النص المفهرس

صفحات 421-440

٣٧- باب
الإنفاقِ مما يُحِبُّ، وَمَن الجيِّدِ
قال الله تعالى: ﴿لَن تَنَالُواْ الْبِرَّحَتَّى تُنفِقُواْ مِمَا تُحِبُّونَ﴾ [آل
عمران: ٩٢].
* وقال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَنفِقُواْ مِن طَيِّبَتِ مَا
كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَالَكُمْ مِّنَ الْأَرْضِّ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ﴾
[البقرة: ٢٦٧].
(الباب السابع والثلاثون)
(في الإنفاق مما يحب ومن الجَيِّد)
قال الله تعالى: ﴿لَن تَنَالُواْ الْبِرَّحَقَّ تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ ﴾ [آل عمران:
٩٢]:
قال عمرو بن مَيمُون: البِرُّ: الجَنَّة، وعن عبدالله بن عمر رَ ﴾ قال:
حضرتني هذه الآية: ﴿لَنْ تَنَالُواْ الْبِرَّحَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢]،
فذكرت ما أعطاني الله، فلم أجد شيئاً أحبّ إليَّ من جارية لي رُومية،
فقلت: هي حُرَّةٌ لوجه الله، فلو أني أعود في شيء جعلته لله، لنكحتها،
٤٢١

يعني: تزوجتها(١).
(الكشاف): لن تبلغوا حقيقةَ البِرُّ، ولن تكونوا أبراراً حتى يكون
إعطاؤكم بعضكم من أموالكم التي تحبونها، وكان السّلف إذا أحبوا شيئاً،
جعلوه لله، لمّا نزلت هذه الآية، جاء زيد بن حارثة بفرس له کان یحبها فقال:
هذه في سبيل الله فحمل عليها رسول الله ﴿ أُسامةَ بن زيد، فكأنَّ زيداً وجد
في نفسه، وقال: إنما أردت أن أتصدَّق به، فقال رسول الله وَّهِ: ((أَمَا إِنَّ اللهَ
قَدْ قَبِلَها مِنكَ))(٢).
وكتب عمر ﴾ [إلى] أبي موسى الأشعري أن يبتاع له جاريةً من
سَبْي جَلُولاء يوم فُتحت مَدائنُ كسرى، فلمَّا أعجبته، فقال: إن الله يقول:
﴿لَنْ تَنَالُواْالْبِرَّحَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢] فَأَعتقَها (٣).
وقرأ عبدالله: ﴿حَتَّ تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ﴾، وهذا يدل على أن (مِن)
للتبعيض، ونحوُه: أخذت من المال، و(مِن) في ﴿مِن شَىْءٍ﴾ لتبيين ﴿وَمَا
تُنفِقُواْ﴾، أي: مِن أيِّ شيء كان طيّباً تُحبُّونه، أو خَبيئاً تكرهونه، فإن الله
به علیم(٤).
(م): قيل: البِرُّ هو التقوى، واحتُجَّ بقوله: ﴿وَلَكِنَّالْبِرِّ مَنْ ءَامَنَ بِاللَّهِ
(١) انظر: ((تفسير ابن كثير)) (٣/ ١٠٨ -١٠٩). قال الهيثمي في ((مجمع الزوائد))
(٦/ ٣٢٦): رواه البزار، وفيه من لم أعرفه.
(٢) رواه ابن جرير الطبري في ((تفسيره)) (٣/ ٣٤٨). قال الحافظ الزيلعي في تخريج
أحادیث «الکشاف» (١ / ١٩٣): وهذا حديث مرسل.
(٣) ذكره الثعلبي في («تفسيره)) (٣ / ١١٠).
(٤) انظر: ((الكشاف)) للزمخشري (١ / ٤١١ - ٤١٢).
٤٢٢

وَاَلْيَوْمِ اَلْآَخِ ﴾ [البقرة: ١٧٧] الآيةَ، قال الحسن: كل شيء أنفقه المسلم من
ماله يَطلبُ به وجهَ الله تعالى، فإنه من الذين عنى الله سبحانه بقوله: ﴿حَتَّ
تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢] حتى التمرة، والقاضي خصصه بإيتاء
المال على سبيل الندب، وهو الصحيح(١).
* قوله: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُواْ أَنْفِقُواْ مِن طَيِّبَتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٦٧]:
قال ابن عباس: أمرهم بالإنفاق من أَطَيِب المال، وأَجْوَده، وأَنْفَسِهِ،
ونهاهم عن التصدق برُذَالة المال ودَئِيِّه، وهو خبيثه، وقيل: الخبيث: المال
الحرام، لما رواه الإمام أحمد عن عبدالله بن مسعود قال: قال رسولُ الله ◌ِليه:
((إنَّ اللهَ قَسَمَ بَينَكُمْ أَخْلاقَكُمْ كَمَا قَسَمَ بَيْنَكُمْ أَرَزَاقَكُم، وإنَّ اللهَ تعالى يُعطِي
الدُّنيا مَنْ يُحِبُّ ومَنْ لا يُحِبُّ، ولا يُعطِي الدِّينَ إِلَّ مَنْ أَحبَّ، فَمَنْ أَعطَاهُ اللهُ
الدِّينَ، فَقَدْ أَحبَّهُ، والذي نَفْسِي بَيَدِه، لا يُسلِمُ عَبْدٌ حَتَّى يُؤْمِنَ قلبُهُ ولِسانُهُ،
ولا يُؤْمِنُ حَتَّى يَأْمنَ جَارُهُ بَوائِقَهُ))، قالوا: ومَا بوائقه يا رسولَ الله؟ قال:
(غَشْمُه وظُلمُه، ولا يَكسِبُ عبدٌ مالاً مِن حَرامِ، فَينفقُ منه، فيُبارَكَ لَهُ فيهِ،
ولا يَتصدَّقُ به، فيُقبلَ مِنْهُ، ولا يَترُكُ خَلفَ ظَهْرِهِ إلَّ كانَ زادَهُ إلى النَّارِ، إنَّ اللهَ
لا يَمْحُو بِالسَّيِّئِ السَّيِّئِءَ، ولكن يَمْحُو السَّيِّئِ بالحَسَن، إنَّ الخبيثَ لا يَمْحُو
الخَبِيثَ))(٢).
والصحيح القول الأول، لما رواه ابن جرير عن البراء بن عازب قال:
كانت الأنصار إذا كان أيام جَداد النخل، أخرجت من حِيطانها أَقْنَاءَ البُسْر،
(١) انظر: ((تفسير الرازي)) (٨ /١١٨).
(٢) رواه الإمام أحمد في («المسند» (١ / ٣٨٧). وهو حديث ضعيف. انظر: ((ضعيف
الترغيب والترهيب)) (١٠٧٦).
٤٢٣

