النص المفهرس

صفحات 181-200

عُثْمَانَ، وَالمُنْذِرُ بْنُ الزُّبَيْرِ، وَابْنُ زَمْعَةَ. فقال لَهُ مُعَاوِيَّةُ: كَمْ قُوَّمَتِ
الغَابَةُ؟ قال: كُلُّ سَهْمٍ بِمِثَةٍ أَلْفٍ، قالَ: كَمْ بَقِي مِنْهَا؟ قال: أَرْبَعَةُ
أَسْهُمِ ونِصْفٌ، فقالَ المُنْذِرُ بْنُ الزُّبَيْرِ: قَدْ أَخَذْتُ مِنْهَا سَهْماً بِمِئَّةٍ
أَلْفٍ، قالَ عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ: قَدْ أَخَذْتُ مِنْهَا سَهْماً بِمِئَةٍ أَلْفٍ. وقال
ابْنُ زَمْعَةَ: قَدْ أَخَذْتُ سَهْماً بِمِئَةٍ أَلْفٍ، فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: كَمْ بَقِيَ مِنْهَا؟
قال: سَهْمٌ ونصْفُ سَهْمٍ، قَالَ: قَدْ أَخَذْتُهُ بِخَمْسِينَ ومِنَّةٍ أَلْفٍ. قَالَ:
وبَاعَ عَبْدُ اللهِ بْنُ جَعْفَرٍ نَصِيبَهُ مِنْ مُعَاوِيَةَ بِسِتٌّ مِئَةِ أَلَّفٍ. فَلَمَّا فَرَغَ ابْنُ
الزُّبَيْرِ مِنْ قَضاءِ دَيْنِهِ، قالَ بَنُو الزُّبَيْرِ: اقْسِمْ بَيْنَنَا مِيراثَنَاَ. قالَ: وَاللهِ!
لا أَقْسِمُ بَيْنَكُمْ حَتَّى أُنَادِيَ بِالمَوسِمِ أَرْبَعَ سِنِينَ: أَلَا مَنْ كَانَ لَهُ عَلَى
الزُّبَيْرِ دَيْنٌ، فَلْبَأْتِنَ فَلْنَقْضِهِ. فَجَعَلَ كُلَّ سَنَةٍ يُنَدِي فِي المَوسِمِ، فَلَمَّا
مَضِى أَرْبَعُ سِنِينَ، قَسَمَ بَيَْهُمْ، ودَفَعَ الثُلُثَ. وَكَان للزُبَيْرِ أَرْبَعُ نِسْوَةٍ،
فَأصابَ كُلَّ امْرأةٍ أَلْفُ أَلَّفٍ، ومِئْنَا أَلَّفٍ، فَجَمِيعُ مَالِهِ خَمْسُونَ أَلْفَ
ألْفٍ، ومِتَا أَلْفٍ. رواه البخاري.
* قوله: ((يوم الجمل)): حرب مشهورة جرت بين عليٍّ وعائشةَ ◌ًُّا سنة
[ست] وثلاثين، وُسمِّيت به لأن هَوْدَجَ عائشة رضي الله عنها كان على جمل
- قال ابن الأثير: اسم ذلك الجمل: عسكر - وكانت هذا الحرب بغير
اختيارهما، وسببه على ما ذكره الحافظ [أبو] الفرج ابن الجوزي: أن عائشة
١٨١

رضي الله عنها لم تخرج لقتال، وإنما خرجت تطلب مُقاتلة مَنْ قتل عثمان،
وأعان عليه، وهتك حُرمةَ المدينة بقتله، فجاء أمير المؤمنين عليٍّ نحوها،
فراسلته في ذلك، فأجاب، فخطب الناس وقال: إني راحل غداً فارتحلوا، ولا
يَرتحلنَّ أحد أعان على عثمان بشيء، وليُغْن السُّفَهاء أنفُسَهم عني، فاجتمع
رؤساؤهم، وقالوا: قد اصطلح الناس على دمائنا، فهَلُمُّوا نتوائبُ على عليٍّ،
فتُلحِقَهُ بعثمان، فقال كبيرهم: الرَّأيُ أنه: إذا التقى الناس غداً؛ فانشُبوا القتال،
ولا تُفْرِغُوهم للنظر، فأصبح أمير المؤمنين عليٍّ عُ على ظَهْرٍ، ومعه عشرون
ألفاً، وكان مع عائشة رضي الله عنها ثلاثون ألفاً، فلمَّا توافق عليٍّ وطلحة والزبير
على الصلح؛ باتوا تلك الليلة في عافية، وبات الجماعة الذين أثاروا الفتنة بشَرِّ
ليلة، قد أشرفوا على الهَلَكة، فلما أصبحوا أثاروا بالسلاح، فاقتتل الناس بغير
اختيار علي ولا عائشة، فقُتل طلحة والزبير، وكثيرٌ من سادات الصحابة، ثم
جاء عليٍّ إلى عائشةَ فقال: كيف أنت يا أُمَّاه؟ قالت: بخير، يغفر الله لك، قال:
ولك، قال: والله لَودِدْتُ أني مِثُّ قبل هذا بعشرين سنة، ثم دخلت عائشة إلى
دار بالبصرة، فدخل عليٍّ عليها، وجلس عندها، ثم جَهَّزها بالمراكب والزَّاد
والمتاع، واختار لها أربعين امرأة من نساء أهل البصرة المعروفات، وقال: یا
أيها الناس! إنها لزوجةُ نبيكم ◌َّهَ في الدنيا والآخرة، وشَيَّعها أميرُ المؤمنين
أميالاً، وسَرَحَ بنيه معها يوماً، وكانت عائشة ما ذكرت مسيرَها قط؛ إلا بكت
حتى تَبَّلَّ خمارها، وتقول: ليتني كنت نَسْياً مَنْسيً(١).
* قوله: ((لا يقتل اليوم إلا ظالم أو مظلوم)):
(ك): فإن قلت: جميع الحروب بهذه الحيثية، فما وجهُ تخصيصه
(١) رواه الخطيب البغدادي في ((تاريخ بغداد)) (٩ / ١٨٥).
١٨٢

