النص المفهرس
صفحات 141-160
(ق): هذا من عائذ بن عمرو وَعْظُّ وذكرى لو صادفَتْ مَنْ تنفعُه
الذِّكرى، لكنها صادفت غليظَ الطَّبْعِ والفَهْم، ومَنْ إذا قيل له: اتق الله؛ أخذته
العِزَّةُ بالإثم، وقد غلب عليه الجَفاءُ والجَهالةُ حتى جَعل فیمَن اختاره الله
لصُحبة نبيه ◌َِّ الحُثالةَ، فهو معهم على الكلمة التي طارت وحَلَّتْ: رَمَثْنِي
بِدَائِها وانسَلَّتْ، ولقد أحسن عائذٌ في الردِّ عليه حيث قال ولم يُبال بهُجْرِهم:
(وهل كانت النُّخالة إلا بعدهم وفي غيرهم!))، انتهى(١).
روى الطبرانيُّ في ((المعجم الكبير)) عن الحسن قال: قدِمَ علينا
عُبيدُ الله بن زياد أميراً أَمَّره علينا مُعاوية، فقدم علينا غُلاماً سفيهاً يسَفِكُ
الدِّماء سفكاً شديداً، وفينا عبدالله بن مُغَفَّل المُزَنِيُّ صاحبُ رسول الله وَِّ،
وكان من السبعة رَهْطِ الذين بعثهم عمر بن الخطاب ظُه يُفقِّهون أهلَ
البصرة في الدِّين، فدخل عليه ذات يوم فقال: انتَهِ عَمَّا أراك تصنع؛ فإن
شرَّ الرِّعاء الخُطَمةُ، فقال له: ما أنت وذاك؟! إنما أنت حُثالةٌ من حُثالات
أصحاب محمد وَّ، فقال: وهل فيهم حُثالةٌ لا أُمَّ لك؟! بل كانوا أهلَ
بيوتاتٍ وشرَفٍ مِمَّن كانوا معه، أَشهدُ لَسمعتُ رسولَ الله چ﴾ وهو يقول:
((ما مِنْ إمامٍ ولا وَالٍ باتَ ليلةً غَاشَّا لِرَعيَّتِهِ؛ إلاَّ حَرَّمَ اللهُ عَلَيهِ الجَنَّةَ))، ثم
خرج من عنده حتی أتی المسجدَ، فجلس فيه، وجلسنا إلیه، ونحن نرى
في وجهه ما قد لقي منه، فقلت: يغفر الله لك أبا زياد، ما كنتَ تصنع
بکلام هذا السّفیه علی رؤوس الناس؟
(١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٤ / ٢٥).
١٤١
فقال: إنه كان عندي علمُ خَفِيٍّ من علم رسول الله وَلِّ، فأحببت أن
لا أموت حتی أقول به علانیةً علی رؤوس الناس، ولَودِدْتُ أن دارَه وسعت
أهلَ هذا المصر، فسمعوا مَقالتي، وسمعوا مَقالتَه، ثم قام الشيخ وقمنا
معه، فما لبث الشيخ أَنْ مرض مرضه الذي توفي فيه، فأتاه عُبيدالله بن زياد
يَعودُه، فقال: أَتَعْهَدُ إلينا شيئاً نفعل فيه الذي تُحِبُّ؟ قال: أو فاعلٌ أنت؟
قال: نعم، [قال]: فإني أسألك أن لا تُصلِّيَ عليَّ، ولا تقم على قبري،
وأن تُخْلِيَ بيني وبين أصحابي حتى يكونوا هم الذين يَلُون ذلك مِنِّي.
قال: وكان عُبيدالله رجلاً خِيَاراً يركب في كل غَداة، فركب ذات
يوم؛ فإذا الناس في السِّكَك، ففَرْعَ، فقال: ما هؤلاء؟ قالوا: مات عبدُالله
بن مُغَفَّل صاحبُ النبيِّ وَّ﴿، فوقف حتى مُنَّ بسَريره، فقال: أما إنه لولا أنه
سألنا فأعطيناه إياه؛ لَسِرْنَاً معه حتى نصليَ عليه، ونقومَ على قبره، وفي
رواية له: فصَلَّى عليه أبو بَرْزةَ الأَسْلَميُّ(١).
٠٠
١٩٣ - العَاشرُ: عَنْ خُذَيْفَةَ ﴿له، عنِ النبيِّ قال: ((وَالَّذِي
نَفْسِي بِّدِهِ! لَتَأْمُرُنَّ بِالمَعْرُوفِ، وَلَتَنْهَوُنَّ عَنِ المُنْكَرِ، أَوْ لَيُوشِكَنَّ
اللهُ أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عِقَاباً مِنْهُ، ثُمَّ تَدْعُونَهُ فَلا يُسْتَجَابُ لَكُمْ)) رواه
الترمذي، وقال: حديثٌ حسنٌ.
(١) رواه الطبراني (٥/ ٢١٢ - ((مجمع الزوائد)) للهيثمي)، وابن عساكر في ((تاريخ دمشق))
(٣٧/ ٤٤٦)، قال الحافظ الهيثمي في («مجمع الزوائد» (٥/ ٢١٢): رواه كله الطبراني
عن شيخه ثابت بن نعيم ولم أعرفه، وبقية رجال الطريق الأولى ثقات، وفي الثانية
محمد بن عبدالله بن مغفل ولم أعرفه.
