النص المفهرس

صفحات 101-120

وأما نصيحة عامة المسلمين، وهم مَنْ عدا ولاة الأمر: فإرشادُهم
لمصالحهم في آخرتهم ودنياهم، وكَفُّ الأذى عنهم، فيُعلِّمهم ما يجهلونه من
أمر دينهم ودنياهم، ويُعينُهُم عليه بالقول والفعل، وسَتْرُ عَوراتهم، وسَدُّ
خَلَّتهم، ودفعُ المضارِّ عنهم، وجلبُ المنافع لهم، وأمرُهم بالمعروف،
ونهيُهم عن المنكر برفقٍ وإخلاص، والشفقةُ عليهم، وتوقيرُ كبيرهم، ورحمةُ
صغيرهم، وتَخَوُّلُهم بالموعظة الحسنة، وتركُ غِشِّهم وحَسَدهم، وأن يُحِبَّ
لهم ما يحبُّ لنفسه من الخير، ويكرهَ لهم ما يكرهُه لنفسه من المكروه،
والذَّبُّ عن أموالهم وأعراضهم وغير ذلك من أحوالهم بالقول والفعل،
وحَتُّهم على التخلُّق بجميع ما ذكرناه من أنواع النصيحة، وتنشيطُ هِمَمِهم إلى
الطاعات، وقد كان في السَّلَف مَن تبلغ به النصيحةُ إلى الإضرار بدنياه(١).
(ط): لا يبعد أن يدخل فيه نفسُه؛ بأن ينصحَها بالتوبة النَّصوح، وأن
يأتي بها على طريقتها مُتدارِكةً للفُرُطات ماحيةً للسيئات، ويجعل قلبَه محلاً
للنظر والفكر، ورُوحَه مستقراً للمحبة، وسرّه مِنَصَّةٌ للمُشاهدة، وعلى هذا
إعمالُ كلِّ عضو: من العين بأن يحملها على النظر إلى الآيات الناصَّة من
الآفاقية والأَنْفُسِيَّة، والأُذن على الإصغاء إلى الآيات النازلة، والأحاديثِ
الواردة، واللِّسان على النُّطْق بالحق، وتَحرِّي الصِّدق، والمواظبةِ على ذكر
الله وثنائه، قال تعالى ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا ﴾
[الإسراء: ٣٦](٢).
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٢ / ٣٨).
(٢) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (١٠ / ٣١٨٣).
١٠١

(ك): لم يكرر اللام في ((عامتهم))، لأنهم كالأتباع للأئمَّة لا استقلالَ
لهم، وإعادة اللام تدلُّ عليه(١).
(ن): قال ابنُ بَطَّال: إن النصيحة تُسمَّى دِيناً وإسلاماً، وإن الدِّين ليقع
على العمل، كما يقع على القول، والنصيحةُ فرضُ كفاية إذا قام به واحدٌ سقط
عن الباقين، والنصيحة لازمةٌ على قَدْرِ الطاقة إذا علم الناصح أنه تُقَبلُ نصیحتُه،
ويُطاع أمرُه، ويأمنُ على نفسه المكروهَ، وإن خشي أذّى فهو في سَعَة(٢).
١٨٢ - الثَّاني: عَنْ جَرِيرِ بْنِ عبدِ اللهِ ﴾ قال: بَايَعْتُ
رسولَ اللهِ وَ﴿ عَلى إِقَامِ الصَّلاةِ، وإيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَالنُّصْحِ لِكُلِّ
مُسْلِمٍ. متفقٌ عليه.
(الثَّانِى)
* قوله: ((على إقام الصلاة وإيتاء الزكاة)) :
(خط): جعل رسولُ الله ◌َّ النصيحةَ للمسلمين شرطاً في الدِّين يُبايع
عليه؛ كالصلاة، والزكاة؛ فلذلك قرنها بهما (٣).
(ن): إنما اقتصر عليهما لأنهما قرينتان، وهما أهمُّ أركان الإسلام
(١) انظر: ((الكواكب الدراري)) للكرماني (١ / ٢١٧).
(٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٢ / ٣٩).
(٣) انظر: ((أعلام الحديث)) للخطابي (١ / ٥٤).
١٠٢

