النص المفهرس
صفحات 121-140
ليكون أقرب إلى تحصيل المطلوب، فقد قال الإمام الشافعي: مَنْ وعظ أخاه سِرّاً؛ فقد نصَحَهُ وَزَانَهَ، ومَنْ وعظه عَلانِيةً فقد فضَحَهُ وشانَ(١). (ق): وقد يبلُغ بالرِّفق والسِّياسة إلى ما لا يبلُغ بالسَّيف والرِّئاسة (٢). (ن): ومِمَّا يتساهل أكثرُ الناس فيه: أنه إذا رأى إنساناً يبيع متاعاً مَعِيباً أو نحوَه؛ فإنهم لا ينكرون ذلك، ولا يُعرِّفون المُشتري بعَيْبِهِ، وهذا خطأ ظاهر، وقد نَصَّ العلماء على أنه يجب على مَنْ علم بذلك أن يُنكرَ على البائع، وأن يُعِلمَ المشتري به(٣) . قوله : *: «فإن لم يستطع فبقلبه)»: (ن): معناه: فليَكْرَههُ بقلبه، وليس ذلك بإزالةٍ وتغييرِ منه للمُنكَر، لكنه هو الذي في وُسْعهِ(٤). (ق): أي: بعزم على أن لو قَدر على التغيير لغَيَّره؛ وهذه آخر خَصْلة من الخِصال المُتعيِّنة على المؤمن في تغيير المُنكَر، وهي المُعبَّر عنها بأنها أضعفُ الإيمان؛ أي: خِصال الإيمان (٥). (ن): ((أضعف الإيمان))؛ أي: أقلُّه ثمرةً، قال القاضي عياضٌ: حَقُّ المُغيِّرِّ أن يغيرَه بكل وجهٍ أمكنه، قولاً كان أو فعلاً، فيكسر آلاتِ المَلاهي، ويريق المُسْكِرَ بنفسه، أو يأمر مَن يفعله، وينزع الغُصُوبَ، ويردُّها إلى (١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٢ / ٢٢). (٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (١ / ٢٣٤). (٣) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٢ / ٢٤). (٤) المرجع السابق، (٢/ ٢٥). (٥) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (١ / ٢٣٤). ١٢١ أصحابها بنفسه، أو بأمره، ويَرْفُق في التغيير جُهدَه بالجاهل، ويذي العِزَّة الظالم المَخُوف شَرُّه؛ إذ ذلك أدعى إلى قَبول قوله؛ كما يُستحبُّ أن يكون مُتولِّي ذلك من أهل الصلاح والفضل لهذا المعنى، ويُغْلِظُ على المتمادي في غَيِّهِ المُسْرِف في بَطالته(١) إذا أمن أن يثير إغلاظه مُنكراً أشدَّ مِمَّا غَيَّره، فإن غلب على ظنه أن تغييره بيده یثیر منكراً أشدّ منه من قبله، أو قِبَل غيره وبسببه؛ كَفَّ يدَه، واقتصر على القول باللِّسان والوَعظ والتَّخويف، فإن خاف من القول مثلَ ذلك؛ غَيَّر بقلبه، وإن وجد مَن يستعين به استعان ما لم يُؤدِّ ذلك إلى إظهار سلاح وحرب، وليرفع ذلك إلى مَنْ له الأمر، هذا هو فقه المسألة، والصواب فيها عند المُحقِّقين، خلافاً لمن رأى الإنكارَ الصَّريحَ بكل حال، وإن قُتل ونِيلَ منه كلُّ أنّى. قال المَاورديُّ: ليس للمُحتسِب أن يبحث عَمَّا لم يظهر من المُحرَّمات، وإن غَلَبَ [على الظن] استسرارُ قومٍ بها؛ لأمارةٍ [دلت] وآثارٍ ظهرت، فذلك ضربان : أحدهما: أن يكون ذلك في انتهاك حرمة يفوت استدراكُها؛ مثل أن يخبره مَن يثق بصدقه أن رجلاً خلا برجل ليقتلَه، أو بامرأة ليزنيَ بها، فيجوز له في مثل هذا الحال أن يتجسَّس ويُقدِمَ على الكشف والبحث؛ حَذَراً من فوات ما لا يُستدرك، وكذا لو عرف ذلك غيرُ المحتسب من المُتطوّعة؛ جاز لهم الإقدامُ على الكشف والإنكار. الضرب الثاني: ما قَصُر عن هذه الرتبة، فلا يجوز التَّجُّس، ولا كشفُ (١) في الأصل: ((ويغلظ على المعنق في غية، والممرق في بطالته))، والمثبت من ((شرح مسلم» للنووي (٢ / ٢٥). ١٢٢ الأستار، فإن سمع صوت الملاهي المُنكَرَةِ من دار؛ أنكرها خارجَ الدار، لم یھجُم عليها بالدُّخول. وقد ذكر الماوردي في آخر ((الأحكام السُّلطانية)) باباً حسناً في الحِسْبة، أشرنا إلى مقاصدها(١). ١٨٥ - الثاني: عن ابنٍ مسْعُودٍ ﴿ه: أَنَّ رسولَ اللهِ وَلِ قالَ: (مَا مِنْ نَبِيِّ بَعَثَهُ اللهُ فِي أُمَّةٍ قَبْلِي إِلَّ كَانَ لَهُ مِنْ أُمَّتِهِ حَوَارِيُّونَ وأَصْحَابٌ يَأْخُذُون