١٤٢
(الَّشَرُ)
(إلى آخر الباب)
* قوله : «أو ليوشكن الله أن يبعث عذاباً):
(ط): أي: أن أحدَ الأمرين كائن، إما لِيَكُن [منكم] الأمر بالمعروف،
ونَهَيُكم عن المُنكر، أو أُنزلَ عذابٌ عظيم من عند الله، ثم بعد ذلك يكن
منكم الدُّعاء، ولا يكون لكم من الله إلا الخَيْبَةُ(١).
*
١٩٤ - الحَادي عَشَرَ: عَنْ أبي سَعِيدٍ الخُدرِئِ ﴾، عن
النبيِّ وَّ﴿ قَالَ: ((أَفْضَلُ الچِهَادِ کَلِمَةُ عَدْلٍ عِنْدَ سُلْطَانٍ جَائِرٍ)) رواه
أبو داود والترمذي، وقال: حديثٌ حسنٌ.
١٩٥ - الثَّانِي عَشَرَ: عَنْ أبي عبدِالله طَارِقِ بْنِ شِهَابِ البَجَلِيِّ
الأَحْمَسِيِّ ﴾: أَنَّ رَجُلاً سَأَلَ النَّبِيَّ لَهُ، وَقَدْ وَضَعَ رِجْلَهُ في
الغَرْزِ: أَيُّ الجِهَادِ أَفْضَل؟ قَالَ: ((كَلِمَةُ حَقٌّ عِنْدَ سُلْطَانٍ جَائِرِ))
رَوَاهُ النسائيُّ بإسنادٍ صحيحٍ.
(الغَرْز)) بِغَيْنِ مُعْجَمَةٍ مَفْتُوحَةٍ ثُمَّ زَائٍ، وَهُوَ رِكَابُ كَوْرِ
الجَمَلِ إِذَا كَانَ مِنْ جِلْدٍ أَوْ خَشَبٍ، وَقِيلَ: لاَ يَخْتَصُّ بِجِلْدٍ
وَخَشَبٍ.
(١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (١٠ / ٣٢٦٢).
١٤٣
• قوله : (كلمة عدل)) وفي رواية: ((كلمة حق))(١) تسميتُه كلمةً
كتسميتهم القصيدة كلمة؛ كقولهم [كلمة الشهادة]، وسيأتي معنى العدل
في الحديث الثاني من (الباب السادس والأربعين)، وإنما كان هذا أفضلَ
الجهاد؛ لأن الذي يأمر السُّلطانَ الجَائر بالعَدْلِ ويُشافِهُه بصريح الحَقِّ ولا
يُدَاهن معه؛ يتربَّصُ إحدى الحُسنيين؛ إما أن يُوقِعَ به بأسَه ويقتلَه، فينال
درجةَ الشهادة، وإما أن يُؤثر النُّصْحَ؛ فيصيرَ سبباً لصلاح خلقٍ كثير، وجَمِّ
غَفِير؛ فإنَّ السُّلطانَ إذا عدَل استقام به أمرُ العالَم، وارتفع الفاسدُ، وظهر
شِعارُ الدِّين، وأَمْنُ السُّبُل، وأَمَرَ بالمعروف، ونهى عن المُنكر، وسَهُل
الأمر على القائمين به، وفائدة الجهاد مع الكُفَّار إصلاحُ أفراد أو جماعة
منهم، أو نَيَّلُ غنيمة، فهذا الجهاد أكمَلُ فائدةً، وأشمَلُ عائدةً.
١٩٦ - الثَّالِثَ عَشَرَ: عن ابنِ مَسْعُودٍ ﴿ه قال: قالَ رسولُ الله ◌َّةٍ:
(إِنَّ أَوَّلَ مَا دَخَلَ النَّقْصُ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ: أَنَّ كَانَ الرَّجُلُ يَلْقَى
الرَّجُلَ فَيَقُولُ: يَا هَذَا! اتَّقِ اللهَ وَدِعْ مَا تَصْنَعُ؛ فَإِنَّهُ لا يَحِلُّ لَكَ،
ثُمَّ يَلْقَهُ مِن الغَدِ وهُو عَلَى حَالِهِ، فَلا يَمْنَعُهُ ذلِكَ أَنْ يَكُونَ أَكِيلَهُ
وَشَرِيبَهُ وَقَعِيدَهُ، فَلَمَّا فَعَلُوا ذَلِكَ ضَرَبَ اللهُ قُلُوبَ بِعْضِهِمْ
بِبَعْضٍ)، ثُمَّ قال: ﴿ لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ بَفِى إِسْرَِّيلَ عَلَى
(١) رواه النسائي (٤٢٠٩)، من حديث طارق بن شهاب ظه، وهو حديث صحيح.
انظر: ((صحيح الجامع الصغير)) (١١٠٠).
١٤٤
٧٨
لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَزَّ ذَلِكَ بِمَا عَصَواْ وَكَانُوا يَعْنَّدُونَ
كَانُواْ لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِتْسَ مَا كَانُواْ
يَفْعَلُونَ ٦ تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ اُلَّذِينَ كَفَرُواْ لَبِئْسَ
مَا قَدَّمَتْ لَمُمْ أَنفُسُمْ﴾ إلى قوله: ﴿فَسِقُونَ﴾ [المائدة: ٧٨ - ٨١]، ثُمَّ
قَالَ: (كَلَّ، وَاللهِ لَتَأْمُرُنَّ بِالمَعْرُوفِ، وَلَتَنْهَوُنَّ عَنِ المُنْكَرِ،
وَلَتَأْخُذُنَّ عَلَى يَدِ الظَّالِمِ، وَلَتَأْطِرُنَهُ عَلَى الحَقِّ أَطْراً، وَلَقْصُرْنَهُ عَلَى
الحَقِّ قَصْراً، أَوْ لَيَضْرِبَنَّ اللهُ بِقُلُوبِ بَعْضِكِم عَلَى بِعْضٍ، ثُمَّ
لَيَلْعَنَنَّكُمْ كَمَا لَعَنَّهُمْ)) رواه أبو داود والترمذي، وقال: حديثٌ
حسن.
