النص المفهرس

صفحات 201-220

أحدهما: أن يقال: يحتمل أنه إنما قَدَّمه؛ لكون الإيمان شرطاً مُصَحِّحاً
للأعمال الفَرعية، لا للخطاب بالفُروع، إذ لا يصِحُّ فعلُها شرعاً إلا بتقدُّم
وجوده، ويَصِحُّ الخطابُ بالإيمان وبالفروع معاً في وقت واحد، وهذا
الاحتمال أظهرُ من الاحتمال الذي تمسّكُوا به، ولو لم يكن أظهرَ؛ فهو مُساوٍ
له، فيكون الخطابُ مُجْمَلاً.
ثانيهما: أن النبيَّ ◌َ إنما رتَّبَ هذه القواعدَ، ليبين الأَوْكدَ فالأَوْكَدَ،
والأَهمَّ فالأهَمَّ.
(ن): ألا تراه بدأ بالصلاة قبل الزكاة؟! ولم يقل أحدٌ: إنه يصير مُكلَّفاً
بالصلاة دون الزكاةِ، وأيضاً: المُطالبة في الدنيا لا تكون إلا بعد الإسلام،
ولا يلزم من ذلك أن لا يكونوا مُخاطَبين بها، يُزاد عذابُهم في الآخرة بسببها.
* قوله ◌َ ل : ((تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم))، وفي رواية
للبخاري: ((تؤخذ من أموالهم)).
(ن): قد يستدل بلفظ: ((من أموالهم)) على أنه إذا امتنع من دفع الزكاة
أُخذت من ماله بغير اختياره، وهذا الحكم لا خلاف فيه، ولكن هل تبرأ ذِمَّتُه
ويُجْزِتُه ذلك في الباطن؟ فيه وجهان لأصحابنا(١).
(ك): فإن قلت: مصارفُ الزكاة غيرُ منحصرةٍ في الفقراء، فما الفائدة
من تخصیص ذکرهم؟
قلت: إما للمُطابقة بينه وبين الأغنياء، وإما لأن الغالبَ فيهم الفُقراءُ (٢).
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١ / ٢٠٠).
(٢) انظر: ((الكواكب الدراري)) للكرماني (٧ / ١٦٧)
٢٠١

(ق): وفيه دليلٌ لمالك على أن الزكاة لا تجب قِسْمَتُها على الأصناف
المذكورين في الآية، وأنه يجوز للإمام صَرْفُها إلى صنف واحد إذا رآه مصلحةً
دينية .
وفيه: أنه يجب على مَن وجبت عليه الزكاة أن يدفعَها إلى الإمام
العَدْل، ولا يجوز أن يُفرِّقَها بنفسه إذا أقام الإمام مَنْ تُدفع إليه(١).
(شف): وفيه دليلٌ على أن الطفلَ تلزمه الزكاة؛ لعموم قوله: ((تؤخذ
من أغنيائهم».
وفي قوله: ((على فقرائهم)) دليلٌ أن المدفوعَ عينُ الزكاة، وفيه أيضاً:
أن نقلَ الزكاة عن بلد الوجوب لا يجوز مع وُجود المُستحِقِين فيه، بل صدقةٌ
كلِّ ناحية لمُستحِقِّي تلك الناحية، واتفقوا على أنه إذا نُقُلت وأُدِّيت، يسقط
عن الفَرْض، إلا عمرَ بن عبد العزيز، فإنه رَدَّ صدقةً نُقُلت من خُراسان إلى
الشام إلى مكانها من خُراسانَ.
(ن): هذا الاستدلال ليس بظاهر؛ لأن الضمير في ((فقرائهم)) مُحتمِلٌ
لفُقراء المسلمين، ولفقراء أهل تلك البلدة والناحية، وهذا الاحتمالُ أَظهرُ.
قال ابنُ الصَّلاحِ: ذِكرُ بعضٍ دعائم الإسلام دُون بعضٍ هو من تقصير
الرَّاوي، كما بينا فيما سبق من نظائره(٢).
(ق): اقتصر النبيُّ ◌َّه على القواعد الثلاث؛ لأنها كانت هي المُتعيَِّةَ
عليهم في ذلك الوقت، المُتَأْكِّدَة فيه، ولا يُظَنُّ أن الصومَ والحجَّ لم يكونا
(١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (١ / ١٨٣)
(٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١ / ١٩٧)
٢٠٢

فُرِضا إذ ذاك؛ لأن إرسال معاذ إلى اليمن كان في سنة تسع، وكان الحَجُّ قد
فرض، وأما الصوم: ففرض في السنة الثانية من الهجرة، ومات النبيُّ ◌َيل
ومُعاذٌ باليمن على الصحيح، وقولُ مَن قال: إن الرُّواةَ سكتوا عن ذكر
الصَّوم والحَجِّ قولٌ فاسدٌ؛ لأن الحديثَ قد اشتهر واعتنى الناسُ بنقله سلفاً
وخلفاً(١).
(ك): لم يذكر الصومَ والحَجَّ؛ لأن اهتمامَ الشارع بالصلاة والزكاة
أكثرُ، والمذكور في القرآن ذكرُهما كثيراً، ولا يسقطان عن المُكلَّف أصلاً،
بخلاف الصوم، فإنه يسقط بالفِذْية، والحَجِّ فإن الغيرَ يقومُ مقامَه لزَمَانةٍ(٢) .
(ن): ((الكرائم»: جمع كريمة، وهي جامعة الكمال المُمكن في حَقُّها،
من غزارة لَبَن، وجمال صُورة، أو كثرةِ لحم وصُوف(٣).
(ق): أي: خيارَها ونفائِسَها، حَذَّره من ذلك نظراً لأرباب الأموال
ورفقاً بهم، وكذلك لا يأخذ من شِرار المال ولا مَعيبهِ، نظراً للفقراء (٤).
* قوله ويتلقى: ((فإنه ليس بينه وبين الله حجاب)»:
(ن): أي إنها مَسموعةٌ لا تُردُ(٥).
(ك): قد جاء مُفَسَّراً في حديث آخر: ((دَعْوةُ المَظلُومِ مجَابَةٌ، وإِنْ
(١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (١ / ١٨٣)
(٢) انظر: ((الكواكب الدراري)) للكرماني (٧ / ١٦٧)
(٣) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١ / ١٩٧)
(٤) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (١ / ١٨٣)
(٥) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١ / ١٩٧)
٢٠٣