بعد الشهادتين وأظهرُها، ولم يذكر الصوم وغيرَه لدخولها في السَّمع
والطاعة، روى أبو القاسم الطبراني: أن جريراً أمر مولاه أن يشتري له فرساً،
فاشترى له فرساً بثلاث مئة درهم، وجاء به وبصاحبه لينَقُدَ له الثمنَ، فقال
جرير لصاحب الفرس: فرسُك خيرٌ من ثلاث مئة درهم، أتبيعنيه بأربع
مئة؟ قال: ذلك إليك يا أبا عبدالله، فقال: فرسُك خيرٌ من ذلك، أتبيعنيه
بخمس مئة درهم؟ ثم لم يزل يزيده مئة فمئة وصاحبُه یرضی، وجريرٌ
يقول: فرسُك خيرٌ، إلى أن بلغ ثمان مئة درهم، فاشتراه بها، فقيل له في
ذلك، فقال: إني بايعتُ رسول الله وَِّ [على] النَّصْح لكل مسلم (١).
١٨٣ - الثَّالِثُ: عَنْ أَنَسٍ ﴿، عن النبيِّ ◌َّهِ، قال: ((لا يُؤْمِنُ
أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ) متفق عليه.
(الثَّالُِ)
* قوله : ((لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه)»:
(ن): أي: لا يؤمن الإيمانَ التامّ، وإلا فأصل الإيمان يحصلُ لمَن لم
يكن بهذه الصفة، والمراد: يحبُّ لأخيه الطاعات والمُباحات، يدل عليه
ما جاء في رواية النسائي: ((حَتَّى يُحِبَّ لأَخِيهِ مِنَ الخَيْرِ))(٢).
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٢/ ٤٠)، والحديث رواه الطبراني في ((المعجم
الکبیر» (٢٣٩٥).
(٢) رواه النسائي (٥٠١٧)، من حديث أنس ظه، وهو حديث صحيح. انظر: ((صحيح
الجامع الصغير)) (٧٠٨٥).
١٠٣

قال الشيخ أبو عمرو بنُ الصَّلاح: وهذا قد يُعَدُّ من الصَّعب المُمتنع،
وليس كذلك؛ إذ معناه: لا يَكمُّل إيمانُ أحدكم حتى يحبّ لأخيه في
الإسلام مثلَ ما يحبُّ لنفسه، والقيام بذلك يحصل بأن يُحبَّ له حُصولَ
مثل ذلك من جهةٍ لا يزاحمه فيها، وذلك سهلٌ على القلب السليم، وإنما
يَعسُر على القلب الدَّغِل(١).
(ك): ((لا يؤمن))؛ أي: لا يكمُّل إيمانُهُ، وهذه مبالغةٌ، كأن الراكن
الأعظم فيه هذه المحبةُ؛ نحو: ((لا صلاة إلا بطهور))، أو هي مستلزِمةٌ لها،
أو يلزمُ ذلك لصدقه في الجملة، وهو عند حصول سائر الأركان؛ إذ
لا عُموم للمفهوم.
ولفظة ((حتى)) ههنا جارَّةٌ، لا عاطفة، ولا ابتدائية، وما بعدها خلافُ
ما قبلها، و(أن) بعدها مُضمرة؛ ولهذا نصب ((يحب)) ولا يجوز رفعُه
هاهنا؛ لأن عدم الإيمان ليس سبباً للمَحبَّة.
وقوله: ((لأخيه))؛ أي: للمسلمين؛ تعميماً للحكم.
و(ما يحب))؛ أي: مِثْلَ ما يحب؛ إذ عينُ ذلك المحبوب مُحالٌ أن
يحصل في مَحلَّين، واللامُ تدل على أن المُراد الخيرُ والمَنفعةُ؛ إذ هو
للاختصاص النافع، وكذا مَحبَّتُه لنفسه تدل على أن الشخصَ لا يحبُّ لنفسه
إلا الخيرَ، وجاء مُصرَّحاً في رواية النسائي، وكذا من الإيمان أن يبغض لأخيه
ما يبغض لنفسه، ولم يذكره إما لأن حُبَّ الشيء مُستلزِمٌ لبُغض نقيضه، أو لأن
الشخصَ لا یبغض مَحابَّ نفسه، فلا یحتاج إلی ذکره.
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٢ / ١٧).
١٠٤

قال التيميُّ: دلَّك رسولُ الله ◌َ﴿ على معرفة الإيمان من نفسك،
فانظر؛ فإن اخترت لأخيك في الإسلام ما تختار لنفسك؛ فقد اتصفت
بصفة الإيمان، وإن فَرَّقت بينك وبينه في إرادة الخير؛ فلستَ على حقيقته،
والمؤمن مُشتقٍّ من الأَمْن؛ أي: أنه يؤمن أخاه من الضَّيْم والشَّرِّ، وإنما
يصح هذا منه إذا ساوى بينه وبين نفسه، فأما إذا كان وصول الشَّرِّ إلى أخيه
أهونَ عنده من حصوله على نفسه، وحصولُه على الخير آثرَ من حُصول
أخيه عليه، فلا يؤمن إيماناً تامًاً(١).
(١) انظر: ((الكواكب الدراري)) للكرماني (١ / ٩٥)، وفيه: ((فلم يؤمنه أماناً تاماً)).
١٠٥

