النص المفهرس
صفحات 441-460
(ط): ((مروا)) أمر حُذفت همزته تخفيفاً، فلما حذفت فاء الفعل، لم يحتج إلى همزة الوصل، لتَحرُّك الميم، يعني: إذا بلغ أولادُكم سبع سنين، فأمروهم بأداء الصلاة، ليعتادوها، ويستأنسوا بها، انتهى(١). ولا شك أن هذا الأمر يستدعي الأمرَ بطهارة البدن والثوب عن الخبث، وتعلُّمَ فرائض الوضوء ونواقضه، إذ الإتيان بالعبادة الفاسدة حرامٌ إجماعاً، فكيف يمكن الأمر بالمُحرَّم المُجمَع عليه؟! وأيضاً، إن هذا الأمر إنما شرع، ليعتادوها ويستأنسوا بها، فلا ينبغي أن يُعوَّدَ الإتيانَ بها فاسدة. * قوله تقرير: ((واضربوهم عليها وهم أبناء عشر)): (خط): هذا يدل على إغلاظ العقوبة إذا تركها مُدرِكاً، وكان بعضُ أصحاب الشافعي يحتجُّ [به] في وجوب قتله إذا تركها مُتعمِّداً بعد البلوغ، ويقول: إذا استحَقَّ الصبيُّ [الضَّربَ] وهو غير بالغ، فقد عُقِل أنه يستحق بعد البلوغ من العُقوبة ما هو أشدُّ من الضرب، وليس بعد الضرب شيءٌ مِمَّا قاله العلماء أشدَّ من القتل(٢). * قوله يقر: ((وفرقوا بينهم في المضاجع)): (ط): لئلا يقعوا فيما لا ينبغي، لأن بلوغ العشر مَظِنَّة الشهوة وإن كُنَّ أخواتٍ، وإنما جمع بين الأمر بالصلاة، والفرق بينهم [في المضاجع] في الطُّفولية، تأديباً ومُحافظةً لأمر الله كلِّه، لأن الصلاة أَصلُها وأَسبقُها، (١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٣/ ٨٧٠). (٢) انظر: ((معالم السنن)) للخطابي (١ / ١٤٩). ٤٤١ وتعليماً لهم المُعاشرةَ بين الخلق، وأن لا يقفوا مواقفَ الُّهَم، فيجتنبوا محارمَ الله تعالی کُلَّها(١). 1 (١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٣/ ٨٧١). ٤٤٢ ٣٩- با حَقّ الجارِ والوصيةِ بِهِ : قال الله تعالى: ﴿وَأَعْبُدُواْ اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَلِدَيْنِ إِحْسَنًا وَبِذِى الْقُرْبَ وَالْيَتَمَى وَالْمَسَكِينِ وَالْجَارِ ذِى الْقُرْبَ وَالْجَارِ اُلْجُنُبِ وَالضَّاحِبِ بِالْجَنَِّ وَأَبْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَنُكُمُ﴾ [النساء: ٣٦]. (الباب التاسع والثلاثون) (في حق الجار والوصية به) كان الزُّهريُّ يقول: الجار هم أربعون يَمنةً، وأربعون يَسْرةً، وأربعون أَماماً، وأربعون خَلْفاً(١). * قوله تعالى: ﴿وَأَعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُواْ بِهِ، شَيْئًا وَبِالْوَلِدَيْنِ إِحْسَنًا﴾ [النساء: ٣٦]: أمر تعالی بعبادته وحده، فإنه المستحق لذلك وحده، ثم أوصى بالإحسان إلى الوالدين، فإن الله سبحانه جعلهما سبباً لخروجك من العدم إلى الوجود، وكثيراً ما قرن بين عبادته والإحسان إلى الوالدين، ثم أمر بالإحسان إلى القرابات من الرجال والنساء، لما في الحديث: ((الصَّدقَةُ على ذِي الرَّحِم (١) انظر: ((تفسير الرازي)) (١٠ / ٧٨). ٤٤٣ صَدِقَةٌ وصِلَةٌ)(١)، ثم أمر بالإحسان إلى اليتامى، وذلك لأنهم قد فقدوا مَن يقوم بمصالحهم وإنفاقهم، فأمروا بالحُنوِّ عليهم، ثم المساكين، وهم المَحاويج الذين لا يجدون مَن يقوم بكفايتهم، فأمر الله بمُساعدتهم بما یِمُّ به كفايتُهم، ﴿وَالْجَارِ ذِى الْقُرْبَى﴾ [النساء: ٣٦]، يعني: بينك وبينه قرابة، والجار الجُنُب: الذي ليس بينك وبينه قرابة، وقيل: ذي القُربى، يعني: المسلم، والجار الجُنب، يعني: اليهوديَّ والنصرانيَّ(٢). وفي ((مسند أحمد)) عن عمر ظُه قال: قال رسولُ الله ◌َّ: ((لا يَشَبَعِ الرَّجُلُ دُونَ جَارِهِ)(٣). وفيه أيضاً: عن المقداد بن الأسود قال: قال رسول الله چ# لأصحابه: ((ما تَقُولونَ في الزِّنا؟» قالوا: حَرَّمه الله ورسولُه، فهو حرام إلی یوم