كانَ فَاجِراً، فَفُجُورُهُ على نَفْسِهِ»، انتهى(١).
وفي ((شعب الإيمان)) للبيهقيِّ عن عليٍّ ◌َّه قال: قال رسولُ الله ◌َّه :
(يَّكَ ودَعْوَةَ المَظْلُوم، فإِنَّمَا يَسْأَلُ اللهَ حَقَّهُ، وإنَّ اللهَ لا يَمنعُ ذا حَقٌّ حَقَّهُ»(٢).
(ق): الرواية الصحيحة: ((فإنه)) بضمير المذكَّر(٣) المذكور على أن يكون
ضميرَ الأمر والشأن، ويحتمل أن يعود على مُذكَّر الدعوة، فإن الدَّعوة دُعاءٌ،
وفي بعض النسخ: ((فإنها)» وهو ظاهر .
ويستفاد منه تحريمُ الظلم، وتخويفُ الظالم، وإباحةُ الدُّعاء للمظلوم
عليه، والوعدُ الصِّدْقُ بأن الله يستجيبُ للمظلوم فيه، غير أنه قد يعجِّل
الإجابةَ فيه، وقد يُؤْخِّرها إملاءً للظالم، كما قال عليه السلام: ((إنَّ اللهَ يُمْلِي
للظَّالِمِ حَتَّى إذا أَخذَهُ، لَمْ يُفْلِتْه) (٤)، وكما في الحديث: ((إنَّ اللهَ تعالى يُرفعُ
دعوةَ المَظْلُومِ على الغَمَامِ، ويقولُ الله لها: لأَنْصُرَنَّكَ ولو بَعْدَ حِينٍ))(٥).
(ط): ((اتق دعوة المظلوم)) وغيره تذييلٌ، لاشتماله على هذا الظلم
(١) انظر: ((الكواكب الدراري)) للكرماني (١١/ ٢١)، والحديث رواه الإمام أحمد في
((المسند)) (٢ / ٣٦٧)، من حديث أبي هريرة له، وهو حديث حسن لغيره. انظر:
«صحیح الترغيب والترهيب)) (٢٢٢٩).
(٢) رواه البيهقي في ((شعب الإيمان)) (٧٤٦٤)، وهو حديث ضعيف. انظر: ((ضعيف
الجامع الصغير)) (١١٠).
(٣) في الأصل: ((إنه تضمر المذكر)).
(٤) رواه البخاري (٤٤٠٩)، من حديث أبي موسى الأشعري ظ
(٥) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (١ / ١٨٤)، والحديث رواه ابن حبان في ((صحيحه))
(٨٧٤)، من حديث أبي هريرة ﴿ه، وهو حديث ضعيف. انظر: ((ضعيف الجامع
الصغیر» (٢٥٩٢).
٢٠٤

الخاصِّ من أخذ كرائم الأموال، وعلى غيره مِمَّ يتعلق بالمُزِّي، وعلى هذا
المظلوم وغيره، وقوله: ((فإنه ليس بينه وبين الله حجاب)) تعليلٌ للاتقاء،
وتمثيل لدعوة مَنْ يَقصِدُ إلى السلطان مُتظلِّماً، فلا يُحجَب عنه(١).
(ن): فيه: قَبول خبر الواحد، ووجوبُ العمل به، وأن الوتر ليس
بواجب، لأن بَعْثَه إلى اليمن كان قبل وفاته بَّه بقليل [بعد الأمر بالوتر،
والعمل به]، وأن الكفار يُدعَون إلى التوحيد قبل القتال، وفيه: أنه لا يحكم
بإسلامه إلا بالنُّطق بالشهادتين، وفيه: أن الصلواتِ الخَمْسَ في كل يوم
وليلة، وفيه: بيان عِظَم تحريم الظلم، وأن الإمامَ ينبغي أن يَعِظَ وُلاةَ الأمر،
ويأمرَهم بتقوى الله، وينهاهم عن الظلم، وأن الزكاة لا تُدفع إلى الكافر(٢).
(ك): قد يَستِدِلُّ به مَنْ لا يرى على المَديون زكاةَ ما في يده إذا لم
يَفضُل عن الدَّين الذي عليه قدرُ نصاب، لأنه ليس بغنيٌّ(٣).
*
*
٢٠٩ - وعن أبي حُمَيْدٍ عَبْدِ الرَّحْمنِ بنِ سعدِ السَّاعِدِيِّ
قال: اسْتَعْمَلَ النَّبِيُّ ◌َهِ رَجُلاً مِنَ الأَزْدِ يُقَالُ لَهُ: ابْنُ اللَّتْبِيَّةِ عَلَى
الصَّدَقَةِ، فَلَمَّا قَدِمَ قال: هذَا لَكُمْ، وهَذَا أُهْدِيَ إلَيَّ، فَقَامَ
رَسُولُ اللهِ وَ﴿ عَلَى المِنْرِ، فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قالَ: ((أمَّا
بَعْدُ: فَإِّي أَسْتَعْمِلُ الرَّجُلَ مِنْكُمْ عَلَى العَمَلِ مِمَّا وَلأَنِي اللهُ، فَيَأْتِي
(١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٥ / ١٤٧٠).
(٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١ / ١٩٧).
(٣) انظر: ((الكواكب الدراري)) للكرماني (٧ / ١٦٧).
٢٠٥