٣٣- باب
في الأمر بالمعروفِ والنهي عن المنكرِ
قال الله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِّنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ
بِالْغَرُوفٍ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِّ وَأُؤْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٤].
* وقال تعالى: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ
وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ﴾ [آل عمران: ١١٠].
* وقال تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُنْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضِ عَنِ الْجَِهِلِينَ ﴾
[الأعراف: ١٩٩].
* وقال تعالى: ﴿ وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضِ يَأْمُونَ
بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ﴾ [التوبة: ٧١].
* وقال تعالى: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ بَفِي إِسْرَِّيلَ عَلَى
لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمُ ذَلِكَ بِمَا عَصَواْ وَكَانُواْ يَعْنَّدُونَ
VA
كَانُواْ لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ﴾
[المائدة: ٧٨ - ٧٩].
* وقال تعالى: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَبَّكُمْ فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَنْ
١٠٦

شَآءَ فَلْيَكْفُرَّ ﴾ [الكهف: ٢٩].
* وقال تعالى: ﴿فَأَصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ﴾ [الحجر: ٩٤].
* وقال تعالى: ﴿أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوْءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ
ظَلَمُواْ بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ﴾ [الأعراف: ١٦٥].
والآياتُ في الباب كَثِيرَةٌ مَعلومَةٌ .
(الباب الثالث والعشرون)
(في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر)
(ن): هذا الباب قد ضُيِّع أكثره من أزمان مُتطاولة، ولم يبق منه في
هذه الأزمان إلا رُسومٌ قليلة جدّاً، وهو بابٌ عظيم به قِوامُ الأمر ومِلاكُه،
وإذا كَثُرِ الخَبَثُ عَمَّ العقابُ الصَّالِحَ والطالحَ، وإذا لم يأخذوا على يد
الظالم أوشك أن يَعمَّهُم الله بعقابه، ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن
تُصِيبَهُمْ فِتْنَهُ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ [النور: ٦٣]، فينبغي لطالب الآخرة،
والساعي في تحصيل رضا الله وقت، أن يعتنيَ بهذا الباب؛ فإن نفعَه عظيم،
لاسيَّما وقد ذهب مُعظمُه، ويُخْلِصَ نيته، ولا يهابنَّ به مَنْ ینکر علیه؛
لارتفاع مرتبته؛ فإن الله تعالى قال: ﴿وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ، إِنَّ اللَّهَ
لَقَوِىُّ عَزِيزٌ ﴾ [الحج: ٤٠]، وقال تعالى: ﴿وَمَن يَعْنَصِمِ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِىَ إِلَى صِرَاطٍ
مُسْنَقِيمٍ﴾ [آل عمران: ١٠١]، وقال تعالى: ﴿ وَاُلَّذِينَ جَهَدُواْ فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ
سُبُلَنَا﴾ [العنكبوت: ٦٩]، وقال تعالى: ﴿الّ ا أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَّكُواْ أَنْ يَقُولُواْ
ءَمَنَا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ ﴿ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمّ فَلَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُواْ وَلَيَعْلَمَنَّ
اَلْكَذِبِينَ﴾ [العنكبوت: ١ -٣].
١٠٧

واعلم أن الأجر على قدر النَّصَب، ولا يتارِكُه أيضاً؛ لصداقته ومَوَّدته
ومُداهَنته، وطلَبِ الوجاهة عنده، ودوامِ المنزلة لديه؛ فإن صداقتَه ومَوَّدته
توجب له حُرْمةً وحَقّاً، ومن حَقِّه أن ينصحَه ويهدیَه إلى مصالح آخرته
وينقذه من مَضارِّها، وصديقُ الإنسان ومُحِبُّه هو مَنْ يسعى في عمارة
آخرته، وإن أدى ذلك إلى نقصٍ في دنياه، وعَدوُّه مَنْ سعى في ذهاب
دينه، أو نقصٍ آخرته، وإن حصل بذلك نفعٌ في دنياه، وإنما كان إبليس
عدواً لنا بهذا، وكانت الأنبياء صلوات الله عليهم أولياءَ للمؤمنين؛ لسعيهم
في مصالح آخرتهم وهِدايتهم إليها، ونسأل اللهَ الكريم توفيقَنا وأحبابَنا
وسائرَ المُسلمين لمرضاته، وأن يَعُمَّنا بجُوده ورحمته(١).
· قال الله تعالى: ﴿وَلْتَكُن مِّنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَ يَأْمُرُونَ بِالْغَرُوفِ﴾ [آل
عمران: ١٠٤] الآيةَ، سبق تفسيره في (باب الدلالة على الخير).
(قض): الأمر بالمعروف يكون واجباً ومندوباً على حسب ما يأمر به،
والنهي عن المنكر واجبٌ كلُّه؛ لأن جميعَ ما أنكره الشرع حرامٌ، والأظهر أن
العاصيّ يجب أن يَنهى عَمَّا يرتكبه؛ لأنه يجب عليه تركُه وإنكارُه، فلا يُسقِطُ
أحدُهما وجوبَ الآخر(٢).
* قوله تعالى: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمٍَّ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [آل
عمران: ١١٠] الآيةَ، يخبر تعالى عن هذه الأُمة المُحمَّدية بأنهم خيرُ الأُمَم،
روى البخاريُّ في ((صحيحه)) عن أبي هريرة في قوله: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ ﴾ [آل
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٢ / ٢٤).
(٢) انظر: ((تفسير البيضاوي)) (٢ / ٧٥).
١٠٨

