما عن القيام بكثير من مصالحهما(١). · قوله: ((أحدهما أو كليهما)): (ق)(٢): كذا الرواية الصحيحة، بنصب ((أحدهما)) و((كليهما)) لأنه بدل من «والديه)) المنصوب بـ ((أدرك))، وقد وقعا في بعض النسخ مرفوعين على الابتداء، ويُتكلَّف لهما إضمارُ الخبر، والأول أولى(٣). (مظ): ((عند الكبر)) ظرف في موضع الحال، والظرف إذا كان في موضع الحال يرفع ما بعده فـ ((أحدهما)) مرفوع بالظرف و((كلاهما)) معطوف على ((أحدهما))(٤). (ق): ((أو) المذكورة ههنا للتقسيم، ومعناه: أن المُبالغةَ في برِّ أحد الأبوين عند عدم الآخر يُدخل الولدَ الجَنَّةَ، كالمُبالغة في برِّهما معاً(٥). (ط): (ثم) في قوله: ((ثم لم يدخل الجنة)) [استبعادٌ، يعني ذَلَّ وخسر من أدرك تلك الفرصةَ التي هي موجة للفلاح والفوز بالجنة](٦)، ثم لم ينتهزها، وانتهازها: هو ما اشتمل عليه قوله تعالى: ﴿وَبِالْوَلِدَيْنِ إِحْسَنَاْ إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُ هُمَا أَوْ كِلَاهُمَا﴾ إلى قوله: ﴿وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَا رَبَِّانِ صَغِيرًا﴾ [الإسراء: ٢٣ - ٢٤]، فإنه دل على الاجتناب عن جميع الأقوال (١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٦ /٥١٨). (٢) في الأصل: ((ن))، والمثبت هو الصواب. (٣) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٦ /٥١٩). (٤) انظر: ((المفاتيح في شرح المصابيح)) للمظهري (٥ / ٢٠٢). (٥) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٦ / ٥١٦). (٦) ما بين معكوفتين من ((شرح المشكاة)) للطيبي (٣١٥٥/١٠). ٤٨٢ المُحرَّمة، والإتيان بجميع كرائم الأقوال والأفعال، من التواضُع، والخِدمة، والإنفاق عليهما، ثم في الدعاء لهما في العافية. فإن قلت: بيِّن لي الفرقَ بين قوله ◌َّى: ((عند الكبر))، وقوله تعالى: ﴿عِندَكَ الْكِبَرَ﴾ [الإسراء: ٢٣]. قلت: معنى ﴿عِندَكَ﴾ أن يكبرا ويعجزا، وكانا كَلاَّ عليك، ولا كافلَ لهما غيرُك، فهما عندك، وفي بيتك، وكَنَفَك، ومعنى ((عند الكبر)): في حال حُضوره، ومكان حُصوله، أي: يدركهما والحال أنهما عاجزان، والضعف مُتمكِّن فيهما، وكأنهما لحم على وَضَم، فتزاول إنقاذَهما من تلك الوَرْطة، بالإحسان قولاً، وخَفْض الجناح بالذُّلِّ فعلاً، وطلب الرحمة من الله تعالى، فإنه يدل على الاعتراف بالعَجْز والقُصُور في أداء حَقِّهما، والإحالة على الله تعالى ورحمته، لأنه هو الكافي والحَسيب، وإليه الإشارة بقوله: ﴿كَارَبَيَانِ صَغِيرًا﴾(١) [الإسراء: ٢٤ ٣١٨ - وعنه ه: أن رجلاً قال: يا رسولَ الله! إنَّ لي قَرَابَةً أَصِلُهُمْ وَيَقْطَعُونِي، وَأُحْسِنُ إِلَيْهِمْ وَيُسِيئُونَ إليَّ، وَأَخْلُمُ عَنْهُمْ وَيَجْهَلُونَ عَلَيَّ، فقال: (لَئِنْ كُنْتَ كَمَا قُلْتَ، فَكَأَنَّمَا تُسِقُّهُمُ المَلَّ، وَلا يَزَالُ مَعَكَ مِنَ اللهُ ظهِيرٌ عَلَيْهِمْ مَا دُمْتَ عَلَى ذَلكَ))، رواه مسلم . ((وَتُسِقُّهُمْ)): بضم التاءِ وكسر السين المهملةِ وتشديدِ الفاءِ، (١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (١٠ / ٣١٥٥). ٤٨٣ (وَالمَلُّ): بفتح الميم، وتشديد اللام، وهو الرَّمَادُ الحَارُّ؛ أَيْ: كَأَنَّمَا تُطْعِمُهُمُ الرَّمَادَ الحَارَّ، وَهُوَ تَشْبِيَةٌ لِمَا يَلْحَقُهُمْ مِنَ الإِثْمِ بِمَا يَلْحَقُ آكِلَ الرَّمَادِ الحَارِّ مِنَ الأَلمِ، وَلا شَيْءَ عَلَى هذا المُحْسِنِ إِلَيْهِمْ، لَكِنْ يَنَلهُمْ إِثْمٌّ عَظِيمٌ بِتَقْصِيرِهِم في حَقِّهِ، وإِدْخَالِهِمُ الأَذَى عَلَيْهِ، والله أعلم. (الشَّائِ (ن): ((أحلم)) بضم اللام، و((يجهلون))؛ أي: يسيئون، والجهل هنا: القَبيح من القول(١). (ق): الرواية بضم تاء ((تسفهم)) وكسر السين، وضم الفاء، أي: تجعلهم يَسُقُّونه، والسَّفُّ: شرب كل دواء يؤخذ غيرَ مَلْتُوتٍ(٢). (نه): ((تسفهم المل)) هو من قولهم: سَفِفت الدواءَ - بالكسر - أَسقُه، وأسففته غيري، هو السَّفوفَ بالفتح، يعني: إذا لم يشكروا، فإنَّ عطاءك إياهم حرامٌ عليهم، ونار في بُطونهم(٣) . (ن): وقيل معناه: أنك بالإحسان إليهم تخزيهم وتُحَقِّرهم في أنفسهم، لكثرة إحسانك، وقبيح فعلهم من الخِزْي والحَقارة عند أنفسهم، كمَن يَسِفُّ المَلَّ، انتهى. (١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٦ / ١١٥). (٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٦ / ٥٢٩). (٣) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) (٢ / ٣٧٥). ٤٨٤ ويحتمل أن يكون معناه: أن إحسانك إليهم لا يفيدهم قوةً على أَذِيَتِك، بل هو سببٌ لضعفهم عن الأذى، كما أن الذي يَستفُّ المَلَّ لا یقوی بذلك، بل يَضعُف(١). (ط): قوله: ((فكأنما)) هكذا هو بالفاء في نسخ ((مسلم)) و((كتاب الحُميدي))، والظاهر اللام، كما ورد في ((شرح السنة))، لأن اللام في قوله: ((لئن كنت)) موطئة للقسم، وهذه جوابه سَدَّ مَسَدَّ الشرط، اللهم، إلا أن يعكس، ويجعل جزاء الشرط سَادًّا مَسَدَّ القَسَم، وفي هذا المعنى قول الحماسي : وبَيْنَ يَنِي عَمِّي لَمُختَلِفٌ جِدَّا وإنَّ الذي بَيْني وبَيْنَ بَني أَبِي وإِنْ هَدَمُوا مَجْدي بَيَّتُ لهم مَجْدا إِذَا أَكَلُوا لَحْمِي وَفَرْتُ لحومَهمُ وإِنْ هُمْ هَوُوا غَيِّي هَوِيتُ لَهُم رُشْدًا (٣) وإِنْ ضَيَّعُوا غَيْبِي(٢) حَفِظْتُ غُيُوبَهم (ق): ((الظهير)): المُعين، ومعناه أن الله يُؤیِدك بالصبر على جفائهم، وحُسن الخلق معهم، ويُعليك عليهم في الدنيا والآخرة مُدَّةَ دوامك على مُعاملتك لهم بما ذكرت(٤). (١) انظر: ((شرح مسلم) للنووي (١٦ / ١١٥). (٢) في الأصل: ((عهدي)). (٣) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (١٠ / ٣١٦٤). (٤) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٦ / ٥٢٩). ٤٨٥ ٣١٩ - وعن أَنْسِ: أَنَّ رسولَ اللهِوَ ﴿ه قال: ((مَنْ أَحَبَّ أَنْ ◌ُيْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ، وَيُنْسَأَ لَهُ فِي أَثَرِهِ، فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ»، متفقٌ عليه. ومَعْنى ((يُنْسَأَلَهُ فِي أَثَرِهِ»؛ أيْ: يُؤَخَّرَ له في أَجَلِهِ وهُمُرِهِ. (التَّافِيُ) (ق): بَسْطُ الرِّزق: سَعتُه، وتكثيره، والبركة فيه(١). (نه): الأَثْر: الأجل، وسُمِّ به لأنه يتبَعُ العُمرَ. قال زهير: والنَّفْسُ وَاحِدَةٌ والهَمُّ مُنْتَشِرُ يَسعَى الفَتى لأُمُورٍ ليسَ يُدْرِكُها لا يَنْتَهِي العُمْرُ حَتَّى ينتَهِي الأَثَرُ والمَرْءُ ما عَاشَ مَمدُودٌ له أَمَلٌ وأصلُه مِن أَثَر مشيه في الأرض، فإنَّ مَن مات لا يبقى له أثرٌ، فلا يُرى لأقدامه في الأرض أثَر(٢). (ن): في تأخير الأجل سؤال مشهور، وهو أن الآجال والأرزاق مُقدَّرة لا تزيد ولا تنقص، ﴿فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخُونَ سَاعَةٌ وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ ﴾ [الأعراف: ٣٤]، أجاب العلماء بوجوه: أحدها - وهو الصَّحيح -: أن هذه الزيادة بالبركة في العمر؛ بسبب التوفيق للطاعات، وعَمارة أوقاته بما ينفعُه في الآخرة، وصيانتها عن (١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٦ / ٥٢٨). (٢) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (١ / ٢٣). ٤٨٦ الضَّيَاعِ، وغير ذلك. ثانيها: أنه بالنسبة إلى ما يظهر للملائكة في اللَّوح المحفوظ، ونحو ذلك، فيظهر لهم في اللَّوح المحفوظ أن عُمرَه ستون سنة، إلا أن يصلَ رَحِمَه، فإن وصلها، زید له أربعون، وقد علم الله تعالى بما سيقع له من ذلك، وهو من معنى قوله تعالى: ﴿يَمْحُواْ اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتٌ وَعِندَهُ أُمُ اُلْكِتَبِ﴾ [الرعد: ٣٩]، فأما بنسبته إلى علم الله تعالى، وما سبق به قدَرُه، فلا زيادةَ، بل هي مستحيلة، وبالنسبة إلى ما ظهر للمخلوقين تُتصوَّر الزيادة، وهو مراد الحديث. ثالثها: أن المراد بقاءُ ذكره الجميل بعده، فكأنه لم يَمُت، حكاه القاضي، وهو ضعيفٌ، أو باطل(١). (ط): كان هذا الوجه أظهر؛ فإن أثر الشيء هو حُصول ما يدل على وجوده، فمعنى «يُؤخَّر في أثره))؛ أي: يؤخّر ذكرُه الجميل بعد موته، أو يُجرى له ثوابُ عمله الصالح بعد موته، قال الله تعالى: ﴿وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُواْ وَءَثَرَهُمَّ﴾ [يس: ١٢]، وعليه كلام صاحب ((الفائق)) حيث قال بجواز أن يكون المعنى: أن الله يُبقي أثرَ واصِل الرَّحم في الدنيا طويلاً، فلا يَضْمَحِلُّ سريعاً، كما يَضْمَحِلُّ أثرُ قاطع الرَّحِم، انتهى (٢). رُوي عن وَهْب بن مُنبه قال: إن في الألواح التي كتب الله لموسى عليه السلام: قال: يا موسى وَقِّر والديك، فإنه مَن وَقَّر والديه مدَدْتُ في عمره، ووهبت له ولداً يَبْرُه، ومَن عَقَّ والديه، قَصَّرتُ له من عمره، ووهبت له ولداً (١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٦ / ١١٤). (٢) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (١٠ / ٣١٦٠). ٤٨٧ يعُقُّه، رواه الحافظ التيميُّ. ٣٢٠ - وعنه، قال: كَانَ أَبُو طَلْحَةَ أَكْثَرَ الأَنْصَارِ بِالمَدِينَةِ مَالاً مِنْ نَخْلِ، وكَانَ أحَبُّ أَمْوَالِهِ إِلَيْهِ بَيْرَحَاءَ، وكَانَتْ مُسْتَقْبِلَةً المَسْجِدِ، وكَانَ رسولُ اللهَِ﴿ يَدْخُلُهَا، وَيَشْرَبُ مِنْ مَاءٍ فِيها طَيِّبٍ، فَلَمَّا نَزَلَتْ هذِهِ الآيَةُ: ﴿لَنْ ثَنَالُواْ أَلْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢]، قَامَ أَبُو طَلْحَةَ إلى رسولِ اللهِّهه فقال: يا رسولَ الله! إنَّ الله - تَبَارَكَ وتعالى - يقول: ﴿لَنْ ثَنَالُواْ الْبِرّ حَقَّ تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُونَ﴾، وَإِنَّ أَحَبَّ مَالِي إِلَيَّ بَيْرَحَاءُ، وإِنَّهَا صَدَقَةٌ لله تعالى، أَرْجُو بِرَّهَا وَذُخْرَهَا عِنْدَ الله تعالى، فَضَعْهَا يا رسولَ الله حَيْثُ أَرَاكَ اللهُ، فقال رسولُ الله ◌ِ: ((بَخ! ذَلِكَ مَالٌ رَابِحٌ، ذلِكَ مَالٌ رَابِحٌ! وقَدْ سَمِعْتُ ما قُلْتَ، وَإِنِّي أَرَى أَنْ تَجْعَلَهَا في الأَقْرَبِينَ))، فقال أَبُو طَلْحَةَ: أَفْعَلُ يا رسولَ الله، فَقَسَمَهَا أَبُو طَلْحَةَ في أَقَارِبِهِ وبَني عَمِّهِ، متفقٌ عليه. وَسَبَقَ بَيَانُ أَلْفَاظِهِ في : بَابٍ : الإنْفَاقِ ممَّا يُحِبُّ. (التَّئَة) سبق في (الباب السابع والثلاثين). * ٤٨٨ ٣٢١ - وعن عبدِالله بنِ عمرٍو بنِ العاصِ ﴾، قال: أَقْبَلَ رَجُلٌ إلى نَبِيِّ اللهِ﴿، فقال: أُبَايِعُكَ عَلى الهِجْرَةِ وَالچِهَادِ أَبْتَغِي الأَجْرَ مِنَ الله تعالى، قال: ((فَهَلْ لَكَ مِنْ وَالِدَيْكَ أَحَدٌ حَيٍّ؟»، قال: نَعَمْ، بَلْ كِلاهُمَا، قال: ((فَتَبْتَغِي الأَجْرَ مِنَ اللهِ تعالى؟))، قال: نَعَمْ، قال: ((فَارْجِعْ إِلَى وَالِدَيْكَ، فَأَحْسِنْ صُحْبَتَهُمَا))، متفقٌ عليه، وهذا لَفْظُ مسلِمٍ. وفي روايةٍ لَهُمَا: جَاءَ رَجُلٌ، فَاسْتَأْذَنَهُ في الچِهَادِ، فقال: ((أَحَيٍّ وَالِدَاكَ؟))، قال: نَعَمْ، قال: ((فَفِيهِمَا فَجَاهِدْ)). (الَشِرُ) * قوله وي: ((فتبتغي الأجر من الله؟))؛ أي: إن كنت صادقاً في قولك هذا، ومطلوبُك الأجرُ؛ فارجع، فأحسن صُحبةَ والديك. (ط): ((ففيهما)) متعلِّق بالأمر، قُدِّم للاختصاص، والفاء الأولى جزاء شرط محذوف، والثانية جزائية، لتضمُّن الكلام معنى الشرط، أي: إذا كان الأمر كما قلت، فاختصَّ المُجاهدة في خدمة الوالدين؛ نحو قوله تعالى: ﴿يَعِبَادِىَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِنَّ أَرْضِى وَسِعَةٌ فَإِنَّنَىَ فَأَعْبُدُونِ﴾ [العنكبوت: ٥٦]؛ أي: إذا لم تُخلِصُوا إليَّ العبادة في أرض، فأخلصوها في غيرها، فحُذِف الشرطُ، وعُوِّض منه تقديمُ المفعول المفيد للاختصاص ضمناً. ٤٨٩ وقوله: ((فجاهد» جيء به مُشاكلةً(١). (ن): فيه: دليلٌ على عظيم فضيلة بِرِّهما، وأنه آكدُ من الجهاد، وفيه: حُجَّة أنه لا يجوز الجهاد إلا بإذنهما إذا كانا مُسلمين، أو بإذن المُسلم منهما، فلو كانا مشركين، لم يشترط إذنُهما عند الشافعي ومُوافقيه، هذا كله إذا لم يحضر القتال، فإن حضر القتال، يجوز بغير إذن(٢). (حس): إذا كان الجهاد فرضاً مُتَعِّيناً، فلا حاجة إلى إذنهما، وإن منعاه؛ عصاهما، وخرج، وكذلك لا يخرج إلى شيء من التطوعات، كالحَجِّ، والعُمرة، والزيارة، ولا يصوم التطوع إذا كره الوالدان المُسلمان أو أحدُهما إلا بإذنهما(٣). (ق): هذا إنما يكون لمَن يَسلم له في موضعه دِينُه، أما لو خاف الفتنةَ على دينه، يجب عليه الفِرارُ بدينه، وترك آبائه وأولاده، كما فعل المهاجرون الذين هم صَفْوتُه من عباده(٤). ٣٢٢ - وعنه، عن النبيِّ وَّ، قال: ((لَيْسَ الوَاصِلُ بِالمُكافِئ ، وَلَكِنَّ الوَاصِلَ الَّذِي إذا قَطَعَتْ رَحِمُهُ، وَصَلَهَا))، رواه البخاري. (١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٨ / ٢٦٤٢). (٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٦ / ١٠٤). (٣) انظر: ((شرح السنة)) للبغوي (١٠ / ٣٧٨). (٤) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٦ / ٥١٠). ٤٩٠ وَ«قَطَعَتْ)): بِفَتْحِ القَافِ وَالطَّاءِ، وَ(رَحِمُهُ، مَرْفُوعٌ. (الجَّادِي عَنْشَةَ) (ط): التعريف في ((الواصل)) للجنس، أي: ليس حقيقةُ الواصل ومَن يُعتدُّ وصلُه مَن يُکافئ صاحبه بمثل فعله، ونظيره قوله: ليس هو بالرجل من يصدر منه المَكارِمُ والفضائل، والرواية في ((لكن)) بالتشديد، وإن جاز التخفيف(١). ٣٢٤ - وعن أُمِّ المُؤْمِنِينَ مَيْمُونَةَ بِنْتِ الحَارِثِ رضي الله عنها: أَنَّهَا أَعْتَقَتْ وَلِيدَةً، وَلَمْ تَسْتَأْذِنِ النَّبِيَّ ◌َهَ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُهَا الَّذِي يَدُورُ عَلَيْهَا فِيهِ، قالت: أَشَعَرْتَ يا رسولَ الله أَنِّي أَعْتَقْتُ وَلِيدَتي؟ قال: (أَوَ فَعَلْتِ؟))، قالت: نَعَمْ، قال: ((أَمَا إِنَّكِ لو أَعْطَيْتِهَا أَخْوَالَكِ، كانَ أَعْظَمَ لأَجْرِكٍ))، متفقٌ عليه. [الثّالثَّ عَشِيَّ] ٧/٧٠٧ • قوله : ((كان أعظم لأجرك)»: (ن): فيه: فضيلة صلة الأرحام، والإحسان إلى الأقارب، وأنها أفضل من العِثْق، وقوله: ((أخوالك)) هكذا هو في ((مسلم)) باللام، ووقعت في رواية غير الأَصِيليِّ: ((أخواتك)) بالتاء. (١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (١٠ / ٣١٦٣). ٤٩١ قال القاضي: ولعله أصحُّ؛ بدليل رواية مالك في ((الموطأ)): (لو أَعطَيْتِها أُخْتَك))(١). قلت: الجميع صحيح، ولا تعارضَ، ويحتمل أن يكون وَ له قد قال ذلك كلّه، وفيه: الاعتناء بأقارب الأُمِّ؛ إكراماً لها، وزيادةً في برِّها، وفيه: جواز تبرع المرأة بمالها بغير إذن زوجها، انتهى. وستقف قريباً على خلاف فيه على مذهب مالك. ٣٢٥ - وعن أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرِ الصِّدِّيق ◌َ﴾، قالت: قَدِمَتْ عَلَيَّ أُمِّي وَهِيَ مُشرِكَةٌ فِي عَهْدِ رسول اللهِّهِ، فَاسْتَفْتَيْتُ رَسُولَ اللهِلَّهِ، قلتُ: قَدِمَتْ عَلَيَّ أُمِّي وَهِيَ رَاغِبَةٌ، أَفَأَصِلُ أُمِّي؟ قال: ((نَعَمْ صِلي أُمَكِ))، متفقٌ عليه. وقولُهَا: ((رَاغِبَةٌ))؛ أَيْ: طَامِعَةٌ عِندِي تَسْأَلُنِي شَيْئاً؛ قِيلَ: كَانَتْ أُمَّهَا مِنَ النَّسَبِ، وقِيلَ: مِن الرَّضَاعَةِ، والصحِيحُ الأولُ. [(الزُّ عَنْشَرٌ)] * قوله: ((راغبة)): (ن): قيل: معناه راغبة عن الإسلام، وکارهة له، وفي رواية أبي داود: (١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٧/ ٨٦)، والحديث رواه الإمام مالك في ((الموطأ)) (٢ / ٩٦٧). ٤٩٢ ((قَدِمَت عليَّ أُمِّي رَاغِبَةً فِي عَهْدِ قُرَيش وهيَ رَاغِمَةٌ مشركةٌ)) (١) فالأول: (راغبة) بالباء، أي: طامعةٌ [طالبة] صِلَتي، والثانية بالميم، معناه كارهة للإسلام، ساخطة، وأُّ أسماء: قَيْلَةُ، وقيل: قُتَيْلةُ، بالقاف وتاء مثناة من فوق، وهي قَيْلَةُ بنت عبد العُزَّى القُرشية العامرية، قيل: إنها أسلمت، والأكثرون على موتها مُشرکةً(٢). (ق): فيه: صِلةُ الأبوين المُشركين، كما قال تعالى: ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِى اُلُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ [لقمان: ١٥](٣) . ٣٢٦ - وعن زَيْنَبَ الثَّقَفِيَّةِ امْرَأَةٍ عَبْدِ الله بنِ مسعودٍ وعنها، قالت: قال رسولُ اللهِ وَّةِ: ((تَصَدَّقْنَ يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ، وَلَوْ مِن حُلِيِّكُنَّ»، قالت: فَرَجَعتُ إلى عبدِالله بن مسعودٍ، فقلتُ له: إِنَّكَ رَجُلٌ خَفِيفُ ذَتِ الْيَدِ، وَإِنَّ رَسُولَ اللهِوَهُ قَدْ أَمَرَنَاَ بِالصَّدَقَة فَأْتِهِ، فَاسْأَلَّهُ، فَإِن كَانَ ذلِكَ يُجْزِئُ عَنِّي، وَإِلَّ صَرَفْتُهَا إلى غَيْرِكُمْ، فقال عبدُالله: بَلِ ائتِيهِ أَنَتِ، فانْطَلَقْتُ، فَإِذَا امْرَأَةٌ مِنَ الأَنْصَارِ بِبَابٍ رسولِ اللهِ وَهُ، حَاجَتِي حَاجَتُهَا، وَكَانَ رسولُ اللهِ قد أَلْقِيَتْ عَلَيْهِ المَهابَةُ، فَخَرَجَ عَلَيْنَا بِلالٌ، فَقُلْنَا لَهُ: أْتِ رسولَ اللهَِِّ، (١) رواه أبو داود (١٦٦٨)، من حديث أسماء رضي الله عنها، وهو حديث صحيح. انظر: ((صحيح الترغيب والترهيب)) (٢٥٠٠). (٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٧ / ٨٩). (٣) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٣ / ٤٨). ٤٩٣ فَأَخْبِرْهُ أَنَّ امْرَأَتَيْنِ بِالبَابِ تَسْأَلانِكَ: أَتُجْزِئُ الصَّدَقَةُ عَنْهُمَا على أَزْوَاجِهِمَا، وَعَلَى أَيْتَامِ في حُجُورِهِمَا؟ وَلا تُخْبِرْهُ مَنْ نَحْنُ، فَدَخَلَ بِلالٌ على رسول اللهِهِ، فَسَأَلَهُ، فقال لهُ رسولُ اللهِوَّةِ: ((مَنْ هُمَا؟))، قَالَ: امْرَأَةٌ مِنَ الأَنْصَارِ، وَزَيْنَبُ، فقالَ رسولُ الله ◌ِّى: (أَيُّ الزَّيَانِبِ هِيَ؟))، قالَ: امْرَأَةُ عبْدِ الله، فقالَ رسولُ الله ◌َّى : (لَهُمَا أَجْرَانِ: أَجْرُ القَرَابَةِ، وَأَجْرُ الصَّدَقَةِ))، متفقٌ عليه. (الخَُّعَةِ) (ن): المعشر: الجماعة الذين صِفَتُهم واحدة، و((حليكن)) بفتح الحاء وإسكان اللام مفرد، وأما الجمع: فيقال بضم الحاء وكسرها، واللام مكسورة فيهما، والياء مشددة، فيه: أَمرُ وَليِّ الأمر رعيتَه بالصدقة، وفِعال الخير، ووَعْظه النساءَ إذا لم يترتب عليه فتنةٌ(١). (ق): احتجَّ بظاهره مَن رأى أن الزكاة تجب في الحُلِيِّ، ولا حُجَّة فيه، لأنا لا نُسلِّم أن هذه الصدقة هنا هي الواجبةُ، بل التطوع، بدليل قوله: ((ولو من حليكن))، فإنه ظاهر في الحَثِّ والحَضِّ على فعل الخير، والمُبالغة فيه، ألا ترى أنه قد سلك فيه مسلك قوله: ((رُدُّوا السَّائِلَ ولو بِظِلْفٍ مُحْرَقٍ)(٢). (١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٧ / ٨٦). (٢) رواه الإمام أحمد في ((المسند)) (٦ / ٤٣٥)، من حديث حواء الأنصارية رضي الله عنها. وهو حديث صحيح. انظر: ((صحيح الجامع الصغير)) (٣٥٠٢). ٤٩٤ ومِمن قال بوجوب الزكاة في الحُلِيِّ - وإن كان للباس -: عمرُ، وابن مسعود، وجماعةٌ من الصحابة، وابن المُسيَّب، وابنُ سِيرينَ، والزهريُّ في جماعة من التابعين، وقاله الكوفيون، ومِمَّن قال: لا زكاة فيه: ابنُ عمر على خلاف عنه، وجابر، وعائشة، وغيرهم من الصحابة والتابعين، وهو قول مالك، وأحمدَ، وإسحاقَ، وأظهرُ قولَي الشافعيِّ(١). (خط): الظاهر من الكتاب يشهد لقول مَن أوجبها، ويؤيده ما رُوي عن عائشة رضي الله عنها قالت: دخل عليَّ رسولُ اللهِ وَِّ، فرأى في يدي فَتَخاتٍ من وَرِق، فقال: ((مَا هَذا يا عائشةُ؟))، فقلت: صَنعتُهنَّ أتزيَّنُ لك يا رسولَ الله، فقال: ((أتؤدِّينَ زَكاتَهُنَّ؟)» قلت: لا، أو ما شاء الله، قال: ((هو حَسْبُكِ منَ النَّارِ))(٢). وعن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جَدِّه: أن امرأة أتت رسولَ الله ◌ِّهه ومعَها ابنةٌ لها، وفي يد ابنتها مَسَكَتَانٍ غَلِيظتان من ذَهَبٍ، فقال لها: «أَتْعِطِينَ زكاةَ هَذا؟)) قالت: لا، قال: ((أَيَسُرُّكِ أَنْ يُسَوِّرَكِ اللهُ بِهِمَا يومَ القِيامَةِ سِوَارَيْنِ مِن نَارٍ؟!))، قال: فخلعتهما، فألقتهما إلى النبيِّ وَّه، وقالت: هما لله ولرسوله، خَرَّجهما أبو داود في ((سنته))(٣). ومَن أسقطها، ذهب إلى النظر، ومعه طَرَفٌ من الأثر، والاحتياط أداؤها، والله أعلم(٤). (١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٤٤/٣). (٢) رواه أبو داود (١٥٦٥). وهو حديث صحيح. انظر: ((صحيح أبي داود)) (١٣٩٨). (٣) رواه أبو داود (١٥٦٣). وهو حديث حسن. انظر: ((صحيح أبي داود)) (١٣٩٦). (٤) انظر: ((معالم السنن)) للخطابي (٢ / ١٧). ٤٩٥ (ق): فيه: دليلٌ على جواز صدقة المرأة من مالها بغير إذن زوجها، لكن مِمَّا لا يُجحِفُ بحَقِّ الزوج، وأما ما له بَالٌ: فليس لها أن تخرجَه بغیر مُعاوضة إلا بإذن الزوج؛ بدليل ما خَرَّجه النسائيُّ من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جَدِّه قال: قال رسول الله وَّهِ: ((لا يَحِلُّ لامرَأَةٍ أَنْ تَقْضِيَ فِي ذِي بَالٍ مِن مَالِهَا إلاَّ بإذنِ زَوْجِها))(١)، نقلته من حفظ وسماع لا من كتاب، وهذا مذهب مالك، والذي له بالٌ عنده الثُّلث فصاعداً. والحُلِيُّ عندنا على ثلاثة أَضرُب: مُتَّخذ للباس، ولا زكاة فيه، ومُتَّخذ للتجارة، أو على غير الوجه المُسوَّغ، وفيه الزكاة، ومُتَّخذ للكِراء، وفيه خلاف؛ للترڈُد بينهما، انتھی(٢). ومذهب الشافعية في الحُلِيِّ كمذهب مالك، والأصحُّ عندهم: أن المُتخذ للکِراء لا زکاة فیه. : قولها: ((يجزئ)): (ن): هو بفتح الياء، أي: يكفي(٣). قال صاحب ((التحرير)): حمل البخاريُّ الصدقةَ في هذا الحديث على الزكاة، وبنى البابَ عليه؛ نظراً إلى لفظ ((يجزئ))، لأن الإجزاء يقتضي أن يكون ذلك فرضاً، وحمل لفظ ((وأيتام لي في حجري)) على أن الإضافة ليست إضافة الولادة، وإنما هي إضافة التربية. (١) رواه النسائي (٢٥٤٠) بنحوه. (٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٣/ ٤٥). (٣) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٥ / ٢٣٤). ٤٩٦ (ق): لا يفهم من هذا أنها أرادت الصدقةَ الواجبة، إذ لمَّا وعظهن النبيُّ ◌َّهِ؛ أخذن في الصدقة؛ ليحصل لهن الوقايةُ من النار، فكأنها خافت إن تصدقت على زوجها أن لا ينفعها ذلك، فأجیبت بأن لك أجرين(١)، وقد رُوي في غير ((مسلم)) أنها أخذت حُلِيَّها؛ لتتصدق به، وقالت: لعل الله أن لا يجعلَني من أهل النار، وهذا يدل على أنها كانت صدقةَ تطوُّع، (٢) . انتھی' قوله: ((بل ائتيه أنت) لعل ابن مسعود ﴿ه كان عالماً بجواز الصدقة على الأزواج، فأراد أن يكون بعيداً عن التُّهَمة، فأمرها بالسؤال بنفسها، وإلا؛ فهو كان أحقَّ بالاستفتاء؛ لكونه عالماً ضابطاً مُتَّقياً، وهي كانت مخدَّرةً مأمورة بأن تقَرَّ في بيتها . * قولها: ((وكان رسول الله وَالهم قد ألقيت عليه المَهابة)): (ط): ((كان)) هي التي تفيد الاستمرار، ومِن ثَمَّ كان أصحابه في مجلسه كأنهم على رؤوسهم الطير، وذلك ◌ِزَّة منه، لا كِبْراً وسُوءَ خُلُق، وأن تلك العِزَّة ألبسها الله تعالى إياه صلوات الله عليه، لا من تلقاء نفسه، انتهى(٣). ويحتمل أن يقال: إنه وَّمَ كان أُلقيت عليه هيبةٌ خاصَّة في تلك الحالة، لمَّا تخلَّى في بيته، وتجلَّى له صفةٌ من صفات العِزَّة والجَلال، فلم يمكنهما الدخول والسؤال، وإلا؛ فقد كانت الصحابيات يدخلن عليه (١) في الأصل: ((كل أجران)). (٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٤٤/٣). (٣) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٥/ ١٥٦٣). ٤٩٧ كثيراً، ويسألنه عن فُروع الدِّين، وكانت الجَواري تتغنَّى بحَضرتِه ◌ِ، وكان إذا دخل عمرُ؛ هِبْنَه، ويقلن: أنت أَفظُّ وأغلظ من رسول الله وَّهِ، وربما كانت الأَمَة من إماء المدينة تأخذ بيد رسول الله ێ، فتنطلق به حيث شاءت، رواه البخاريُّ، وعِزَّتُه صلوات الله عليه وسلامه، وهَيْتُه الدائمة لم تکن تمنع أحداً مِمَّا ذکرناه. * قولها: ((ولا تخبره من نحن)): (ن): أخبر بهما بلالٌ، فقد يقال: إنه إِخْلافٌ للوعد، وإفشاءٌ للسِّرِّ، وجوابه: أنه عارض ذلك جوابُ رسول الله وَّ، وجوابُه واجبٌ مُتَحتّم لا يجوز تأخيره، ولا