فَقُولُ: هَذَا لَكُمْ، وَهَذَا هَدِيَّةٌ أُهْدِيَتْ إِلَيَّ، أَفَلاَ جَلَسَ في بيتِ أَبِيهِ
أَوْ أُمَّهِ حَتَّى تَأْتِيَهُ هَدِيَّتُهُ إِنْ كَانَ صَادِقاً؟! واللهِ! لا يَأْخُذُ أَحَدٌ مِنْكُمْ
شَيْئاً بِغَيْرِ حَقِّهِ، إلاَّ لَقِيَ اللهَ تَعَالَى يَحْمِلُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ، فَلا أَعْرِفَنَّ
أَحَداً مِنْكُمْ لَقِيَ اللهَ يَحْمِلُ بَعِيراً لَهُ رُغَاءٌ، أَوْ بَقَرَةً لَهَا خُوَارٌ، أوْ شَاةً
تَيْعَرُّ)، ثُمَّ رَفَعَ بَدَيْهِ حَتَّى رُبِيَ بَيَاضُ إِنْطَيْهِ، فقالَ: ((اللَّهُمَّ هَلْ
بَلَّغْتُ؟)) ثلاثاً. متفق عليه.
النَّ
(ن): ((اللتبية)) بضم اللام وإسكان التاء، ومنهم من فتحها، قالوا: وهو
خطأ، نسبة إلى بني لُتُب قبيلة معروفة، واسم ابن اللُّتْبِية هذا: عبدُالله(١).
(ق): ((اللتبية)) بضم اللام وفتح التاء، هي الرواية المعروفة هنا (٢).
(ط): ((أفلا جلس في بيت أبيه أو أمه)) فيه: تَعبير له، وتحقيرٌ لشأنه(٣).
سببُ الهدية للأمير إنما هو رهبةٌ منه، فيداريه رغبةً فيما في يديه، أو
في أيدي غيره، فيستعين به عليه.
(ن): فيه: بيان أن هدايا العُمَّال حرامٌ وغلول، لأنه خان في ولايته
وأمانته، ولهذا ذكر في الحديث في عُقوبته وحَمْله ما أهدي إليه يومَ القيامة،
كما ذكر مثلَه في الغَالِّ، وسبب التحريم أنها بسبب الولاية، بخلاف الهدية
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٢ / ٢١٩)
(٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٤ / ٣١)
(٣) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٥/ ١٤٧٨).
٢٠٦

لغير العامل، فإنها مُستحبّة، وحكمُ ما يَقبضه العامل ونحوه باسم الهدية: أنه
يُرَدُّ إلى المُهدي، فإن تعذّر فإلى بيت المال(١).
(ق): فيه: أن هدايا الأمراء والقضاة وكلِّ مَن ولي أمراً من أُمور
المسلمين العامَّة حكمُها حكم الغُلول في التغليظ والتحريم، لأنه أكل
المال بالباطل والرُّشا(٢).
(خط): فيه دليلٌ على أن كل أمر يُتذرَّعُ به إلى محظور، فهو محظور،
ويدخل في ذلك القَرضُ بجَرِّ المنفعة، والدارُ المرهونة يسكنها المُرتَهِن بلا
كراء، والدَّابة المرهونة يركبها ويرتفق بها من غير عِوَض، وكل دخيل في
العُقود يُنظر هل يكون حكمُه عند الانفراد كحكمه عند الاقتران أم لا(٣)؟
هكذا في ((شرح السنة))، وعليه مذهبُ الإمام مالك، وفَزَّع على هذا
الأصل في ((الموطأ)) أمثلةً، منها: أن الرجل يعطي صاحَبه الذهبَ الجَيِّد،
ويجعلُ معه رَدِياً، ويأخذ منه ذهباً متوسطاً مِثْلاً بمِثْلٍ، فقال: هذا لا يصِحُ؛
لأنه أخذ فَضْلَ جَيِّده من الرديء، ولولاه لم يُبايعْهُ.
(ط): أقول: فيُحمل على هذا ما استقرّ في عهدنا وأُفتيَ به، من بيع
شيء حقير بثمنٍ ثمين مع استقراضٍ برفع ربحه إلى ذلك الثمن، ومِن رَهْنِ دار
بمبلغ كثير مع إجارةٍ بشيء قليل، وقد عَلِم رسولُ اللهِ وَّهَ بِنُور المُعجزةِ أن
بعضَ أُمَّته يرتكبون هذا المَحظورَ، حيث قال: ((اللهم هل بلغت مرتين))(٤).
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٢ / ٢١٩).
(٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٤ / ٣١).
(٣) انظر: ((معالم السنن)) للخطابي (٣/ ٨).
(٤) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٥ / ١٤٧٨).
٢٠٧