هذا لفظُ أبي داود، وَلفظُ الترمذي: قالَ رسولُ اللهِوَلِ: ((لمّا
وَقَعَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ فِي المَعَاصِي، نَهَتْهُمْ عُلَمَاؤُهُمْ فَلَمْ يَنْتُهُوا،
فَجَالَسُوهُمْ فِي مَجَالِسِهِمْ، وَوَاكَلُوهُمْ وَشَارَبُوهُمْ، فَضَرَبَ الله
قُلُوبَ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ، وَلَعَنَّهُمْ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى بِنِ مَرْيَمَ،
ذلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ))، فَجَلَسَ رسولُ اللهِوَّهِ، وَكَان
مُتَّكِئاً، فَقَالَ: ((لا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ! حَتَّى تَأْطِرُوهُمْ عَلَى الحَقِّ
أَطْراً).
قَوْلُهُ: ((تَأْطِرُوهم): أَيْ: تَعْطِفُوهُمْ. ((وَلَتَقْصُرُنَ): أَنْ:
لَتَحْبِسُنَّهُ.
١٤٥
* قوله:﴿: ((أول ما دخل النقص على بني إسرائيل)):
(ق): ((إسرائيل)) هو يعقوبُ عليه السلام؛ وبنوه أولادُه، وهم الأَسْبَاط،
وهم كالقبائل في أولاد إسماعيل، قال ابن عباس: (إسرا) هو عَبْد، و(إيل)
هو الله، فمعناه: عبدالله، وفيه لغات، وقيل: هو عبريٌّ، اسمٌ واحد بمعنى
يعقوب(١).
(ط): ((ضرب الله قلوب بعضهم ببعض))؛ أي: خلط، قال الراغب:
ضرب اللبنَ بعضَه ببعض؛ أي: خلط، انتهى(٢).
لا يختلط الشيء بالشيء حتى يتشابه، فيرجع معناه إلى تشابه قُلوبهم
في القسوة والغفلة؛ أي: لمَّا أعرضوا عن مُجانبتهم ووَاكلُوهم وجلسوا
معهم؛ قست قلوبُهم، وشابهت قلوبَ العصاة.
ففيه: اجتنابُ مُصاحبة المُجاهرين بالمعصية، وترك مخالطتهم
ومُوَاكلتهم؛ فإن النفس بطبعها تَعَدَّى، وتسرق أخلاق صَحِیبها وأُكِيلها؛ ولهذا
قال: ((ضرب الله قلوب بعضهم ببعض))، وأيضاً يُخاف من مُصاحبتهم أن
يصيبَهم مثلُ ما أصاب المُجاهرين بالمعاصي من العقوبات العاجلة.
* قوله: {4 *: ((لا والذي نفسي بيده حتى تأطروهم)):
(ط): ((حتى)) متعلقة بـ ((لا))، كأن قائلاً قال له عند ذِكر مَظالم بني
إسرائيل: هل نُعذر في تخلية الظالمين وشأنَهم؟ فقال: (لا، حتى تَاطِرُوهم،
وتأخذوا على أيديهم)؛ أي: لا تُعذرون حتى يُجبر الظالم على الإِذْعان للحَقِّ،
(١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٤ / ٤٧).
(٢) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (١٠ / ٣٢٦٧).
١٤٦
وإعطاء النَّصَفَة للمظلوم، واليمين معترضةٌ بين ((لا)) و((حتى))، وليست (لا)
هذه بتلك التي يجيء بها المُقْسِمُ تأكيداً للقَسَم.
و(أَطَر) بفتح الطاء (يَأْطِر) بكسرها (١).
(نه): القَصْرُ: الحَبْس، يقال: قَصرتُ نفسي على الشيء: إذا حبستها
علیه وألزمتها، انتهى(٢).
جلوسُه ◌َ ﴿ بعد ما كان مُتَّكئاً، وتأكيدُ الفعل بالمفعول المطلق؛ أعني
((أطرا) و((قصراً) دليلٌ على اعتناءٍ عظيم، واهتمامٍ بليغٍ بالمذكور، وعلى
التَّحذير مِن أن يقعَ إهمالٌ في الأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر.
*
١٩٧ - الرَّابعَ عَشَرَ: عن أبي بَكْرِ الصِّدِّيقِ ﴿﴾ قالَ: يَا أَيُّهَا
النَّاسُ! إنَّكُمْ لَتَقْرَؤُونَ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ
لَا يَضُرُّكُمْ مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة: ١٠٥]، وإني سَمِعت
رسولَ اللهِ﴿ يَقُولُ: ((إِنَّ النَّاسَ إِذَا رَأَوًا الظَّالِمَ، فَلَمْ يَأْخُذُوا عَلَى
يَدَيْهِ، أَوْشَكَ أَنْ يَعُمَّهُمُ اللهُ بِعِقَابٍ مِنْهُ)) رواه أبو داود والترمذي
والنسائي بأسانيد صحيحة.
* قوله: ((وإني سمعت)) :
(ط): عطف على محذوف، كأنه قال: إنكم تقرؤون هذه الآية،
(١) المرجع السابق، الموضع نفسه.
(٢) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (٤ / ٦٩).