بِسُنَِّهِ، ويَقْتَدُون بِأَمْرِهِ، ثُمَّ إِنَّهَا تَخْلُفُ مِنْ بَعْدِهِمْ خُلُوفٌ يَقُولُون مَا لاَ يَفْعَلُونَ، ويَفْعَلُونَ مَالا يُؤْمَرُونَ، فَمَنْ جَاهَدَهُم بِيَدِهِ فَهُو مُؤْمِنٌ، ومَنْ جَاهَدُهُمْ بِقَلْبِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ، ومَنْ جَاهَدَهُمْ بِلِسَانِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَيْسَ وَرَاءَ ذَلِكَ مِنَ الإِيمانِ حبَُّ خَرْدِلٍ» رواه مسلم. 7 * قوله ێ: «ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي إلا کان له في أمته حواریون وأصحاب»: (ق): يعني بذلك غالبَ الرسل لا كلَّهم؛ بدليلِ الحديثِ السابق في (باب التوكل): ((عُرِضَتْ عَلَيَّ الأُمَمُ، فرَأَيتُ النبيَّ ومَعَهُ الرَّهْطُ)) إلى أن (١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٢ / ٢٥). ١٢٣ قال: ((والنبيَّ ومعَهُ الرَّجلُ والرَّجُلان، والنبيَّ وليسَ معَهُ أَحدٌ))(١)، فهذا العُمومُ وإن كان مُؤكَّداً بعد النفي؛ فهو مُخَصَّصٌ بما ذكرنا(٢). (ن): ((الحواريون»: هم خُلصاء الأنبياء، وأصفياؤهم، والذين نُقُّوا من كل عَيْب، وقيل: هم أنصارهم، وقيل: هم المجاهدون، وقيل: الذين يَصلُحون للخلافة بعدهم، انتهى(٣). الأَزهريُّ عن أبي عُبيد: إنما سُمِّ أصحاب عيسى الحواريين؛ لأنهم كانوا يغسلون الثيابَ يُحَوِّرُونَها، وهو التَّبييضُ، ومنه قيل: امرأةٌ حَوَارية: إذا كانت بيضاءَ، فلما كان عيسى بن مريم نصرَه هؤلاء الحَواريُّون فكانوا أنصارَه دون الناس؛ قيل لكلِّ ناصرِ نبيِّه: حَوارٌّ، إذا بالغ في نُصْرَته؛ تشبيهاً بأولئك (٤). (ق): ((الأصحاب)): جمع صَحْب؛ كـ (فرخ وأفراخ)، قاله الجَوْهرُّ، وقال غيره: هو جمع صاحب؛ كـ (شاهد وأشهاد)، والصحبة: الخُلطة والمُلابسة على جهة المَحبَّة، وجمع الصاحب: صَحْبٌ كـ (راكب ورَكْب)، وصُخبة کـ (فَارہ وفُرْھة)، وصِحَاب کـ (جائع وجِیاع)، وصُحْبان کـ (شابّ وشُبَان)(٥). (١) رواه البخاري (٥٣٧٨)، من حديث ابن عباس رضيًا. (٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (١ / ٢٣٤). (٣) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٢ / ٢٨). (٤) انظر: ((تهذيب اللغة)) للأزهري (٥ / ١٤٧). (٥) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (١ / ٢٣٥). ١٢٤ * قوله ◌َريج: «ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف»: (ن): الضمير في ((إنها)) هو ضمير القِصَّة والشأن، و((تخلف)) بضم اللام؛ أي: تَحدُث، و((الخلوف)) بضم الخاء جمع خِلْف بإسكان اللام، وهو الخالفُ بشرٍّ، وأما بفتح اللام: فهو الخالف بخير، هذا هو الأشهر، قال أبو زيد: يقال كل واحد منهما بالفتح والإسكان، ومنهم [من] جوَّز الفتح في الشر، ولم يُجوِّز الإسكانَ في الخير(١). (ق): ((حبة خردل))؛ أي: لم يبق وراء هذه المرتبة رتبةٌ أخرى، والإيمان في هذا الحديث بمعنى الإسلام(٢). * ١٨٦ - الثالثُ: عن أبي الوليدِ عُبَادَةَ بنِ الصَّامِتِ ﴿ه قال: (بَايَعْنَا رَسُولَ اللهِنَّهِ عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ في العُسْرِ وَالْيُسْرِ، وَالمَنْشَطِ وَالمَكْرَهِ، وَعَلَى أثَرَةٍ عَلَيْنَا، وَعَلى أنْ لاَ نُازِعَ الأمْرَ أَهْلَهُ، إلاَّ أَنْ تَرَوا كُفْراً بَوَاحاً عِنْدَكُمْ مِنَ الهِ تَعَالَى فِيهِ بُرْهَانٌ، وَعَلَى أَنْ نَقُولَ بِالحَقِّ أَيْنَمَا كُنَّا، لَاَ نَخافُ في اللهِ لَوْمَةَ لاَئْم)) متفقٌ عليه . ((المَنْشَطِ والمَكْره)) بِفَتْحِ مِيميهما: أَيْ: في السَّهْلِ والصَّعْبِ. (١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٢ / ٢٨). (٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (١ / ٢٣٤). ١٢٥ (الأثَرَةُ»: الاختصاصُ بِالمُشْتَرَكِ، وقد سَبَقَ بَيَانُها. ((بَوَاحاً) بفتْح البَاءِ المُؤَخَّدَةِ بَعْدَهَا واوٌ ثُمَّ ألفٌ ثُمَّ حاءٌ مُهْمَلَةٌ: أَيْ ظَاهِراً لاَ يَحْتَمِلُ تأويلاً. (الثَّالُِّ)) (ن): المراد بالمبايعة: المُعاهدةُ، وهي مأخوذةٌ من البيع؛ لأنَّ كل واحد من المُتبايعين كان يَمُدُّ يدَه إلى صاحبه، وكذا هذه البيعة تكون على الكَفِّ، وقيل: سُمِّيت مبايعةً؛ لِمَا فيها من المُعاوضة؛ لِمَا وعدهم الله تعالى عليه من عظيم الجَزاء، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ أَشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةٌ ﴾ الآيَةَ [التوبة: ١١١](١). (ق): وذلك أن المُبايع للإمام يلتزم أن يقيَهُ بنفسه وماله، فكأنه قد بذل نفسَه ومالَه لله تعالى، وقد وعد على ذلك بالجنة، فكأنه قد حصلت المُعاوضة، فصَدَق على ذلك اسمُ البيع والمُبايعة والشِّراء، وعلى نَحْوٍ من هذا قال النبيُّنَّ﴿ لصُهَيْبٍ: ((رَبِحَ البَيْعُ أبا يَحْيَى))(٢)، وكانت قريش تبعته لتردَّه عن هجرته، فبذل لهم مالَه في تخليص نفسه ابتغاء ثواب الله تعالى، فسمَّاه النبيُّ وَّ بيعاً، وهذا أحسن ما قيل في المُبايعة(٣). (قض): أي: عاهدناه بالتزام السَّمع والطاعة في حالتي الشِّدَّة والرَّخاء، (١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٢ / ٢٢٩). (٢) رواه الحاكم في ((المستدرك)) (٥٧٠٦)، من حديث صهيب ، وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه. (٣) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٤ / ٤٤). ١٢٦ وتارتَي السَّرَّاء والضَرَّاء، وإنما عبر عنه بصيغة المُفاعلة للمُبالغة، أو الإيذان بأنه الْتَزَم لهم أيضاً بالأجر والثواب والشفاعةِ يوم الحساب على القيام بما التزموا، و((المنشط والمكره)) مَفْعَلان من النشاط والكراهة: للمَحلِّ؛ أي: فيما فيه نشاطُهم وكَراهتُهم، أو الزمان؛ أي: في زمان انشراح صدورهم وطِيْبٍ قلوبهم، وما يُضادُّ ذلك(١). (ن): ((الأثرة)) بفتح الهمزة والثاء، ويقال بضم الهمزة وكسرها، وإسكان الثاء فيهما، ثلاث لغات، هي الاستئثار والاختصاص بأمور الدُّنيا؛ أي: اسمعوا وأطيعوا وإن اختصَّ الأُمَراء بالدُّنيا، ولم يُوصِلُوكم حَقّكم مِمَّا عندهم(٢). (ق): بل وعلى أشدَّ من ذلك؛ فإنه ◌َّ قال لحُذيفةَ: ((اسمَعْ وأَطِعْ وإِن ضَربَ ظَهْرَكَ وَأَخذَ مَالَكَ))(٣). (ن): وهذا الحَثُّ على السمع والطاعة سببُها اجتماعُ كلمة المسلمين؛ فإن الخلاف سببٌ لفساد أحوالهم في دينهم ودنياهم، و ((بواحاً) بالواو، وفي بعض النسخ بالراء، والباء المُوحدة مفتوحةٌ فيهما، معناه كفراً ظاهراً، والمراد بالكُفر هاهنا المَعاصي، ومعنى ((عندكم من الله فيه برهان))؛ أي: تَعْلَمونه من دين الله؛ أي: لا تُنازعوا وُلاةَ الأُمور في ولايتهم، ولا تعترضوا عليهم، إلا أن تروا فيهم مُنكراً مُحقَّقاً تعلمونه من قواعد الإسلام، فإذا رأيتم ذلك؛ فأنكروه عليهم، وقولوا بالحَقِّ حيث ما كنتم، وأما الخُروج عليهم وقتالُهم (١) انظر: ((تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة)) للبيضاوي (٢ / ٥٤٣). (٢) انظر: ((شرح مسلم) للنووي (١٢ / ٢٢٥). (٣) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٣٩/٤)، والحديث رواه مسلم (١٨٤٧ / ٥٢). ١٢٧ فحرامٌ بإجماع المسلمين، وإن كانوا فسقةً ظالمين، وأجمع أهل السُّنَّة على أن السُّلطان لا يَنْعِزِلُ بالفِسْقِ، وسببُ عدم انعزاله وتحريمِ الخُروج عليه ما يترتَّبُ على ذلك من الفِتَن وإراقةِ الدِّماء، وفسادِ ذات البَيْن، فتكونُ المَفْسَدةُ في عزله أكثر منها في بقائه . قال