فعلقوه على جبل بين الأسطوانتين في مسجد رسول الله صل﴿، فيأكل فقراء
المهاجرين منه، فيعمِدُ الرجل منهم إلى الحَشَف، فيدخله مع أَقْنَاءِ البُشْر،
يَظنُّ ذلك جائزاً، فأنزل الله فيمَن فعل ذلك ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيِثَ مِنْهُ تُنِفِقُونَ﴾
[البقرة: ٢٦٧](١).
روى الإمام أحمد عن عائشة رضي الله عنها قالت: أُتي رسولُ الله ◌ِله
بضَبٍّ، فلم يأكله، ولم ينه عنه، قلت: يا رسولَ الله، نُطْعِمُه المساكيِنَ؟
قال: ((لا تُطْعِمُوهُم مِمَّا لا تَأْكُلُونَ))(٢).
قوله: ﴿وَلَسْتُمْ بِفَاخِذِيهِ إِلَّ أَنْ تُفْمِضُواْ فِيهٍ ﴾ [البقرة: ٢٦٧] قال ابن عباس:
يقول: لو كان لكم على أحد حَقٌّ، فجاءكم بحق دون حَقِّكم، [لم] تأخذوه(٣)
بحِساب الجَيِّد حتى تَنْقُصُوه، فكيف ترضون لي ما لا ترضون لأنفسكم،
وحَقِّي عليكم من أطيب أموالكم وأنفَسِه؟!(٤)
﴿وَأَعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ غَنِىُّ﴾ عن جميع خلقه، والخلق فقراء إليه، وهو
الحمید المحمودُ في جمیع أفعاله، وشرعه، وقدره.
ويمكن أن يذكر قول ثالث، وهو: أن المراد من الطيِّب ههنا ما يكون
طَيِّباً من كل الوجوه، فيكون طيِّباً بمعنى الحلال، ويكون طيِّباً بمعنى
الجَوْدَة، لا يقال: حمل اللفظ المشترك على مفهوميه لا يجوز، لأنا نقول:
(١) رواه ابن جرير الطبري في ((تفسيره)) (٣/ ٨٢).
(٢) رواه الإمام أحمد في ((المسند)) (٦ / ١٠٥). قال الهيثمي في ((مجمع الزوائد))
(٤ / ٣٧): رجاله رجال الصحيح.
(٣) في الأصل: ((أتأخذونه)).
(٤) رواه ابن أبي حاتم في «تفسيره)) (٢٨٠٤).
٤٢٤

الحلال إنما يُسمَّى طيِّباً، لأنه يستطيبه العقل والدِّينُ، والجَيِّد إنما يُسمَّى
طيباً، لأنه يَستطِيبِه المَيْل والشَّهوة، فمعنى الاستطابة مفهومٌ واحد مشترك بين
القسمين، فكان اللفظ محمولاً عليه(١).
٠٠
٢٩٧ - عن أنس ﴿ه، قال: كَانَ أَبُو طَلْحَةَ ﴿ أَكْثَرَ الأنْصَارِ
بالمَدِينَةِ مَالاً مِنْ نَخْلِ، وَكَانَ أَحَبُّ أَمْوَالِهِ إِلَيْهِ بَيْرَحَاءَ، وَكَانَتْ
مُسْتَقْبِلَةَ المَسْجِدِ، وَكَانَ رَسُولُ اللهِهِ يَدْخُلُهَا، وَيَشْرَبُ مِنْ مَاءٍ
فِيهَا طَيِّبٍ. قَالَ أَنَسَرٌ: فَلَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿لَنْ تَنَالُواْ الْبِرَّحَتَّى
تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ﴾، قام أبو طلحة إلى رسول الله وَيه، فقال:
يا رسول الله! إن الله تعالى أنْزَلَ عَلَيْكَ: ﴿لَنْ تَنَالُواْ الْبِرَّحَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا
تُحِبُونَ﴾، وإن أحبَّ مَالِي إِلَيَّ بَيْرَحَاءُ، وَإِنَّهَا صَدَقَةٌ لله تَعَالَى
أَرْجُو بِرَّهَا وَذُخْرَهَا عِنْدَ الله تعالى، فَضَعْها يا رسولَ الله حَيْثُ أَرَاكَ
اللهُ، فقال رسولُ الله ◌ِّهِ: ((بَخ! ذلِكَ مَالٌ رَابِحٌ، ذلِكَ مَالٌ رَابحٌ،
وَقَدْ سَمِعْتُ مَا قُلْتَ، وَإِنِّي أَرَى أَنْ تَجْعَلَها في الأقْرِبِينَ))، فقال أبُو
طَلْحَةَ: أَفْعَلُ يا رسول الله، فَقَسَّمَهَا أَبُو طَلْحَةَ في أَقَارِبِهِ، وَبَني
عَمِّهِ. متفقٌ عليه.
قولُهُ نَّهِ: ((مَالٌ رَابِحٌ)) رُويَ في ((الصحيحين)): ((رَابِحٌ))،
وَ(رَائِحٌ)) - بالباءِ الموحدةِ، وبالياءِ المثناةِ -؛ أَيْ: رَايِحٌ عَلَيْكَ
(١) انظر: ((تفسير الرازي)) (٧ / ٥٥).
٤٢٥