عمران: ١١٠]، قال: خير الناس للناس تأتون بهم في السلاسل في أعناقهم
حتى يدخلوا في الإسلام(١) وكذا قال ابنُ عباس، ومُجاهد، وعكرمةُ
وعطاءٌ، والربيعُ بن أنس، وعطيةُ العَوْفي.
وروى الإمام أحمد عن دُرَّةَ بنت أبي لَهَب رضي الله عنها قالت: قام
رجلٌ إلى النبيِّ ◌َّهِ، وهو على المِنَبَرِ، فقال: يا رسولَ الله! أَيُّ الناس خيرٌ؟
فقال: ((خَيْرُ النَّاسِ أَقرؤُهُم وأَتْقَاهُم لله، وآمَرُهُم بالمَعْرُوفِ، وأَنْهَاهُم عَن
المُنكَرِ، وأَوْصَلُهُم للَّحِمِ))(٢).
وروى أحمد أيضاً والترمذيُّ وحَسَّنه أن رسولَ اللهِوَّ قال: «أَنْتُمْ
تُوفُونَ سَبْعِينَ أُمَّةً، أَنْتُم خَيْرُها وأَكْرَمُها على اللهِ دَق)(٣).
وإنما حازت هذه الأمة قصبَ السَّبْق [إلى] الخيرات بنبيها مُحمَّد ◌َّه؛
فإنه أشرف خلق الله، وأكرم الرسل على الله، بعثه الله بشرع كامل عظيم لم
يُعْطِهِ الأنبياءَ قبلَه، والعملُ على منهاجه وسبيله يقومُ القليل منه ما لا يقوم
العمل الكثير من أعمال غيرهم مَقامَه، وقد وصفهم الله تعالى بقوله:
﴿تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ﴾ [آل عمران: ١١٠]،
فمَن اتَّصف بهذه الصفات؛ دخل معهم في الثناء عليهم والمدح لهم.
قال قتادة: إن عمر بن الخطاب ظه في حَجَّة حَجَّها رأى من الناس
(١) رواه البخاري (٤٢٨١).
(٢) رواه الإمام أحمد في ((المسند)) (٦/ ٤٣٢)، وهو حديث ضعيف. انظر: ((ضعيف
الترغيب والترهيب)) (١٣٨٩).
(٣) رواه الإمام أحمد في ((المسند)) (٥/ ٣)، والترمذي (٣٠٠١)، من حديث معاوية
ابن حيدة ، وهو حديث حسن. انظر: ((صحيح الجامع الصغير)) (٢٣٠١).
١٠٩