القاضي عياضٌ: وأجمع العلماء على أن الإمامة لا تنعقد لكافر، ولو طرأ عليه الكفر انعزل، وكذا لو ترك إقامةَ الصَّلوات، والدُّعاءَ إليها، وكذا عند جمهورهم البدعة، قال: فلو طرأ عليه كفرٌ وتغييرٌ للشرع، أو بدعةٌ؛ خرج عن حُكم الولاية، وسقطت طاعتُه، ووجب على المسلمين القيامُ عليه، وخَلْعُه، ونَصْبُ إمام عادل إن أمكنهم ذلك، فإن لم يقع ذلك إلا لطائفة؛ وجب عليهم القيام بخَلْع الكافر، ولا يجب في المُبتدع إلا إذا ظنوا القُدرةَ عليه، فإن تحقَّقوا العَجْزَ لم يجب القيام، وليُهاجر المسلم عن أرضه إلى غيرها ویَفِرَّ بدينه. قال: ولا تنعقد لفاسق ابتداءً، ولو طرأ على الخليفة فسْقٌ؛ قال بعضهم: يجب خَلْعُه، إلا أن يترتب عليه فتنةٌ؛ فقال جمهور أهل السنة: لا ينعزل، فلا يُخلَع، ولا يجوز الخُروجُ عليه، وادعى أبو بكر بن مُجاهد في هذا الإجماعَ، وقد رَدَّ بعضُهم هذا بقيام الحُسين وابن الزبير ﴾، وأهل المدينة على بني أَميّة، وبقيام جماعة عظيمة من التابعين على الحَجَّاج، وحُجَّة الجمهور: أن قيامَهم على الحَجَّاجِ [ليس] لمُجرَّد الفِسْق، بل لِمَا غَيَّر من الشرع، وظاهَرَ من الكُفْر، قال: وقيل: إن هذا الخلاف كان أولاً، ثم حصل الإجماع على مَنْع الخُروج عليهم(١). (١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٢ / ٢٢٥، ٢٢٨). ١٢٨ * قوله: ((وعلى أن نقول بالحق أينما كنا لا نخاف في الله لومة لائم)»: (ن): معناه: أن نأمرَ بالمَعروف وننهى عن المُنكر في كل زمانٍ ومكانٍ، الكبارَ والصِّغارَ، لا نُداهِنُ فيه أحداً، ولا نلتفت إلى لائمةٍ (١). ١٨٧ - الرّابع: عن الثَّعْمانِ بنِ بَشيرٍ ﴾، عن النبِّ ◌َِِّ، قال: ((مَثَلَ القَائِمِ فِي حُدُودِ الله وَالوَاقِعِ فيها، كَمَثَلِ قَومِ اسْتَهَمُوا عَلَى سَفِينَةٍ، فَصَارَ بَعْضُهُمْ أعْلاهَا وَبَعْضُهُمْ أَسْفَلَهَا، وَكَانَ الَّذِين فِي أَسْفَلِهَا إذَا اسْتَقَوْا مِنَ الماءِ مَرُّوا عَلَى مَنْ فَوْقَهُمْ، فَقَالُوا: لَوْ أَنَّا خَرَقْنَا فِي نَصِيبِنَا خَرْقاً، وَلَمْ نُؤْذِ مَنْ فَوْقَنَا، فَإِنْ تَرَكُوهُمْ وَمَا أرَادُوا هَلَكُوا جَمِيعاً، وإنْ أَخَذُوا عَلى أَيْدِيهِمْ نَجَوْا ونَجَوْا جَمِيعاً» رواهُ البخاري. ((القَائِمُ في حُدُودِ الله تعالى)) مَعْنَاهُ: المُنْكِرُ لها، القَائِمُ في دَفْعِهَا وإزالَتِهَا، والمُرادُ بِالحُدُودِ: مَا نَهَى اللهُ عَنْهُ. ((اسْتَهَمُوا)): اقتَرَعُوا. ٤ (ك): ((القائم في حدود الله))؛ أي: الآمر بالمعروف، والناهي عن المُنکر. (١) المرجع السابق، (١٢ / ٢٣٠). ١٢٩ ((والواقع فيها))؛ أي: التارك للمَعروف، المُرتكب للمنكر. و ((استهموا))؛ أي: اتخذ كلُّ واحد سَهْماً من السفينة بالقُرعة، وفي رواية البخاري: ((مَثَلُ المُدْهِن في حُدُودِ الله والوَاقِعِ فِيهَا))(١)، (المُدْهِن): من الإذْهَان، وهو المُحاباة في غیر حَقٍّ. فإن قلت: القائم والمُدهِنُ نقيضان؛ إذ القائم هو الآمر بالمعروف، والمُدْهِنُ هو التارك له، فما وجهُه؟ قلت: كلاهما صحيح، فحيث قال: ((القائم))؛ نظر إلى جهة النَّجاة، وحيث قال: ((المُدْهِن))؛ نظر إلى جهة الهلاك، ولا شك أن التشبيه(٢) مُستقيمٌ على كل واحد من الجهتين(٣). (نه): يقال: أخذت على يد فلان: إذا منعتَه عَمَّا يريد أن يفعلَه، كأنك أمسكت يدَه، ويقال: نجا من الأمر: إذا خَلُصَ (٤). (شف): شَبَّهَ وَّهِ القائمَ في حُدود الله بالذي في أعلى السفينة، وشَبَّه الواقعَ في تلك الحُدود بالذي في أسفلها، وشبَّه انهماكَهُ في تلك الحُدود وعدمَ تركه إياها بَنَقْره أسفلَ السفينة، وعَبَّر عن نهي الواقع في تلك الحُدود بالأَخْذِ على يده، وبمنعه إياه عن النَّقْر، وعَبَّر عن