نَفْعُهُ، وَ(بَيْرَحَاءُ)): حَدِيقَةُ نَخْلٍ، وروي - بكسرِ الباءِ وَفتحِها -.
(ن): ((بيرحاء)) اختلف في لفظه، قال القاضي: روينا بفتح الراء وضمها
مع كسر الباء، ويفتح الباء والراء، ومنهم مَن فتح الراء على كل حال، ومَن فتح
الراء وألزمها حكم الإعراب، فقد أخطأ، قال: وبالرفع قرأناه على شيوخنا
بالأندلس، وأکثر روایاتھم فیه القَصْر، ورویناه عن بعض شيوخنا بالوجهین،
وبالمَدِّ وجدته بخطُّ الأَصِيليِّ، وهذا الموضع يعرف بقصر بني جَدِيلةً قبلي
المسجد، وهو حائط يُسمَّی بهذا الاسم، ولیس اسم بئر والحدیث یدل عليه(١).
قال الحافظ التيميُّ: هو بالرفع اسم ((كان)) و((أحب)) خبره، ويجوز
عكسه، و((حا)) مقصور، كذا المحفوظ، ويجوز أن يُمدَّ في اللغة يقال: (هذه
حاء) بالقصر والمد، وقد جاء في اسم قبيلة، وبيرُ حاء بستان، وكانت بساتين
المدينة تدعى بالآبار التي فيها، أي: البستان الذي فيها بيرُ حاء، أضيف (البئر)
إلى (حا) و[يروى]: ((بَيْرَحَا)) بفتح الباء وسكون الياء وفتح الراء: هو اسم
مقصور لا يَتَيسَّر فيه إعراب، يعني: فهي كلمة واحدة، لا مُضافٌ ومُضافٌ
إليه.
، قوله: «إن الله يقول في كتابه»:
(ن): فيه دلالةٌ للمذهب الصحيح وقول الجُمهور: إنه يجوز أن يقال:
إن الله یقول، کما یقال: إن الله قال.
وقال مُطرِّفُ بن عبدالله بن الشِّخِّير التابعيُّ: لا يقال: إن الله يقول، ظناً
منه أنه يقتضي استئنافَ القول، وقول الله قديم، وهذا ظَنٌّ عجيبٌ، فإن المعنی
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٧ / ٨٤).
٤٢٦

مفهومٌ ولا لَيْسَ فيه، وقد قال الله تعالى: ﴿وَاَللَّهُ يَقُولُ اُلْحَقَّ﴾ [الأحزاب: ٤]، وقد
تظاهرت الأحاديث الصحيحة باستعمال ذلك، قد أشرت إلى طرف منها في
کتاب ((الأذكار))(١).
* قوله: ((بخ)):
(ن): هو بإسكان الخاء وتنوينها مكسورةً، وحكى القاضي الکسرَ بلا
تنوین، وحکی الآخر التشديد فيه، وروي بالرفع، وإذا کررت، فالاختيار:
تحريك الأول مُنَّناً، وإسكان الثاني.
قال ابن دُرَيد: معناه تفخيم الأمر وتعظيمُه، وسكنت الخاء فيه کسكون
اللام في (هل) و(بل) ومَن كسره مُنوِّناً، شَبَّهه بالأصوات، كصَهْ ومَهْ، وقيل:
هي كلمة تقال عند الإعجاب بالشيء، وقال الدَّاوديُّ: يقال إذا حمد الفعل،
ويقال عند المدح والرِّضا بالشيء، ويكرر للمُبالغة، وهي مبنية على السكون،
فإن وصلتَ، جررت ونَوَّنْتَ، ورُبَّما شَدَّدت.
(ن): ((رابح)) رويناه بوجهين، بالمثناة من تحت، وبالموحدة، ومعناه
ظاهر، وأما المثناة: فمعناه رايح عليك أجرُه ونفعُه في الآخرة(٢).
(خط): أي: قريب [المسافة]، يروح خيره، وليس بعَازِب، وذلك
أنفس ما يكون من الأموال وأحضرها نفعاً، كقوله:
سَأبغِيكَ مَالاً بالمَدِينَةِ إِنَّني
أَرَى عَازِبَ الأَموَالِ قَلَّتْ فَضَائِلُهْ(٣)
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٧ / ٨٤).
(٢) المرجع السابق، (٧ / ٨٥).
(٣) انظر: ((غريب الحديث)) للخطابي (١ / ٦١٠).
٤٢٧