(نه): ((الرُّغاء)»: صوت الإبل، وقد رغا يرغو رُغاء، و((الخُوار)): صوت
البقر، ويقال: (يَعَرَت المَعْزُ تَيْعِرُ) بالكسر (يُعَاراً) بالضم؛ أي: صاحت(١).
(مظ): المعنى: مَنْ سرق شيئاً في الدنيا من مال الزكاة أو غيرها،
يجيء يوم القيامة وهو حاملٌ لمَا سرق، وإن كان حيواناً له صوتٌ رفيع، لِيَعْلَم
أهل العَرصَات حالَه، لتكون فضیحتُهُ أشهرَ.
(ط): ذَهَبَ إلى أن [قوله]: ((له رغاء)» جزاءٌ للشرط، وهي جملةٌ اسمية
يجبُ فيها الفاء، وقد تُحذف، وأنشد الدار الحديني(٢):
بَنِي ثُعَلٍ لا تَنكَعُوا العَنْزَ شِرْبَها
بَنِي تُعَلٍ مَنْ يَنْكَعِ العَنْزَ ظَالِمُ
أي: فهو ظالم، النَّعُ: المَنع، والشِّرْب: الحَظُّ من الماءِ(٣).
(ق): يفهم من تكرار ((اللهم هل بلغت؟)) ومن هذه الحالة فيها
تعظيمُ ذلك وتغليظُه، وليس لأحد أن يتمسك في إباحة هدايا الأُمراء
بقَبوله ﴿ الهديةَ، ولا بما يُروى أن النبيَّ ◌َّهِ أباح لمعاذٍ الهديةَ حين وَجَّهه
إلى اليمن.
لأنَّا نقول: إنه وَ ◌ّهَ لا يقبل الهديةَ إلا مِمَّن يعلم أنه طَيِّبُ النفس بها،
ومع ذلك كان يُكافئ عليها بأضعافها غالباً.
وأيضاً: إنه وَ ل﴿ كان مَعصُوماً عن الجَوْر والمَيْل الذي يُخاف منه على
(١) انظر: ((النهاية)) لابن الأثير (٢/ ٨٧، ٢٤٠)، (٥/ ٢٩٦).
(٢) كذا في الأصل، وجاء في ((شرح المشكاة)) للطيبي: ((الدار الحديني))، وقد ذكر
هذا البيت سيبويه في ((الكتاب)) (٣/ ٦٥)، وفيه: ((وقال الأسدي ... إلخ)).
(٣) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٥/ ١٤٧٩).
٢٠٨

غيره بسبب الهدية.
وأما حديث معاذ: لم يَصِحَّ، ولو صَحَّ لكان ذلك مَخصُوصاً بمُعاد،
لِمَا عَلِمِ رسول الله وَّرِ من حاله، وتَحقَّقَ من فضله ونَزَاهَتهِ ما لا يُشاركُه فيه
أحدٌ، ولم يُبَحْ ذلك لغيره، بدليل هذه الأحاديث الصِّحاح(١).
٢١٠ - وعن أَبِي هُرَيْرَةَ ﴿ه، عن النَّبِيِّوَِّ قالَ: ((مَنْ كَانَتْ
عِنْدَه مَظْلِمَةٌ لأَخِيهِ؛ مِنْ عِرْضِهِ، أوْ مِنْ شَيْءٍ، فَلْيَتَحَلَّلْه مِنْه اليوْمَ
قَبْلَ أَنْ لا يَكُونَ دِينَارٌ وَلا دِرْهَمٌ؛ إنْ كَانَ لَهُ عَمَلٌ صَالِحٌ أُخِذَ مِنْهُ
بِقَدْرِ مَظْلِمَتِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ حَسَنَاتٌ أُخِذَ مِنْ سَيِّئَاتِ صَاحِبِهِ
فَحُمِلَ عَلَيْهِ)) رواه البخاري.
(الثَّافُِ)
(ط): ((المُغرب)): ((المَظلمة)): الظلم، واسمٌ للمَأخُوذ، يقال: عند
فلان مَظْلَمتي وظُلامَتي؛ أي: حَقِّي الذي أُخِذَ مِنْي ظُلماً(٢).
(ك): ابن بطال: يقال: (مظلمة) بفتح اللام وكسرها، والكسرُ أشهر،
وقد روي بالضم أيضاً، وهي: ما أخذ منك بغير حق، قال: واختلفوا فيمَن
كان بينه وبين آخرَ معاملةٌ، ثم حَلَّلَ بعضُهم بعضاً من كلِّ ما جرى بينهما من
ذلك، فقال قوم: إن ذلك براءةٌ له في الدُّنيا والآخرة، وقال قوم: إنما يصح
(١) انظر: (المفهم)) للقرطبي (٤ / ٣٢).
(٢) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (١٠ / ٣٢٥٤).
٢٠٩