فائدة ذلك المنع بنجاة الناهي والمَنْهيِّ، وعَبّر عن عدم نهي النُّهاة بالترك، وعَبَّر عن الذنب الخاصِّ (١) رواه البخاري (٢٥٤٠)، من حديث النعمان بن بشير حظه. (٢) في الأصل: ((التسمية)). (٣) انظر: ((الكواكب الدراري)) للكرماني (١١ / ٥٨، ٢١١). (٤) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (١ / ٢٨) و(٥ /٢٤). ١٣٠ للقائمين في حُدود الله الذين ما نهَوا الواقعَ في حُدوده بإهلاكهم إياه وأنفُسَهم، وكأن السفينةَ عبارة عن الإسلام المُحيط بالفريقين. (ك): ((نجوا))؛ أي: الآخذون، ((ونجوا))؛ أي: المَأْخُوذون، وهكذا إذا أُقيم الحدود؛ تحصُل النجاة للكُلِّ، وإلا هلك العاصي بالمَعصية، وغيرُه بترك الإقامة. قال ابنُ بَطَّال: اتفق العلماءُ على جواز القُرْعَة، ومنعَه الكُوفِيُّون، وقالوا: لا معنى لها، وإنما تُشْبِهِ الأَزْلامَ، والحديث يدل على جوازها؛ فإنه ◌َِّ رَضِيَهُ وضربَ به المثلَ، انتهى(١). وفي الصحيح: أنه وَّ﴿ كان إذا أراد سفراً أَقْرَعَ بينَ نسائه، فأَّتُهُنَّ خرج سهمُها خرج بها معَهُ(٢) . (حس): وفيه: إثبات القُرعة في سُكنى السَّفينة ونحوها من المنازل التي تسكنها أبناء السبيل إذا جاؤوا معاً، فإن سبق أحدٌ فهو أَحَقُّ به(٣). (ك): فيه: أنه يجب على الجار أن يصبرَ على شيء من أذى جاره؛ خوفاً ممَّا هو أَشدُّ، انتهى(٤). وفيه: التنويهُ برِفعَةِ شأن القائمين في حُدود الله، الآمِرِين بالمعروف؛ كما هو المُشاهَد، والتنبيهُ بأنهم الذين مُنحوا الرِّفعةَ في الدَّارَيْن وجميع (١) انظر: ((الكواكب الدراري)) للكرماني (١١/ ٥٩). (٢) رواه البخاري (٢٤٥٣)، من حديث عائشة رضي الله عنها. (٣) انظر: ((شرح السنة)) للبغوي (١٤ / ٣٤٣). (٤) انظر: ((الكواكب الدراري)) للكرماني (١١ / ٥٩). ١٣١ الأحوال، حتى [ما] تخرجه القُرْعَةُ بغير اختيارهم، وفيه الغَضُّ من حال العُصاة، [و] أنهم المَردُودون إلى السُّفل الصُّوَرِيِّ والمَعنويِّ في جميع أحوالهم وأُمورهم حتى ما تُخرجه القُرْعَةُ لهم أيضاً. ١٨٨ - الخامِسُ: عَنْ أُمِّ المُؤْمِنِين أُمِّ سَلَمَةَ هِنْدٍ بنتٍ أَبِي أُمِيَّةَ حُذيْفَةَ رضي الله عنها، عن النبيِّ وَّهِ: أنه قالَ: ((إِنَّهُ يُسْتَعْمَلُ عَلَيْكُمْ أُمَرَاءُ، فَتَعْرِفُونَ وَتُنْكِرُونَ، فَمَنْ كَرِهَ فَقَدْ بَرِئَ، وَمَنْ أَنّكَرَ فَقَدْ سَلِمَ، وَلَكِنْ مَنْ رَضِيَ وَتَابَعَ))، قالوا: يَا رَسُولَ اللهِ! أَلَ نُقَاتِلُهُمْ؟ قَالَ: ((لاَ، مَا أَقَامُوا فِيَكُمُ الصَّلاَةَ» رواه مسلم. مَعْنَاهُ: مَنْ كَرِهَ بِقَلْبِهِ، وَلَمْ يَسْتَطِعْ إِنْكَاراً بِيَّدٍ وَلاَ لِسَانٍ، فَقَدْ بَرِىءَ مِنَ الإِثْمِ، وَأَذَّى وَظِيفَتَهُ، وَمَنْ أَنْكَرَ بِحَسَبٍ طَاقَتِهِ، فَقَدْ سَلِمَ مِنْ هذِهِ المَعْصِيَةِ، وَمَنْ رَضِيَ بِفِعْلِهِمْ وَتَابَعَهُمْ، فَهُوَ العَاصِي. ? (قض): ((تعرفون وتنكرون)) مفعولُهما محذوفٌ؛ أي: تعرفون بعضَ أحوالهم؛ وتُنكرون بعضَها، يريد أن أفعالَهم يكون بعضُها حسناً وبعضُها قبيحاً، فمَنْ قدَر أن ينكر عليهم قبائحَ أفعالهم وسَماجَةَ حالهم؛ فقد برئ من المُداهنة والنِّفاق، و[مَنْ] لم يقدر على ذلك، ولكن أنكر بقلبه وكره ١٣٢ ذلك؛ فقد سَلِم من مُشاركتهم في الوِزْر والوَبال، ولكن مَنْ رضي بفعلهم بالقلب، وتابعهم في العمل؛ فهو الذي شاركهم في العصيان، واندرج معهم تحت اسم الطُّغيان. وحذف الخبر في قوله: ((من رضي))؛ لدَلالة الحال وسِياقِ الكلام على أن حُكمَ هذا القسم ضِدُّ ما أثبته لقَسيمه، وإنما منع عن مُقابلتهم ما داموا يقيمون الصلاة التي هي عمادُ الدِّين وعُنوانُ الإسلام والفارقُ بين الكُفْرِ والإيمان؛ حذراً من هَيْج الفِتَن، واختلافِ الكلمة، وغير ذلك مِمَّا يكون أشدَّ نِكايةً من احتمال نُكْرهم، والمصابرةِ على ما ينكرون منهم(١). (ن): هذا الحديث فيه مُعجزةٌ ظاهرة لرسول الله وَّر بالإخبار عن المُستقبل، ووقعَ ذلك كما أخبر، وفيه دليلٌ على أن مَنْ عجَز عن إزالة المُنكَر لا يأثم بمُجرَّد السُّكوت، بل إنما يأثم بالرِّضا به، أو بأنْ لا يكرهَهُ بقلبه، أو بالمُتابعة علیه(٢). وقوله: ((ومن كره فقد برئ))؛ أي: مَنْ كره ذلك المُنكر فقد برئ مِن إثمه وعُقوبته، وهذا في حَقِّ مَنْ لا يستطيع إنكارَه بيده ولا لسانه، فلیَكرَهْهُ بقلبه، ويبرأ. ١٨٩ - السَّادِسُ: عَنْ أُمّ المُؤْمِنِينَ أُمِّ الحَكَمِ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْش (١) انظر: ((تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة)) للبيضاوي (٢ / ٥٤٦). (٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٢ / ٢٤٣). ١٣٣ رضي الله عنها: أَنَّ النَّبِيَّ وَلِ دَخَلَ عَلَيْهَا فَزِعاً يَقُولُ: ((لا إلهَ إلَّ اللهُ، وَيْلٌ لِلْعَرَبِ مِنْ شَرِّ قَدِ اقْتُرَبَ، فُتِحَ الْيَوْمَ مِنِ رَدْمٍ بِأُجُوجَ وَمَأْجُوجَ مِثْلُ هذِهِ»، وَحَلَّقَ بَأُصْبُعَيْهِ الإِنْهَامِ وَالَّتِي تَلِيهَا. فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! أَنَهْلِكُ وَفِينَ الصَّالِحُونَ؟ قال: (نَعَمْ إذَا كَثُرَ الخَبَثُ)) متفقٌ عليه. (ق): ((الردم)) هو السَّدُّ الذي بناه ذو القَرنين على يأجوج ومأجوجَ، يُهمزان ولا يهمزان، لغتان قُرئ بهما، فمَنْ همزهما جعلهما من أَجِيج النار، وهو ضَوْؤُها وحرارتها وسُمُّوا بذلك لكثرتهم وشِدَّتهم. وقيل: من الأُجَّاج، وهو الماء الشَّديدُ المُلوحةِ. و[قيل]: هما اسمان أعجميان غير مشتقين. قيل: هم ولد يافث بن نوح، وقال الضَّخَّاك: من التُّرك، وقال كعب: احتلم آدمُ فاختلط ماؤه بالتراب فَأَسِفَ، فخُلقوا من ذلك. وفيه نظر؛ فإن الأنبياءَ لا يحتلمون. وذكر الغَزْنويُّ في كتابه المُسمَّى بـ ((عُيون المعاني)): أن رسولَ الله وَه قال: ((يأْجُوجُ أُمَّةٌ لِهَا أَربِعُ مئةٍ أَميرٍ، وكذلك مَأْجُوجُ، لا يَموتُ أَحدُهم إلى أَنْ يَنْظُرَ إلى أَفِ فَارسٍ من ولدِهِ، صِنْفٌ منهم كالأَرُزِّ، طولُهم منّةٌ وعشرُون ذِرَاعاً، وصِنْفٌ يَفْتَرِشُ أُذُنَهُ، ويَلْتَحِفُ بالأُخرى، لا يَمُرُونَ بِيلٍ ولا خِنْزِيرٍ إلاَّ أَكُلُوهُ، ويَأْكُلُونَ مَنْ ماتَ مِنْهُم، مُقَدِّمتُهم بالشَّامِ؛ وساقَتُهم بخُراسانَ، ١٣٤ يَشربُون أنهارَ المَشْرقِ، وبُحيرةَ طَبرِيَّةَ، فَيَمْنعُهم اللهُ مِنْ مَكَّةَ والمَدِينةِ وبَيْتٍ المَقْدِسِ». وقال عليٍّ ◌َّهِ: وصِنْفٌ منهم في طول شبرٍ، لهم مَخالبُ الطير، وأَنْيَابُ السِّباعِ، ونِزاعُ الحَمَامِ، وتَسافُد البهائم، وعِواءُ الذئب، وشُعورٌ تقيهم الحَرَّ والبردَ، وآذانٌ عِظام، إحداها وَبْرَةٌ يُشُّون فيها، والأُخرى جِلْدةٌ يُصيِّقون فيها، يحفرون السدَّ حتى كادوا يَتُقُبونه، فيعيده الله كما كان، حتى يقولوا: نَنْقُبِهُ غداً إن شاء الله، فيَقُبون ويخرجون، ویتحصَّن الناس بالحُصون، فیَرِمُون إلى السَّماء، فيُرَدُّ إليهم السَّهمُ مُلطخاً بالدم، ثم يُهلكهم الله بالنَّغَف في رِقَابهم؛ يعني: الُودَ. قلت: وفي الأحاديث النبوية أخبار صحيحة تشهد بالصِّحَّة لأكثر هذین الحدیثین(١). * قولها: ((وحلق بإصبعيه الإبهام والتي تليها)) : (ن): وفي بعض الرِّوايات: ((وعَقَدَ وُهَيْبٌ بيدِه تِسعينَ))(٢)، وفي رواية: ((عَقدَ سُفيانُ بيدِه عشرةً))(٣)، فالمراد التقريبُ بالتمثيل، لا حقيقةٌ التوحيد . (ق): الحاصل أن الذي فَتحُوا من السَّدِّ قليل (٤). (١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٧ / ٢٠٧). (٢) رواه مسلم (٢٨٨١/ ٣)، من حديث أبي هريرة ظ ◌ُه. (٣) رواه مسلم (٢٨٨٠/ ١)، من حديث زينب بنت جحش رضي الله عنها . (٤) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٧ / ٢٠٨). ١٣٥ (ن): ((الخبث)) هو بفتح الخاء والباء، وفسره الجمهور بالفِسْق والفُجور، وقيل: المُراد الزِّنا خاصَّةً، وقيل: أولادُ الزِّنا، والظاهر أنه المَعاصي مطلقاً. و((نهلك)) بكسر اللام، وحُكي فتحها، وهو ضعيفٌ أو فاسد. ومعنى الحديث: أن الخبثَ إذا كَثُر؛ فقد يَحصُل الهلاك العامُّ وإن كان هناك صالحون(١). ١٩٠ - السَّابِعُ: عَنْ أبي سَعيدٍ الْخُدْرِيِّ ﴿، عن النَّبِيِّ ◌َلول قال: ((إيَّكُمْ وَالجُلُوسَ في الظُّرُقَاتِ))، فَقَالُوا: يَا رَسولَ الله! مَالَنَا مِنْ مَجَالِسِنَا بُدٌّ؛ نَتَحَدَّثُ فِيهَا! فقالَ رسولُ اللهِ نَّهِ: ((فَإِذَا أَبَيْتُمْ إلَّ المَجْلِسَ، فَأَعْطُوا الطَّرِيقَ حَقَّهُ)، قالوا: وَمَا حَقُّ الطَّرِيقِ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قال: ((غَضُّ البَصَرِ، وَكَفُّ الأَذَى، وَرَدُّ السَّلامِ، وَالأَمْرُ بالمَعْرُوفِ، وَالَّهْيُ عَنِ المُنْكَرِ)) متفقٌ عليه. * قوله : ((إياكم والجلوس في الطرقات)): (ق): فيه إنكارٌ للجلوس على الطرقات، وزَجْرٌ عنه، لكن مَحْمِلُه على ما [إذا] لم يُرْهِقْ إلى ذلك حاجةٌ، فلا يكون المنعُ على جهة التحريم، (١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٨ / ٣). ١٣٦ وإنما هو من باب سَدِّ الذرائع والإرشادِ إلى الأصلح (١). (ن): يكره الجلوس على الطرقات؛ لِمَا فيه من التعرُّض للفِتَن والإثم بمرور النساء وغيرهن، وقد يمتدُّ نظر إليهِنَّ، أو فِكْرٌ فيهنَّ، أو ظَنُّ سُوء فيهن، أو في غيرهن من المَارِّين. ومن أذى الناس باحتقارٍ؛ مِن لَمْزِ، أو غِيبة، أو غيرهما، أو إهمالِ رَدِّ سلام، أو الأَمْرِ بالمعروف والنَّهيِ عن المُنكر، أو نحو ذلك من الأسباب التي لو خلا في بيته سَلِم منها. ويدخل في الأذى أن يُضيِّقَ الطريقَ على المَارِّين، أو يمتنعُ النِّساءُ أو نحوُهن منَ الخُروج في أشغالهن بسبب قُعود القاعدين في الطريق، أو أن يجلس بقُرب دار إنسان يتأذى بذلك، أو حيث يكشِفُ من أحوال الناس شيئاً یکرهونه(٢). (ط): ((من مجالسنا)) مُتعلِّق بقوله: ((بد))؛ أي: ما لنا فِراقٌ منها(٣). ١٩١ - الثَّامنُ: عن ابنِ عباس﴾: أَنَّ رسولَ الله وَلّهِ رَأَى خَاتَماً مِنْ ذَهَبٍ فِي يَدِ رَجُلٍ، فَنَزَعَهُ فَطَرَحَهُ، وَقَالَ: ((يَعْمِدُ أحَدُكُمْ إِلَى جَمْرَةٍ مِنْ نَارٍ فَيَجْعَلُهَا فِي يَدِهِ!))، فَقِيلَ لِلرَّجُلِ بَعْدَ مَا ذَهَبَ رسولُ اللهِ: خُذْ خَاتَمَكَ انْتُفْعْ بِهِ. قَالَ: لَا وَاللهِ! (١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٥ / ٤٨٦). (٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٤ / ١٤٢). (٣) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (١٠ / ٣٠٤٢). ١٣٧ لا آخُذُهُ أَبَداً وَقَدْ طَرَحَهُ رسولُ اللهِصلحه. رواه مسلم. (التَّافِرُ) * قوله: «فنزعه فطرحه)): (ن): فيه: إزالةُ المُنكر باليد لمن قَدَر عليها (١). * وقوله ولي: ((يعمد أحدكم إلى جمرة من نار فيجعلها في يده»: (ق): فيه: دليلٌ على تغليظ التحريم في لُبْسِ خاتم الذهب(٢). (ط): وفيه من التأكيد: أنه أخرج الإنكاريَّ مخرجَ الإخباريِّ، وعمَّمَ الخطابَ بعد نزع الخاتم من يده وطَرْحه، فدل على غضبٍ عظيم، وتهديدٍ شديد، ومِن ثَمَّ لمَّا قيل لصاحبه: ((خذ خاتمك انتفع به))؛ قال: ((لا والله)(٣). (ن): فيه: المُبالغة في امتثال أمره وٍَّ، واجتنابِ نَهْيِهِ، وعدمِ الترخّص فيه بالتأويلات