١٤٧
وتُجرونها على عُمومها، وتمتنعون عن الأمر بالمعروف والنهي عن
المُنكر، وليس كذلك، ((وإني سمعت ... إلى آخره))، وإنما قلت كذلك
لأن الآية نزلت في أقوام أُمروا بالمعروف ونُهُوا عن المُنكر، فأبوا القَبول
كُلَّ الإباء، فذهبت نفسُ المؤمنين عليهم حَسْرةً، فقيل لهم: عليكم
أَنَفَسكم وما كُلُّفتم من إصلاحها، والمَشْيٍ بها في طريق الهُدى، لا يَضُرُّكم
الضلال عن دینکم إذا کنتم مُهتدین.
ويشهد لذلك ما قبل هذه الآية: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَى مَآ أَنَزَلَ اللَّهُ
وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُواْ حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ ءَابَآءَنَاْ﴾ الآيةَ [المائدة: ١٠٤]؛ وحديثُ
أبي ثعلبةَ في قوله تعالى: ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَن ضَلَّ إِذَا اُهْتَدَيْتُمْ﴾،
فقال: أما والله لقد سألتُ عنها رسولَ الله وَّه، فقال: ((بَلِ اثْتَمِرُوا بالمَعرُوفِ،
وتَنَاهَوْا عَنِ المُنكَرِ، حَتَّى إذا رأيتَ شُحّاً مُطَاعاً، وهَوىّ مُتَّبَعاً، ودُنيا
مُؤْثَرةً، وإعجابَ كُلِّ ذي رَأيٍ بَرأيهِ، ورأيتَ أَمراً لا بُدَّ لك مِنْهُ؛ فعليكَ
نفسَكَ، ودَعْ أمرَ العَوامِّ، فإنَّ وَرَاءَكُمْ أَيَّامَ الصَّبْرِ، فمَنْ صبرَ فيهِنَّ؛ قبضَ
على الجَمْرِ، للعامل فيهِنَّ أَجرُ خَمسينَ رَجُلاً يَعمِلُونَ مثلَ عَمَلِهِ)، قالوا:
يا رسولَ الله؛ أجر خمسين منهم؟ قال: ((أَجْرُ خَمسینَ مِنكُمْ))، رواه
الترمذيُّ وابن ماجَهْ(١).
(١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (١٠ / ٣٢٦٣)، والحديث رواه الترمذي (٣٠٥٨)،
وابن ماجه (٤٠١٤)، وهو حديث ضعيف. انظر: ((ضعيف الجامع الصغير)) (٢٣٤٤).
١٤٨
٢٤- باب
تغليظِ عقوبةٍ مَنْ أمرَ بمعروفٍ
أو نهى عن منكرٍ، وخالف قوله فعلُه
قال الله تعالى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ
نَتْلُونَ الْكِتَبَّ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ٤٤].
* وقال تعالى: ﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ
٢
كَبُرَ مَقْنَا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُواْ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ٢-٣].
* وقال تعالى إخْبَاراً عَنْ شُعَيْب ◌َّهِ: ﴿وَمَآ أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى
ج
مَآ أَنْهَنَكُمْ عَنْهُ ﴾ [هود: ٨٨].
(الباب الرابع والعشرون)
(في تغليظ عقوبة من أمر بمعروف أو نهى عن منكر وخالف قولَه فعلُه)
* قوله تعالى: ﴿ أَتَأْمُ ونَ النَّاسَ بِالْبِرِ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ﴾ الآيةَ [البقرة: ٤٤]:
(البر): جِماعُ الخيرات؛ أي: لا تأتمرون بما تأمرون به الناس،
وأنتم مع ذلك تتلون الكتاب، وتعلمون ما فيه على مَنْ قَصَّر في أوامر الله،
أفلا تعقلون ما أنتم صانعون بأنفسكم، فتنتبهوا من رَقْدَتِكم؟!
قال قتادة: كان بنو إسرائيل يأمرون الناس بطاعة الله وتقواه وبالبِرِّ،
١٤٩
ويخالفون، فعَيَّرهم الله تعالى بذلك، فمَنْ أمر بخير فليكن أشدَّ الناس إليه
مُسارعةً.
قال أبو الدَّرداء ه: لا يَفقَهُ الرجل كلَّ الفقه حتى يَمقُتَ الناس في
ذات الله، ثم يرجع إلى نفسه، فيكون لها أشدَّ مَقْتً(١)، وليس المرادُ ذَمَّهم
على الأمر مع الترك، بل ذَمُّ على التَّرْك؛ فإن الأمرَ بالمُعروف معروفٌ،
وهو واجبٌ، لكن من اللازم المُتحتِّم على العالِمِ الآمر أن يفعلَه مع من
أمرهم به، ولا يختلف عنهم، وذهب بعضُهم إلى أن مُرتكبَ المعاصي
لا ينهى غيرَه عنها، وهذا ضعيفٌ، وأضعفُ منه تَمسُّكهم بهذه الآية؛ فإنه
لا حُجَّةَ لهم فيها.
قال سعيد بن جبير: لو كان المّرْءُ لا يأمر بالمعروف ولا ينهى عن
المنكر حَتَّى لا يكون فيه شيءٌ؛ لما أمر أحدٌ بمَعروف ولا نهى عن مُنكر .
قال الإمام مالك بن أنس: وصدق، مَنْ ذا الذي ليس فيه شيءٌ؟!
قلت: لكنه والحالةُ هذه مذمومٌ على ترك الطاعة وفعل المعصية؛
لعلمه بها، ومُخالفته على بصيرة؛ ولهذا جاءت الأحاديث في الوعيد على
ذلك، قال رسولُ الله ◌َّهِ: ((مَثلُ العَالِمِ الذي يُعلِّمُ النَّاسَ الخيرَ ولا يَعمَلُ به
كمثَلِ السِّراجِ يُضيءُ للناسِ ويَحْرِقُ نفسَهُ))، خَرَّجه الطبرانيُّ في ((المعجم
الكبیر))، وهو حديث غريب(٢).