البراءةُ إذا بَّن له، وعرف ما له عنده، والحديث حُجَّة لهذا القول، لأن لفظ
(بقدر مظلمته) يوجب أن يكون معلومَ القَدْر مشاراً إليه، وقوله: ((من
شيء»؛ أي: من المال ونحوه، و«فليتحلله)؛ أي: ليسأله أن يجعله بحِلٌّ،
وليطلب براءةَ ذمته(١).
[(ط)] المراد من ((اليوم)) أيام الدنيا، لمقابلته بقوله: ((قبل أن لا يكون
دينار ولا درهم)) وهو مُعبِّر عن يوم القيامة.
وقوله: ((وإن كان)) استئناف، كأنه لمّا [قيل: «فليتحلله منه اليوم قبل
أن لا يكون دينارٌ ولا درهم))، ويؤخذ منه بدل مظلمته، توجّه لسائل أن
يسأل: فما يؤخذ منه بدل مظلمته؟](٢)؛ قيل ((إن كان ... )) إلى آخره(٣).
(ك): ((فحمل عليه))؛ أي: عوقب الظالم به، ولا تعارض بين هذا
وبين قوله تعالى: ﴿وَلَا نَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤]، لأنه إنما يُعاقب
بسبب فعله وظُلمه، ولم يُعاقب بغير جناية منه، لأنه لمَّا توجَّهَتْ عليه
حقوقٌ لُغُرمائه، دفعت إليهم من حسناته، ولمَّا لم يبق منه بقِيةٌ، قوبلت
على حسَب ما اقتضاه عَدْلُ الله في عباده، فأُخِذَ قَدْرُها من سيئاته فعُوقب
به (٤) .
وقال الخَطَّابيُّ: ((يتحلله)) معناه يستوهبه، ويقطع دعواه عنه، لأن
(١) انظر: ((الكواكب الدراري)) للكرماني (١١ / ٢١).
(٢) من ((شرح المشكاة)) للطيبي (١٠ / ٣٢٥٤).
(٣) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (١٠ / ٣٢٥٤).
(٤) انظر: ((الكواكب الدراري)) للكرماني (١١ / ٢١ -٢٢).
٢١٠

ما حَرَّمه الله [من الغيبة لا یمکن تحلیله، وجاء رجل إلى ابن سیرین،
فقال: اجعلني في حِلِّ، فقد اغتبتك، فقال: إني لا أُحِلُّ ما حَرَّم الله
تعالى](١) ولكن ما كان من قِبَلنا فأنت في حِلِّ، ومعنى أخذ الحسنات
والسيئات: أن يُجعل ثوابُها لصاحب المَظْلَمة، أو يُجعل على الظالم عُقوبةُ
سَیِّاته بدلَ حَقِّه.
٢١١ - وعن عبدِ اللهِ بنِ عَمْرٍو بنِ العَاصِ ﴾، عن النَّبِيِّ ◌َوجل
قال: ((المُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ المُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ، وَالمُهَاجِرُ مَنْ
هَجَرَ مَا نَهَى اللهُ عَنْهُ)) متفقٌ عليه.
(التَّارَةُ)
* قوله تقرير: «من سلم المسلمون من لسانه ويده):
(ن): أي: المسلم الكامل، وليس المراد نفيَ أصل الإسلام عَمَّن لم
يكن بهذه الصفة، بل هذا كما يقال: العِلمُ ما نفع، أو: العالِم زيدٌ، أي:
الكامل، أو المَحبوب، كما يقال: الناس العربُ، والمال الإبل، فكلُّه على
التفضيل لا الحَصْر، ويدل عليه روايةٌ أخرى: (([أيُّ] المُسلِمین خيرٌ؟ قال:
مَنْ سَلِم المُسلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ ويَدِهِ)(٢).
ثم إن كمالَ الإسلام مُتعلِّقٌ بصفات أُخرَ كثيرة، وإنما خُصَّ هذا
(١) من ((عمدة القاري)) للعيني (١٢ / ٢٩٤).
(٢) رواه مسلم (٤٠)، من حديث عبدالله بن عمرو
٢١١

لاهتمام الشارع بكَفِّ الأذى عن المسلمين.
والمراد مَنْ لم يؤذ مسلماً بقول ولا فعل، وخَصَّ اليدَ بالذِّكر لأن مُعظمَ
الأفعال بها، وجاء القرآن العزيز بإضافة الأفعال والأکساب إليها، لما ذكرنا.
(حس): أي: أفضل المسلمين: مَنْ جمع إلى أداء حُقوق الله تعالى
أداءَ حُقوق المُسلمين، والكَفَّ عن أعراضهم، وأفضل المُهاجرين: مَنْ
جمع إلى هِجْران وطنه هِجْرانَ ما حَرَّم الله عليه(١) .
(ط): التعريف في (المسلم) و(المهاجر) للجنس، قال ابنُ جِنِّي:
من عادتهم أن يوقعوا على الشيء الذي يَختصُّونه بالمدح اسمَ الجنس، كما
سَمَّوا الكعبةَ بالبيت، و((كتاب سيبويه)) بـ ((الكتاب)).
قال الراغب: كلُّ اسمٍ نوع، فإنه يستعمل على وجهين:
أحدهما: دلالةً على المُسمَّى، وفصلاً بينه وبين غيره.
والثاني: لوجود المعنى المُختصِّ به [وذلك الذي يُمدح به، وذلك
أن كل ما أوجده الله في هذا العالم جعله صالحاً لفعلٍ خاصٍّ، ولا
يصلح] (٢) لذلك العمل سواه، كالفرس للعَدْو الشديد، والبَعِير لقطع الفَلاة
البعيدة، والإنسان ليعلم ويعمل بحسبه، وكلُّ شيء لم يوجد كاملاً لِمَا
خلق له، لم يستحقَّ اسمه مطلقاً، بل قد ينفى عنه، كقولهم: فلان ليس
بإنسان؛ أي: لا يوجد فيه المعنى الذي خُلق لأجله من العِلْمِ والعمَل،
فعلى هذا: إذا وجدتَ مُسلماً يؤذي المُسلمين بلسانه ويده، فقلت له:
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٢ / ١٠)
(٢) من ((شرح المشكاة)) للطيبي (٢ / ٤٤١).
٢١٢