الضَّعيفة، ثم إن هذا الرَّجلَ إنما ترك الخاتم إباحةً لمَن أراد أَخْذَه من الفقراء وغيرهم، وحينئذ يجوز أخذُه لمَن شاء، فإذا أخذه؛ جاز تَصرُّفُه فيه، وكذا لو أخذه صاحبُه لم يحرم عليه الأخذُ والتصرُّف فيه بالبيع وغيره، ولكن تورَّعَ وأراد الصَّدقةَ على مَنْ يحتاج إليه (٤). (١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٤ / ٦٥). (٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٥ / ٤٠٩). (٣) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٩/ ٢٩١٣). (٤) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٤ / ٦٥). ١٣٨ (ق): لا أنه أضاعَه؛ فإنه ◌َّهِ نهى عن إِضَاعِةِ المَال(١). ٠ ١٩٢ - التّاسعُ: عَنْ أبي سَعيدِ الحَسَنِ البِصْرِي: أَنَّ عَائِذَ دَخَلَ عَلَى عُبَيْدِاللهِ بْنِ زيَادٍ، فَقَالَ: أَيْ بُنيَّ! إِنِّي ابْنَ عَمْرٍو ◌َ﴾ سَمِعْتُ رسولَ اللهِ ﴿ يَقُولُ: ((إِنَّ شَرَّ الرِّعَاءِ الخُطَمَةُ))، فَإِيَّاكَ أَنْ تَكُونَ مِنْهُمْ. فَقَالَ لَهُ: اجْلِسْ، فَإِنَّمَا أَنْتَ مِنْ نُخَالَةِ أَصْحَابٍ مُحَمَّدٍ وَهِ، فقال: وَهَلْ كَانَتْ لَهُمْ نُخَالَةٌ؟! إِنَّمَا كَانَتِ النُّخَالَةُ بَعْدَهُمْ، وَفي غَيْرِهِمْ. رواه مسلم . (نه): ((الرعاء)» بالكسر: جمع راع؛ كـ (تِجَار: جمع تاجر). و((الحطمة)) هو العنيف برعاية الإبل في السَّوْق والإيراد والإصدار، ويُلقي بعضَها على بعض ويَعْسِفُها، ضرَبَهُ مثلاً لوالي السُّوء(٢). (ط): لمَّا استعار للوالي والسُّلطان لفظ الراعي؛ أتبعه بما يُلائم المُستعارَ منه من صفة الحَطْمِ، فـ ((الحُطَمة)) ترشيحٌ لاستعارة الراعي لهم(٣). (١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٥ /٤٠٩). (٢) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (١ / ٤٠٢)، وانظر: ((شرح المشكاة)) للطیبي (٨ / ٢٥٧٠). (٣) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٨ / ٢٥٧٠). ١٣٩ (قض): المراد بالخُطَمة: الفَظُّ القاسي الذي يظلِمُ الرَّعِيَّةَ ولا يرحمُهم؛ من الحَطْمِ: وهو الكَسْرُ، وقيل: الأَكُول الحَرِيصُ، الذي يأكل ما يرى ويَقضِمُه؛ فإنَّ مَنْ هذا دأْبُهُ يكون دَنِّيءَ النفس، ظالماً بالطَبْعِ، شديدَ الطَّمَع فیما [في] أيدي الناس، انتهى(١). قال عفيف الدِّين الكَازَرُونيُّ: ينبغي للراعي أن يختار مَرعَى طيبَ الهواء، عَذْبَ الماء، كثيرَ العُشب، قليل السِّباعِ، ويرعاها بعينٍ ساهرة، وشفَقَةٍ وافرة؛ ليزيد نَشْؤُها ونمَاها وسِمَنُها، فيستحقَّ الأُجرةَ، فإِنْ عَكَسَ ما ذكرناه؛ كان شرَّ الرِّعاء، فالسلطانُ هو الراعي للناس، فينبغي أن يتخذ الشرع مَرعَى لهم؛ لأن ماءه عَذْبٌ فُراتٌ سائغ، وهو الكتاب، وهواؤُه طَيِّب، وهو السُّنَّة، وعُشْبُه كثير، وهو الثواب، وسِباعه قليلة، وهي البدَعُ والأَهْواء، فإذا حافظ على ما ذكرناه؛ زاد النَّشْرْءُ والنَّماءُ. (ن): ((إنما أنت من نُخالتهم))؛ يعني: لستَ من فُضَلائهم وعُلمائهم وأهل المَراتب منهم، بل من سَقَطَتِهِم، والنُّخَالة هاهنا استعارةٌ من نُخالة الدَّقيق، وهي قُشوره، والنُّخَالة والحُثَالة والحُفَالة والحُشَافة بمعنَّى واحد، وقول عائذ: ((وهل كانت لهم نخالة؟)) من جَزْل الكلام وفَصِيحه وصِدْقه الذي ينقاد له كلُّ مسلم؛ فإن الصحابة كلَّهم صفوةُ الناس، وسَاداتُ الأُمَّة، وأفضل ممَّا بعدهم، وكلُّهم عُدولٌ قُدْوةٌ، لا نُخالةَ فيهم، وإنما جاء التخليط مِمَّن بعدهم، وفيمَن بعدهم كانت النُّخَالة(٢). (١) انظر: ((تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة)) للبيضاوي (٢ / ٥٥٠). (٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٢ / ٢١٦). ١٤٠