النص المفهرس

صفحات 161-180

وفي قوله: ﴿حَمّلَهَا﴾ إشارة إلى أن فيه مَشقَّةً، بخلاف ما لو قال:
قَبِلَها(١).
١٩٩ - عن أبي هريرة : أَنَّ رسولَ اللهِوَهِ قالَ: ((آيَةٌ
المُنَافِقِ ثَلاثٌ: إذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا اؤْتُمِنَ
خَانَ)) متفقٌ عليه.
وفي رواية: ((وَإِنْ صَامَ وَصَلَّى وَزَعَمَ أَنَّهُ مُسْلِمٌ)).
الأَوْلُ
(ط): (الآية) العَلامة، وإنما خَصَّ هذه الثلاثة بالذِّكر لأنها مُشتملةٌ
على المُخالفة التي عليها مبنى النفاقِ؛ من مخالفة السِّرِّ العَلَنَ، فالكذب هو
الإخبار عن الشيء على خلاف ما هو به، والأمانة حَقُّها أن تؤدّى إلى
أهلها، والخِيانةُ مخالفة لها، والخلاف في الوعد ظاهر .
والنافقاء إحدى جُحْرَتِي اليَربوع، وهو موضع يُرقِّقُه، فإذا أُتي من
قِبَل القَاصِعاء، وهو جُحْرُه الذي يَقصَعُ فيه؛ أي: يدخل؛ ضرب النافقاء
برأسه، فانتفق؛ أي: خرج، يقال: نافق اليَربوعُ؛ أي: أخذ في نَفِقَائه،
ومنه اشتقاق المنافق، وهو الذي يدخل في الشرع من باب، ويخرج من
باب، وأيضاً؛ يكتم الكُفرَ، ويُظهر الإيمانَ؛ كما أن اليَربوعَ يكتُم النَّافِقَاءَ،
(١) انظر: ((تفسير الرازي)) (٢٥/ ٢٠٢).
١٦١

ويُظهر القَاصِعَاءِ (١).
(ك): سُمِّيت آيةُ القرآن آيةً؛ لأنها علامة انقطاع كلام عن كلام، فإن
قلت: الآية مفردة، والظاهر يقتضي أن يقال: الآيات، قلت: إما أن يقال:
كلٌّ من الثلاث آية، حتى لو وجدت خَصْلة واحدة يكون صاحبها منافقاً، وأن
يقال: كل الثلاث معاً آية، حتى إذا اجتمعت تكون آية واحدة، فعلى الأول:
المُراد منها جنسُ الآية، وعلى الثاني: معنى الآية اجتماعُ هذه الثلاث.
فإن قلت: الجُمل الشرطية بيان لـ ((ثلاث)) أو بدلٌ، لكن لا يصح أن
يقال: الآية إذا حدث كذب.
قلت: معناه آية المنافق کَذِبُه عند تحدیثه، وذلك مثل قوله تعالی:
﴿فِيهِ مَايَتُ بَيِنٌَ مَّقَامُ إِبْرَهِيّهٌ وَمَن دَخَلَهُ، كَانَ ءَامِنًا﴾ [آل عمران: ٩٧] على أحد
التوجيهات.
فإن قلت: الوعد تحديث خاص، فما معنى عطفه [على] التحديث،
والخاصُّ إذا عطف على العام لا يخرج من تحت العام، فالآيةُ ثنتان
لا ثلاث.
قلت: لمَّا كان لازِمُ الوعد الإخلافَ الذي قد يكون فعلاً، وهو غير
الكذب الذي [هو] لازِمُ التحديث، وهو لا يكون فعلاً؛ جُعلا متغايرين
نظراً إلى اعتبار تغايُرِ لازِمَيْهما، أو جُعل الوعد حقيقةً أخرى غيرَ داخلة
تحت التحديث، على سبيل الادِّعاء؛ لزيادة قُبحه؛ كما يُدَّعى أن جبريل
نوع آخر من الملائكة؛ لزيادة شرفه، قال :
(١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٢ / ٥٠٨).
١٦٢

فإنَّ المِسْكَ بعضُ دَمِ الغَزال(١)
فإِنْ تَفُقِ الأنامَ وأَنتَ مِنْهُمْ
(ط): ((وإن صام وصلى))؛ أي: وإن عمل أعمال المسلمين من
العبادات، وهذا الشرط واردٌ للمُبالغة لا يستدعي الجوابَ(٢).
(ن): استشكل هذا الحديث؛ لأن هذه الخِصالَ قد توجد في المسلم
المُصَدِّق.
والجوابُ: أن هذه الخِصالَ خصالُ نفاق، وصاحبها شبيهٌ بالمنافقين،
ومُتَخلِّقٌ بأخلاقهم، وأن النفاق هو إظهار ما يُطَنُ خلافُه، وهذا المعنى
موجود في صاحب هذه الخِصال، ويكون نفاقه في حق مَنْ حَدَّثه، ووعَدَه،
وائتمَنْهُ، وخاصَمهُ، وعاهدَهُ من الناس؛ كما زِيدَ في بعض الروايات، لا أنه
منافق في الإسلام، فيُظْهِرُه وهو يُبْطِنُ الكُفرَ، ولم يُرِد النبيُّ ◌َّ بهذا أنه منافق
نفاقَ الكفار المُخلِّد في الدَّرْك الأسفل من النار(٣).
(ق): للعلماء فيه أقوال :
أحدها: أن هذا النفاق هو نفاق العمل الذي سأل عمرُ له حُذيفةَ لمَّا
قال له: هل تعلم فيَّ شيئاً من النفاق(٤)؟ أي: من صفات المنافقين الفعلية.
ثانيها: أنه محمول على مَنْ غلبت عليه هذه الخِصال واتخذها عادةً،
ولم يُبالِ بها تهاوناً واستخفافاً بأمرها، ومَنْ كان هكذا؛ كان فاسدَ الاعتقاد
(١) انظر: ((الكواكب الدراري)) للكرماني (١ / ١٤٧)
(٢) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٢ / ٥٠٨).
(٣) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٢ / ٤٦).
(٤) رواه ابن أبي شيبة في ((المصنف)) (٣٧٣٩٠).
١٦٣