دَعةً، فقرأ هذه الآية: ﴿كُتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠]، ثم
قال: مَنْ سَرَّه أن يكون من تلكم الأمة؛ فليؤدِّ شرطَ الله فيها، رواه ابن
جرير(١)، ومن لم يتصف بذلك أشبه أهلَ الكتاب الذين ذَمَّهم الله بقوله :
﴿كَانُواْ لَا يَتَنَاهَوْنَ عَن مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ﴾
[المائدة: ٧٩](٢) .
(م): (كان) يدل على وجود النفي في الزمان الماضي، ولا يدلُّ على
انقطاع طارئ، كقوله: ﴿إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا﴾ [نوح: ١٠]، وقوله: ﴿وَكَانَ اَللَّهُ غَفُورًا
زَّحِيمًا﴾ [النساء: ٩٦]، والألفُ واللام في (المعروف) و(المُنكر) يفيدان
الاستغراقَ؛ أي: آمرين بكل معروف، ناهين عن كل مُنكر، ومتى كانوا
كذلك؛ فيكون إجماعُهم حَقّاً وصِدْقاً لا مَحالةَ، فكان حُجَّةً.
فإن قيل: هذه الصفاتُ الثلاثةُ كانت حاصلةً في سائر الأمم، فما
سببُ کونهم خيراً؟
أجاب القَفَّل: لأنهم يأمرون بالمعروف وينهون عن المُنكر بآكد الوُجوه،
وهو القتالُ؛ تَحمُّلاً لأعظم المَضارِّ، وهو القتل؛ لغرضِ إيصالِ الغير إلى أعظم
المنافع، فوجب أن يكون الجهادُ من أعظم العبادات، ولمَّا كان أمر الجهاد في
شرعنا أقوى منه في سائر الشرائع؛ لا جرم صار ذلك مُؤْجباً لفضل هذه الأُمّة
على سائر الأُمَم فإن قيل: قَدَّم الأمر بالمعروف، والنهيَ عن المُنكر على
الإيمان بالله في الذِّكر، مع أن الإيمان لا بُدَّ أن يكون مُقدَّماً.
(١) رواه ابن جرير الطبري في ((تفسيره)) (٤ / ٤٣).
(٢) انظر: ((تفسير ابن كثير)) (٣/ ١٤١).
١١٠

فالجواب: أن الإيمانَ أمرٌ مُشتركٌ فيه بين جميع الأمم المُحِقَّة، فيمتنع أن
يكون المُؤثَرُ في الخيريةِ القَدْرَ المشترك بين الكل، بل المُؤثَر هو كون هذه الأُمّة
أقوى حالاً في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأما الإيمان: فهو شرطٌ
التأثير هذا المُؤْثَر، والمُؤثَر أَلْصَقُ بالأثر من شرط التأثير (١).
* قوله تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرُ بِالْعُرْفِ﴾ قال ابن عباس: يعني: خذ
ما أعفاك من أموالهم، وما أتوك به من شيء فخذه، وروي عنه أيضاً:
يعني: أنفق الفضلَ.
وقال زيد بن أسلم: أَمَره الله بالعَفْو والصَّفْح عن المشركين عشرَ
سنين، ثم أمره بالغِلْظَة عليهم. واختار هذا القولَ ابنُ جریر.
وقال مُجاهدٌ: خذ العفوَ من أخلاق الناس وأعمالهم بغير تَجُّس،
ويشهد لهذا ما رواه ابن جرير وابن أبي حاتم مُرسلاً: لمَّا نزلت هذه الآية
قال رسول الله وَّجُ: ((ما هَذا يا جِبْرِيلُ؟ قال: إن الله أمرك أَنْ تعفوَ عَمَّن
ظلمك، وتُعطيَ مَنْ حَرَمكَ، وَتَصِلُ مَنْ قطعك))(٢).
وروى الإمام أحمد عن عُقْبةَ بن عامر قال: لقيتُ رسولَ اللهِوَّه
فأخذت بيده، فقلت: يا رسولَ الله! أخبرني بفَوَاضلِ الأعمال، فقال:
((يا عُقْبةُ! صِلْ مَنْ قَطَعكَ، وأَعْطِ مَنْ حَرَمَكَ، وأَعْرِضْ عَمَّن ظَلَمَكَ))(٣).
(١) انظر: ((تفسير الرازي)) (٨ / ١٥٦).
(٢) رواه ابن جرير الطبري في ((تفسيره)) (٩ / ١٥٥)، وابن أبي حاتم في ((تفسيره)) (٨٦٨٢).
(٣) رواه الإمام أحمد في ((المسند)) (٤/ ١٤٨)، وهو حديث صحيح لغيره. انظر:
((صحيح الترغيب والترهيب)) (٢٥٣٦).
١١١