بذلك اليوم؟ قلت: هذا أول حرب وقعت بين المسلمين، والمراد: الظالم
من أهل الإسلام.
وقوله: ((لا(١) أراني))؛ أي: لا أظن، قال ابن عبد البَرِّ: شهد الزبير ضـ
وقعة الجمل، فقاتل ساعة، فناداه علي ظُه، وانفرد به، وذَكَّره أن رسول الله وَليه
قال لهما وقد وجدهما يضحكان: ((أما إِنَّكَ سُتَقاتِلُ عَليَاً وأنتَ لَهُ ظَالِمٌ))(٢)،
فذكر الزبير ذلك، وانصرف عن القتال، فاتّبعه ابن جُرُمُوز - بضم الميم - فقتله
بموضع يقال له: واد السباع، وجاء بسيفه إلى علي، فقال علي: بَشِّروا قاتلَ
ابن صفيّة بالنار.
وقوله: ((بالثلث))؛ أي: مطلقاً لما شاء [ومن شاء]، وبثلث الثلث
لأولاد عبدالله خاصَّة.
و((الغابة)) بفتح الموحدة: اسم موضع بالحجاز.
و«حسبت)) بفتح السین.
و((حكيم بن حزام) بكسر المهملة وتخفيف الزاي ابن خويلد القُرَشيُّ،
جعل الزبير أخاً له باعتبار أخوة الدِّين، أو باعتبار قرابةٍ بينهما؛ لأن الزبير ابن
عم حکیم.
فإن قلت: قوله: ((مئة ألف)) يوهم الكذب؛ قلت: ما كذب؛ إذ لم
(١) في الأصل: ((فما)).
(٢) رواه الحاكم في ((المستدرك)) (٥٥٧٤)، من حديث علي ته، بنحوه، قال
الألباني في ((السلسلة الصحيحة)) (٢٦٥٩) وهو حديث صحيح عندي لطرقه،
دون قصة عبدالله بن الزبير مع أبيه .
١٨٣

ینف الزائد على المئة، ومفهوم العدد لا اعتبار له.
وقوله: ((فليوافنا) يقال: وافى فلان: إذا أتى، فإن قلت: لم قال:
((لا أقسم))، ولم منع المُستحِقَّ من حقِّه، وهو القسمةُ والتصرّفُ في نصيبه؟
قلت: هو كان وَصِيّاً، ولعله ظَنَّ بقاءَ الدُّيون.
فإن قلت: ما فائدة التخصیص بعدد الأربع؟
قلت: الغالب أن المسافة التي بين مكة وأقطار الأرض تقطع بسنتين،
فأراد أن تصل الأخبار إلى الأقطار، ثم تعود إليه، أو لأن الأربع هي الغاية
في الآحاد بحسب ما يمكن أن يتركَّبُ منه العشراتُ؛ لأنه يتضمَّنُ واحداً
واثنين وثلاثة وأربعة، وهي عشرة.
و((الموسم))؛ أي: مَوسِم الحَجِّ، وسُمِّي به لأنه مَعْلَمُ مُجتمع الناس،
والوَسْم: العلامة .
وقوله: ((فجميع ماله خمسون ألف ألف ومئتا ألف»:
فإن قلت: إذا كان الثُّمن أربعةَ آلاف ألف وثمان مئة ألف؛ فالجميع
ثمانية وثلاثون ألف ألف وأربع مئة ألف، وإن أضفتَ إليه الثلث فهو
خمسون ألف ألف وسبعة آلاف ألف، وست مئة ألف، [فإن اعتبرته مع
الدَّيْن؛ فهو خمسون ألف ألف، وتسعة آلاف ألف](١)، وثمان مئة ألف،
فعلى التقادير الحِسابُ غير صحيح.
قلت: لعل الجميعَ كان عند وفاته هذا المقدار، فزاد من غَلَّت
(١) من ((الكواكب الدراري)) للكرماني (١٣ / ١٠٣).
١٨٤

أمواله في هذه الأربع سنين إلى ستين ألف ألف [إلا] مائتي [ألف] ألف،
فيصح منه إخراجُ الدُّيون والثلث، ويبقى المبلغ الذي ثُمنهُ ما لكل امرأة منه
ألفُ ألفٍ ومئتا ألف، انتهى(١).
في هذا الحديث فوائدُ :
منها: تأكُّد استحباب الوصية إذا مرض العبدُ أو سافر، ونحو ذلك.
ومنها: فضيلةٌ ظاهرةٌ للزبير، وكونه من المُحدَّثين المُلهِمِين؛ فإنه
أخبر أنه سيُقتل في هذا اليوم ويكونُ مظلوماً، فكان كذلك.
ومنها: أنه ينبغي لكل إنسان أن يكون شديدَ الاهتمام بأداء دَينه؛ فإن
نفس الميت مَرهونةٌ بالدَّين؛ كما في الحديث، وحُقوق العباد أحد
الدواوين الثلاثة يوم القيامة، وهذا هو الديوان الذي لا يغفر .
ومنها: فضيلة امتثال السنة المُطهَّرة في الوصية بالثلث في مصارف
الخير.
ومنها: فضيلة اليأس عَمَّا في أيدي الناس، وأن لا يكون للعبد ملجأٌ
إلا إلى مولاه الذي رَبَّاه؛ لقول الزبير: ((فاستَعِنْ بمَولايَ)) لم يُرشدْهُ إلى
الطلب من بيت المال، ولا إلى الرِّفْدِ من الإخوان.
ومنها: أن مَنْ فَوَّضَ أمرَه إليه سبحانه؛ لا يُحْوِجُه الله أبداً إلى استعانة
بغيره، ويُغنيه بفضله عَمَّن سواه، ويبقى الغنى في أولاده وعَقِبه.
ومنها: استعمال الألغاز؛ فإن فيه تَشْحِيذَ ذِهْن السامع، وفي قوله :
((مولاي)) أيضاً مَنْقَبَةٌ ظاهرة للزُّبير، وفيه أيضاً إشارةٌ منه إلى أنه ليس لي
(١) انظر: ((الكواكب الدراري)) للكرماني (١٣ /٩٩، ١٠٣).
١٨٥