غالباً، فيكون منافقاً خالصاً.
ثالثها: أن تلك الخِصالَ كانت علامةَ المنافقين في زمان النبي ◌ِّ،
وأصحابُه كانوا مجتنبين لتلك الخِصال؛ بحيث لا يقع منهم ولا يُعرف فيما
بينهم، وبهذا قال ابنُ عباس وابنُ عمر، وروي أنهما أتيا النبيَّ ◌َّ فسألاه
عن هذا الحديث، فضحك النبيُّ ◌ٍَّ وقال: ((ما لَكُمْ ولَهُنَّ؟ إنما خَصَصْتُ
بِهِنَّ المُنافقين، [أنتم] من ذلك بَراءٌ))، وذكر الحديثَ بطوله القاضي عياضٌ،
قال: وإلى هذا صار كثير من التابعين والأئِمَّة(١).
(ن): ورجع إلى هذا الحسنُ البَصريُّ بعدما كان على خلافه(٢).
(شف): روي عن الحسن البصري أنه ذكر له هذا الحديث، فقال:
إن بني يعقوب حَدَّثوا فكذبوا، ووعدوا فأخلفوا، وائتُمِنوا فخانوا، وكان
ذلك الفعل منهم نادراً، ولم يُصِرُّوا عليه، وسألوا أباهم أن يستغفر لهم،
[فلم] يتمكن منهم صفةُ النفاق، بخلاف المنافق؛ فإن هذه الخِصالَ هِجِّرُهُ
وعادتُه؛ بدليل إتيان الجملة الشرطية مُقارَنةً بـ (إذا) الدالَّةِ على تحقق
الوُقوع.
(تو): مَن اجتمعت فيه تلك الخِصالُ واستمرت أحوالُه عليها؛ فبالحَريِّ
أن يُسمَّى منافقاً، وأما المؤمن المفتون بها؛ فإنْ عَمِلَها مرَّة تركها مرَّةً، وإن
أصرَّ عليها زماناً أقلع عنها زماناً آخر، وإن وجدت فيه خَلَّةٌ عُدِمَت منه أُخرى.
(خط): هذا القولُ إنما خرج على سبيل الإنذار للمرء المسلم، والتحذير
(١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (١٤ / ٢٥٠).
(٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٢ / ٤٧).
١٦٤

له أن يعتاد هذه الخِصالَ، فيفضي به إلى النفاق، لا أن مَنْ صدرت [منه] هذه
الخصالُ أو فعل شيئاً من ذلك من غير اعتياد أنه منافق.
والنفاق [ضربان، أحدهما]: أن يُظهر صاحبُه الإيمان، وهو مُصِرٍّ على
الكفر، والثاني: ترك المُحافظة على حُدود أُمور الدِّين سِرًّا، ومراعاتها (١)
علناً، فهذا يسمى منافقاً، ولكنه نفاق بعد نفاق؛ كقوله بَّ: ((سِبَابُ المُسلمِ
فُسوقٌ، وقِتَالُهُ كُفْرٌ))(٢)، وربما هو كُفْرٌ دون كفرٍ، وقيل: إن هذا الحديث
وارد في رجل بعينه منافق، وكان النبيُّ نَّ لا يواجههم بصريح القول،
فيقول: فُلانٌ منافق، وإنما يشير إشارةً؛ كقوله: ((ما بَالُ أَقْوَامِ يَفعلُونَ
كذا؟))(٣).
(ك): فلدفع الإشكال خمسة أوجه؛ لأن اللام إما للجنس؛ فهو إما
على سبيل التشبيه، أو أن المراد الاعتيادُ، أو معناه الإنذار، وإما للعهد؛ إما
من منافقي زمن رسول الله ◌ّ، وإما منافق خاص بشخص بعينه، وهاهنا وجهٌ
سادس هو: أن المراد بالنفاق هو النفاق العمليُّ، لا النفاق الإيماني، وأحسن
الوجوه هو السابع؛ بأن يقال: النفاق شرعيٍّ، وهو ما يُبطِن الكفر ويظهر
الإسلام، وعُرفيٌّ، وهو ما يكون سِرُّه خلافَ عَنِهِ، وهو المُراد إن شاء الله؛
لِمَا روي عن مُقاتل بن حَيَّان أنه سأل سعيد بن جُبَير عن هذا الحديث [وقال]:
هذه المسألةُ قد أفسدت عليَّ معيشتي، إن لأَظنُّ أني لا أَسلَمُ من هذه الثلاث،
(١) في الأصل: ((ومرائيا بها)).
(٢) رواه البخاري (٤٨)، من حديث ابن مسعود ﴾
(٣) انظر: ((أعلام الحديث)) للخطابي (١ / ٤١)، والحديث رواه البخاري (٧١٧)،
من حديث أنس ضـ
١٦٥

أو من بعضها، فضحك سعيد وقال: أَهمَّني ما أَهمَّك، فأتيتُ ابنَ عمر وابنَ
عباس ﴿﴾؛ فَقَصَصْتُ عليهما، فضحكا وقالا: أَهَمَّنا والله يا بن أخي مثلَ
الذي أهَمَّك من هذا الحديث، فسألنا النبيَّنَّهِ فضحك وقال: ((مالَكُمْ ولَهُنَّ؟
أما قولي: إذا حَدَّث كذَبَ، فذلك فيما أنزل الله عليَّ: ﴿ وَاَللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَفِقِينَ
لَكَذِبُونَ﴾ [المنافقون: ١]، وأما: إذا وعد أخلف، فذلك قوله: ﴿ فَأَعْقَبَهُمْ
نِفَاقًا فِى قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُواْ اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ﴾ [التوبة: ٧٧]، وأما: إذا
اؤتمن خان، فذلك فيما أنزل الله: ﴿ إِنَّا عَرَضْنَا اُلْأَمَانَةَ﴾ [الأحزاب: ٧٢]، وأنتم
بَراءٌ من ذلك))(١).
(ن): في حديث ابن عمرو: ((إذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر))(٢)،
فحصل من الحديثين أن خصال المنافق خمسة، ويحتمل أن يكون ((وإذا
عاهد غدر)) داخلاً في قوله: ((وإذا اؤتمن خان))(٣).
(ك): فيصير أربعة، ولو اعتبرنا هذا الدخول؛ فالخمسُ راجعة [إلى]
الثلاث؛ فتأمل، والحق أنها خمسةٌ متغايرةٌ عُرْفاً، وباعتبار تغاير الأوصاف
واللوازم أيضاً، ووجهُ الحصر فيها أن إظهار خلاف الباطن؛ إما في
الماليات، وهو ((إذا اؤتمن))، وإما في غيرها، وهو إما في حالة الكُدورة،
وهو ((إذا خاصم))، وإما في حالة الصفاء، فهو إما مُؤكَّدة باليمين، وهو ((إذا
عاهد))، أو لا، فهو إما بالنظر إلى المستقبل، وهو ((إذا وعد))، وإما بالنظر
(١) انظر: ((الكواكب الدراري)) للكرماني (١ / ١٤٩).
(٢) رواه البخاري (٢٣٢٧).
(٣) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٢ / ٤٨).
١٦٦