(ق): وصف المال بالرابح، لأنه بسببه يربح، قال تعالى: ﴿فَمَارَمَحَت
تَرَتُهُمْ﴾ [البقرة: ١٦]، وهذا على مذهب العرب في لابِنٍ وتَامِرٍ، أي: ذو لبن
وتمر، و[أما] بالمثناة: فهو اسم فاعل من راح، ومعناه قريب الفائدة، وقيل:
يروح عليه أجرُه في الآخرة، [وقال آخر: يروح عليه] (١) كُلَّما أثمرت
الثمار (٢).
(ك): ويحتمل أن يراد أنه مال من شأنه الرَّواح، أي: الذَّهابُ والفَوَات
فإذا ذهب في الخير، فهو أولى، ((وقد سمعت ما قلت)) أراد سماع الإجابة
والقَبول، كقوله: ((سَمِعَ اللهُ لمَن حَمِدَه))، لأن غرض السائل الإجابةُ
والقَبول(٣).
(ن): فيه: استحباب الإنفاق مِمَّا يُحِبُّ، ومشاورة أهل العلم والفضل
في كيفية الصدقات، ووجوه الطاعات، وغيرها، وفيه: أن الصدقة على
الأقارب أفضلُ من الأجانب إذا كانوا مُحتاجين، وفيه: أن القرابة يُرعى حَقُّها
في صلة الأرحام، وإن لم يجتمعوا إلا في أب بعيد، إذ إنما يجتمع حَسَّانٌ
وأُبِيٌّ معَه في الأب السابع (٤).
(ق): وقال أبو عمر: إن حَسَّانَ يجتمع معه في حرام(٥)، وهو الجَدُّ
(١) ما بين معكوفتين من ((المفهم)) للقرطبي (٤٢/٣).
(٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٣/ ٤٢).
(٣) انظر: ((الكواكب الدراري)) للكرماني (٨ /٥).
(٤) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٧ / ٨٥ - ٨٦).
(٥) في الأصل: ((عمر)).
٤٢٨

الثالث، وأُبيِّ يجتمع معه في عمرو وهو الجَدُّ السابع، وفيه: صحَّة الصدقة
المُطلقة، والحَبْس المُطلق، وهو الذي لم يُعيَّن مَصرِفُه، وبعد هذا يعيّن
مَصرِفُه، وفيه: صحة الوكالة، لقوله: ((ضعه حيث شئت))، وفيه: إطلاق
لفظ الصدقة بمعنی الحَبْس.
وقد روي أنها بقيت وقفاً بأيدي بني عَمِّه، لكن قد روي من طريق
صحيح أن حَسَّان باع نصفَه من مُعاوية، فقيل له: تبيع صدقة أبي طلحة؟
فقال: ألا أبيع صاعاً من تمر بصاع من دراهم، وعلى هذا: فلا يكون فيه
ما يدلُّ على صِحَّة الوقف، انتهى(١).
وفيه: استحباب الحَضِّ والحَثِّ لمَن سنح له معروفٌ أن يُمضيَهُ،
ويغتنمَ ما خطر له، ولا يؤمر بالتثبّت والتوقُّف، فإن القلبَ شديد التقلُّب،
والنفس أَمَّارة بالسُّوء، مَيَّالةٌ إلى الهوى.
(١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٣/ ٤٢ - ٤٣).
٤٢٩

٣٨- باب
وجوبِ أمرِه أهله وأولاده الممیزین،
وسائرَ من في رعيته بطاعةِ الله تعالى، ونهيهم عن المخالفة،
وتأديبهم، ومنعِهم عن ارتكابِ منهِيٍّ عنه
قال الله تعالى: ﴿ وَأَمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَوْةِ وَاصْطَِّرْ عَلَيْهَا﴾ [طه: ١٣٢].
* وقال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ قُوَاْ أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُزْ نَارًا﴾
[التحريم: ٦].
(الباب الثامن والثلاثون)
(في وجوب أمره وأولادَه المُميّزين وسائر مَن في رَعِيَّته بطاعة الله ونَهيهم
عن المُخالفة وتأديبهم ومنعهم عن ارتكاب مَنهيٍّ عنه)
* قوله تعالى: ﴿وَأَمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَوْةِ وَاصْطَبِرْ عَلَّهًا﴾ [طه: ١٣٢]: أي:
أنقذهم من عذاب الله بإقامة الصلاة، واصطبر أنت على فعلها.
﴿لَا نَسْتَلُكَ رِزْقًا﴾ [طه: ١٣٢]، أي: إذا أقمت الصلاة، أتاك الرُّزق من
حیث لا تحتسب.
قال الثوري: أي لا نكلِّفك الطلبَ، روى ابن حاتم عن ثابت: كان
النبيُّ نَّهِ إِذا أصابه خَصَاصَةٌ، نادى أهلَه: ((يا أهلاه، صَلُّوا صَلُّوا)).
قال ثابت: وكانت الأنبياء إذا نزل بها أمر فزعوا إلى الصلاة، وروى
الترمذيُّ عن أبي هريرة قال: قال رسولُ الله وَّهِ: («يَقُولُ اللهُ: يا بنَ آدَمَ،
٤٣٠