وهذا تأديبٌ [لخَلْقه] باحتمال مَنْ ظلمهم واعتدی علیھم، لا بالإعراض
عَمَّن جهل الحق الواجبَ من حق [الله]، ولا بالصَّفْح عَمَّن كفر بالله وجَهِلَ
وحدانيته، وهو للمسلمين حربٌ.
وقد أخذ بعض الحكماء هذا المعنى فسبكه في بيتين فيهما جِناسٌ،
فقال :
أُمَرْتَ وأَعْرِضْ عَنِ الجَاهِلِيْن
خُذِ العَفْوَ وأمُرْ بِعُرفٍ كَمَا
فِمُسْتَحْسَنٌ مِنْ ذَوِي الجَاهِلِيْن
ولِنْ في الكَلامِ لكُلِّ الأنام
قال بعض العلماء: الناس رجلان: فرجل مُحسِنٌ؛ فخذ ما عفا لك من
إحسانه ولا تُكلِّفْه فوق طاقته ولا ما يُخْرِجُه، وإما مُسيءٌ؛ فمُره بالمَعروف،
فإن تمادى في ضلالته واستعصى عليك واستمرّ في جهله؛ فأعرض عنه،
فلعل ذلك أن یردَّ کَیْدَه(١).
قوله تعالى: ﴿ وَاُلْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضَِ يَأْمُرُونَ
بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ﴾ ؛ أي: يتناصرون ويتعاضدون؛ كما جاء في
الحديث: ((المُؤمِنُ للمُؤمِنِ كالبُنْيَانِ يَشدُّ بَعْضُهُ بَعْضاً) (٢)، وفي الصحيح:
((مَثلُ المُؤمِنِينَ فِي تَوادِّهِم وتَرَاحُمِهِم؛ كمَثَلِ الجَسَدِ الوَاحِدِ، إذا اشْتَكَى
منهُ عُضْوٌ؛ تداعَى لَهُ سَائِرُ الجسَدِ بالحُمَّى والسَّهَر))(٣) انتهى (٤).
(١) انظر: ((تفسير ابن كثير)) (٦ / ٤٤٨)، وانظر هذه الأقوال في ((تفسير ابن كثير)).
(٢) رواه البخاري (٤٦٧)، من حديث أبي موسى څه.
(٣) رواه مسلم (٢٥٨٦ / ٦٦)، من حديث النعمان بن بشير
(٤) انظر: ((تفسير ابن كثير)) (٧/ ٢٣٢).
١١٢

فلهذا وصفهم بكونهم يأمرون بالمعروف، وينَهْون عن المُنكر؛ أي:
يجتهدون في إنقاذ إخوانهم من الجَحيم، وإيصالهم إلى النَّعيم المُقيم،
وأيضاً اتَّصافُهم بهذا الوصف يُشعر بأن مَنْ لا يقوم بالأمر بالمعروف والنهي
عن المُنكر لا يكون مؤمناً حقاً.
: قوله تعالى: ﴿ لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ بَفِى إِسْرَِّيلَ﴾ إلى قوله:
﴿لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [المائدة: ٧٩]، قال ابن عباس: لُعنوا في التوراة،
وفي الزَّبور، وفي الإنجيل، وفي القرآن (١)، ثم بَيِّن حالَهم فقال: ﴿كَانُواْ لَا
يتناهون عن منكرٍ فَعَلُوهُ﴾؛ أي: كان أحدُهم لا ینھی أحداً عن ارتكاب
المآثم والمحارم، ثم ذمَّهم على ذلك ليُحذرَ أن يُرتكبَ مثلُ ما ارتكبوا.
وفي (سنن أبي داود)) أن النبيَّ مَِّ قال: ((إذا عُمِلَت الخَطِيئَةُ في
الأَرْضِ؛ فمَنْ شَهِدَها فأنكَرَها كان كمَنْ غابَ عنها، ومَنْ غاب عنها
فرَضِيَها كانَ كمَنْ شَهِدَها))(٢)، وفيه أيضاً: أنه وَِّ قال: ((لَنْ يَهْلِكَ النَّاسُ
حَتَّى يَعْذِرُوا مِنْ أَنفُسِهِمْ))(٣).
وفي ((سنن ابن ماجه)) عن أبي سعيد الخُذْريِّ قال: سمعتُ رسولَ اللهِوَه
يقول: ((لا يَحْقِرْ أَحَدُكُمْ نَفَسَهُ))، قالوا: يا رسولَ الله! كيف يَحِقِرُ أحدُنا
نفسَه؟ قال: ((يرى أمراً لله عَلَيْهِ فيه مَقَالٌ، ثمَّ لا يقولُ فيه، فِيَقولُ [الله] له
(١) رواه ابن أبي حاتم في ((تفسيره)) (٦٦٦٢).
(٢) رواه أبو داود (٤٣٤٥)، من حديث العرس بن عميرة الكندي ظه، وهو حديث
حسن. انظر: ((صحيح الجامع الصغير)) (٦٨٩).
(٣) رواه أبو داود (٤٣٤٧)، وهو حديث صحيح. انظر: ((صحيح الجامع الصغير))
(٥٢٣١).
١١٣