إلى الحال وهو ((إذا حدَّث))(١).
(ق): يحتمل أنه وَ ﴿ استجَدَّ من العلم بخصال المنافقين ما لم يكن
عنده؛ إما بالوَحي، وإما بالمُشاهدة لتلك منهم، وعلى مجموع الروايتين
تكون خصالُهم خمساً، ولا شك أن لهم خصالاً أُخرَ مذمومةً؛ كما وصفهم
الله سبحانه بقوله: ﴿إِنَّ الْمُتَفِقِينَ يُخَدِّعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَدِعُهُمْ وَإِذَا قَامُواْ إِلَى
الصَّلَوْةِ قَامُواْ كُسَالَى يُرَآءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَإِلََّ قَلِيلًا ﴾ مُذَبَّذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ﴾
[النساء: ١٤٢ - ١٤٣]، فيحتمل أن يقال: إنما خُصِّصَت تلك الخصالُ الخمس
بالذكر؛ لأنها أظهرُ عليهم من غيرها عند مُخالطتهم للمسلمين، أو لأنها
هي التي يَضُرُّون بها المسلمين، انتهى(٢).
وسيأتي لهذا الحديث مزيدُ بيان في (الباب السادس والثمانين) في
حديث عبدالله بن عمرو: ((أربعٌ مَنْ كُنَّ فيه؛ كان مُنافقاً خالصاً).
٢٠٠ - وعَنْ حُذَيْفَةَ بنِ اليَمَانِ ﴿ه قال: حدثنا رسولُ اللهِ وَاهـ
حَدِيثَيَّنِ قَدْ رَأَيْتُ أَحَدَهُمَا، وَأَنَا أَنْتَظِرُ الآخَرَ: حَدَّثَنَا أَنَّ الأَمَانَةَ
نَزَلَتْ فِي جَذْرِ قُلُوبِ الرِّجَالِ، ثُمَّ نَزَلَ القُرآنُ، فَعَلِمُوا مِنَ القُرْآنِ،
وَعَلِمُوا مِنَ السُّنَّةِ، ثُمَّ حَدَّثَنَا عَنْ رَفْعِ الأَمَانَةَ، فَقَالَ: (يَتَمُ الرَّجُلُ
النَّوْمَةَ، فَتُقْبَضُ الأَمَانَّةُ مِنْ قَلْبِهِ، فَيَظَّلُّ أَرُهَا مِثْلَ الوَكْتِ، ثُمَّ يَنَامُ
(١) انظر: ((الكواكب الدراري)) للكرماني (١ / ١٥١).
(٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (١ / ٢٥١).
١٦٧

النَّوْمَةَ، فَتُقْبَضُ الأَمَانَةُ مِنْ قَلْبِهِ، فَظَلُّ أَثَرُهَا مِثْلَ أَثَرِ المَجْلِ،
كَجَمْرٍ دَحْرَجْتَهُ عَلَى رِجْلِكَ فَتَقِطَ، فَتَرَاهِ مُنْتُبِراً، وَلَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ»،
ثُمَّ أَخَذَ حَصَاةً فَدَحْرَجَهُ عَلَى رِجْلِهِ، ((فَيُصْبِحُ النَّاسُ يَتَبَايَعُونَ، فَلا
يَكَادُ أَحَدٌ يُؤَدِّي الأَمَانَةَ، حَتَّى يُقَالَ: إِنَّ فِي بَنِي فُلانٍ رَجُلاً أَمِيناً،
حَتَّى يُقَالَ لِلرَّجُلِ: مَا أَجْلَدَهُ، مَا أَظْرَفَهُ، مَا أَعْقَلَهُ! وَمَا فِي قَلْبِهِ
مِثْقَالُ حَبَةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ. وَلَقَدْ أَتَى عَلَيَّ زَمَانٌ وَمَا أَبَالِي أَّكُمْ
بَايَعْتُ؛ لَئِنْ كَانَ مُسْلِماً، لَيَرُدَّنَّهُ عَلَيَّ دِينُهُ، وَلَئِنْ كَانَ نَصْرَانِيّاً أَوْ
يَهودِيّاً، لَيَرُدَنَّهُ عَلَيَّ سَاعِيهِ، وَأَمَّا الْيَوْمَ، فَمَا كُنْتُ أُبَابِعُ مِنْكُمْ إلاَّ
فُلاناً وَفُلانا)) متفقٌ عليه.
قوله: ((جَذْر)) بفتح الجِيم وَإِسْكَانِ الذَّالِ المُعْجَمَةِ: وَهُوَ أَصْلُ
الشيْءٍ، و((الوَكْتُ)) بالتَّاءِ المُثَنَّةِ مِنْ فَوْقُ: الأَثَرُ اليَسِيرُ. ((وَالمَجْلُ))
بفتحِ الميم وإسكانِ الجيم، وَهُوَ تَنَفَّطَ في اليَدِ وَنَحْوِها مِنْ أَثَرِ عَمَلٍ
وَغَيْرِهِ.
قوله: ((مُنْتُبِراً): مرتفعاً.
قوله: ((سَاعِيهِ)): الوَالِي عَلَيْهِ.
(الثَّانِى)
* قوله : ((أن الأمانة نزلت في جذر قلوب الرجال)):
(ن): الظاهر أن المراد بالأمانة: التكليفُ الذي كَلَّف الله به عبادَه،
١٦٨