تَفَرَّغْ لِعِبَادَتَي، أَمْلأْ صَدْرَكَ غِنِىٌ، وأَسُدُّ فَقَرَكَ، وإِن لَمْ تَفْعِلْ، مَلأْتُ صَدرَكَ
شُغْلاً، ولَم أَسُدَّ فَقَرَكَ)(١).
وفي ((سنن ابن ماجه)) عن ابن مسعود ◌ُه قال: سمعت نبيَّكم ◌َلّ
يقول: ((مَنْ جعلَ الهُمومَ هَمّاً وَاحِداً، هَمَّ المَعَادِ، كَفَاهُ اللهُ هَمَّ دُنياهُ، ومَن
تَشْغَّبت به الهُمومُ في أحوالِ الدُّنيا، لم يُبالِ اللهُ في أَيِّ أَوْدِيَةٍ هَلكَ))(٢).
وروي أيضاً عن زيد بن ثابت قال: سمعت رسولَ اللهِوَ﴿ يقول: ((مَنْ
كَانتِ الدُّنيا هَمَّهُ، فَقَ اللهُ تعالى أَمرَهُ، وجعل فَقْرَهُ بين عَيْنَهِ، ولم يَأْتِهِ منَ
الدُّنيا إِلاَّ ما كُتِبَ له، ومَنْ كانتِ الآخِرَةُ(٣) نِيَّتَهَ، جمعَ له أَمَرَه، وجعلَ غِناهُ
في قَلبهِ، وأتته الدُّنيا، وهي رَاغِمَةٌ))(٤).
(م): قوله: ﴿َهْلَكَ﴾ منهم مَن حمله على أقاربه، ومنهم من حمله على كل
أهل دِينه، وهذا أقربُ، كقوله: ﴿وَكَانَ يَأْمُرُ أَ هْلَهُ بِالصَّلَوْةِ وَالزَّكَوْةِ﴾ [مريم: ٥٥](٥) .
(الكشاف): أي: أقبل أنت مع أهلك على عبادة الله والصلاة، واستعينوا
بها على خَصَاصتكم، ولا تهتمَّ بأمر الرِّزق والمَعيشة، فإن رزقك مَكفيٍّ من
عندنا، ونحن رازقوك، ولا نسألك أن ترزق نفسَك ولا أهلَك، ففرغ بالك لأمر
(١) رواه الترمذي (٢٤٦٦). وهو حديث صحيح. انظر: ((صحيح الجامع الصغير))
(١٩١٤).
(٢) رواه ابن ماجه (٤١٠٦). وهو حديث حسن. انظر: ((صحيح الجامع الصغير))
(٦١٨٩).
(٣) في الأصل: ((الدنيا)).
(٤) رواه ابن ماجه (٤١٠٥). وهو حديث صحيح. انظر: ((صحيح الجامع الصغير))
(٦٥١٦).
(٥) انظر: ((تفسير الرازي)) (٢٢ /١١٨).
٤٣١

الآخرة، وفي معناه: مَن كان في عمل الله كان الله في عمله(١).
* قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا قُواْأَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْنَارًا﴾ [التحريم: ٦]،
قال ابن عباس: يعني: اعملوا بطاعة الله، واتقوا مَعاصيَه، ومُروا
أهلیکم بذلك، ینجیکم الله من النار.
قال الضَّخَّاك ومُقاتل: حقٌّ على المسلم أن يُعلِّم أهلَه، من قرابته،
وإمائه، وعَبيده ما فرض الله عليهم، وما نهاهم عنه(٢) .
(الكشاف): في الحديث: ((رَحِمَ اللهُ رَجُلاً قال: يا أَهْلاه، صَلاتَكُم،
صِيَامَكُم، زَكَاتَكُم، مِسْكِينَكُم، يَتِيمَكُم، جيرَانَكُم، لعلَّ اللهَ يَجمعُهم معَهُ في
الجَنَّة)».
وقوله: ﴿ثَارًا﴾، أي: نوعاً من النار لا يَنَّقد إلا بالناس والحجارة(٣).
٢٩٨ - عن أبي هريرة ﴿، قال: أخذ الحسنُ بنُ عليٍّ
تَمْرَةً مِنْ تَمْرِ الصَّدَقَةِ، فَجَعَلَهَا في فِيهِ، فقالَ رسولُ اللهِّهِ: ((كَخْ
كَخْ، ارْمِ بِهَا، أَمَا عَلِمْتَ أنَّا لا نَأْكُلُ الصَّدَقَةَ!؟)) متفقٌ عليه.
وفي روايةٍ: ((أنَّا لا تَحِلُّ لَنَا الصَّدَقَةُ)). وقوله: ((كَخْ كَخْ))
(١) انظر: ((الكشاف)) للزمخشري (٣/ ٩٩)، وفيه: ((من دان في عمل الله ... )) بدل:
((من كان في عمل الله)).
(٢) انظر: ((تفسير ابن كثير)) (١٤ / ٥٨).
(٣) انظر: ((الكشاف)) للزمخشري (٤ / ٥٧٢).
٤٣٢