ملجأ ولا مَن أستعينُ إليه إلا هو، فمَنْ للعبد غيرُ مولاه؟! وإليه لمَحَ الشَّاعرُ
بقوله :
إِلى مَوْلاهُ يا مَوْلى المَوَالي
إِلى مَنْ يَلجَأُ المَمْلُوكُ إِلاَّ
ومنها: رعاية حقوق الإخوة بعد موتهم، وبيان ما كانت الصحابة
والتابعون رضوان الله عليهم عليه من المواساة بالمال؛ لقول حكيم: ((فإن
عجزتم عن شيء فاستعينوا بي))، وقال قائلهم:
دَعْوى الإِخَاءِ عَن الرَّخَاء كَثِيرةٌ
عندَ الشَّدَائِدِ تعرَفُ الإِخْوَانُ
ومنها: فضيلة ترك الدنيا والزُّهد فيها؛ اقتداء بسيد المرسلين ◌َّه؛
فإنه مات ولم يُخلِّف ديناراً ولا درهماً.
ومنها: أنه لا يَقدَحُ في توكل العبد اتخاذُ ضَيْعة يستغلها كلَّ سنة،
ويكُفُّ وجهَه عن الطلب من غير الله، ولهذا شواهدُ من السنة النبوية؛
منها: اتِّخاذُه ◌َ ﴿ أرضَ فَدَكَ وخَيبرَ، وهو سيد المتوكلين، ومنها: الحديث
الصحيح الذي فيه قول المَلَك في السَّحابة اسق حديقةَ فُلان(١).
وأما قوله ◌َّهِ: ((لا تَّخِذُوا الضَّيْعَةَ؛ فَتَرِغَبُوا في الدُّنيا))(٢): فالنهيُ
لمَن اتخذها للدُّنيا، وألهاه عن عبادة مولاه.
ومنها: فضيلة احتياط المرء لدينه، والتورُّع عَمَّا لا بأس به حذراً مِمَّا
(١) رواه مسلم (٢٩٨٤ / ٤٥)، من حديث أبي هريرة ظ.
(٢) رواه الترمذي (٢٣٢٨)، من حديث ابن مسعود ربه، وهو حديث صحيح. انظر:
((صحيح الجامع الصغير)) (٧٢١٤).
١٨٦

به بأس؛ لقول الزُّبير: ((ولكن هو سلف إني أخشى عليه الضيعة)).
ومنها: فضيلة الخُمول، والزُّهد في الدنيا، وترك الإمارة والولاية على
الناس، وعلى أُمورهم؛ فإنها شديدة الخطر، لا يقوى عليها إلا الأفراد
الأقوياء مِمَّن اصطفاهم الله لذلك، وفي وصيته وَّهَ لأبي ذَرٍّ: ((لا تَحْكُمَنَّ بينَ
اثْنَيْنِ، ولا تِلِيَنَّ مالَ يَتِيمٍ)(١).
ومنها: بيان جُود عبدالله بن جعفر، وسخائه بأربع مائة ألف درهم
بدفعة واحدة.
ومنها: فضيلةٌ ظاهرة لابن الزُّبير؛ فإن نفسَه النفيسةَ وهِمَّتَه الأَبِيّة
العَلِيَّةَ لم تسمح بقبول ما جاد به عبدُالله بن جعفر .
ومنها: أن الغازي يُبارَك له في ماله في حیاته وبعد موته، سواء كان
غزوهُ مع النبيِّ وََّ، أو مع ولاة الأمر، وبه ترجَم البخاريُّ لهذا الحديث في
((صحيحه) فقال: (بابُ بركة الغازي في ماله حَيّاً ومَيْتاً [مع النبي ◌ٍِّ ووُلاة
الأمر])(٢)؛ فإن الزُّبير وابنَه، وحكيمَ بن حِزام، وابنَ جعفر استقلُّوا التّركةَ،
وظَُّوا أنها لا تفي بدينه، فوَفَتْ به، وفضَل مقدارُ خمسين ألف ألف،
ومئتي ألف(٣)، وليس هذا إلا بركةً سَماويَّةً.
(١) رواه مسلم (١٨٢٦ / ١٧)، وفيه: ((لا تأمرنَّ على اثنين)).
(٢) انظر: ((صحيح البخاري)) (٣/ ١١٣٧).
(٣) في الأصل: ((خمسون ... ومئتا)).
١٨٧