والعهد الذي أخذه عليهم، قال صاحب ((التحرير)): الأمانة في هذا الحديث
هي الأمانة المذكورة في الآية: ﴿ إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾
[الأحزاب: ٧٢]، وهي عينُ الإيمان، فإذا استمكنت الأمانةُ من قلب العبد؛
قام حينئذ بأداء التكاليف، واغتنم ما يَرِدُ عليه منها، وجَدَّ في إقامتها .
و((الجذر)): بفتح الجيم وكسرها، لغتان، وبالذال المعجمة، وهو
الأصل، انتهى(١).
قال الحافظ مُحمَّد بن مَعْمَر: لا يبعد أن يقال: إن نزول الأمانة في
القلوب وقولُه: ((كُلُّ مَولُودٍ يُولَدُ على الفِطْرَةِ) عبارةٌ عن معنى واحد.
وفي قوله: ((ثم نزل القرآن فعلموا من القرآن وعلموا من السنة)) تلويحٌ
إلى انجلاء [ما] تراكَمَ على قلوب مَن اختصَّه الله بالهداية فيما بين المشركين
من صَدَأ الفَتْرة، وتعويدِ الأبوين مولودَهما ما نشأ عليه من اليهودية والنصرانية
وعبادة الطواغيت، بما أُتيح لها من بعثة النبيِّ نَّهِ، ونُزُولِ القرآن، وتعلُّم
السُّنن والشرائع.
وفي قوله: ((ثم ينام النومة ... إلى آخره)) إشارةٌ إلى عَوْد الصَّدَأ إلى
القلوب شيئاً فشيئاً؛ من آثار الفِتَن، والمَعصية، والغَفَلات، والمُعَبَّر عنها
بالنومة إلى القلوب، حتى لا يبقى من الأمانة إلا اسمُها ورَسْمُها.
(ك): الأمانة المُتبادر منها إلى الذهن المعنى المشهور منها، وهو
ضِدُّ الخيانة، وقيل: هو التكاليف الإلهية، انتهى (٢).
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٢ / ١٦٨).
(٢) انظر: ((الكواكب الدراري)) للكرماني (٢٣ /١٨)
١٦٩

يؤيد الوجه الأول قوله: ((ويصبح الناس يتبايعون لا يكاد أحد يؤدي
الأمانة)) فيكون وضع المُظهَر موضع المُضمَر؛ تفخيماً لشأنها، وحَثًّا على
التخلُّق بها، قال ◌َّهِ: ((لا دينَ لِمَنْ لا أَمَانةَ لَهُ».
(ك): حَمْلِ المُبايعة على بيعة الخِلافة وغيرها من التَّحالُفُ في أُمور
الدِّين خطأٌ؛ لأن النصرانيَّ أو اليهوديَّ لا يُعاقِدُ عليها، ولا يُبايع بها (١).
(ق): معنى إنزالها في القلوب: أن الله تعالى جبل القلوبَ الكاملة
على القيام بحق الأمانة؛ من حِفْظِها، واحترامها، وأدائها لمُستَحِقُّها،
وعلى النُّفْرة من الخيانة فيها؛ لتنتظم المصالح بذلك، لا لأنها حسنة في
ذاتها كما تقوله المعتزلة، ودلائلها مبسوطةٌ في موضعه(٢).
(ن): ((الجذر)) بفتح الجيم وكسرها، لغتان، والذال معجمة فيهما،
وهو الأصل(٣).
(ك): أي: كانت لهم بحسب الفطرة، وحصلت لهم بالكسب أيضاً،
وبسبب الشريعة (٤).
(ن): و((الوكت)) بفتح الواو وإسكان الكاف، وبالتاء المثناة من فوق،
هو الأثر اليسير، وقيل: هو سَوادٌ يسير، وقيل: هو لون يحدث مُخالفٌ للَّون
الذي قبله.
(١) المرجع السابق، (٢٣ /١٩).
(٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (١ / ٣٥٦).
(٣) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٢ / ١٦٨).
(٤) انظر: ((الكواكب الدراري)) للكرماني (٢٣ /١٨).
١٧٠

و((المجل)) بفتح الميم وإسكان الجيم وفتحها، لغتان، أولهما أشهر،
يقال منه: (مَجِلَتْ يدُه) بكسر الجيم (تمجَل) بفتحها (مَجَلاً) بالفتح،
و(مجَلت) بفتح الجيم (تمجُل) بضمها (مَجْلاً) بالإسكان، والمَجْل: هو
التنقُّط الذي يصير في اليد من العمل بفأس ونحوها، ويصير كالقُبَّة فيه ماء
قلیل.
و((نفط)): بفتح النون وكسر الفاء، ولم يقل: (نفطت) مع أن الرَّجل
مُؤنثةٌ؛ إما أن يكون ذَكَّر اللفظ إتباعاً للفظ الرِّجل، وإما أن يكون اعتباراً
لمعنى الرِّجل وهو العُضْوُ.
و((منتبراً)؛ أي: مرتفعاً، ومنه سُمِّي المِنْبر، قال صاحب ((التحرير)):
معنى الحديث: أن الأمانة تزول عن القلوب شيئاً فشيئاً، فإذا زال أولُ جزء
منها؛ زال نورُها، [و] خَلفَتْهُ ظلمةٌ كالوَكْت، وهو اعتراض لون مُخالف
اللَّون الذي قبله، فإذا زال شيءٌ آخر؛ صار كالمَجْل الذي هو أثر مُحكَمٌ لا
يكاد يزول إلا بعد مُدَّة، وهذه الظلمة فوق التي قبلها، ثم شَبَّه زوالَ ذلك
النور بعد وقوعه في القلب، وخُروجَه بعد استقراره فيه واعتقابَ الظُّلمة
إياه، بجَمْرٍ يُدَحرِجُه على رجله حتى يُؤثِّر فيها، ثم يزول الجَمْر ويبقى
التنقُّط، وأَخذُه الحصاة ودَخْرجَتُه إياها أراد به زيادةَ البيان والإيضاح(١).
(ط): إنما شبه أولاً الأمانةَ بأثر الوَكْت، ثم ثانياً بأثر المَجْل، ثم
شبهها بالجَمْرةِ المُدحرجة على الرِّجل؛ تقبيحاً لحاله، وتهجيناً؛ لتَنْفِرَ
النفسُ عنها وتعافَها؛ فإن الأمانة والخيانة ضِدَّان، فإن ارتفع إحداهما
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٢ / ١٦٨).
١٧١