يُقَالُ بإِسْكَانِ الخَاءِ، وَيُقَالُ بِكَسْرِهَا مَعَ التَّنْوِينِ، وهيَ كَلِمةُ زَجْرٍ
للصَّبِيِّ عَنِ المُسْتَقْذَرَاتِ، وكَانَ الحَسنُ ﴾ہِ صَبِيًّا.
(الأَوْاُ)
(ن): ((كخ كخ)) قال القاضي: هي بفتح الكاف وكسرها، وتسكين
الخاء، ويجوز کسرها مع التنوين، ومعناه: اتركه وازْمٍ به .
قال الداوديُّ: هي كلمة عَجَمية مُعرَّبة بمعنى: بئس، وإلى هذا أشار
البخاريُّ حيث ترجم على هذا الحديث: (من تكلم بالفارسية)(١)، وفيه: أن
الصِّبيانَ يُوقُّون مِمَّا يُوقَّه الكبار، وتمنع من تعاطيه، وهذا واجبٌ على الوليِّ(٢).
(ق): حتى يَتدرَّبوا على آداب الشريعة، ويتأدَّبوا بها، ويعتادوها،
وعلى هذا: فلا يُلَسُ الذُّكور الصِّغار الحريرَ، ولا يُحَلَّون بالذهب، ويُخاطَب
الأولياء بأن يُجنّبوهم ذلك، كما يُخاطبون بأن يُجنِّهم شربَ الخمر، وأكلَ
ما لا يَحِلُّ(٣).
* قوله ◌َّل : ((أما علمت أنا لا نأكل الصدقة))؟!
(ن): هذه اللفظة تقال في الشيء الواضح التحريم ونحوه، وإن لم یکن
المُخاطَب عالماً به، وتقديره: عجبٌ كيف خفي عليك هذا، مع ظهور
تحريمه؟! وهذا أبلغُ في الزَّجْر عنه من قوله: لا تفعله.
وفيه: تحريم الزكاة عليه وَّه وعلى آله، وهم: بنو هاشم، وبنو المُطَّلِب،
(١) انظر: ((صحيح البخاري)) (٣ / ١١١٧).
(٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٧ / ١٧٥).
(٣) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٣ / ١٢٣).
٤٣٣

وقال أبو حنيفة ومالك: هم بنو هاشم خاصَّة، وقال بعض العلماء: هم قريش
كلُّها، وقال: أَصْبَعُ المالكيُّ: هم بنو قُصَيٍّ، دليل الشافعيِّ أن رسولَ الله ◌ِلَّه
قال: ((إِنَّ بَنِي هَاشِمٍ، وبَي المُطَلِبِ شَيْءٌ وَاحِدٌ))(١)، وقسَمَ بينهم سَهْمَ ذوي
القُربی.
وأما صدقة التطوع: فللشافعي فيها ثلاثة أقوال:
أصحها: أنها تَحرمُ على رسول الله وَّهِ، وتَحِلُّ لآله.
والثاني: تَحرمُ عليه وعليهم.
والثالث: تَحِلُّ له ولهم.
وأما موالي بني هاشم وبني المطلب: فهل تحرم عليهم الزكاة؟ فيه
وجهان:
أصحهما: التحريم، وبه قال أبو حنيفة، وسائر الكوفيين، وبعض
المالكية .
والثاني: تحِلُّ، وبه قال مالك(٢).
(ك): والحِكمةُ في تحريمها عليهم: أنها مُطهِّرة للمُلأَّك ولأموالهم،
قال تعالى: ﴿خُذّمِنْ أَمْوَلِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِبِهِم بِهَا﴾ [التوبة: ١٠٣]، فهي
كغسالة الأوساخ، وآل محمد مُنزَّهون عن أوساخ الناس وغُسالاتها، وإما لأن
أخذها مَللَّة اليدُ السُّفلى، ولا يليق بهم الذُّلُّ والافتقار إلى غير الله، ولهم اليدُ
العليا، وإما لأنهم لو أخذوها، لطال لسانُ الأعداء، أن محمداً يدعونا إلى
(١) رواه البخاري (٣٣١١)، من حديث جبير بن معطم معه بلفظ: (إنما بنو ... ).
(٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٧ / ١٧٥).
٤٣٤

ما يدعونا إليه، ليأخذ أموالَنا ويعطيَها لأهل بيته، قال تعالى: ﴿قُلِ لَّا أَسْئَلُكُمُ عَلَيْهِ
أَجْرًا﴾ [الشورى: ٢٣]، ولهذا أمر أن تُصرَف إلى فقرائهم في بلدهم(١).
(ط): فإن قلت: كيف أباحها لبعض أُمَّته، فإن من كمال إيمان المرء
أن يُحِبَّ لأخيه ما يحِبُّ لنفسه؟!
قلت: ما أباحها لهم عزيمةً، بل اضطراراً، وكم من أحاديثَ تراها
ناهيةً عن السؤال، فعلى الحازم أن يراها كالمَيْتة، ﴿فَمَنِ اضْطَرَّ غَيْرَ بَاِخْ وَلَا
عَادٍ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ١٧٣](٢).
٢٩٩ - وعن أبي حَفْصٍ عُمَرَ بن أَبِي سَلَمَةَ عَبْدِالله بنِ عبدِ
الأسدِ رَبِيبٍ رسولِ الله وَّهِ، قالَ: كُنْتُ غُلاماً في حَجْرِ رسولِ الله ◌ِِّ،
وَكَانَتْ يَدِي تَطِيشُ فِي الصَّحْفَةِ، فقال لي رسول الله وَّهِ: ((يَا غُلامُ!
سَمِّ الله تعالى، وَكُلْ بِيَمِينِكَ، وَكُلْ مِمَّا يَليكَ))، فَمَا زَالَتْ تِلْكَ
طِعْمَتِي بَعْدُ. متفقٌ عليهِ.
((وَتَطِيشُ)): تَدُورُ فِي نَوَاحِي الصَّحْفَةِ.
(الثَّانِى)]
* قوله: ((كنت غلاماً في حجر رسول الله (يا)):
(ط): هو كنايةٌ عن كونه رَبيباً له، وأنه في حَضانته يُربِّه تربية الأولاد،
(١) انظر: ((الكواكب الدراري)) للكرماني (٨ / ٣٦).
(٢) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٥ / ١٥٠٣).
٤٣٥