٢٦- باب
تحريم الظلمِ، والأمرِ برد المظالم
* قال الله تعالى: ﴿مَا لِلَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعِ يُطَاعُ
[غافر: ١٨].
* وقال تعالى: ﴿وَمَا لِلَّلِمِينَ مِن نَّصِيرٍ﴾ [الحج: ٧١].
(الباب السادس والعشرون)
(في تحريم الظلم والأمر برد المظالم)
(غب): (الظلم): وضع الشيء في غير موضعه المُختصِّ به، إما
بنقصان وزيادة، وإما بُعدول عن وقته ومكانه، ومنه ظلمت السِّقاء: إذا
تناولتَه في غير وقته، ويسمى ذلك اللَّبنَ: الظَّلِيمَ، وظلمتُ الأرضَ: حَفرْتُها،
ولم تكن موضعاً للحفر، وتلك الأرض يقال لها: المظلومة، والتراب الذي
يخرج منها: الظَّلِيمُ، والظلم يقال في مُجاوزة الحَقِّ الذي يجري مَجرى نقطة
الدائرة قلَّ التجاوز أو كَثُر؛ ولهذا يستعمل في الذنب الكبير والصغير.
وقيل لآدم عليه السلام: ظالم، ولإبليس ظالم، وإن كان بين الظُّلمين
بَوْنٌ بعيد. والظلمُ ثلاثة :
الأول: ظُلمٌ بين الناس وبين الله، وأَعظمُه الكُفر والشِّرك والنِّفاق، ومنه:
١٨٨

﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ﴾ [لقمان: ١٣]، و﴿لَّعْنَةُ اُللَّهِ عَلَى الََّالِمِينَ﴾ [الأعراف: ٤٤].
الثاني: ظُلمٌّ بينه وبين الناس، وإياه قصد بقوله: ﴿ وَجَزَّوْاْ سَيْئَةٍ سَيِّئَّةٌ
مِثْلُهَاً) إلى قوله: ﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ [الشورى: ٤٠]، ﴿ إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ
يَظْلِمُونَ النَّاسَ﴾ [الشورى: ٤٢]، وبقوله: ﴿وَمَن قُئِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِهِ،
سُلْطَانًا﴾ [الإسراء: ٣٣].
الثالث: ظلمٌ بينه وبين نفسه، ومنه قوله: ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ، ﴾ [فاطر:
٣٢]، وقول موسى عليه السلام: ﴿رَبِّ إِ ظَلَمْتُ﴾ [النمل: ٤٤]، وقوله تعالى:
﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ◌َظَلَمُوَاْ أَنفُسَهُمْ﴾ [النساء: ٦٤]، وكل هذه الثلاثة في الحقيقة ظُلمٌ
للنفس؛ فإن الإنسان أول ما يَهُمُّ بالظلم فقد ظلم نفسه؛ ولهذا قال تعالى:
﴿وَمَاظَلَمْنَهُمْ وَلَكِنْ كَانُواْأَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [النحل: ١١٨](١) .
* قوله تعالى: ﴿مَا لِلِّمِينَ مِنْ حَيٍ وَلَا شَفِيعِ يُطَاعُ﴾ [غافر: ١٨]؛
أي: ليس للذين ظلموا أنفسَهم بالشرك بالله من قَريبٍ منهم ينفعُهم،
ولا شفيعٍ يشفع فيهم، بل انقطعت بهم الأسبابُ من كل خير، انتهى(٢).
فوَجْهُ مناسبة الآية لترجمة الباب: أن الظلم مَذمومٌ مُحذَّرٌ منه، وذلك
لأن الكفار كانت لهم صفاتٌ أُخرُ مذمومة، فلمَّا علَّقَ كونَه لا حميمَ
ولا شفيعَ يشفعُ له؛ ناسب التحذير (٣) عن الظلم بأبلغ(٤) وجه، أو يقال: إن
(١) انظر: ((مفردات القرآن)) للراغب (ص: ٣١٥).
(٢) انظر: ((تفسير ابن كثير)) (١٢ / ١٨١).
(٣) في الأصل: ((إذا مظالم التحذير))، ولعل الناسخ سبق نظره إلى قوله: ((يشفع له إذ
مظالم العباد لا تفقر» الآتي.
(٤) في الأصل: ((بالغ)).
١٨٩

الظلمَ المُتعارَف الذي هو العُدوان على العباد، والبَغْيُ في الأرض والفساد،
لا يكون للمُنَّصف به حميمٌ ينفعه، أو شفيعٌ يشفع له، إذ مظالم العباد
لا تغفر إلا بالاستحلال من المَظلوم، أو يقال: الآية وإن كان نزولها في
الكُفَّار، فينبغي للمؤمن الحذَرُ عن التشبُّهُ بهم في كل ما يُسمَّى ظلماً؛ فإن
الظالمين ليس لهم حميمٌ ولا شفيعٌ، فالمتصف بالظلم يُخاف عليه من
زوال الإيمان، والدُّخول في غِمَار الظالمين حِقْبةً.
٠٠
٠
وأمَّا الأحَادِيثُ، فَمِنْهَا: حَدِيثُ أبي ذرِّ ﴿ه المتَقَدِّمُ في آخِرِ
بابٍ : المُجَاهَدَةِ .
٢٠٣ - وعن جابرٍ : أَنَّ رسولَ اللهِ،وَ﴿ قَالَ: «اتَّقُوا الظُّلْمَ؛
فَإِنَّ الظُّلْمَ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ القِيَامَةِ، واتَّقُوا الشُّحَّ؛ فَإِنَّ الشُّحَّ أَهْلَكَ مَنْ
كَانَ قَبْلَكُمْ؛ حَمَلَهُمْ عَلَى أَنْ سَفَكُوا دِمَاءَهُمْ، وَاسْتَحَلُّوا مَحَارِمَهُمْ،
رواه مسلم.
(الأَوْرُ)
• قوله : ((فإن الظلم ظلمات يوم القيامة)):
(ن): قال القاضي: قيل: هو على ظاهره، فيكونُ ظلماتٍ على صاحبه
لا يهتدي يومَ القيامة سبيلاً حين يسعى نورُ المؤمنين بين أيديهم وبأَئِمَانهم،
ويحتمل أن الظلماتِ هاهنا الشدائدُ، وبه فُسِّر قوله تعالى: ﴿قُلّ مَنْ يُنَجِّيَكُممِّن
◌ُتِ الْبَرِ وَالْبَحْرٍ ﴾ [الأنعام: ٦٣]، أي: شَدائدِهمَا، ويحتمل أنها عبارةٌ عن
الأنکال والعقوبات.
١٩٠