(١) رواه ابن جرير الطبري في ((تفسيره)) (١ / ٢٥٨)، وابن أبي شيبة في ((المصنف)»
(٣٤٥٨٤).
(٢) رواه الطبراني في ((المعجم الكبير)) (١٦٨١)، وهو حديث حسن. انظر: ((صحيح
الترغيب والترهيب)» (١٣١).
١٥٠
وروى الإمام أحمد عن أنس بن مالك قال: قال رسولُ الله ◌َّت:
((مَررتُ ليلةَ أُسْرِيَ بي على قَومِ تُفْرَضُ شِفَاهُهُم بِمَقَاريضَ من نَار، قلت:
مَنْ هؤلاءِ؟ قال: خُطَبَاءُ أُمَّتِكَ مِنْ أهلِ الدُّنيا، الذين يَأْمُرُونَ الناسَ بالبِرِ
ويَنْسَوْن أَنفُسَهُم، وهُم يَتْلُونَ الكتابَ أفلا يعقلون؟!))، وخَرَّجه ابنُ حِبَّان
في ((صحيحه))، وابنُ أبي حاتِم (١).
وروي عن أنس بن مالك قال: قال رسولُ اللهِ وَّهِ: ((إنَّ الله تعالى
يُعافي الأُمِّيِّينَ يومَ القِيَامَةِ ما لا يُعَافِي الْعُلَماءَ»(٢).
وقد ورد في بعض الآثار: يُغْفَرُ للجَاهل سبعين مرةً حين يُغْفَرُ للعالِم
مَرَّةً؛ ليس مَنْ يعلَمُ كَمَنْ لا يَعلَمُ(٣).
(م): الهمزة فيه للتحذير مع التَّقريع والتعجّب من حالهم، وقوله:
﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ٤٤]: تَعجيبٌ للعقلاء من أفعالهم؛ إذ المقصودُ من
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إرشادُ الغير إلى تحصيل المصلحة،
وتحذيرُه عَمَّا يوقعه في المفسدة، والإحسانُ إلى النفس أولى من الإحسان إلى
الغير، وذلك معلومٌ بشواهد العقل والنقل، فمَنْ وعظ ولم يَتَّعِظ؛ فكأنه أتى
بفعل مُتناقض، وأيضاً يصير وَعْظُه سبباً لرغبة الناس في المَعصية؛ لأنهم
(١) رواه الإمام أحمد في («المسند» (٣/ ١٢٠)، وابن حبان في ((صحيحه)) (٥٣)، وابن
أبي حاتم في («تفسيره)) (٤٧٢)، وهو حديث حسن. انظر: ((صحيح الجامع الصغير))
(١٢٩).
(٢) رواه أبو نعيم في ((حلية الأولياء)) (٢/ ٣٣١)، وقال: هذا حديث غريب، تفرد به
سیار عن جعفر، ولم نكتبه إلا من حديث أحمد بن حنبل، وهو حديث ضعيف .
انظر: ((ضعيف الجامع الصغير)) (١٧٤١).
(٣) انظر: ((تفسير ابن كثير)) (١ / ٣٨١).
١٥١
يقولون: لولا أنه مُطّلع على أنه [لا] أصلَ لهذه التخويفات؛ لما أقدم على
المعصية، فتنفِرُ القلوبُ عن القَبول؛ ولهذا قال عليّ بن أبي طالب ظُهُ: قَصَمَ
ظهري رجلان: عالِمٌ مُتَهِتِّك، وجاهل مُتَنسِّك، قال الشاعر :
فَإِذا انتَهَتْ عَنْهُ فَأَنْتَ حَكِيمُ
ابدَأْ بنَفْسِكَ فَانْهَها عَنْ غَيِّها
بِالرَّيِ مِنْكَ ويَنفَعُ التَّعلِيمُ
فُهُناكَ يُقبَلُ إِنْ وَعَظْتَ ويُقْتَدى
وقيل: عملُ رجل في ألف رجل أبلغُ من قول ألّفِ رجل في رجل(١).
* قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف:
٢]، قال ابن عباس عَ﴾: كان ناسٌ من المؤمنين قبل أن يُفرضَ الجهاد
يقولون: لَوِدِدنا أن الله وَّ دَلَّنا على أحبّ الأعمال إليه فنعملَ به، فأخبر الله
نبيَّه أن أحب الأعمال إيمانٌ لا شكَّ فيه، وجهادُ أهل معصيته الذين خالفوا
الإيمان ولم يُقِرُّوا، فلمَّا نزل الجهاد كَرِهَ ذلك ناسٌ من المؤمنين وشَقَّ
عليهم أمرُه، فقال الله سبحانه: ﴿لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ٢](٢).
قال قتادةُ والضَّخَاكُ: نزلت توبيخاً لقوم كانوا يقولون: قَتَلْنا، ضَرَبْنا،
طَعَنَّا، وفعلنا، ولم يكونوا فعلوا ذلك(٣).
(الثعلبي): قال الحسن: هؤلاء المنافقون نسبَهم الله إلى الإقرار الذي
أعلنوه للمُسلمين(٤).
(١) انظر: ((تفسير الرازي)) (٤٤/٣).
(٢) رواه ابن جرير الطبري في ((تفسيره)) (٢٨ / ٨٣).
(٣) انظر: ((تفسير ابن كثير)) (١٣ / ٥٤١).