تعاقبت الأُخرى(١).
(ق): ((ما أجلده))؛ أي: ما أقواه، و((ما أظرفه))؛ أي: ما أحسنه،
والظَّرْفُ عند العرب في اللِّسان والجسم هو حُسنُهما، قال المُبرِّدُ: الظريف
مأخوذ من الظَّرْفِ وهو الوِعاءُ، كأنه جُعِلَ وعاءً للأدب، انتهى(٢).
معناه: أنهم مُهتدون إلى الأُمور الدُّنيوية، والقوانين، والسِّيادات
الجارية بين الخلق في تدبير المَعاش، وإعمال الفكر، وتدقيق النظر، والاحتيالِ
في جَذْب المنافع العاجلة من غير التفات إلى اكتساب السَّعادات الآجلة؛ كما
وصفهم الله سبحانه بقوله: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَوَةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآَخِرَةِ هُمْ
غَفِلُونَ﴾ [الروم: ٧]، حتى إن منهم من يَسُب الأتقياء البرَرةَ الكرام الذين لا يهتدون
بَهْديهم ولا يَستَقُّون بسُننهم إلى الجُنون، ويقولون: هذا مِمَّن لا عقلَ [له]،
ولهذا ورد في الحديث: ((أَكْثِرُوا ذِكْرَ الله حَتَّى يَقُولُوا مَجْنُونٌ))(٣)، أراد به
الاشتغالَ بذكر الله وما والاه، والإعراضَ عن الرُّسوم والعادات الجارية بين
الخلق، والمُداهنة معهم في الأُمور الدِّينية، قال تعالى: ﴿وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ
فِى الْأَرْضِ يُضِلُّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ [الأنعام: ١١٦].
؛ قوله: ((ولقد أتى علي زمان)):
(ن): معنى المُبايعة هنا البيعُ والشِّراء المعروفان، ومراده أني كنت
أعلم أن الأمانة لم ترتفع، وأن [في] الناس وفاءً بالعُهود، فكنت أُقْدِمُ على
(١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (١١ / ٣٤٠٤).
(٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (١ / ٣٥٧).
(٣) رواه الإمام أحمد في ((المسند)) (٣/ ٦٨)، من حديث أبي سعيد الخدري ظنه، وهو
حديث ضعيف. انظر: ((ضعيف الجامع الصغير)) (١١٠٨).
١٧٢

مُبايعة من اتفق غيرَ باحث عن حاله، وتَوثُّقاً بالناس وأمانتهم، فيحمل
المسلمَ دينُه وأمانتُه على الأداء، وأما الكافر: فساعيه، وهو الوالي عليه،
وأما اليوم: فقد ذهبت الأمانةُ، فما بقي لي وُثوق بمَنْ أُبايعه، ولا بالساعي،
فما أبايع إلا فلاناً وفلاناً؛ يعني: أفراداً مِمَّن أَثِقُ بأمانتهم(١).
٢٠١ - وعن حُذَيْفَةَ، وأبي هريرةَ عَ﴾ قالا: قالَ رسولُ الله ◌ِ:
(يَجْمَعُ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى النَّاسَ، فَيَقُومُ المُؤْمِنُونَ حَتَّى تُزْلَفَ لَهُمُ
الجَنَّةُ، فَيَأْتُونَ آدَمَ صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ، فَيَقُولُونَ: يَا أَبَانَاً! اسْتَفْتِحْ
لَنَا الجَنَّةَ، فَيَقُولُ: وَهَلْ أَخْرَجَكُمْ مِنَ الجَنَّةِ إلاَّ خَطِيئَةُ أَبِيكُمْ؟
لَسْتُ بَصَاحِبٍ ذَلِكَ، اذْهَبُوا إِلَى ابْنِي إِبْرَاهِيمَ خَلِيلِ اللهِ، قالَ:
فَيَأْتُونَ إِبْراهِيمَ، فَيَقُولُ إِبْرَاهِيمُ: لَسْتُ بِصَاحِبٍ ذلِكَ، إِنَّمَا كُنْتُ
خَلِيلاً مِنْ وَرَاءَ وَرَاءَ، اعْمَدُوا إِلَى مُوسَى الَّذِي كَلَّمَهُ اللهُ تَكْلِيماً،
فَيَأْتُونَ مُوسَى، فَيَقُولُ: لَسْتُ بِصَاحِبٍ ذلك؛ اذْهَبُوا إِلَى عِيسَى
كَلِمَةِ اللهِ وَرُوحِهِ، فَيَقُولُ عيسَى: لَسْتُ بِصَاحِبٍ ذَلِكَ، فَيَأْتُونَ
مُحَمَّداً ◌َّهِ، فَيَقُومُ، فَيُؤْذَنُ لَهُ، وَتُرْسَلُ الأَمَانَةُ والرَّحِمُ، فَيَقُومَانِ
جَنْبَيِ الصِّرَاطِ يَمِيناً وَشِمَالاً، فَيَمُزُّ أَوَّلُّكُمْ كَالبَرْقٍ))، قُلْتُ: بِأَبِي
وَأُمِّي! أَيُّ شَيْءٍ كَمَرِّ البَرْقِ؟ قال: ((أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ يَمُزُّ وَيَرْجِعُ في
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٢ / ١٧٠).
١٧٣