وقوله: ((الشح أهلك من كان قبلكم)) قال القاضي: إن هذا الهلاك
هو الهلاك الذي أخبر به عنهم في الدنيا بأنهم سفكوا دماءَهم، ويحتمل أنه
هلاك الآخرة، وهذا الثاني أظهرُ، ويحتمل أنه أهلكهم في الدنيا والآخرة.
وقال جماعة: الشُُّّ أشدُّ البخل، وأبلغ في المَنْع من البخل، وقيل:
هو البخل مع الحِرْص، وقيل: البخل في أفراد الأُمور، والشُّخُ عام،
وقيل: البخل بالمال خاصَّة، والشُّحُ بالمال والمَعروف، وقيل: الشخُ:
البُخل بما ليس عنده، والبخل بما عنده(١).
٢٠٤ - وعن أبي هريرةَ ﴿ه: أن رسولَ اللهِوَهِ قالَ: ((لَتُؤَدُّنَّ
الحُقُوقُ إلَى أَهْلِهَا يَوْمَ القِيَامَةِ حَتَّى يُقَادَ لِلشَّاةِ الجَلْحَاءِ مِنَ الشَّاةِ
القَرْنَاءِ» رواه مسلم.
(الثَّانِى)
(تو): ((لتؤدن)) على بناء المجهول، و((الحقوق)) مرفوع، هذه الرواية
المُعتدُّ بها، وزعم بعضهم ضَمَّ الدال ونصبَ ((الحقوق))، والفعل مسند إلى
الجماعة الذين خُوطبوا به، والصَّحيحُ ما قَدَّمناه.
(ط): إن كان الردُّ لأجل الرواية فلا مَقالَ، وإن كان بحسَب الدِّراية
فإن باب التغليب واسعٌ، فيكون قد غلَّبَ العُقلاءَ على غيرهم، وجعل
((حتى)) غايةً بحسَب التغليب، كما في قوله تعالى: ﴿جَعَلَ لَكُ مِّنْ أَنْفُسِكُمْ
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٦ / ١٣٤).
١٩١

أَزْوَجًا وَمِنَ الْأَنْعَمِ أَزْوَجَا يَذْرَؤُكُمْ فِيَةٍ﴾ [الشورى: ١١]، والضمير في ﴿َذْرَؤُكُمْ﴾
راجع إلى الأَناسيِّ والأنعام على تغليب المُخاطبين العقلاء على الغُيَّبِ
والأنعام(١).
(ن): في هذا الحديث تصريح بِحَشْرِ البهائم يوم القيامة، وإعادتها
كما يُعاد أهلُ التكليف من الآدميين، وكما يُعاد الأطفالُ والمَجانين، ومَنْ
لم تبلغهم الدَّعوة، وعلى هذا تظاهرت دلائلُ الكتاب والسُّنَّة، قال الله
تعالى: ﴿وَإِذَا الْوُجُوشُ خُشِرَتْ ﴾ [التكوير: ٥]، وليس من شرط الحشر والإعادة
في القيامة المُجازاةُ والعِقابُ والثوابُ، فأما القِصاصُ من القَرْناء للجَلْحَاءِ:
فليس هو قِصاصَ التكليف، إذ لا تكليفَ عليه، بل هو قِصاصُ مُقابلة.
و (الجَلْحَاء)) بالمَدِّ: هي الجمَّاءُ التي لا قَرْنَ لها (٢).
(ق): وقيل: إن المقصودَ منه التمثيلُ على جهة تعظيم أمر الحِساب
والقِصاص، حتى يفهم منه أنه لا بُدَّ لكل أحد منه، وأنه لا مَحِيصَ عنه،
ويتأيد هذا بما جاء في بعض روايات هذا الحديث من الزيادة، فقال: ((يقاد
للشَّاةِ الجَلْحَاءِ منَ القَرْنَاءِ، وللحَجَرِ لِمَ ركِبَ الحَجَرَ؟ وللعود لمَ خدَشَ
العُودَ))(٣)، فظهر أن المقصودَ التمثيل والتهويل، لأن الجَماداتِ لا يُعقل
خطابُها، ولا ثوابُها، ولا عِقابُها، ولم يصر إليه أحدٌ من العقلاء، ونظير
هذا التمثيل قوله: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْءَانًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ﴾ الآيةَ [الرعد: ٣١]، وقوله
(١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (١٠ / ٣٢٥٥).
(٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٦ / ١٣٦).
(٣) رواه الخطيب البغدادي في ((الرحلة في طلب الحديث)) (٣٣)، من حديث جابر ﴿ه.
١٩٢