يومَ القِيامَةِ: [ما مَنَعَكَ] أَنْ تقولَ في كذا كذا وكذا؟ فَيَقُولُ: خَشْيَةَ النَّاسِ،
فيَقولُ: فإيّايَ كُنْتَ أَحَقَّ أَنْ تَخْشَى))(١).
وفيه عن أنس بن مالك قال: قيل: يا رسولَ الله؛ متى نترك الأمرَ بالمعروف
والنهي عن المنكر؟ قال: ((إذا ظهرَ فِيكُمْ ما ظهرَ فِي الأُمَمِ قَبْلَكُم))، قالوا:
يا رسولَ الله؛ وما ظهر في الأُمم قبلنا؟ قال: ((المُلْكُ فِي صِغَارِكُم، والفَاحِشَةُ
فِي كِبَارِكُم، والعِلْمُ فِي رُذالَتِكُم))، قال زيد: إذا كان العلم في الفُشَّاقِ (٢).
(م): (التناهي): تفاعُلٌ من النَّهي؛ أي: كانوا لا ينهى بعضُهم بعضاً،
روى ابن مسعود مرفوعاً: ((مَنْ رَضِيَ عملَ قَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُم، ومَنْ كَثَّرَ سَوَادَ قَومٍ
فَهُوَ مِنْهُمْ))(٣). وقيل: التناهي بمعنى الانتهاء، يقال: انتهى عن الأمر وتناهَى
عنه: إذا کَفَّ عنه.
فإن قيل: الانتهاء عن الشيء بعد أن صار مفعولاً غيرُ مُمكن، فلم ذَمَّهم
عليه؟ قلنا: المُراد: لا يتناهون عن مُعاودة منكرٍ فعلوه، أو الإصرارِ على مُنكر
فعلوه، أو عن مُنكر أرادوا فعله، وأحضروا آلاته وأدواته. واللام في
﴿لَبِئْسَ﴾ لام القسم، كأنه قال: أُقِسمُ لبئس ما كانوا يفعلون (٤).
(١) رواه ابن ماجه (٤٠٠٨)، وهو حديث ضعيف. انظر: ((ضعيف الجامع الصغير))
(٦٣٣٢).
(٢) انظر: ((تفسير ابن كثير)) (٥/ ٣٠٠)، والحديث رواه ابن ماجه (٤٠١٥)، وهو حديث
ضعيف. انظر: ((ضعيف ابن ماجه)) (٨٧٠).
(٣) أورده ابن حجر في ((المطالب العالية)) (١٦٦٠) من ((مسند أبي يعلى))، ورواه
الدیلمي في «مسند الفردوس)» (٥٦٢١).
(٤) انظر: ((تفسير الرازي)) (١٢ / ٥٤).
١١٤

* قوله تعالى: ﴿ وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّيِّكُمْ فَمَنْ شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَنْ شَآءَ فَلْيَكْغُرَّ ﴾
[الكهف: ٢٩]؛ أي: يا محمد قل للناس: هذا الذي جئتكم به من ربكم هو
الحَقُّ الذي لا مِرْيَةَ فيه ولا شَكَّ، فمَنْ شاء فليؤمن، ومن شاء فليكفر؛ من
باب التهديد والوعيد الشديد(١).
(م): لمَّا أمر الله رسولَه أن لا يلتفتَ إلى الأغنياء الذين قالوا: إن طردت
الفقراءَ آمنا بك؛ قال بعده: ﴿ وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّيَّكُمْ ﴾ [الكهف: ٢٩]؛ أي: إن الدِّينَ
الحَقَّ إنما أتى من عند الله، فإن قبلتموه عاد النفعُ إليكم، وإلا عاد الضَّررُ
عليكم، ولم يأذن في طرد مَنْ آمن لأجل مَنْ لم يؤمن، انتهى (٢).
ومناسبةُ هذه الآية للباب: أن الآمِرَ بالمعروف والناهيَ عن المُنكر
عليه أن يمضِيَ لِمَا أمره الله، ولا يتركَه لظنه أن النُّصْحَ لا ينفع فيمَن يأمرُه
وينهاه، فليس عليه إلا ذلك، فمنْ شاء قَبِلَ النُّصْحَ، ونَفَعَهُ، ومَنْ شاء
أعرض، ولا يضرُّ إلا نفسَه.
* قوله تعالى: ﴿ فَأَصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ﴾ [الحجر: ٩٤]:
(الصدع): هو مواجهةُ المشركين به، وقال ابن عباس: أي: أَمْضِهِ(٣)،
وعن عبدالله [بن] مسعود: ما زال النبيُّ ◌َِّ مُستَخْفِياً حتى نزلت ﴿فَاصْدَعْبِمَا
تُؤْمَرُ﴾ [الحجر: ٩٤]، فخرج هو وأصحابه(٤).
(١) انظر: ((تفسير ابن كثير)) (٩/ ١٣٠).
(٢) انظر: ((تفسير الرازي)) (٢١ / ١٠١).
(٣) ذكره البغوي في ((معالم التنزيل)) (٥٩/٣).
(٤) انظر: ((تفسير ابن كثير)) (٨ / ٢٨٣)، والحديث رواه ابن جرير الطبري في ((تفسيره))
(١٤ / ٦٨).
١١٥