لستَ بمُسلم، عَنَيْتَ: إنك لستَ بكاملٍ فيما تَحلَّيْتَ به من حِلْيةِ الإسلام.
فإن قلت: ما معنى تخصيص المُسلم بالذِّكر، ثم المسلمون، ثم
اللِّسان واليد؟
فالجواب هو: إظهارُ رأفته وَِّ، و[إلحاقه بالكُمَّل] من أصحابه، كأنه
قال: المسلم الكامل مَن تشبّه بهم في كونهم أشداءَ على الكُفَّار بالمُجاهدة
[باللسان] والسِّنان، رُحَماءَ بإخوانهم بكَفِّ الأذى وإيثار المَوجود، فخُصَّ
بما يُنبئُ عن كَفِّ الأذى ليؤذن بغاية التواضع والذِّلَّة تلويحاً إلى معنى قوله:
﴿أَذِلٍَّ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَفِرِينَ ﴾ [المائدة: ٥٤]، ولما كانت عِزَّتُهم [على
الكفرة] وقَهْرُهم باليد واللسان، فينبغي أن ينتفيَ عنهم ما كانت العزة [به]،
وهو يستلزم الإيثارَ بالطريق الأَوْلى.
وفي تقديم ذكر اللِّسان على اليد رَمْزٌ إلى معنى قولهِ وَّ لحَسَّانَ:
(((هجُ المُشْرِكِينَ، فإنَّهُ أَشَقُّ عَلَيْهِم مِنْ رَشْقِ النَّْلِ))(١).
(ك): فيكون أشدَّ نِكاية، قال الشاعر :
وَلَا يَلْتَامُ ما جرحَ اللِّسَانُ
جِرَاحاتُ السِّنَانِ لَها التِيَامُ
أو لأن إيذاءَ اللِّسان أكثرُ وقوعاً، وأسهلُ.
فإن قلت: فما تقولُ في إقامة الحُدود، وإجراء التعازير والتأديباتِ
الزَّاجرة.
قلت: ذلك مُستثنى من هذا العُموم بالإجماع، أو لأنه ليس إيذاءً،
(١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٢ / ٤٤١)، والحديث رواه مسلم (٢٤٩٠)، من
حديث عائشة رضي الله عنها .
٢١٣

بل هو عند التحقيق استصلاحٌ، وطلبُ السلامة لهم ولو في المآل(١).
يمكن أن يُنزل الإسلام على التسليم والرضا، قال الرَّاغب: الإسلام
في الشرع على ضَربين :
أحدهما: المُتعارف، والثاني: فوق الإيمان، وهو أن يكون مع
الاعتراف اعتقادٌ بالقلب، ووفاءٌ بالفعل، واستسلام لله في جميع ما قضى
وقدّر، كما ذُكر عن إبراهيم عليه السلام في قوله: ﴿أَسْلَمْتُ لِرَتِّ الْعَلَمِينَ﴾
[البقرة: ١٣١]، فمن أسلم وجهه لله تعالى، ورضي بما قضى وقَدَّر، لم يتعرَّض
لأحد، وكَفَّ أذاه عنهم بالكُلِّية، لا سيّما عن إخوانه المؤمنين(٢) .
(ك): هذا الذي ذكره الطُّييُّ كلامٌ حسنٌ، فتدبَّره، والمهاجر اصطلاحاً
هو الذي فارق عشيرتَه، فقيل للمهاجرين: إنه يجب عليهم أن يهجروا ما نهى
الله عنه، ليُكملوا هجرتَهم، ولا يَتَّكلوا على الهجرة إلى المدينة فقط، وقيل:
شَقَّ فواتُ الهجرة على بعضهم، فقيل: المُهاجر - أي: الكامل - مَنْ هجر
ما نهى الله عنه، ويحتمل أن يكون صدورُ هذا الحديث بعد الفتح، ولا هجرةَ
حينئذ إلا هجرةُ المَعاصي، انتهى(٣).
وقد روى ابن حبان في ((صحيحه)) هذا الحديثَ عن فَضَالةَ بن عُبَيدٍ،
وزاد فيه: ((والمُؤمِنُ مَنْ أَمِنَهُ الناسُ على أَمَوالِهم وأَنْفُسِهِم، والمُجاهِدُ مَنْ
(١) انظر: ((الكواكب الدراري)) للكرماني (١ / ٨٨ -٨٩).
(٢) انظر: ((مفردات القرآن)) للراغب (ص: ٢٤٠).
(٣) انظر: ((الكواكب الدراري)) للكرماني (١١ / ٨٩).
٢١٤

جاهدَ نفسَهُ في طاعةِ اللهِ)(١).
٢١٢ - وعنه ه قال: كَانَ عَلَى ثَقَلِ النَّبِيِّ وَهِ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ:
كِرْكِرَةُ، فَمَاتَ، فقال رَسُولُ اللهِ وَ﴿ِ: ((هُوَ فِي النَّارِ))، فَذَهَبُوا
يَنْظُرُونَ إِلَيْهِ، فَوَجَدُوا عَبَاءَةٌ قَدْ غَلَّهَا. رواه البخاري.
(الَشِ)
،٧
قال في ((الفائق)): ((الثقل)) بالتحريك: المَتاع المَحمولُ على الدابة (٢).
في ((الغريبين): العربُ تقول لكُلِّ خطير نفيس: ثَقَل.
(ن): (كركرة) بفتح الكاف الأولى وكسرها، والثانيةُ مكسورةٌ فيهما (٣).
(ك): قال محمد بن سلام: بفتح الكافین (٤).
(ط): ((فذهبوا)) الفاء فيه عاطفة على محذوف؛ أي: سمعوا ذلك من
رسول الله وَّ﴿، وتحققوا أن سببَ وُرود النار هو الغُلولُ، مع كونه على
ثَقَلِهِ، فذهبوا ينظرون.
(الجَوهريُّ): العَباءُ والعَباءةُ: ضرب من الأكسية، والجمع: العَبَاءاتُ(٥).
(١) رواه ابن حبان في ((صحيحه)) (٤٦٢٤)، وهو حديث صحيح. انظر: ((صحيح الجامع
الصغير)) (٦٦٧٩).
(٢) انظر: ((الفائق)) للزمخشري (١ / ١٧٠).
(٣) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٢ / ١٢٩).
(٤) انظر: ((الكواكب الدراري)) للكرماني (١٣ / ٦٥).
(٥) انظر: ((شرح المشكاة) للطيبي (٩ / ٢٧٦٥).
٢١٥