تعالى: ﴿لَوْ أَنْزَنَا هَذَاَ لْقُرْءَ انَ عَلَى جَبَلٍ﴾ [الحشر: ٢١] الآيَةَ، فتدبر وجه التنظير (١).
٢٠٥ - وعن ابن عمرَ قال: كُنَّا نَتَحَدَّثُ عَنْ حَجَّةِ الوَدَاعِ
وَالنَّبِيُّ ◌َّهِ بَيْنَ أَظْهُرِنَا، وَلا نَذْرِي مَا حَجَّةُ الوَدَاعِ، حَتَّى حَمِدَ اللهَ
رسولُ اللهِ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ ذَكَرَ المَسِيحَ الدَّجَّالَ، فَأَطْنَبَ في
ذِكْرِهِ، وَقَالَ: ((مَا بَعَثَ اللهُ مِنْ نَبَيِّ إلاَّ أَنْذَرَهُ أُمَّتَهُ: أَنْذَرَهُ نُوحٌ،
والنَّبِيُّونَ مِنْ بَعْدِهِ، وَإِنَّهُ إِنْ يَخْرُجْ فِيكُمْ، فَمَا خَفِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ
شَأْنِهِ، فَلَيْسَ يَخْفَى عَلَيْكُمْ، إِنَّ رَبَّكُمْ لَيْسَ بِأَعْوَرَ، وَإِنَّهُ أَعْوَرُ عَيْنِ
الْيُمْنَى، كَأَنَّ عَيْنَهُ عِنْبَةٌ طَافِيَّةٌ، أَلا إِنَّ اللهَ حَرَّمَ عَلَيْكُمْ دِمَاءَكُمْ
وَأَمْوَالَكُمْ كَخُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذا، في بَلَدِكُمْ هَذَا، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا،
أَلَا هَلْ بَلَّغْتُ؟))، قَالُوا: نَعَمْ، قالَ: ((اللَّهُمَّ اشْهَدْ - ثلاثاً -،
وَيْلَكُمْ، أَوْ: وَيحَكُمْ، انْظُرُوا: لا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّاراً يَضْرِبُ
بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ)) رواه البخاري، وروى مسلمٌ بعضَه.
(الثَّالِثُ))
* قوله: ((حجة الوداع)):
(ن): سُميِّت بذلك، لأن النبيَّ وَّهِ وَذَّع الناسَ فيها، وعَلَّمهم في
خُطبته فيها أمرَ دينهم، وأوصاهم بتبليغ الشرع إلى مَنْ غاب بقوله: ((ليُبلِّغ
(١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٦ / ٥٦٤).
١٩٣

الشَّاهِدُ مِنكُمُ الغَائبَ))(١)، والمَعروف في الرّواية: ((حجة الوداع)) بفتح
الحاء، والمسموع من العرب في واحد الحِجَج (حِجَّة) بكسر الحاء،
والقياسُ فتحُها؛ لكونها اسماً للمَرَّة الواحدة، وليست عبارةً عن الهيئة حتى
تكسر، فيجوز الكسرُ بالسَّماع، والفتحُ بالقياس(٢).
قوله: ((ثم ذكر المسيح الدجال)) الحديثُ سيأتي شرحُ ألفاظه
مبسوطاً في (الباب الستين بعد المائتين في المَنْتُورَات).
قوله {خير: ((ألا إن الله حرم عليكم دماءكم وأموالكم)) سيأتي شرحه
في الحديث الحادي عشر من هذا الباب.
* قوله {﴾في: ((ويلكم، أو ويحكم، لا ترجعوا بعدي كفاراً):
(ن): قال القاضي: هما كلمتان استعملتهما العربُ بمعنى التَّعجُّب
والتوجُّع، قال سيبويه: (ويل) كلمة لمَنْ وقع في هَلَكَة، و(ويح) تَرخُم،
ويحكى عنه: (ويح) زَجْرٌ لمن أشرف على الهَلَكَةِ.
قال غيره: لا يراد بهما الدُّعاء بإيقاع الهَلَكَةِ، ولكن الترخُّم والثَّعجُّب،
وروي عن عمر بن الخطاب ظُه قال: وَيْحٌ كلمةُ رحمة .
قال الهروي: (ويح) لمَنْ وقع في هَلَكَةٍ لا يَستحِقُّها، فیُترجَّم عليه،
ويُرثى له، و(ويل) للذي يستحِقُّها، ولا يُترجَّم عليه.
وللعُلماء في معنى قوله: ((لا ترجعوا بعدي كفاراً) سبعة أقوال:
أحدها: أن ذلك كُفْرٌ في حَقِّ المُستَحِلِّ بغير حق.
(١) رواه البخاري (١٠٥)، من حديث أبي بكرة حظه.
(٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٦ / ١٣٦).
١٩٤

والثاني: المراد كُفرانُ النعمة وحَقِّ الإسلام.
والثالث: أن يقرُب من الكفر ویؤدي إلیه.
والرابع: أنه فِعْلٌ كفعل الكفار.
والخامس: المراد حقيقة الكفر، ومعناه لا تكفروا، بل دُوموا مسلمين.
والسادس: حكاه الخَطَّبيُّ وغيرُه، أن المُرادَ بالكفار المُتكفِّرون
بالسِّلاح، يقال: تكَفَّرَ الرجلُ بسلاحه: إذا لبسه.
قال الأزهري في ((تهذيب اللغة)): يقال لِلابس السِّلاح: كافر.
والسابع: قاله الخَطَّابيُّ، معناه: لا يُكَفِّر بعضكم بعضاً، فتستحِلُّوا
قِتالَ بعضِكِم بعضاً، وأَظهرُ الأقوال الرابعُ، وهو اختيار القاضي.
وقوله: ((بعدي))؛ أي: بعد فراقي مِن مَوقِفي هذا، أو يكون [معنى]
((بعدي))، أي: خِلافي؛ أي: لا تَخْلُفوني في أنفسكم بغير الذي أمرتكم
به، أو تحقَّق ◌َلِ﴿ أن هذا لا يكون في حياته، فنهاهم عنها بعد مماته.
و(يضرب)) مضموم الباء، هذا هو الصواب، وحُكي الإسكان، وهو
إِحَالةٌ للمعنى، وجوَّز أبو البقاء العُكْبَريُّ الجزمَ على تقدير شرط مُضمَر؛ أي:
إِنْ ترجعوا يَضربْ، ويجوز أن يكون مجزوماً على البدل من ((لا ترجعوا
بعدي)) كقوله: ﴿وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَنَامَا ◌َ يُضَعَفْ﴾ [الفرقان: ٦٨ -٦٩](١).
(ط): ((يضرب)) بالرفع، جملة مستأنفة مُبيِّنة لقوله: ((لا ترجعوا بعدي
كفاراً)، فينبغي أن يُحملَ على العُموم، وأن يقال: لا يظلم بعضكم بعضاً، فلا
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٢ / ٥٥ - ٥٦).
١٩٥