(٤) انظر: ((تفسير الثعلبي)) (٩/ ٣٠٢).
١٥٢
(الكشاف): نداؤهم بالإيمان تَهَكُمٌ بهم وبإيمانهم، وهذا من أفصح
الكلام وأبلغه في معناه، ونصب ﴿مَقْتًا﴾ على تفسيره؛ دلالةً على أن
قولَهم ما لا يفعلون مَقْتٌ خالصٌ لا شَوْبَ فيه؛ لفَرْطِ تمكُّن المَقْت منه،
واختير لفظ المَقْت؛ لأنه أشدُّ البغض وأبلغُه وأفحشُه، و﴿عِندَ اللَّهِ﴾ أبلغ
من ذلك؛ لأنه إذا ثبت كِبَرُ مَقْته عند الله؛ فقد تَمَّ كِبَرُهُ وشدَّتُه، وانزاحت
عنه الشُّكوك.
وعن بعض السلف: أنه قيل له: حدثنا (١)، فقال: أتأمرونني أن أقول
ما لا أفعل، فأستعجل مقتَ الله(٢)؟!
* قوله تعالى: إخباراً عن شعيب: ﴿وَمَآ أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَآ
أَنْهَنكُمْ عَنّةٌ﴾ [هود: ٨٨]؛ أي: لا أنهاكم عن الشيء، وأخالف أنا في
السِّرِّ، فأفعله خُفيةً عنكم(٣).
(م): يقال: خالفني فلان إلى كذا: إذا قصده وأنت مولِّ عنه؛ أي:
أسبقكم إلى شهواتكم التي نهيتكم عنها لأستبدَّ بها دونكم، انتهى (٤).
قال إبراهيم النخَعيُّ: إني أكره القَصصَ؛ لهذه الثلاث الآيات المذكورة
في أَوَّل هذا الباب.
(١) في الأصل: ((حديثاً).
(٢) انظر: ((الكشاف)) للزمخشري (٤ / ٥٢٣).
(٣) انظر: ((تفسير ابن كثير)) (٧/ ٤٦٢).
(٤) انظر: ((تفسير الرازي)) (١٨ / ٣٨).
١٥٣
١٩٨ - وعن أبي زيدٍ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدِ بْنِ حَارثَةَ، قال: سَمِعْتُ
رسولَ اللهِ﴿ يَقُولُ: ((يُؤْتَى بِالرَّجُلِ يَوْمَ القِيامَةِ، فَيُلْقَى في النَّارِ،
فَتَنْدَلِقُ أَقْتَابُ بَطْنِهِ، فَيَدُورُ بِهَا كَمَا يَدُورُ الحِمَارُ فِي الرَّحَا،
فَيَجْتَمِعُ إِلَيْهِ أَهْلُ النَّارِ، فَيَقُولُونَ: يَا فُلانُ! مَالَكَ؟ أَلَمْ تَكُ تَأْمُرُ
بالمَعْرُوفِ وَتَنْهَى عَنِ المُنْكَرِ؟ فَيَقُولُ: بَلَى، كُنْتُ آمُرُ بالمَعْرُوفِ
وَلَا آتِيهِ، وَأَنْهَى عَنِ المُنْكَرِ وَآتِيهِ)) متفق عليه.
قولُهُ: (تَنْدِلِقُ)): هُوَ بالدَّالِ المهملةِ، وَمَعْنَاهُ: تَخْرُجُ.
وَ«الأَقْتَابُ)): الأَمْعَاءُ، وَاحِدُهَا قِتْبٌ.
* قوله ﴿: ((فتندلق))؛ أي: تخرج خروجاً سريعاً، يقال: اندلق
السيفُ: إذا خرج من غِمْدِه بغیر سَلِّ.
(ن): ((الأقتاب)) الأمعاء، واحدها قِتْبَةٌ، وقيل: قِتْبٌ، وقال ابن عيينة:
هي ما استدار من البطن، وهي الحوايا والأمعاء، وهي الأقصاب، واحدها:
قُصْبٌ(١).
* قوله: «فیدور بها کما يدور الحمار بالرحی»:
(مظ): أي: يتردّد ويدور حول أقتابه، ويضربها برجله، المُشبّه مرگَّب
من أُمور متعددة، فيجب أن يُتوهّم للمشبَّه [به] تلك الأُمور؛ فإن التشبيه
التمثيليَّ يستدعي ذلك، فالمُشبَه في الدنيا الرَّجلُ يدور حول رَحَى الأمر
بالمعروف، ويتعب فيه ويَكُدُّ كالحمار، وما لَه نصيبٌ ممَّا يحصل منه إلا الكَدُّ
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٨ / ١١٨).
١٥٤
والتَّعبُ كالحمار؛ نحو قوله تعالى: ﴿كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ [الجمعة: ٥]
وكذا في الآخرة يدور حول أقتابه التي شُبِّهت بكلامه الذي خرج منه،
فيدوسها برَحى رجله، ويطحنها كطَحْن الحمار الدَّقيقَ؛ جزاءً بما كانوا
یعملون، انتھی(١).