وكان عمر هذا هو ابنَ أُمّ سلمة زوج النبيِّ ◌َلِ﴾ (١).
وقوله: ((تطيش)) :
(ن): بكسر الطاء، وبعدها مثناة من تحت ساكنة، أي: تتحرك وتمتدُّ
إلى نواحي الصَّحْفَة، ولا تقتصر على موضع واحد، والصَّحْفة دون القَصْعة،
وهي ما يسَعُ ما يُشبعُ خمسة، والقَصْعة [تشبع] عشرةً، وقيل: الصَّحْفة
كالقَصْعة، وجمعها صِحَاف(٢).
(ق): وفي رواية: ((فجعلتُ آخُذُ من لَحْمِ حولَ القَصْعة».
(ط): الظاهر أن يقال: كنت أطيش، فعدل وأسند الطيشَ إلى اليد،
مُبالغةً، وأنه لم يكن يُراعي آدابَ الأكل، فأرشده لذلك إلى التسمية والأكل
بالیمین(٣).
(ن): في قوله: ((سم الله)) دليل على استحباب التسمية في ابتداء
الطعام، وهذا مُجمَعٌ عليه، وكذا حمد الله في آخره، وكذا يُستحبُّ التسمية
في أول الشراب، واللَّن، والعسل، والمَرَق، والدَّواء، بل في أول كل أمر
ذي بال، ويُستحبُّ أن يجهرَ بالتسمية، ليُسمعَ غيره، وينبِّهه عليها، ولو
ترك التسميةَ في أول الطعام عامداً، أو ناسياً، أو جاهلاً، أو مُكرهاً، أو
عاجزاً، أو لغرض آخر، ثم تمكَّن في أثناء أكله منها، استُحِبَّ أن يسمِّيَ،
ويقول: باسم الله أَوَّلَه وآخرَه، كما ثبت في الحديث، وسواء في استحباب
التسمية الجُنُب والحائض وغيرهما.
(١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٩ / ٢٨٣٧).
(٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٣ / ١٩٣).
(٣) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٩ / ٢٨٣٨).
٤٣٦

ويُستحبُّ أن يُسمِّيَ كل واحد من الآكلين، فإن سَمَّى واحد منهم،
حصل السُّنَّة، نَصَّ عليه الشافعيُّ، ويستدل له بأن النبيَّ ◌َّ أخبر أن
الشیطان إنما یتمگَّن من الطعام إذا لم يُذكر اسمُ الله علیه، وهذا قد ذكر اسم
الله عليه، وأن المَقصودَ يحصل بواحد، وقد أوضحت هذه المسائل في
کتاب ((الأذكار))(١).
(ش): الصحيح وجوبُ التسمية عند الأكل، وهو أحد الوجهين
لأصحاب أحمدَ، وأحاديثُ الأمر بها صحيحةٌ صريحة، لا مُعارضَ لها،
ولا إجماعَ يُسوِّعْ مُخالفَتَها، ويُخرجها عن ظاهرها، وتاركُها شريكه الشَّيطانُ
في طعامه وشرابه(٢).
· قوله وقليفي: ((وكل بيمينك)):
(ن): فيه: استحباب الأكل والشرب باليمين، وكراهتُهما بالشِّمال،
وقد قال ◌َله: ((لا تَأْكُلُوا بالشِّمَالِ، فإنَّ الشَّيطانَ يأكُلُ بالشِّمَال))(٣)، وكان
نافع يزيد فيها: ولا يأخذ بها، ولا يعطي بها، وهذا إذا لم يكن عُذرٌ، وإن
كان عُذرٌ يمنع الأكل والشربَ باليمين، من مرض، أو جِرَاحة، أو غير
ذلك، فلا كراهةَ في الشِّمال(٤).
(ق): هذا الأمر على جهة النَّب، لأنه من باب تشريف اليمين على
الشِّمال، وذلك لأنها أقوى في الغالب، وأَسبقُ للأعمال، وأَمَكَنُ في الأشغال،
(١) انظر: ((شرح مسلم) للنووي (١٣ / ١٨٨).
(٢) انظر: ((زاد المعاد)) لابن القيم (٢ / ٣٩٧).
(٣) رواه مسلم (٢٠١٩) من حديث جابر ظه.
(٤) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٣ / ١٩١).
٤٣٧