(نه): ((الغلول)): الخيانة في المَغنم قبل القِسمة، وكل مَنْ خان في
شيء خُفيةً فقد غَلَّ، وسُمِّيت غُلولاً لأن الأيديَ منها مَغْلولةٌ؛ أي: ممنوعة،
مَجعولٌ فيها غُلُّ، وهو الحَديدة التي تجمع يدَ الأسير إلى عُنقه، ويقال لها:
جامعة أيضاً(١).
(ق): قال ابن قتيبة: ((الغُلول)) من الغَلَل، وهو الماءُ الجاري بين
الأشجار، وكأن الغالَّ سُمِّ بذلك لأنه يُدخِلِ المَغلولَ على أثناء رَحْله(٢) .
٢١٣ - وعن أبي بَكْرَةَ نُفَيْع بنِ الحارثِ ﴿ه، عن النبيِ وَّه
قالَ: ((إِنَّ الزَّمَانَ قَدِ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ:
السَّنَةُ اثْنَا عَشَرَ شَهْراً، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٍ: ثَلاثٌ مُتَوَالِيَاتٌ: ذُو القَعْدَةِ
وَذُو الحِجَّةِ وَالمُحَرَّمُ، وَرَجَبُ مُضَرَ الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ، أَيُّ
شَهْرٍ هَذَا؟))، قُلْنَا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، فَسَكَتُ حَتَّى ظَنَا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ
بِغَيْرِ اسْمِهِ، قال: ((ألَيْسَ ذَا الحِجَّةِ؟))، قُلْنا: بَلَى، قالَ: ((فَأَُّّ بَلَدٍ
هَذَا؟))، قُلْنَا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، فَسَكَتَ حَتَّى ظَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ
اسْمِهِ. قال: ((أَلَيْسَ البَّلْدَةَ؟))، قُلْنا: بَلَى. قال: ((فَأَيُّ يَوْمِ هَذَا؟»،
قُلْنَا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَم، فَسَكَتَ حَتَّى ظَنَا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسمِهِ.
(١) انظر: ((النهاية)) لابن الأثير (٣/ ٣٨٠).
(٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (١ / ٣٢١).
٢١٦

قالَ: (أَيْسَ يَوْمَ النَّحْرِ؟))، قُلْنَا: بَلَى. قالَ: ((فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ
وَأَعْرَاضَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ، كَحُزْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، في بَلَدِكُمْ هَذَا، في
شَهْرِكِم هَذَا، وَسَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ، فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ، أَلاَ فَلا
تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّاراً يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ، أَلَا لِيُبلِّغِ الشَّاهِدُ
الغَائِبَ، فَلَعَلَّ بَعْضَ مَنْ يَبْلُغُه أَنْ يَكُونَ أَوْعَى لَه مِنْ بَعْضٍ مَنْ
سَمِعَه))، ثُمَّ قالَ: ((أَلَا هَلْ بَلَّغْت؟ أَلَا هَلْ بِلَّغْتُ؟))، قُلْنَا: نَعَمْ.
قال: ((اللَّهُمَّ اشْهَدْ)) متفقٌ عليه.
(الجَادِي عَبْشَرَ)
* قوله : ((إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات
والأرض»:
(تو): ((الزمان)): اسم لقليل الوقت وكثيره، وأراد به هاهنا السَّنة.
(ط): وذلك أن قوله: ((السنة اثنا عشر شهر .. . إلى آخره)) جملةٌ
مستأنفة مُبيِّنّةٌ للجملة الأُولى، فالمعنى: أن الزَّمانَ في الانقسام إلى
الأَعوام، والأعوام إلى الأشهر، عاد [إلى] أصل الحساب والوَضْع الذي
اختاره الله ووَضَعه يوم خلق السَّماوات والأرض، و((الهيئة)): صورة الشيء،
وشكله وحالته، والكاف صفةُ مصدر محذوف، أي: استدار استدارةً مثلَ
حالتِهِ يومَ خلق الله(١) .
(١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٦ /٢٠١٤).
٢١٧