يُقدَّم عليه غيرُه، وقد تقرر أنه إذا تعارضت المصالح؛ بدئ بأهمها(١). (ق): هذا كلُّه بناءً على أنهما أمرتاه، ويحتمل أن يكون ذلك سؤالاً سألتاه، ولا يجب إسعافُ(٢) كلِّ سؤال، أو فَهِم بلالٌ أن ذلك ليس على الإلزام(٣). (ن): في قوله: ((لهما أجران)) حَثٌّ على الصدقة على الأقارب، وأن فيها أجرین، انتھی(٤). وقد سبق في (الباب السادس والثلاثين) حكمُ الصدقة الواجبة والمُستَحبّة (١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٧ / ٨٧). (٢) في هامش الأصل: ((يقال: أَسعفتُ الرَّجلَ بحاجته: إذا قضيتَها له، صحاح)). (٣) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٣/ ٤٦). (٤) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٧ / ٨٧). ٤٩٨ على الأقارب والزوجين. ٠ ٣٢٧ - وعن أَبِي سُفْيَانَ صَخْرِ بْنِ حَرْبٍ ﴿ فِي حَدِيثِهِ الطّويل في قِصَّةِ هِرَقلَ: أَنَّ هِرَقْلَ قالَ لأبي سُفْيَانِ: فَمَاذَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ؟ - يَعْني: النَّبِيَّنَ﴿ِـ قال: قلتُ: يقولُ: ((اعْبُدُوا الله وَحْدَهُ، وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً، واتْرُكُوا ما يَقُولُ آبَاؤُكُمْ، ويَأْمُرُنَ بِالصَّلاةِ، والصِّدْقِ، والعَفَافِ، والصِّلَةِ»، متفقٌ عليه. سبق في (الباب الرابع). ٣٢٨ - وعن أَبِي ذَرِّ ◌َلُه، قال: قالَ رسولُ اللهِ وَلِ: ((إِنَّكُمْ سَتَفْتَحُونَ أَرْضاً يُذْكَرُ فِيها القِيرَاطُ». وفي روايةٍ: ((سَتَفْتَحُونَ مِصْرَ، وَهِي أَرْضٌ يُسَمَّى فِيها القِيرَاطُ، فَاسْتَوْصُوا بِأَهْلِهَا خَيْراً؛ فَإِنَّ لَهُمْ ذِمَّةً وَرَحِماً» . وفي روايةٍ: ((فإذا افْتَحْتُمُوهَا، فَأَحْسِنُوا إِلى أَهْلِها، فَإِنَّ لَهُمْ ذِمَّةً وَرَحِماً)، أو قال: ((ذِمَّةً وَصِهراً))، رواه مسلم. قالَ العُلَمَاءُ: الرَّحِمُ الَّتِي لَهُمْ: كَوْنُ هَاجَرَ أُمّ إِسْمَاعِيلَنَّ} مِنْهُمْ، ((والصِّهْرُ)»: كَوْنُ مَارِيَةَ أُمّ إِبْرَاهِيمَ بنِ رسولِ الله وَِّ مِنْهم. ٤٩٩ (السّاعَ عَنْشَرٌ) ٧ سروع بقية الحديث: ((فإذا رأيتَ رَجُلَين يَخْتَصِمَان في مَوضع لَبِنَةٍ؛ فاخرُجْ منها))، قال: فرأيت عبد الرحمن بن شُرَحْبِيل بن حَسَنةَ، وأخاه ربيعةً يختصمان في موضع لَبِئَةٍ، فخرجتُ منها(١). (ق): ((مصر)) اشتقاقه من المَصْر، وهو القَطْع، كأنها قُطِعت من الخراب، وقيل: سُمِّيت باسم بانيها، وهو مِصْرُ بن النَّبِيط، ولَدُ كوشَ بنِ كنعان، انتھی(٢). أنشد الإمام عمرُ بن الورديِّ رحمه الله : هُمُ الأَنَامُ فَقَابِلْهَا بَتَقْبِيلِ دِيَارُ مِصْرِ هيَ الدُّنيا وسَاكِنُها مِصْرٌ مُقَدَّمةٌ والشَّرْحُ للِّيلِ يا مَنْ يُبَاهِي ببَغْدَادِ ودَجْلَتِها * قوله ميمي : ((يذكر فيها القيراط)): (ق): يعني: يدور [على] ألسنتهم كثيراً، وكذلك هو، لأن أجزاء الدنيا الأربعة والعشرين يُسمُّونها قراريطَ، بخلاف غيرهم من الأقاليم؛ فإنهم يُسمُّون ذلك بأسماء أُخر(٣). (قض): أي: يُكثِرِ أهلُها ذكرَ القَراريط في مُعاملاتهم؛ لتشدُّدهم فيها، وقِلَّة مُروءَتهم(٤). (١) رواه مسلم (٢٥٤٣ / ٢٢٦)، من حديث أبي ذر (٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٦ / ٥٠٠). (٣) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٦ / ٤٩٩). (٤) انظر: ((تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة)) للبيضاوي (٣/ ٥٢١). ٥٠٠