وأيضاً؛ فيه إشارة إلى كمال بَلاَدةِ هذا الآمر الناهي الذي لا يأتمر
ولا ينتهي؛ فإنه مُشبَّه بالحمار الذي يُضرب به المثل في البلادَة، أنشدتُ
لنفسى :
مُقَصِّراً أَقْصِرْ عَنِ التِّيهِ
يا آمرَ الغَيْرِ [و]يا نَاهِياً
تَنْهَى عَنِ المُنكَرْ وتَأْتِيهِ
تَأمرُ بالعُرفِ ولا تَفْعَلُه
(ق): إنما اشتد عذاب هذا لأنه كان عالماً بالمعروف وبالمُنكر،
وبوجوب القيام عليه بوظيفة كلِّ واحد منهما، ومع ذلك فلم يعمل بشيء منه،
فصار كأنه مُستهين بحُرمات الله تعالى، ومُستَخِفٌّ بأحكامه، ثم إنه لم يتب
عن شيء من ذلك، وهذا مِن جملة مَنْ لم ينتفع بعلمه، الذين قال فيهم النبيُّ ◌َّ:
((أَشدُّ النَّاسِ عَذاباً يومَ القِيامَةِ عالمٌ لَمْ يَنفَعْهُ اللهُ بِعِلْمِهِ)(٢)، انتهى(٣).
قال الحافظ مُحمَّد بن مَعْمَر: مآل حال المُتَّصف بهذه الصفة في
(١) انظر: ((المفاتيح في شرح المصابيح)) للمظهري (٥/ ٢٦٢)، وانظر: ((شرح المشكاة))
للطيبي (١٠/ ٣٢٦٢)، والكلام من قوله: ((المشبه مركب ... إلخ)) منه، وكذلك
ما بین معکوفتین منه.
(٢) رواه الطبراني في ((المعجم الصغير)) (٥٠٧)، من حديث أبي هريرة ظُه، وهو حديث
ضعيف جدًا. انظر: ((ضعيف الجامع الصغير)) (٨٦٨).
(٣) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٦ / ٦٢١).
١٥٥
الآجل ما ورد في هذا الحديث، وأما في العاجل: فخروجُ(١) بنات صدره
- وهو القولُ المُتشبِّع من الفعل بما يخالفه ـ لا يتقاصر في إهلاكه عن
اندلاق أقتاب بطنه، وتَحيُّرُه في(٢) عَمَى بصيرته لا يتضاءل عن دوران
الحمار برحاه؛ فإن في ترك الأمر بالمعروف وإهمالِ النَّهي عن المُنكر من
غير الائتمار به والانتهاء عنه خُذلاناً للحَقِّ، وقلَّةَ احتفالٍ بالدِّين، وكفى
بواحدٍ منهما عمّى في البصائر، وفُقداناً لنور الضَّمائر، انتهى.
وقد تقدم أنه يجب القيامُ بالأمر والنهي على كل قادر وإن لم يكن ممتثلاً
لِما يَأْمُر، مجتنباً عَمَّا ينهى، فما الحِيلةُ في النجاة إلا أن يتمثلَ وينتهيَ أولاً، ثم
یأمر وینھی.
(١) في الأصل: ((فخرج)).
(٢) في الأصل وضع رمز (م) بعد قوله: ((وتحيره في))، وظاهرٌ أن الكلام متصل،
وهذا الرمز يشير به إلى ما قاله العلامة الرازي في ((التفسير الكبير))، ولا وجود له
فيه .
١٥٦
٣٥- باس
الأمرِ بأداءِ الأمانةِ
· قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ بَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّواْ الْأَمَنَتِ إِلَ أَهْلِهَا﴾
[النساء: ٥٨].
* وقال تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَتِ وَاُلْأَرْضِ
وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَنُّ إِنَّهُ، كَانَ ظَلُوْمًا
جَهُولًا ﴾ [الأحزاب: ٧٢].
(الباب الخامس والعشرون)
(في الأمر بأداء الأمانة)
* قال الله تعالى: ﴿إِنَّاللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّواْ الْأَمَنَتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء:
٥٨]: هذا يَعُمُّ جميعَ الأمانات الواجبة على الإنسان: من حقوق الله تعالى
كالزَّكَوَات والكَفَّارات والنُّذور والصِّيام وغير ذلك مِمَّا هو مُؤتمَنٌ عليه
لا يَطّلع عليه العِبادُ، وحُقوقِ العباد بعضِهِم على بعض كالودائع وغيرِ ذلك
من غير اطّلاع بَيِّنة.
روى الإمام أحمد وأهل السُّنن عن سَمُرة: أن رسولَ اللهِوَّةٍ قال: (أَدِّ
١٥٧
الأَمانةَ إِلى مَنِ ائْتَمَنَكَ، ولا تَخُنْ مَنْ خَانِكَ))(١).
وروى ابن أبي حاتم عن عبدالله بن مسعود قال: الشَّهادة تُكفِّر كلَّ
ذَنب إلا الأمانَةَ، يُؤتى بالرَّجل يوم القيامة وإن كان قُتِل في سبيل الله،
فيقال: أَدَّ أَمانتَكَ، فيقول: وإني أُؤْدِّيها، وقد ذهبت الدُّنيا؟! فتمثَّلُ [له]
الأَمانةُ في قَعْرِ جهنَّمَ، فَيَهْوِي إليها فيَحمِلُها على عاتقهِ، قال: فتنزلُ عن
عاتقه، فيَهْوِي على أَثَرِها أبد الآبدين .
قال زاذان: فأتيت البراءَ، فحدثته، فقال: صدقَ أخي: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ
أَنْ تُؤَدُّواْ الْأَمَنَتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨](٢).
وقال ابن جُريجٍ: هذه الآية نزلت في عثمانَ بن أبي طلحة، قبض منه
[النبي ◌َّر] مفتاحَ الكعبة، فدخل به البيتَ يوم الفتح، فخرج وهو يتلو هذه
الآية، فناوله إياه(٣).
معاملة الإنسان إما أن تكون مع الله، أو مع سائر العباد، أو مع نفسه،
ولا بدَّ من رعاية الأمانة في جميع هذه الأقسام الثلاثة، أما رعايةُ الأمانة مع
الرَّبِّ تعالى فهي في فعل المأمورات وتركِ المنهيات، وهذا بحرٌ لا ساحلَ له.
قال ابن مسعود: الأمانة في كل شيء لازمةٌ: في الوضوء، والجنابة،
والصلاة، والزكاة، والصوم، وكذلك الأعضاءُ السبعة؛ من السَّمع، والبصر،
(١) رواه الإمام أحمد في «المسند» (٣/ ٤١٤) عن رجل من أصحاب النبي ◌َّ، وأبو
داود (٣٥٣٥)، والترمذي (١٢٦٤)، من حديث أبي هريرة ظله، ولم نقف عليه من
حديث سمرة ، وهو حديث صحيح. انظر: ((صحيح الجامع الصغير)) (٢٤٠).
(٢) رواه ابن أبي حاتم في ((تفسيره)) (٥٥١٢).
(٣) انظر: ((تفسير ابن كثير)) (٤ / ١٢٤).
١٥٨
واللِّسان، واليد، والرجل، والبطن، والفَرْج، أماناتٌ يجب استعمالُها في
العبادات، وحفظُها عن المَنهيَات.
وأما رعاية الأمانة مع سائر الخلق: فيدخل فيه رَدُّ الودائع، وتركُ
التطفيف في الكَيْل والوَزْن، ويدخل عدلُ الأُمَراء مع الرعِيَّة، والعلماءُ مع
العَوامِّ.
وأما أمانة الإنسان مع نفسه: فهو أن يختار لها ما هو الأصلحُ والأنفع
له في الدِّين والدُّنيا.
* قوله تعالى: ﴿ إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَالِْبَالِ فَأَبَيْنَ
أَنْ يَحْمِلْنَهَا ﴾ [الأحزاب: ٧٢] الآيةَ: قال ابن عباس: الطاعةُ عرضها عليهم قبل أن
يعرضَها على آدم، فلم يُطِقْنَها، فقال لآدم عليه السلام: إني عرضت الأمانةَ
على السماوات والأرض والجبال فلم يُطِقْنها، فهل أنت آخِذُها بما فيها؟ قال:
يا رَبِّ وما فيها؟ قال: فإن أحسنت جُزيت، وإن أسأتَ عُوقبت، فأخذها آدمُ
فتحَمَّلها، وذلك قوله: ﴿وَحَلَهَا الْإِنسَنُّ﴾ [الأحزاب: ٧٢] (١)، وفي رواية عن ابن
عباس: فما كان إلا قَدْرُ ما بين العصر إلى الليل من ذلك اليوم حتى أصاب
الخطيئةَ(٢).
وعن الحسن البصريُّ: أنه تلا هذه الآية، قال: عَرَضَها على السَّبع
الطُّباق الطرائق، التي زُيِّنت بالنُّجوم، وحملَةِ العرش العظيم، فقال لها: هل
(١) رواه ابن جرير الطبري في ((تفسيره)) (٢٢/ ٥٤)، والمروزي في ((تعظيم قدر الصلاة))
(٥٠٠).
(٢) المرجع السابق، الموضع نفسه.
١٥٩
تحملين الأمانة؟ فقالت: وما فيها؟ قال: إن أحسنتِ جُزيت، وإن أسأت
عُوقبتٍ، قالت: لا، ثم عرضها على الأَرَضين السبع الشِّداد، التي شُدَّت
بالأوتاد، ذُلِّلَتْ بالمِهاد، فقيل لها: هل تحملين الأمانة؟ فقالت: لا، ثم
عرضها على الجبال الشُّمِّ الشَّوَامخ الصِّلاب، فقيل لها: هل تحملين الأمانة
وما فيها؟ قالت: لا .
وعن ابن جريج: لمَّا عرض الله عليهن الأمانة؛ ضَجَجْنَ(١) إلى الله
ثلاثة أيام ولياليَهن، وقُلنَ: ربنا لا طاقةَ لنا بالعمل ولا نريد الثواب(٢) .
(م): (الأمانة) هو التكليفُ، وهو الأمر بخلافِ ما في الطبيعة، لم
يكن إباؤهن كإباء إبليس؛ لأن هناك السُّجودَ كان فرضاً، وهاهنا الأمانة
كانت عَرْضاً، وهناك الإباء استكباراً، وهاهنا استصغاراً لأنفسهن.
فإن قيل: ما سبب الإشفاق؟ قلنا: صعوبة الحِفْظ؛ كالأواني من
الجواهر، فهي عزيزةٌ سريعة الانكسار، وأيضاً؛ كان الوقت [زمان] شهب(٣)
وغارة، ولا يقبل العاقل [فيه] الودائعَ؛ لأن الشيطان وجنودَه كانوا في قصد
المكلفين، وحملها الإنسانُ بسبب ظلمه وجهله، أو لأنهن نظرن إلى أنفسهن،
فرأين ضعفَهُنَّ، فامتنعن، والإنسانُ نظر إلى جانب المُكلِّف، وقال. المُودِعُ
قادرٌ عالمٌ لا يَعرِضُ الأمانةَ إلا على أهلها، وإذا أَوْدعَ لا يتركها، بل يحفظُها
بعَيْنِهِ وعَوْنه، فقبلها وقال: ﴿إِنَّكَ نَعْبُهُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينٌ﴾ .
(١) في الأصل: ((صحن)).
(٢) انظر: ((تفسير ابن كثير)) (١١ / ٢٥١).
(٣) في الأصل: ((نهب))، والمثبت من ((تفسير الرازي)) (٢٥/ ٢٠٢).
١٦٠