تسفگُوا دماءكُم، ولا تهتكوا أعراضَكُم، ولا تستَبِحُوا أَموالكُم(١).
(ق): أي: لا تتشبهوا بالكُفَّار في المُقاتلة والمقاطعة، وفيه ما يدلُّ
على أن النبيَّ ◌َّهِ كان يعلم ما يكون بعده في أُمَّته من الفِتَن والتقاتُل، ويدل
أيضاً على قُرب وقوع ذلك من زمانه؛ فإنه خاطب بذلك أصحابَه، وظاهره
أنه أرادهم؛ لأنه بهم أَعْنَى، وعليهم أَحْنَى، ويحتمل غير ذلك(٢).
٢٠٦ - وعن عائشةَ رضي الله عنها: أَنَّ رسولَ اللهِ قالَ:
(مَنْ ظَلَمَ قِيدَ شِبْرٍ مِنَ الأَرْضِ، ◌ُوَّقَهُ مِنْ سَبْعٍ أَرَضِينَ)) متفقٌ عليه.
٧
(ن): ((قيد)) بكسر القاف وإسكان الياء، أي: قَدْرَ شِبْر، يقال: قِدَ
وقادَ، وقيِس وقاسَ بمعنىً، و((الأرضون)) بفتح الراء، والإسكان لغة قليلة
حكاها الجوهريُّ، وهذا تصريح بأن الأرض سبعُ طبقات، وهو موافق لقوله
تعالى: ﴿اللّهُ الَّذِى خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ١٢].
وأما تأويل المُماثلة على الهيئة والشكل: فخلاف الظاهر، وكذا قول من
قال: سبع أرضين من سبعة أقاليم، لأنه لو كان كذلك؛ لم يُطوَّق الظالِمُ شبراً
من هذا الإقليم شِبراً من إقليم آخر، بخلاف طِبَاق الأرض؛ فإنها تابعةٌ لهذا
(١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٦ / ٢٠١٦).
(٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (١ / ٢٥٦).
١٩٦

الشِّبر في المُلك، فمَنْ ملك شيئاً من هذه الأرض؛ ملكه وما تحته من الطُّباق،
وقد جاء في غِلَظ الأرضين حديث ليس بثابت، وأما التطويق المذكور: فيحتمل
أنه يَحْمِل مثلَه من سبع أرضين، ويكلَّفُ إطاقةَ ذلك، ويحتمل أن يُجعل له
كالطَّوْق في عُنُقُه؛ كما في قوله تعالى: ﴿سَيُطَوَّقُونَ مَا بَحِلُواْ بِهِ، يَوْمَ الْقِيَمَةُ﴾ [آل
عمران: ١٨٠]، فحينئذ يُطَوِّل الله عُنُقَه، كما في غِلَظ جلد الكافر، وعِظَم
ضِرْسهِ، وقيل: معناه أنه يُطَوَّقُ إثمَ ذلك، ويلزمه كلزوم الطَّوْق لعنقه(١).
(حس): معنى التطويق: أن يَخسِفَ الله به الأرضَ، فتصير البُقعة
المَغصوبة منها في عُنُقُه كالطَّوْق، وقيل: هو أن يُطَوَّقَ منها في عُنقه كالطَّوْق،
وقيل: هو أن يُطوَّقَ حَمْلَها؛ أي: يُكلَّفَ، فيكون من طَوْقَ التكليف، لا من
طَوْق التقليد، لما روي عن سالم عن أبيه يرفعه: ((مَنْ [أَخَذَ مِنَ] الأَرْضِ شيئاً
بِغَيرِ حَقِّهِ، خُسِفَ به يومَ القِيامَةِ إلى سَبْعِ أَرَضِينَ))(٢).
(ق): ورد في غير ((مسلم)): ((جاءَ يَحْمِلُهُ يومَ القِيامَةِ إلى سَبْعِ
أَرَضِينَ))(٣)، وفي أُخرى: ((كُلِّفَ أَنْ يَحْمِلَ تُرابَها إلى المَحْشَر))(٤)، وقيل:
خُسِفَ به في مثل(٥) الطوق [منها]، وفي ((البخاري)) نصاً: ((خُسِفَ به يومَ
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١١ / ٥٠، ٤٨).
(٢) انظر: ((شرح السنة)) للبغوي (٢٢٩/٨)، والحديث رواه البخاري (٢٣٢٢).
(٣) رواه الطبراني في ((المعجم الكبير)) (٣١٧٢)، من حديث الحكم بن الحارث ﴾،
وهو حديث ضعيف. انظر: ((ضعيف الجامع الصغير)) (٥٣٦٦).
(٤) رواه الإمام أحمد في ((المسند)) (٤/ ١٧٢)، من حديث يعلى بن مرة حظه، وهو
حديث صحيح. انظر: ((صحيح الجامع الصغير)) (٥٩٨٤).
(٥) في الأصل: ((المعنى))، والمثبت من ((المفهم)) للقرطبي (٤ / ٥٣٤ _ ٥٣٥).
١٩٧