(نه): یقال: دار یدور، واستدار يستدير بمعنی: إذا طاف حول الشيء،
وإذا عاد إلى الموضع الذي ابتدأ منه، ومعنى الحديث: أن العربَ كانوا
يؤخِّرون المُحرَّم إلى صفر - وهو النَّسِيءُ - ليقاتلوا فيه، ويفعلون ذلك كل
سنة، فينتقل المُحرَّم من شهر إلى شهر، حتى جعلوه في جميع شُهور السَّنة،
فلما كانت تلك السَّنة، عاد إلى زمنه المَخصوص به، قيل: ودارت السَّنَةُ
كهيئتها الأُولى(١).
(حس): قال بعضهم: إنما أَخَّر النبيُّ وَلِ الحَجَّ مع الإمكان، ليوافق
أصلَ الحِساب، فيَحُجَّ فيه حَجَّةَ الوَداعِ(٢).
(ق): أشبهُ الأقوال ما ذكره إِياسُ بن مُعاويةَ: أن المشركين كانوا
يَحْسُبون السَّنةَ اثني عشر شهراً وخمسة عشر يوماً، وكان الحَجُّ يكون في
رمضان، وفي ذي القَعْدة، وكلِّ شهر من السنة، بحُكم استدارة الشهر
بزيادة خمسة عشر يوماً، فقال ◌َله: ((السَّنة اثنا عشر شهراً) ينفي تلك الزِّيادةَ
[التي] زادوها.
وقال بعضُ أهل التَّعْدِيل: إنَّ [الله تعالى] أولَ ما خلق الشمس
أجراها في بُرج الحَمَل، وكان الزمان الذي أشار به النبيُّ ◌َّ صادف حُلولَ
الشمس في بُرج الحَمَل.
قلت: مقتضى قوله: أن الله خلق البُروج قبل الشمس، وهذا لا يُتوصّل
إليه إلا بالنَّقْل، ولا نَقْلَ، والعقلُ يُجَوِّزُ خلقَ الشمس قبل البُروج، ويُجوِّز
(١) انظر: ((النهاية)) لابن الأثير (٢ / ١٣٩).
(٢) انظر: ((شرح السنة)) للبغوي (٧ / ٢٢١).
٢١٨

خلقَهما دفعةً واحدة، ثم إن علماء التعديل قد اختبروا كلامَ ذلك الرجل،
فوجدوه [خطأ صُراحاً؛ لأنهم اعتبروا بحساب التعديل الذي قال فيه النبي وَّلـ
ذلك القول فوجدوا الشمسَ فيه](١) في بُرج الحُوت، بينها وبين الحَمَل عِشرون
درجةً، وقيل: عشرُ درَجات.
وقوله: ((السنة اثنا عشر شهراً) أولها: المحرم، سُمِّي بذلك لتحريم
القتال فيه.
ثم صَفَرُ؛ لخلو مَكَّةَ من أهلها فيه، وقيل: وقع فيه وَبَاءٌ فاصفرَّت
وجوهُهم، أبو عُبيد: لصَفَرِ الأواني من اللَّبَن.
ثم: الرَّبيعان؛ لارتباع الناس فيهما؛ أي: لإقامتهم في الرَّبيع .
ثم: جُماديَانِ؛ لأن الماء جَمَد فيهما.
ثم: رجب؛ لتَرجيب العرب إياه، أو لأنه لا قتالَ فيه، والأَرْجَبُ:
الأقطع.
ثم: شعبان؛ لتشَقُّب القبائل فيه.
ثم: رمضان؛ لشدة الرَّمضاء فيه .
ثم: شوال؛ لأن اللِّقَاحَ تَشُول فيه أذنابَها.
ثم: ذو القَعدة؛ لقُعودهم فيه عن الحرب.
ثم: ذو الحِجَّة؛ لأن الحَجَّ فيه.
ويجوز في (ذي القعدة)، و(ذي الحجة) الكسرُ والفتحُ، غير أن الفتحَ
(١) ما بين معكوفتين من ((المفهم)) (٥ / ٤٤).
٢١٩

في (القَعدة) أفصحُ(١).
(ن): أجمع المسلمون على أن الأشهُرَ الحُرُم هي هذه الأربعة المذكورة
في الحديث، ولكن اختلفوا في الأدب المُستَحبِّ في كيفية عَدِّها، فقالت
طائفة من أهل الكوفة وأهل الأدب: يقال: المُحرَّم، ورَجبٌ، وذو القَعدة،
وذو الحِجَّة، لتكون الأربعةُ من سَنَةٍ واحدة.
وقال عُلماءُ المدينة والبَصرة والجماهيرُ: هي: ذو القَعدة، وذو الحِجَّة،
والمُحرَّم، ورجبٌ، ثلاثة سَرْدٌ، وواحد فَرْدٌ، هذا هو الصحيح الذي جاءت به
الأحاديث(٢).
* قوله ميل : ((ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان)):
(ن): هذه القُيود مُبالغةٌ في الإيضاح وإزالة اللَّبْس عنه، قالوا: وقد كان
بين مُضَرَ وبين ربيعةَ اختلافٌ في رجَب، وكانت مُضَرُ تجعل رجباً هذا الشهرَ
المَعروفَ، الآن الذي بين جُمادى وشعبان، وكانت ربيعةُ تجعلُه رمضانَ،
فلهذا أُضيف إلى مُضَرَ، وقيل: لأنهم كانوا يُعظِّمُونه أكثرَ من غيرهم(٣).
(ق): سُمِّيت هذه الأشهر حُرُماً، لتحريم القِتال والظُّلم والبَغْي فيها،
وكانت العرب قبل مجيء الإسلام أهلَ غارة ونَهْبٍ، وقتال وحَرْب، وكانوا
فَوْضَى فضاً، من غلَبَ سَلَبَ، و[من] عَزَّ بَزَّ، لا يَأْمنُ لهم سِرْبٌ، ولا يَستقِرُّ
بهم حال، لا يرجعون لسُلطان قاهر، ولا لأمر جامع، فلطَف الله تعالی بهم،
(١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٥ /٤٤).
(٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١١ / ١٦٨).
(٣) المرجع السابق، الموضع نفسه.
٢٢٠