طَرْقَةٍ عَيْنٍ؟ ثُمَّ كَمَرِّ الرِّيحِ، ثُمَّ كَمَرِّ الظَّْرِ، وشَدِّ الرِّجَالِ، تَجْرِي
بِهِمْ أَعْمَالُهُمْ، وَنَبِيُّكُمْ قَائِمٌ عَلَى الصِّرَاطِ يَقُولُ: رَبِّ سَلُّمْ، حَتَّى
تَعْجِزَ أَعْمَالُ العِبَادِ، حَتَّى يَجِيءَ الرَّجُلُ لا يَسْتَطِيعُ السَّيْرَ إلاَّ
زَحْفاً، وَفِي حَافَتَي الصِّرَاطِ كَلالِيبُ مُعَلَّقَةٌ مَأْمُورَةٌ بِأَخْذِ مَنْ أُمِرَتْ
بِهِ، فَمَخْدُوشٌ نَاجٍ، وَمُكَرْدَسٌ في النَّارِ)). والَّذِي نَفْسُ أبي هُرَيْرَةَ
بِيَدِهِ! إنَّ قَعْرَ جَهَنَّم ◌َسَبْعُونَ خَرِيفاً. رواه مسلم.
قوله: ((وَرَاءَ وَرَاءَ»: هُو بالفَتْحِ فِيهِمَا، وَقيلَ: بالضّمِّ بِلا
تَنْوِينٍ، وَمَعْنَهُ: لَسْتُ بِتِلْكَ الدَّرَجَةِ الرَّفِيعَةِ، وَهِي كَلِمَةٌ تُذْكَرُ عَلَى
سَبِيلِ التَّواضُعِ. وَقَدْ بَسَطْتُ مَعْنَاهَا في (شَرْحِ صحيح مسلمٍ)،
والله أعلم.
(الثَّالِثُ))
سيأتي حديث الشفاعة مستقصى في (الباب الستين بعد المئتين) وهو
(باب المَنُورات والمِلَح).
(ن): ((تزلف)) بضم التاء وإسكان الزاي، معناه تُقْرَّب؛ كما قال
تعالى: ﴿ وَأَزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُنَّقِينَ﴾ [الشعراء: ٩٠](١).
* قوله: «خلیل الله»:
(ق): الخُلَّة: الصداقة والمودة، [و] بفتح الخاء: الفقر والحاجة،
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٣/ ٧٠).
١٧٤

وبكسرها واحدة خَلل السيوف، وهي بطائن أغشيتها، والخَلَلِ الفُرْجَةُ بين
الشيئين، واختلف في الخليل اسم إبراهيم: من أيٍّ هذه المعاني والألفاظ
أُخذ؟ قيل: إنه مأخوذ من الخُلَّة بمعنى الصداقة، وذلك أنه صَدَق في مَحبَّة
الله تعالى، وأخلص فيها حتى آثر مَحبَّته على كل مَحبُوباته، فبذل ماله
للضِّفان وولَدَه للقُربان، وجسدَه للنِّيران، وقيل: من الخَلَّة - بفتح الخاء -
بمعنى الفقر والحاجة، وذلك أنه افتقر إلى الله تعالى في حوائجه، ولم
يلتفت إلى غيره، وآلت حالُه إلى أن قال له جبريل وهو في الهواء حین رُمي
به في المَنْجَنيق: ألك إليَّ حاجةٌ؟ فقال: ((أما إليك فلا))(١).
وقيل: مأخوذ من الخَلل بمعنى الفُرجة بين الشيئين، وذلك لمَا تخلَّل
قلبَه من معرفة الله ومَحبَّته ومُراقبته، حَتَّى كأنه مُزجت أجزاءُ قلبه بذلك،
وقد أشار بهذا الشاعر فقال :
قَدْ تَخَلَّلْتَ مَسْلكَ الرُّوحِ مِنِّي
ولِذَا سُمِّيَ الخَلِيلُ خَلِيلاً
ولقد جمع هذه المعانيَ وأحسن مَنْ قال في الخُلَّة: إنها صفاء المَودَّة
التي تُوجبُ الاختصاصَ بتَخلُّل الأسرار، والغِنى عن الأغيار(٢).
قوله: «من وراء وراء)) :
٠
(ن): قال صاحب ((التحرير)): هذه كلمةٌ تذكر على سبيل التواضع؛ أي:
(١) رواه أبو نعيم في ((حلية الأولياء)) (١ / ٢٠)، عن مقاتل وسعيد، ورواه البيهقي
في ((شعب الإيمان)) (١٠٧٧)، عن بشر الحافي، ورواه ابن جرير في ((تفسيره))
(١٧/ ٤٥) عن المعتمر بن سليمان عن بعض أصحابه، ولا أصل له في المرفوع.
انظر: ((السلسلة الضعيفة)) (٢١).
(٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (١ / ٤٢٩).
١٧٥

ليست لي تلك الدرجة الرفيعة، قال: ووقع لي معنَى مَلِيحٌ، وهو أن معناه: أن
المَكارمَ التي أُعطِيْتُها كانت بواسطة سِفارة جبريل، ولكن ائتوا موسى فإنه
حصل له سماعُ الكلام بغیر واسطة، قال: وإنما کرر ((وراء وراء»؛ ليكون نبينا
محمدٌ ◌ٍَّ حصل له السماعُ بغير واسطة، وحصل له الرُّؤيةُ، فقال إبراهيم عليه
السلام: إنا وراءَ موسى الذي هو وراء محمد صلى الله عليهم وسلم أجمعين(١).
(ق): أي: إنما كنت خليلاً متأخراً عن غيري؛ إشارة إلى أن كمال
الخُلَّة إنما يصح لمَنْ يصِحُّ له في ذلك اليوم المَقَامُ المَحمودُ الذي يَحمَدُه
فيه الأوَّلون والآخِرون(٢).
(ن): وأما ضبط ((وراء وراء»: فالمشهور فيه الفتح بلا تنوين، وتكون
الكلمة مُركَّبة؛ كـ (شذَر مذرَ)، و(شغَرَ بغَرَ)، وسقطوا بين بين، فركَّبهما
وبناهما على الفتح، ويجوز عند أهل العربية بناؤهما على الضم، وتقريره:
من وراء ذلك، أو من وراء شيء آخر.
ونقل الجوهريُّ عن الأخفش أنه قال: لَقِيتُه مِنْ وراءُ، مرفوعٌ على
الغاية؛ كقوله: مِنْ قَبْلُ، ومِن بَعْدُ، وأنشد:
إِذا أَنَا لَمْ أُومَنْ عَليكَ ولَم يَكُنْ
لِقَاؤُكُ إِلاَّ مِنْ وَرَاءُ وَراءُ (٣)
(ق): الرواية فيه بالمد والفتح في الهمزتين، وكأنه مبنيٌّ على الفتح
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٣ / ٧١).
(٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (١ / ٤٢٩).
(٣) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٣/ ٧١).
١٧٦