القيامة، فقال رسول الله وَ﴿ لأصحابه: ((لأن يزنيَ الرَّجُلُ بعَشْر [نِسوَةِ]، أَيْسَرُ مِنْ أَنْ يزنيَ بامَرأةِ جَارِهِ))، قال: ((ما تَقُولُونَ فِي السَّرَقَةِ؟» قالوا: حَرَّمها الله ورسولُه، فهي حرام، قال: ((لأَنْ يَسرِقَ الرَّجُلُ [من] عَشْرِ أَباتٍ، أَيسرُ عَليهِ مِن أَن يَسْرِقَ مِن جَارِهِ)(٤). وروى البزَّار عن جابر قال: قال رسولُ الله بَّهِ: ((الجِيرانُ ثَلاثَةٌ: جَارٌ (١) رواه الترمذي (٦٥٨)، من حديث سلمان بن عامر، يبلغ به. وهو حديث حسن. انظر: ((إرواء الغليل)) (٨٨٣). (٢) انظر: ((تفسير ابن كثير)) (٤/ ٣٢ - ٣٣). (٣) رواه الإمام أحمد في ((المسند)) (١ / ٥٤). قال الهيثمي في ((مجمع الزوائد» (٨/ ١٦٧): رجاله رجال الصحيح إلا عباية بن رفاعة لم يسمع من عمر . (٤) رواه الإمام أحمد في ((المسند)) (٦/ ٨). وهو حديث صحيح. انظر: ((صحيح الترغيب والترهيب)) (٢٥٤٩). ٤٤٤ له حَقٌّ وَاحِدٌ، وهو أدنى الجِيران حَقّاً، وجَارٌ له حَقَّان، وجَارٌ له ثَلاثَةُ حُقوقٍ، وهُوَ أَفْضَلُ الجِيرَانِ حَقّاً، فأمَّا الذي لَه حَقٌّ وَاحِدٌ: فجَارٌ مُشرِكٌ لا رَحِمَ لَهُ، لَهُ حَقُّ الجِوَارِ، وأمَّا الذي له حَقَّانِ: فجَارٌ مُسلِمٌ، لَهُ حَقُّ الإِسْلاَمِ، وحَقُّ الجِوَارِ، وأمَّا الذي لَهُ ثَلاثةُ حُقُوقٍ: فجَارٌ مُسلِمٌ ذُو رَحِمٍ، لَه حَقُّ الجِوَار، وحَقُّ الإِسلاَمِ، وحَقُّ الرَّحِمِ))(١). وفي ((مسند الإمام أحمد)) عن عقبة قال: قال رسولُ اللهِ وَله: ((أَوَّلُ خَصْمَيْنِ يومَ القِيامَةِ جَارَانٍ»(٢). وقوله تعالى: ﴿وَالصَّاحِبٍ بِالْجَنَّبِ﴾ [النساء: ٣٦]، قال عليٌّ، وابن مسعود طه: هي المرأة(٣)، وقال ابن عباس، ومُجاهد، وعكرمةُ، وقتادة: هو الرَّفيق في السَّفر(٤)، وقال زيد بن أَسْلمَ: هو جليسك في الحضَر، ورفيقك في السَّفر(٥)، وأما ابن السبيل: فعن ابن عباس وجماعة: هو الضَّيْفُ (٦). وقال مُجاهد، وأبو جعفر الباقرُ، والحسن، والضَّخَّاك، ومقاتل: هو (١) انظر: ((مجمع الزوائد)) للهيثمي (٨ / ١٦٤)، وقال: رواه البزار عن شيخه عبدالله ابن محمد الحارثي، وهو وضاع. (٢) رواه الإمام أحمد في ((المسند)) (٤ / ١٥١). وهو حديث حسن. انظر: ((صحيح الترغيب والترهيب» (٢٥٥٧). (٣) رواه ابن أبي حاتم في «تفسيره)) (٥٣٠٢). (٤) رواه ابن أبي حاتم في ((تفسيره)) (٥٣٠٣، ٥٣٠٤). (٥) رواه ابن أبي حاتم في «تفسيره)) (٥٣٠٦). (٦) رواه ابن أبي حاتم في «تفسيره)) (٥٣٠٨). ٤٤٥ الذي يمُرُّ عليك مجتازاً في السَّفر(١)، وهذا أظهر (٢). وقوله: ﴿وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَنُكُمْ﴾ [النساء: ٣٦]، وصيةٌ بالأرقَّاء، لأن الرقيق ضعيفُ الجَنَبة، أسيرٌ في أيدي الناس، ولهذا ثبت أنه رَِّ جعل يوصي أُمَّته في مرض موته، يقول: ((الصَّلاةَ الصَّلاةَ، وما مَلكَتْ أَيَمَانُكُم)» فجعل يُردِّدُها حتى ما يُفِيضُ بها لسانُهُ(٣). (م): أرشد الله سبحانه في هذه الآية إلى سائر الأخلاق الحَسَنة، وذكر فيها أحد عشر نوعاً، وقوله: ﴿وَبِالْوَلِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ اتفقوا على أن ههنا محذوفاً والتقدير: وأحسنوا بالوالدين، يقال: أحسنت بفلان وإلى فلان. واعلم أن اليتيمَ مَخصوصٌ بنوعين من العَجْز، أحدهما: الصِّغَر، والثاني: عدم المُنفِقِ، ولا شك أن [من] هذا حالُه كان في غاية العَجْز واستحقاق الرحمة. وقال ابن عباس: يَرفُق بهم وبدينهم، ويمسح رأسهم، وإن كانَ وَصِيّاً لهم، فليبالغ في حفظ أموالهم، ثم وصَّى بالجار، وروي في الحديث: ((والذي نَفَسُ مُحمَّد بيدِه، لا يُؤدِّي حَقَّ الجَارِ إلَّ مَنْ رَحِمَ اللهُ، وقَلِيلٌ ما هُم، أَتَدِرُونَ ما حَقُّ الجَار؟ إنِ افتقَرَ، أَغنيتَهُ، وإنِ استَقْرِضَ، أَفَرَضْتَهُ، وإن أَصابَهُ خَيرٌ، هَنَّتَهُ، وإن أَصابَهُ شرٌّ، عَزَّيْتَهُ، وإن مَرِضَ، (١) رواه ابن أبي حاتم في ((تفسيره)) (٥٣٠٩). (٢) انظر: ((تفسير ابن كثير)) (٤ / ٤٢). (٣) انظر: ((تفسير ابن كثير) (٤ / ٤٢)، والحديث رواه ابن ماجه (١٦٢٥) من حديث أم سلمة رضي الله عنها. قال البوصيري في ((مصباح الزجاجة)) (٢ / ٥٦): هذا إسناد صحيح على شرط الشيخين، فقد احتجا بجميع رواته . ٤٤٦ عُدْتَهُ، وإن ماتَ، شَيَّعْتَ جَنازتَه))(١). ثم ختم الآية بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا ﴾ [النساء: ٣٦] المُختال: ذو الخُيلاء والكِبْر، قال ابن عباس: يريد بالمُختال العظيمَ في نفسه، والذي لا يقوم بحُقوق أحد. قال الزَّجَّاج: وإنما ذكر الاختيالَ، لأن المُختال يأنَفُ من أقاربه إذا كانوا فُقْراءَ، ومن جيرانه إذا كانوا ضُعفاء، فلا يُحسن عشرتَهم، ثم ذمَّ الفَخُور، لئلا يُقدِمَ على رعاية هذه الحقوق، لأجل الرِّياء والسُّمعة، بل لمَحْض أمر الله تعالى(٢). ٣٠٣ - وعن ابنِ عمرَ وعائشةَ ◌َ﴿﴾، قالا: قالَ رسولُ الله ◌َّه: (مَازَالَ جِبْرِيلُ يُوصِينِي بِالجَارِ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ سَيُوَرِّثُهُ)) متفق عليه. ٣٠٤ - وعن أَبِي ذَرِّ ﴾، قال: قالَ رسولُ اللهِ وَلِ: ((يَا أُبَا ذرٍّ! إِذَا طَبَخْتَ مَرَقَةٌ، فَأَكْثِرْ مَاءَها، وَتَعَاهَدْ جِيرَانَكَ)) رواه مسلم . وفي رواية له عن أَبي ذَرٍّ، قال: إن خليلي ◌َِّ أوْصَاني: (إذا طَبَخْتَ مَرَقاً فَأَكْثِرْ مَاءَه، ثُمَّ انْظُرْ أَهْلَ بَيْتٍ مِنْ جِيرَانِكَ، (١) رواه الطبراني في ((مسند الشاميين)) (٢٤٣٠)، بنحوه من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده (٢) انظر: ((تفسير الرازي)) (١٠ / ٧٦ - ٧٩). ٤٤٧ فَأَصِبْهُمْ مِنْهَا بِمَعْرُوفٍ)). (الأَوْاُ وَالثَّانِى) (ق): الجار يقال [على] الجار في الدار، و[على] الداخل في الجِوَار، ولكل واحد منهما حَقٌّ، ولا بدَّ من الوفاء به، وتحرم أَذيَّته تحريماً أشدَّ من تحريم أذى المسلم مُطلقاً، والمراد هنا: هو جار الدار(١). * قوله قال: «فأكثر ماءها وتعاهد جيرانك)»: (ق): هذا تنبيهٌ لطيف على تيسُّر الأمر على البخيل، إذ الزيادة المأمور بها إنما هو فيما ليس له ثمنٌ، وهو الماء، ولذلك لم يقل: أكثر لحمَها، أو طبيخَها، إذ لا يسهل ذلك على أحد، وهذا الأمر على جهة الندب، والحَضِّ على مكارم الأخلاق، والإرشاد إلى مَحاسنها، لما يترتَّب عليها من المَحبة، وحُسن الأُلفة والعِشْرة، ولما يحصل به من المنفعة، ودفع الحاجة والمفسدة، فقد يتأذى الجار وعِيالهُ وصِغارُ ولده بقَتَار قِدْر جاره، ولا يقدر على التوصُّل إلى ذلك، فتهِيجُ من ضُعفائهم الشَّهوةُ، ويَعُم على القائم عليهم الألمُ والكُلفة، وربما يكون أرملةً ضعيفة، أو يتيماً، فتعظُم المَشقّة، ويشتد فيهم الألمُ والحَسْرةُ، وكل ذلك يندفع بتَشريكهم في شيء من الطَّبِيخ يُدفع إليهم، فلا أقبحَ من منع هذا النَّزْرِ اليسير الذي يترتَّبُ عليه هذا الضررُ الكثير(٢). * قوله يتيفي: «فأصبهم منها بمعروف»: (ق): أي: بشيء يُهدَى مثلُه عرفاً، تحرزاً من القليل المُحتَقر، فإنه (١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٦ / ٦١٠). (٢) المرجع السابق، (٦ / ٦١١). ٤٤٨ وإن كان مِمَّا يُهدى، فلعله لا يقع ذلك المَوقِعَ (١). ٠٠ ٣٠٥ - وعن أبي هريرة : أَنَّ النبيَّ ◌َ ﴿ِ قالَ: ((واللهِ لا يُؤْمِنُ، وَاللهِ لا يُؤْمِنُ، واللهِ لا يُؤْمِنُ!))، قِيلَ: مَنْ يا رسول الله؟ قال: (الَّذِي لا يَأْمَنُ جَارُهُ بَوَائِقَهُ)) متفق عليه. وفي روايةٍ لمسلمٍ: ((لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ مَنْ لا يَأْمَنُ جَارُهُ بَوَائِقَهُ». (البَوَائِقُ)): الغَوَائِلِ وَالشُّرُورُ. (الثَّالُِّ)) (ق): ((البوائق)): جمع بائقة، وهي الدَّاهية التي تُوبِقُ صاحبَها، أي: تهلكه(٢). (ن): هذا محمول على من يستحِلُّ الإيذاءَ، مع علمه بتحريمه، أو معناه: جزاؤه أنه لا يدخلها وقتَ دخول الفائزين إذا فُتحت أبوابُها لهم، بل يُؤخَّر، ثم قد يُجازى، وقد يُعفَى عنه، فيدخلها(٣). (ق): مَنْ كان مع هذا التأكيد الشديد مُضِرًّا لجاره، كاشفاً لعوراته، حريصاً على إنزال البوائق به، كان ذلك منه دليلاً، إما على فساد اعتقاد ونفاق، فيكون كافراً، وإما على استهانة بما عَظَّم الله من حُرمة الجار، فيكون فاسقاً (١) المرجع السابق، (٦ / ٦١٢). (٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (١ / ٢٢٨). (٣) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٢ / ١٧). ٤٤٩ فِسْقاً عظيماً، مُرتکباً کبیرة، يُخاف عليه من الإضرار أن يُختَم عليه بالكفر، فإن المعاصيَ بَرِيدُ الكُفر، فيكون من الصَّنف الأول، وإن سلم من ذلك، ومات غيرَ تائب، فأمره إلى الله، فإن عاقبه بدُخول النار، لم يدخل الجنة حين يدخلُها مَن لم يكن كذلك، أو لا يدخل الجنَّة المُعدَّةَ لمَن قام بحقوق جاره(١). ٣٠٦ - وعنه، قال: قال رسولُ اللهِ وَلِ: ((يَا نِسَاءَ المُسْلِماتِ! لاَ تَحْقِرَنَّ جَارَةٌ لِجَارَتِهَا وَلَوْ فِرْسِنَ شَاةٍ) متفقٌ عليه. سبق شرحه في (الباب الثالث عشر). * ٠ ٣٠٧ - وعنه: أن رسولَ اللهِ ﴿ قال: ((لا يَمْنَعْ جَارٌ جَارَهُ أَنْ يَغْرِزَ خَشَبَةٌ فِي جِدَارِهِ»، ثُمَّ يَقُولُ أبو هريرةَ: مَالِي أَرَاكُمْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ؟! وَاللهِ! لأَرْمِيَنَّ بِهَا بَيْنَ أَكْتَافِكُمْ. متفقٌ عليه. رُوِي: ((خَشَبَهُ» بالإضَافَةِ والجَمْعِ. وَرُوِي ((خَشَبَةً)) بالتَّنْوِینِ عَلى الإفْرَادِ. وقوله: مالي أَرَاكُمْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ؟ يَعْني: عَنْ هذِهِ السُّنَّةِ. (١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (١ / ٢٢٨). ٤٥٠ ر ـه * قوله: ((أن يغرز خشبة)): (ن): قال القاضي: رويناه في ((صحيح مسلم)) وغيره من الأُصول والمُصنَّفات ((خشبة)) بالإفراد، و(خَشَبَه)) بالجمع. وقال الطَّحَاوُّ عن رَوْح بن الفَرَج: سألت أبا زيد، والحارثَ بن مِسكين، ويونَُ بن عبد الأعلى عنه، فقالوا كلُّهم: ((خشبة)) بالتنوين على الإفراد. وقال عبد الغنيٌّ بن سعيد: الناس كُلُّهم يقولونه بالجمع إلا الطَّحَاويَّ(١). (ق): وإنما اعتنى هؤلاء الأئمة بتحقيق هذا الحرف، لأن أمر الخشبة الواحدة يخِفُّ على الجار المُسامحةُ به، وأما الكثير: فقد لا يتسامح به، ويَتْقُل عليه، وذلك للُحوق الضَّرَر به(٢). (ن): اختلف العلماء في معنى هذا الحديث، هل هو على الندب، أم على الإيجاب؟ فيه قولان لأصحاب الشافعيِّ ومالك، وأصحُهما في المذهبين: الندبُ، وبه قال أبو حنيفة، والكوفيون، والثاني: الإيجابُ، وبه قال أحمد، وأبو ثور، وأصحابُ الحديث، وهو ظاهر الحديث(٣). (ق): احتجَّ من ذهب إلى الندب بقول النبيِّ ◌َّهِ: ((لا يَحِلُّ مَالُ امْرِىٌ مُسلِمٍ إِلاَّ بطِيبٍ نَفْسٍ مِنْهُ)(٤)، ولأن الأصل المعلوم من الشريعة: أن المَالكَ (١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١١ / ٤٧). (٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٤ / ٥٣١). (٣) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١١ / ٤٧). (٤) رواه الإمام أحمد في ((المسند)) (٥/ ٧٢)، من حديث عمّ أبي حرة الرقاشي ◌َظ ◌ُه. وهو حديث صحيح. انظر: ((إرواء الغليل)) (١٤٥٩). ٤٥١ لا يُجبر على إخراج ملكِ عن يده بغير عِوَض، واحتجَّ المُوجِبُون بظاهر النهي، ولأنه قد رُوي من طريق آخر عن أبي هريرة في هذا الحديث: ((لا يَحِلُّ لامرِىءٌ مُسْلِمٍ أن يمنعَ جَارَهُ أَنْ يَغْرِزَ خَشَبَاتٍ فِي جِدَارِهِ))(١)، ويقضاء عمر ◌َظُه على مُحمَّد بن مَسْلَمةَ، وعلى يحيى المازنيِّ بمثل ذلك، من المُرور بالرَّبيع وتحويله في أرضهما، على ما رواه مالك في ((الموطأ))(٢)، ولم يُسمع بمُخالف له من الصحابة غيرَ مُحمَّد بن مَسْلمةَ، وهو المحكوم عليه. فرع على القول بالندب: إذا أذن له في ذلك إذناً مطلقاً، لم يكن له أن يطالبه بقَلْعها، إلا إذا دعت إلى [ذلك] ضرورة، كبناء الجدار، أو شيء لا بدَّ منه، لأن الإذن المُطلق يقتضي التأبيدَ، فإن أذن له إلى مُدَّة مُعيَّنة، فله ذلك عند انقضائها(٣). (ق): الضمير في قوله: ((ما لي أراكم عنها معرضين؟!)) يعود على المقالة التي صدرت منه(٤). (ن): أي: هذه السُّنَّة، والخَصْلَة، والموعظة، والكلمات، وجاء في رواية أبي داود: فَنْكَسُوا رُؤوسَهم فقال: ((مَا لِي أَرَاكُمْ أَعرَضْتُم؟!))(٥). و ((أكتافكم)) بالتاء المثناة فوق، أي: بينكم، وقد روي بالنون أيضاً، (١) رواه البخاري (٢٣٣١)، بنحوه. (٢) انظر: ((الموطأ)) للإمام مالك (٢ / ٧٤٦). وهو حديث صحيح. انظر: «إرواء الغلیل)» (١٤٢٧). (٣) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٤ / ٥٣٠). (٤) المرجع السابق، (٤ / ٥٣٢). (٥) رواه أبو داود (٣٦٣٤). ٤٥٢ ومعناه أيضاً: بينكم، والكَنَفُ: الجانب، ومعنى الأول: أُصرِّحُ بها بينكم وأُوجِعَكم بالتقريع بها، كما يُضربُ الإنسان بالشيء بين كتفيه(١). (ق): فيه: تبليغ العلم لمَن [لم] يرده ولا استدعاه، إذا كان من الأُمور المُهِمَّة، ويظهر منه أن أبا هريرة ظُ كان يعتقدُ وجوبَ بَذْلٍ الحائط، لغَرْز الخشَبة، وأن السَّامعين له لم يكونوا يعتقدون ذلك(٢). ٠٠ ٣٠٨ - وعنه: أَن رسولَ اللهِوَ﴿ِ قال: ((مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ واليَوْمِ الآخِرِ، فَلا يُؤْذِ جَارَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ واليَومِ الآخِرِ، فَلْيُكْرِمْ ضَيْقَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنٍ بِاللهِ والْيَوْمِ الآخِرِ، فَلْيَقُلْ خَيْراً، أَوْ لِیَسْكُتْ))، متفق عليه. ٣٠٩ - وعن أبي شُرَيْح الخُزَاعِيِّ ﴾: أن النبيَّ نَّهِ قالَ: (مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ باللهِ واليَوْمِ الآخِرِ، فَلْيُحْسِنْ إلى جَارِهِ، ومَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِالله واليَوْمِ الآخِرِ، فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِالله واليَوْمِ الآخِرِ، فَلْيَقُلْ خَيْراً، أَوْ لِيَسْكُتْ)) رواه مسلم بهذا اللفظ، وروى البخاريُّ بعضه. (الشَّادِيُ) ، ١١٧ * قوله ويقي: ((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر)): (١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١١ / ٤٧). (٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٤ / ٥٣٢). ٤٥٣ (ق): أي: الإيمان الكامل المُنجِي من عذاب الله، المُوصِل إلى رضوان الله، لأن مَن آمن بالله حَقَّ إيمانه، خاف وعيده، ورجا ثوابَه، ومَن آمن بالله واليوم الآخر، استعدَّ له، واجتهد في فعل ما يدفع به أهوالَه ومَكارهَه(١). (ك): فإن قلت: لم خصَّصَها بالذِّكر من بين سائر ما يجبُ الإيمان به؟ قلت: إشارةً إلى المَبدأ والمعاد، يعني: إذا آمن بالله الذي خلقه، وأنه يُجازيه يومَ القيامة بالخَيْرِ والشَّرِّ، لا يؤذي جارَه(٢). (ن): کذا وقع في الأُصول ((فلا يؤذي)» بالياء في آخره، وروينا في غير ((مسلم): ((فلا يؤذ)) بحذفها، للنهي، وإثباتها على أنه خبرٌ يراد به النهيُ، فيكون أبلغَ، ومنه قوله تعالى: ﴿لا تضارُّ والدة﴾ [البقرة: ٢٣٣] على قراءة من رفع(٣). (ق): ((الضيف)): هو القادم على القوم، النازل بهم، ويقال: ضيفٌ على الواحد والجمع، ويجمع على أضياف أيضاً، وضُيوف وضِيِفان، والمرأة ضَيْقٌ وَضَيْقَةٌ، وأَضفتُ الرَّجلَ وضَيَّقته: إذا أنزلته لك ضيفاً، وضِفْتُ الرجلَ ضيافة: إذا نزلت عليه(٤). (ن): قال القاضي عياضٌ: معنى الحديث: أن مَن التزم شرائع الإسلام، لزمه إكرامُ جَارِه وضَيْقِه ويِرُّهما، وكل ذلك تعريف بحَقِّ الجار، وحَثٌّ على حفظه، وقد أوصی الله تعالی بالإحسان إليه في كتابه. (١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (١ / ٢٢٩). (٢) انظر: ((الكواكب الدراري)) للكرماني (٢١ /١٧٤ - ١٧٥). (٣) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٢ / ٢٠). (٤) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (١ /٢٢٩ -٢٣٠). ٤٥٤ والضيافة من أدب الإسلام، وخُلُق النبيِّين والصالحين، وقد أوجبها الليث ليلة واحدة، واحتجَّ بالحديث «لَيلةُ الضَّيفِ حَقٌّ واجبٌ على كُلِّ مُسلِمٍ)(١)، وبحديث عُقبةَ: ((إِن نَزَلَّتُم بقَومِ، فَأَمَروا لكم بحَقِّ الضَّيفِ، فاقبلُوا، وإن لَّم يَفعلُوا، فخُذُوا منهم حَقَّ الضَّيفِ الذي ينبغي لهم)) (٢)، وعامة الفقهاء على أنها من مكارم الأخلاق، وحُجَّتهم قولُهُ وَّهِ: ((جَائِزَتُهُ يومٌ ولَيلةٌ))(٣)، والجائزة: العَطِيَّةُ، والمِنْحَةُ، والصِّلَةُ، وذلك لا يكون إلا مع الاختيار. وقوله: ((فليكرم))، و((ليحسن)) يدل على هذا أيضاً، إذ ليس يستعمل مثلُه في الواجب، مع أنه مضموم إلى الإكرام إلى الجار، والإحسان إليه، وذلك غير واجب، وتأوَّلوا الأحاديثَ على أنها كانت في أول الإسلام، إذ كانت المواساة واجبةً. واختُلف هل الضّافة على الحاضر والبادي، أم على البادي خاصَّة؟ فذهب الشافعيُّ، ومُحمَّدُ بن الحَكَم إلى أنها عليهما. وقال مالك وسُحْنُون: إنما ذلك على أهل البوادي، لأن المُسافر يجد في الحضَر المنازل في الفنادق، ومواضع النَّزول، وما يشتري [من المأكل] في الأسواق، وقد جاء في حديث: ((الضَّافةُ على أَهلِ الوَبَر، وليسَت عَلى أَهْلِ المَدَرِ)) (٤)، لكن الحديث عند أهل المعرفة موضوعٌ، وقد (١) رواه أبو داود (٣٧٥٠)، من حديث أبي كريمة ﴿ه. وهو حديث صحيح. انظر: ((صحيح الجامع الصغير)) (٥٤٧٠). (٢) رواه البخاري (٢٣٢٩)، ومسلم (١٧٢٧)، من حديث عقبة بن عامر حظوته. (٣) رواه البخاري (٥٧٨٤)، ومسلم (٤٨ / ١٥)، من حديث أبي شريح (٤) رواه القضاعي في ((مسند الشهاب)) (٢٨٤) من حديث ابن عمر ﴿هما. وهو حديث موضوع. انظر: ((ضعيف الجامع الصغير)) (٣٦٠٣). ٤٥٥ تتعين الضيافة لمن كان محتاجاً وضيف عليه، وعلى أهل الذمَّة إذا شُرطت علیهم(١). (حس): قال الله: ﴿هَلْ أَثَئِكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَهِيمَ اُلْمُكْرَمِينَ﴾ [الذاريات: ٢٤]، قيل: أكرمهم إبراهيم بتعجيل قِرَأُهم، والقيام بنفسه عليهم، وطلاقة الوجه، وكان سلمان إذا دخل عليه رجل، فدعا بما حضر، خبزاً وملحاً؛ قال: لولا أنا نُهينا أن يتكلَّف بعضُنا لبعض؛ لتكلَّفت لك. * قوله وَليفي: ((فليقل خيراً أو ليسكت)): (ن): معناه: إذا أراد أن يتكلم، فإن كان ما يتكلم به خيراً مُحقَّقاً يُثاب عليه، واجباً