ثم هي مُشتقَّة من اليُمن والبركة، وقد شرَّف الله تعالى أهل الجنة، بأن نسبهم
إليها، كما ذَمَّ أهلَ النار حين نسبهم إلى الشِّمال، وعلى الجملة: فاليمين وما
نُسب إليها، وما اشتُقَّ منها محمودٌ لساناً، وشرعاً، ودُنيا وآخرة، والشِّمال على
النقيض من ذلك، فمن الآداب المُناسبة لمكارم الأخلاق، والسِّيرة الحَسَنة عند
الفضلاء اختصاصُ اليمين بالأعمال الشريفة، والأحوال النظيفة، وإن احتيج في
شيء منها إلى الاستعانة بالشِّمال، فبِحُكْم التَّبَعِيَّة، وأما إزالة الأقذار:
فبالشِّمال، لما يناسبها من الحَقارة والاسترذال(١).
(ش): مقتضى هذا الحديث: تحريمُ الأكل بالشِّمال، وهو الصحيح،
فإن الآكلَ بها إما شيطانٌ، وإما مُشبَّه بالشيطان، وصَحَّ عنه أنه بَّ قال لرجل
أكل عنده بشماله: ((كُلْ بِيَمِينِكَ))، فقال: لا أستطيع، فقال: ((لا استَطَعْتَ))،
فما رفع يده إلى فِيه بعدها(٢)، فلو كان ذلك جائزاً، لَما دعا عليه بفعله، وإن
كان كِبْرُه قد حمله على ترك امتثال الأمر، فذلك أبلغ في العِصيان واستحقاق
الدُّعاء عليه(٣).
* قوله : ((وكل مما يليك))(٤):
(ن): فيه: استحباب الأكل مِمَّا يليه، [لأن أكله من موضع يد](٥)
(١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٥ /٢٩٥).
(٢) رواه مسلم (٢٠٢١)، من حديث سلمة بن الأكوع څ.
(٣) انظر: ((زاد المعاد)) لابن القيم (٢ / ٤٠٥).
(٤) في الأصل: ((بيمينك)) .
(٥) ما بين معكوفتين من ((شرح مسلم)) للنووي (١٩٣/١٣).
٤٣٨

صاحَبه سُوءُ عِشْرة، وتَركُ مُروءة، سيَّما في الأمراق وشبهها، وإن كان تمراً
أو أجناساً، فقد نقلوا إباحةَ اختلاف الأيدي في الطَّبق ونحوه، والذي ينبغي
تعميمُ النهي حتى يثبت دليلٌ مَخَصِّص(١).
(ق): هذه سنة متفق عليه، وخلافها مكروهٌ شديدُ الاستقباح،
وسببه: أن كل آكِل كالحائز لِما يليه من الطعام، فأخذ الغير له تعدٍّ، مع ما
في ذلك من تَقَذُّر النفوس ما خاضت فيه الأيدي والأصابع، ولما فيه من
إظهار الحِرْص على الطعام، والنَّهم، ثم هو سوء أدب من غير فائدة [إذا
كان الطعام نوعاً واحداً(٢)، أما إذا اختلف أنواع [الطعام]، فقد أباح ذلك
العُلماء، إذ ليس فيه شيءٌ من تلك [الأمور] المُستقبحة.
وفيه: تعليم الصبيان ما يحتاجون إليه من أُمور الدين وآدابه، وهذه
الأوامر كلُّها على الندب، لأنها من المحاسن المُكمِّلة والآداب المُستحبّة(٣).
* وقوله: «فما زالت تلك طعمتي بعد»:
(نه): هي بالكسر خاصَّةً حالةُ الأكل، أي: فما زالت تلك حالتي في
الأكل (٤).
٣٠٠ - وعن ابن عمَرُ﴾، قال: سمعتُ رسولَ اللهِ وَّه
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٣ / ١٩٣).
(٢) ما بين معكوفتين من ((المفهم)) للقرطبي (٢٩٨/٥).
(٣) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٢٩٨/٥).
(٤) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (٣/ ١٢٦).
٤٣٩

يقول: ((كُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّهِ، الإمَامُ رَاعٍ،
وَمَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَتِهِ، والرَّجُلُ رَاعٍ فِي أَهْلِهِ، وَمَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ،
وَالمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا، وَمَسْؤُولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا، وَالخَادِمُ رَاعٍ
فِي مَالٍ سَيِّدِهِ، وَمَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَِّهِ، فَكُلُّكُمْ رَاعٍ، وَمَسْؤُولٌ عَنْ
رَعيَّتِهِ» متفقٌ عليه.
(الثَّالُِّ)
سبق شرحه في (الباب الخامس والثلاثين).
٣٠١ - وعن عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عن أبيه، عن جَدِّهِ ﴾،
قال: قالَ رسولُ اللهِ وَّهِ: ((مُرُوا أَوْلادَكُمْ بِالصَّلاةِ، وَهُمْ أَبْنَاءُ سَبْعِ
سِنِينَ، وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا، وَهُمْ أَبْنَاءُ عَشْرٍ، وَفَرَّقُوا بَيْنَهُمْ في
المَضَاجِع)) حديثٌ حسنٌ، رواه أبو داودَ بإسنادٍ حسنٍ .
٣٠٢ - وعن أَبِي ثُرَيَّةَ سَبْرَةَ بنِ مَعْبَدِ الجُهَنِيِّ ◌َه، قال: قالَ
رسولُ اللهِ وَِّ: ((عَلِّمُوا الصَّبِيَّ الصَّلاةَ لِسَبْع سِنِينَ، وَاضْرِبُوهُ
عَلَيْهَا ابْنَ عَشْرِ سِنِينَ)) حديث حسنٌ، رواه أبو داودَ، والترمِذُّ،
وقال: حديثٌ حسن.
وَلَفْظُ أبي دَاوُدَ: ((مُرُوا الصَّبِيَّ بِالصَّلاةِ إِذَا بَلَغَ سَبْعَ سِنِينَ)).
٤٤٠