لتضمُّنه الحرفَ؛ كقولهم: هو جاري بيتَ [بيتَ]؛ أي: بيته إلى بيتي،
فتقديره: من ورائي إلى ورائي؛ نحو: خمسة عشر، وسائر الأعداد المركبة،
وعلى قول الأخفش: الأُولى إنما بنيت لقطعها عن الإضافة، وأما الثانية:
فيحتمل أن تكون كالأُولى على تقدير حذف (مِن) لدلالة الأُولى عليها،
ويحتمل أن تكون تأكيداً لفظياً للأُولى، ويجوز أن تكون بدلاً منها، وحكى
ثعلبُ التنوین فیهما (١).
* قوله مَّ: ((وترسل الأمانة والرحم، فيقومان جنبتي الصراط):
(ن): ((تقومان)) بالتاء المثناة فوق، و((جنبتي الصراط)): بفتح الجيم
والنون: جانباه، وأما إرسال الأمانة والرَّحِم: فهو لعِظَم أمرهما، وكِبَرِ
موقعهما، فتُصَوَّران مُشخّصتين على الصفة التي يريدها الله تعالى.
قال صاحب ((التحرير)): في الكلام اختصارٌ، والسامع فَهِمَ أنهما
تقومان لتطالبا كلَّ مَنْ يريد الجوازَ بحقهما .
«وشد الرجال» بالجيم: جمع رجل، هذا هو الصحيح المشهور.
ونقل القاضي عن ابن هامان بالحاء، وهما مُتقاربان في المعنى،
وشَدُّها: عَدْوُها البالغ وجَرْيُها.
وقوله: ((تجري بهم أعمالهم)) هو كالتفسير لقوله: ((فيمر أولهم
كالبرق ثم كالريح ... إلى آخره))، معناه: أنهم يكونون في سرعة المُرور
على حسَب مراتبهم وأعمالهم(٢).
(١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (١ / ٤٣٠).
(٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٣/ ٧١).
١٧٧

(ط): ((تجري بهم أعمالهم))؛ أي: تجري وهي مُلتَبِسةٌ بهم؛ كقوله
تعالى: ﴿ وهى تجری پھم فی موچ کالچِبالِ ﴾ [هود: ٤٢]، ویجوز أن تكون الباء
فيه للتعدية، ويؤيده قولُه: ((حتى تعجز أعمال العباد)) .
وقولُه: ((يجيء الرجل)) بدلٌ من ((حتى يعجز))، وتوضيح له (١).
(ن): ((حافتي الصراط)) بتخفيف الفاء: جانباه، و((الكلاليب)) جمع
كُلُّوب بفتح الكاف وضم اللام المشددة، وهو حديدة معطوفة الرأس،
يُعلَّق عليها اللحمُ ويُرسل في النُّور.
قال صاحب ((المطالع)): هي خشبةٌ في رأسه عُقَّافَةُ حديد، و[قد] تكون
حديداً كلها، ويقال لها أيضاً: كُلاَّب.
و ((المكدوس)) بالسين المهملة، هكذا هو في الأُصول.
قال القاضي: رواه العُذْريُّ بالشين المعجمة، ومعناه (٢) [بالمعجمة:
السَّوق الشديد](٣)، وبالمهملة: كون الأشياء بعضِها على بعضٍ، ووقع في
الأصول هاهنا: (مُكَرْدَس) بالراء ثم الدال، وهو قريب من معنى المكدوس.
وقوله: ((لسبعون خريفاً) هكذا في بعض الأُصول بالواو، وهو
ظاهر، وفيه حذفٌ تقديره: إن مسافة قَعْرِ جهنم سَيْرُ سبعين سنة، ووقع في
مُعظم الأُصول والرِّوايات ((لسبعين)) بالياء، وهو صحيح أيضاً على تقدير:
مسيرة سبعين، حُذف المُضافُ وأُقيم المُضافُ إليه مُقَامَه، أو على أن
(١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (١١ / ٣٥٥٠).
(٢) أي: معنى الكدش. انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (٤ / ١٥٥).
(٣) من ((شرح مسلم)) للنووي (٣/ ٣٠)، و((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير
(٤ / ١٥٥).
١٧٨