كان أو مندوباً، فليتكلم، وإن لم يظهر له أنه خير يثابُ عليه، فليمُسك عن الكلام، سواء ظهر له أنه حرام، أو مكروه، أو مباح مُستوي الطرفين، فعلى هذا يكون الكلام المُباح مأموراً بتركه، مندوباً إلى الإمساك عنه، مَخافةً من انجراره إلى المُحرَّم، أو المَكروه، وهذا يقع في العادة كثيراً، أو غالباً، وقد قال تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلََّ لَدَيْهِ رَقِيبُ عِيدٌ﴾ [ق: ١٨]. واختلف السَّلفُ في أنه هل يُكتَبُ جميعُ ما يلفظ به العبد، وإن كان مُباحاً لا ثواب فيه ولا عِقابَ، لعُموم الآية، أم لا يكتب إلا ما فيه جَزاءٌ، من ثواب، أو عقاب؟ وإلى الثاني ذهب ابنُ عباس وغيره من العلماء، فعلى هذا: تكون الآية مَخصُوصةً، أي: ما يلفظ من قول يترتَّبُ عليه جزاءٌ. وقال الشافعي: معنی الحدیث: إذا أراد أن يتكلم، فلیتفگّر، فإن ظهر (١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٢ / ١٨). ٤٥٦ له أنه لا ضررَ عليه، تكلّم، وإن ظهر له فيه ضررٌ، أو شَكَّ فيه، أمسك. وقد قال الإمام الجليلُ أبو عبدالله بن أبي زيد إمامُ المالكية بالمغرب في زمنه: جِماعُ آداب الخير يتفرع من أربعة أحاديثَ: قول النبيِّ وَّ: (مَنْ كانَ يُؤْمِنُ بالله واليوم الآخر، فليَقُلْ خَيْراً أو لِيَصْمُتْ))، وقوله ◌َّ: ((مِنْ حُسْنِ إِسْلامِ المَرْءِ تَرِكُهُ مَا لا يَعْنِيِهِ))(١)، وقوله ◌ِّرِ للذي اختصر له الوصِيَّةَ: ((لا تَغْضَبْ))(٢)، وقوله ◌ََّ: ((لا يُؤْمِنُ أَحدُكم حَتَّى يُحِبَّ لأَخيهِ ما يُحِبُّ لنَفْسِهِ))(٣). روينا عن الأستاذ أبي القاسم القُشَيريِّ رحمه الله: الصَّمتُ سلامة، وهو الأصل، والسُّكوت في وقته صفةُ الرِّجال، كما أن النُّطْقَ في موضعه من أشرف الخِصَال، وقال: سمعت أبا عليٍّ الدَّقَّقَ يقول: مَن سكت عن الحَقِّ، فهو شيطان أخرسُ، فأما إيثار أصحاب المُجاهدة السكوتَ، فلما علموا في الكلام من الآفات، ثم ما فيه من حَظِّ النفس، وإظهار صفات المَدح، والمَيْل إلى أن يتميزَ مِن بين أشكاله بحُسن النُّطْق، وغير [هذا من الآفات، و] ذلك نَعْتٌ لأرباب الرِّياضة، وهو أحد أركانهم في حُكم المُنازَلة، وتهذيب الأخلاق. وروينا عن الفُضَيل بن عياض: مَنْ عَدَّ كلامَه من عمله، قَلَّ كلامُه فيما لا يَعِنِيه، وعن ذي النُّون رحمه الله: أَصْوَنُ الناس لنفسه أَمْلَكُهم لِلِسَانِهِ(٤). (١) رواه الترمذي (٢٣١٧)، من حديث أبي هريرة ظه، وقال: حديث غريب. وهو حديث حسن لغيره. انظر: ((صحيح الترغيب والترهيب)) (٢٨٨١). (٢) رواه البخاري (٥٧٦٥)، من حديث أبي هريرة ◌ُ. (٣) رواه البخاري (١٣)، ومسلم (٤٥)، من حديث أنس ـ (٤) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٢ / ١٩). ٤٥٧ (ق): إن من أكثر المَعاصي عدداً وأَيسَرها فعلاً معاصيَ اللُّسان، وقد استقرأ المُحاسبون أنفُسَهم آفاتِ اللِّسان، فوجدوها تَنِيفُ على العشرين. وفي الحديث: ((كُلُّ كَلامِ ابنِ آدمَ عَليهِ لا لَه، إلا ذكرُ اللهَ، أَو أَمْرٌ بالمَعرُوفِ، أَو نهَيٌ عن مُنكَرٍ))(١) فمَن علم ذلك، وآمن به حَقَّ إيمانه، اتقى الله في لسانه، فتكلم فغَنِم، أو سكت فسَلِم (٢). (ك): فإن قلت: ما وجه هذه الأُمور الثلاثة؟ قلت: هذه من جوامع الكلم، إذ الثالث منها إشارةٌ إلى القَوليات، والأوَّلان إلى الفعلية، الأول منها إلى الثَّخْلية عن الرَّذيلة، والثاني إلى التَّحْلية بالفَضيلة، يعني: مَن كان له صفة التعظيم لأمر الله، لا بُدَّ له أن يَتَّصف بالشفقة على خلق الله، إما قولاً بالخير، أو سُكوتاً عن الشَّرِّ، وإما فعلاً لِمَا ينفع، أو تركاً لِمَا يضُرُّ (٣)، صلى الله على قائلها أفضلَ الصلوات. ٣١٠ - وعن عائشةَ رضي الله عنها، قالت: قُلْتُ: يا رسولَ الله! إنَّ لِي جَارَيْنٍ، فَإِلى أَبِّهِمَا أُهْدِي؟ قال: ((إِلَى أَقْرَبِهِمَا مِنْكِ بَاباً»، رواه البخاري. (١) رواه الترمذي (٢٤١٢)، وابن ماجه (٣٩٧٤)، من حديث أم حبيبة رضي الله عنها . وهو حديث ضعيف. انظر: ((ضعيف الترغيب والترهيب)) (١٧٢٠). (٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (١ /٢٢٩). (٣) انظر: ((الكواكب الدراري)) للكرماني (٢١ / ١٧٥). ٤٥٨ (البَّافُِ) * قوله قالفيه: «أقربهما منك باباً)): (ك): لعل السِّرَّ فيه أنه ينظر إلى ما يدخل دارَه، وأنه أسرع لُحوقاً به عند الحاجات في أوقات الغفَلات(١). ٠ ٠ ٣١١ - وعن عبدِ الله بنِ عمرَ ﴾، قال: قالَ رسولُ الله ◌َّهِ: ((خَيْرُ الأَصْحَابِ عِنْدَ الله تعالى خَيْرُهُمْ لِصَاحِبِهِ، وخَيْرُ الچِيرَانِ عِنْدَ الله تعالى خَيْرُهُمْ لجَارِهِ) رواه الترمذي، وقال: حديثٌ حسنٌ. فيه إشارةٌ إلى تأكُّد حَقِّ الجار، وعِظَمه عند الله، فإن خير الجيران خيرُهم لجاره، عن عبدالله قال: [قال] رجل: يا رسولَ الله، كيف لي أن أعلم إذا أحسنت أو أسأت؟ قال: ((إذا سَمِعْتَ جِيرانَكَ يَقُولُونَ: قد أَحسَنْتَ، فقَد أَحسَنْتَ، وإذا سَمِعتَهُمْ يَقُولُونَ: قَد أَسأْتَ، فَقَد أَسَأْتَ)) رواه أحمد، والطبرانيُّ(٢)، قال ابن العراقيِّ: هذا حديثٌ حسَنٌ. قال الإمام الغزالي رحمه الله: اعلم أنه ليس حَقُّ الجِوار كفَّ الأذى فقط، بل احتمال الأذى، فإن الجَماد أيضاً قد كَفَّ أذاه، فليس في ذلك قضاءُ حق، ولا يكفي احتمال الأذى، بل لا بُدَّ من الرِّفق، وإهداء الخير (١) المرجع السابق، (٢١ / ١٧٦). (٢) رواه الإمام أحمد في ((المسند)) (١ / ٤٠٢)، والطبراني في ((المعجم الكبير)) (١٠٤٣٣). وهو حديث صحيح. انظر: ((صحيح الجامع الصغير)) (٦١٠). ٤٥٩ والمعروف، إذ يقال: إن الجار الفقير يتعلق بجاره الغنيِّ يوم القيامة، ويقول: يا ربِّ، سَلْ هذا لم منعني معروفَه، وسَدَّ بابَه دوني؟ وشكا بعضُهم كثرةَ الفأر في داره، فقيل له: لو اقتنيت هِرًّا، فقال: أخشى أن يسمع الفأر صوتَ الهِرَّ، فتهربَ إلى دور الجيران، فأكون قد أحببت لهم ما لا أُحبُّه لنفسي. وفي الخبر: ((أَتَدُرُونَ ما حَقُّ الجَارِ؟ إن استَعَانَ بكَ، أَعتَتَهُ، وإن اسْتَقْرَضَكَ، أَفْرَضْتَهُ، وإن افتَقَرَ، عُدْتَ عَليهِ، وإن مَرِضَ، عُدْتَهُ، وإن ماتَ، اتبعتَ جَنازَتَهُ، وإن أصابَهُ خيرٌ، هَنَّتَهُ، وإن أَصابَتَهُ مُصِيبَةٌ، عَزَّيْتَهُ، ولا تستطيلُ عَليهِ بالبنَاءِ، فَتَحْجُب عنه الرِّيحَ إلا بإذنه، وإذا اشتَرِيْتَ فَاكِهَةً، فأهْدِ له، فإن لم تفعل، فأدخلها سِرًّا، ولا يَخْرُج بها ولدُك، ليغَيظَ بها ولدَهُ، ولا تُؤْذِه بقَتَار قِدْركَ، إِلاَّ أن تَغْرِفَ له منها، أَتَدرُونَ ما حَقُّ الجَار؟ والذي نَفْسِي بِيَدِهِ، لا يَبلُغُ حَقَّ الجَار إلا مَن رَحِمَه الله))، هكذا رواه عمرو بن شعيب عن أبيه عن جَدِّه عنه ◌َالقدم (١). وقال مجاهد: كنت عند عبدالله بن عمر، وغلام يسلخ له شاةً، فقال: يا غلام، إذا سلَخْتَ، فابدأ بجارنا اليهوديِّ، حتى قال ذلك مراراً، فقال: كم تقول هذا؟ فقال: رسولُ الله ◌َّ: (لم يزل يُوصِينا بالجَار حَتَّى خشينا أنه سيُورِّثه) (٢). (١) رواه البيهقي في ((شعب الإيمان)) (٩٥٦٠)، وابن عدي في ((الكامل في الضعفاء)) (٥/ ١٧١). وهو حديث ضعيف جداً. انظر: ((ضعيف الترغيب والترهيب)) (١٥٢٣). (٢) انظر: ((إحياء علوم الدين)) (٢/ ٢١٣)، والحديث رواه السلفي في ((المنتقى من مكارم الأخلاق)) (٩٤). وهو حديث صحيح. انظر: ((تخريج مشكلة الفقر)) (١٠١). ٤٦٠