القِيامَةِ إلى سَبْعِ أَرَضِينَ))(١)، وقيل: يجمع ذلك كلُّه عليه، لما رواه
الطبرانيُّ: (كَلَّفَهُ اللهُ حَمْلَهُ حَتّى يبلُغَ إلى سَبْعِ أَرَضِينَ، ثُمَّ يُطوَّقُهُ يومَ
القِيامَةِ حَتَّى يُقْضَى بينَ الناسِ))(٢).
(ن): في هذا الحديث تحريمُ الظلم، وتحريمُ الغَصْب، وتغليظُ
عقوبته، وفيه إمكان غَصْب الأرض، وهو مذهبنا، ومذهب الجمهور.
وقال أبو حنيفة: لا يُتصَوَّر غَصْبُ الأرض(٣).
(ق): هذا وعيدٌ شديد يفيد أن أخذَ شيء من الأرض بغير حَقُّه من أكبر
الكبائر على أَيُّ وجه كان، من غَصْب أو سَرقة، أو خَدِیعة، قليلاً كان أو
كثيراً، وقد استدل به الدَّاوديُّ على أن الأَرَضين [لما يُفتَق بعضُها من بعض،
قال: لأنه لو فُتِقِ بعضُها من بعض لم يُطَوَّق منها ما ينتفع به غيرُه(٤).
٢٠٧ - وعن أبي موسى ﴿ه قالَ: قالَ رسولُ اللهِوَلِ: ((إنَّ اللهَ
لَيَّمْلِي لِلظَّالِمِ، فَإِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ»، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا
أَخَذَ الْقُرَى وَهِىَ ظَلِمَّةً إِنَّ أَخْذَهُ وَأَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ [هود: ١٠٢] متفق عليه.
(١) رواه البخاري (٢٣٢٢)، من حديث ابن عمر ـ
(٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٥٣٤/٤)، والحديث رواه الطبراني في ((المعجم الكبير))
(٢٢/ ٢٧٠)، من حديث يعلى بن مرة ، وهو حديث صحيح. انظر: ((صحيح
الجامع الصغير» (٢٧٢٢).
(٣) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١١ / ٤٩).
(٤) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٤ / ٥٣٤).
١٩٨

(المُ)
(ن): معنى [((يملي))]: يمهل ويؤخر، ويطيل له في المُدَّة، وهو مُشتقٌّ
من الملْوَة بضم الميم وكسرها وفتحها، وهو الزمان، ومعنى ((لم يفلته)): لم
يُطلقه، ولم يَنْفَلِتْ منه، يقال: أفلت: إذا تخلص(١).
(ق): هكذا فعل الله بالظَّلَمة من الأُمَم السَّالفة، والقُرون الخالية؛ إذ
الظالم منهم كان يَصِحُّ جسمُه ويَكثُر ماله وولده؛ ليكثر ظلمه، قال الله
تعالى: ﴿إِنَّمَا نُمْلِ لَهُمْ لِيَزْدَادُواْ إِثْمًّا﴾ [آل عمران: ١٧٨]، حتى إذا عَمَّ ظلمُهم
وتكاملَ جُرمهم، أخذهم أَخْذَةً رابية، فلا يُرى لهم من باقية، وذلك سُنَّة
الله في كل جَبَّار عنيد، وإنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شديد(٢).
٠
٢٠٨ - وعن مُعَاذٍ ◌َُه قال: بَعَثَنِي رسولُ اللهِ وَّه فقال:
(إِنَّكَ تَأْتِي قَوْماً مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ، فَادْعُهُمْ إِلَى شَهَادَةٍ أَنْ لا إلَهَ إلاَّ
اللهُ، وَأَنِّي رَسُولُ اللهِ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ، فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللهَ قَدِ
افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا
لِذَلِكَ، فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ الله قَدِ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقةٌ تُؤْخَذُ مِنْ
أَغْنِيَائِهِمْ، فَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ، فَإِيَّاكَ
وكَرائِمَ أَمْوَالِهِمْ، وَاتَّقِ دَعْوَةَ المَظْلُومِ؛ فَإِنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللهِ
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٦ / ١٣٧).
(٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٦ / ٥٥٧).
١٩٩

حِجَابٌ)) متفقٌ عليه.
(الَّذِيُ)
قوله: ((أهل كتاب)):
(ق): يعني به: اليهود والنصارى؛ لأنهم كانوا في اليمن أكثرَ من
مُشركي العرب وأغلبَ، وإنما نبَّهه على هذا؛ ليتهيأ لمُناظرتهم، ويُعِدَّ الأدِلَّة
لإفحامهم، لأنهم أهل كتاب سابق، بخلاف المشركين عَبَدة الأَوْثَان(١).
* قوله ◌َّفي: ((فادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله)):
(ق): فيه حُجَّةٌ لمَن يقول: أَوَّلُ الواجبات: التلفُّظُ بكلمتي الشهادة مُصدِّقاً
بها، واختلف المُتكلِّمون في أول الواجبات على أقوال كثيرة، منها ما يَشنُعُ
ذكرُه، ومنها ما ظهر ضَعْفُه، والذي عليه الأئمة الأربعة وغيرُهم من السلف:
أنه الإيمان التصديقيُّ الجَزميُّ الذي لا ريب معه بالله تعالی، ورسله، وكتبه،
وما جاءت به الرُّسل، على ما تقرَّر في حديث جبريل، كيفما حصل، وأما
النطق باللِّسان: فمُظهِرٌ [لما استقر في القلب من الإيمان، وسببٌ ظاهرٌ](٢)
تترتَّبُ(٣) عليه أحكام الإسلام، وقد يَحتَجُّ بهذا الحديث مَنْ يقول: الكُفَّار
ليسوا مُخاطبين بالفُروع، من حيث إنهم إنما خوطبوا بالتوحيد أولاً، فلما
التزموا ذلك خوطبوا بالفروع، وهذا لا حُجَّة فیه لوجهین :
(١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (١ / ١٨١).
(٢) من ((المفهم)) للقرطبي (١ / ١٨٢).
(٣) في الأصل ((تقريب)).
٢٠٠