((قعر)) مصدر، يقال: قعرت الشيءَ: إذا بلغت قعره، أو يكون ((سبعين))
ظرفَ زمان، والعامل فيه خبر (إن)، التقدير: إن بلوغ جهنم لكائن في
سبعين خريفاً، والخريف: السَّنة(١).
٢٠٢ - وعن أَبِي خُبَيْبٍ - بضمِّ الخاءِ المعجمة - عبدِاللهِ بنِ
الزُّبَيْرِ ﴾، قال: لَمَّا وَقَفَ الزَُّيْرُ يَوْمَ الجَمَلِ، دَعَانِي فَقُمْتُ إلَى
جَنْبِهِ، فَقَالَ: يَا بُنَّ! إنًّ لا يُقْتَلُ اليَوْمَ إلاَّ ظَالِمٌ أَوْ مَظْلُومٌ، وَإِنِّي
لا أُرَانِي إِلَّ سَأُقْتَلُ الْيَوْمَ مَظْلُوماً، وَإِنَّ مِنْ أَكْبَرِ هَمِّي لَدَيْنِي، أَفْتَرَى
دَيْنَنَا يُبْقِي مِنْ مَالِنَا شَيْئاً؟ ثُمَّ قَالَ: يَابُنَيَّ! بَعْ مَالَّنَا، وَاقْضٍ دَنِي،
وَأَوْصَى بالثُّلُثِ، وتُلُثِهِ لِيَنِهِ، يَعْنِي: لِيَتِي عَبْدِ الله بنِ الزبيرِ ثُلُثُ
القُّلُثِ. قَالَ: فَإِنْ فَضَلَ مِنْ مَالِنَا بَعْدَ قَضَاءِ الدَّيْنِ شَيْءٌ، فَثُلُثُهُ لِبَنِيكَ،
قال هشامٌ: وكانَ بَعْضُ وَلَدِ عَبْدِاللهِ قَدْ وازَى بَعْضَ بَنِي الزُّبَيْرِ خُبَيْبٍ
وَعَبَّدٍ، وَلَهُ يَوْمَئِذٍ تِسْعَةُ بَنِينَ، وَتِسْعُ بَنَاتٍ. قَالَ عَبْدُالله: فَجَعَلَ
يُوصِينِي بِدَيْنِهِ، وَيَقُولُ: يَا بُنَيَّ! إِنْ عَجَزْتَ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ، فاسْتَعِنْ
عَلَيْهِ بِمَوْلايَ. قالَ: فَوَاللهِ! مَا دَرَيْتُ مَا أرَادَ حَتَّى قُلْتُ: يَا أَبَتِ! مَنْ
مَوْلاكَ؟ قَالَ: الله. قال: فَوَاللهِ! مَا وَقَعْتُ في كُرْبَةٍ مِنْ دَيْنِهِ إلاَّ قُلْتُ:
يَا مَوْلَى الزبَيْرِ! اقْضِ عَنْه دَيْنَهُ، فَيَقْضِيَهُ. قَالَ: فَقُتِلَ الزُّبَيْرُ، وَلَمْ يَدَعْ
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٣/ ٣٠، ٧٢).
١٧٩

دِينَاراً وَلا دِرْهَماً إِلاَّ أَرَضِينَ، مِنْهَا: الغَابَةُ، وَإِحْدَى عَشْرَةَ دَاراً
بالمَدِينَةِ، وَدَارَيْنِ بالبَصْرَةِ، وَدَاراً بالكُوفَةِ، وَدَاراً بِمِصْرَ. قال: وَإِنَّمَا
كَانَ دَيْنُهُ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ: أَنَّ الرَّجُلَ كَانَ يَأْتِيهِ بالمالِ، فَيَسْتَوْدِعُهُ إِيَّهُ،
فَيَقُولُ الزُّبَيْرُ: لاَ، ولكنْ هُوَ سَلَفٌ، إنِّي أَخْشَى عَلَيْهِ الضَّيْعَةَ. وَمَا
وَلِيَ إِمَارَةً قَطُّ، وَلا جِبَايَةً، ولا خَراجاً، وَلا شَيْئاً، إلاَّ أنْ يَكُونَ في
غَزْوٍ مَعَ رسولِ الله ◌ِّهِ، أَوْ مَعَ أبي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ ﴿، قَالَ
عَبْدُاللهِ: فَحَسَبْتُ مَا كَانَ عَلَيْهِ مِنَ الدَّيْنِ، فَوَجَدْتُهُ أَلَّفَيْ أَلْفٍ، وَمِئَتَيْ
أَلَّفٍ! فَلَقِيَ حَكِيمُ بْنُ حِزَامِ عَبْدَاللهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، فَقَالَ: يَا بْنَ أخِي ! كَمْ
عَلَى أخِي مِنَ الدَّيْنِ؟ فَكَتَمْتُهُ، وَقُلْتُ: مِئَةٌ أَلْفٍ. فَقَالَ حَكيمٌ: وَاللهِ!
مَا أَرَى أَمْوَالَكُمْ تَسَعُ هَذِهِ! فَقَالَ عَبْدُ اللهِ: أَرَأْيُكَ إنْ كانَتْ أَلْفَيْ أَلْفٍ؟
وَمِثْنَيْ أَلَّفٍ؟! قَالَ: مَا أَرَاكُمْ تُطِيقُونَ هَذَا، فَإِنْ عَجَزْتُمْ عَنْ شَيْءٍ
مِنْهُ، فَاسْتَعِينُوا بِي. قالَ: وَكَانَ الزُّبَيْرُ قَدِ اشْتَرَى الغَابَةَ بِسَبْعِينَ ومِئَةٍ
أَلْفٍ، فَبَاعَهَا عَبْدُ اللهِ بِأَلْفِ أَلْفٍ وَسِتْ مِئَةٍ أَلْفٍ، ثُمَّ قَامَ فقالَ: مَنْ
كَانَ لَهُ عَلَى الزَُّيْرِ شَيْءٌ، فَلْيُوافِنَا بِالغَابَةِ، فَأَنَهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ جَعْفَرٍ،
وَكَانَ لَهُ عَلَى الزُّبِيِ أَرْبَعُ مِثَّةٍ أَلْفٍ، فَقَالَ لعَبْدِ الله: إنْ شِئْتُمْ تَرَكْتُهَا
لَكُمْ، قَالَ عَبْدُاللهِ: لا، قالَ: فَإِنْ شِئْتُمْ جَعَلْتُمُوهَا فِيمَا تُؤَخِّرُونَ إِنْ
أَخَّرْتُمْ، فقالَ عَبْدُ اللهِ: لا، قالَ: فَاقْطَعُوا لِي قِطْعَةً، قالَ عَبْدُ اللهِ: لَكَ
مِنْ هاهُنا إلَى هاهُنَا. فَبَاعَ عَبْدُ اللهِ مِنْهَا، فَقَضَى عَنْهُ دَيْنَهُ، وَأَوَفَاهُ،
وَبَقِيَ مِنْها أَرْبَعَةُ أَسْهُمٍ وَنِصْفٌ، فَقَدِمَ عَلَى مُعَاوِيَةَ وَعِنْدَهُ عَمْرُو بْنُ
١٨٠