(م): الصدع في اللغة: الشَقُّ والفَصْل، يقال: تصدَّع القومُ: إذا
تفرَّقوا، ويقال: صَدَع بالحُجَّة: إذا تكلم بها جِهَاراً، و(ما) بمعنى الذي؛ أي:
بما تؤمر به من الشرائع، فحذف الجار، ويجوز أن تكون مصدريةً؛ أي:
فاصدع بأمرك وشأنك(١).
* قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ
عَذَابًا شَدِيدًا قَالُواْ مَعْذِرَةً إِلَى رَبَّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ﴾ [الأعراف: ١٦٤]، يخبر تعالى
عن أهل هذه القرية أنهم صاروا إلى ثلاث فرق: فرقة ارتكبت المَحذُورَ،
وفرقة نهت [عن] ذلك، فأنكرت واعتزلتهم، وفرقة سكتت، فلم تفعل ولم
تَنْهَ، ولكنها قالت للمُنكرة: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ﴾؛ أي: لمَ تنهون
هؤلاء وقد علمتم أنهم هلكوا واستحقوا العقوبة من الله؟! فلا فائدةَ في نهیکم
إياهم، قالت لهم المُنكرة: ﴿مَعْذِرَةً إِلَى رَيَّكُنْ﴾؛ أي: نفعل ذلك معذرةً إلى
الله فيما أَخذَ علينا من الأمر بالمعروف والنهي عن المُنكر، ﴿وَلَعَلَّهُمْ يَنَّقُونَ ﴾
ما هم فيه، ویرجعون إلى الله تائبین.
ثم إن الله تعالى نَصَّ على نجاة النَّاهين، وهلاك الظالمين، وسكت عن
الساكتين؛ لأن الجزاء من جنس العمل، فهم لا يستحقون مدحاً فيُمدحوا،
ولا ارتكبوا عظيماً فيُذْمُّوا، ومع هذا فقد اختلف الأئمة: هل هم كانوا من
الهالكين أو النَّاجين؟ على قولين، كلاهما منقولٌ عن ابن عباس، والمُرجَّح
منهما نجاةُ الساكتين؛ لمفهوم قوله: ﴿وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُواْ﴾ [الأعراف: ١٦٥]،
فيستفاد منه أن الذين اتقوا نجوا.
وقوله: ﴿بَِيسٍ﴾ قال مجاهد: شديد، وفي رواية، أليم، وقال قتادة:
(١) انظر: ((تفسير الرازي)) (١٩ / ١٧٠).
١١٦

مُوجِع. والكُلُّ مُتقارب(١).
(م): نقل عن ابن عباس أنه توقَّف فيهم، وعنه أيضاً: هلكت الفرقتان،
ونجت الناهية، وكان ابن عباس إذا قرأ هذه الآية بكى [وقال: إن هؤلاء]
الذين سكتوا عن المُنكر هلكوا، ونحن نرى أشياء ننكرها، ثم نسكت
ولا نقول شيئاً.
وقال الحسن: الفرقة الساكتة ناجية، فعلى هذا: نجت فرقتان، وهلكت
الثالثة، واحتجوا بأن الساكتين كانوا مُنكرين عليهم أشدَّ الإنكار، وإنما تركوا
وَعْظَهم لأنه غلب على ظنهم أنهم لا يلتفتون إلى ذلك الوَعْظ ولا ينتفعون
به(٢) .
(قض): قالوه مبالغة في أن الوعظَ لا ينفع فيهم، أو سؤالاً عن عِلَّة
الوعظ ونفعه، وكأنه تقاوُلٌ بينهم، أو قول مَن ارعوى عن الوعظ لمن لم يَرْعَوِ
منهم، وقيل: المراد طائفة من الفرقة الهالكة أجابوا به وُتَّاظَهم رَدّاً عليهم
وتهُّماً به.
وقوله: (معذرةٌ) بالرفع جوابٌ للسؤال؛ أي: موعظتُنا إنهاءُ عُذْر إلى الله
تعالى، حتى لا نُنُسبَ إلى تفريط في النهي عن المنكر، وقرأ حفصٌ بالنصب
على المصدر، أو العِلَّةِ؛ أي: اعتذرنا به معذرةً، أو: وعظناهم معذرةً.
وقوله: ﴿بِعَذَابٍ بَيٍ﴾ الظاهر يقتضي أن الله تعالى عَذَّبهم أولاً بعذاب
شديد، فعتَوا بعد ذلك، فمَسَخهُم، رُوي أن الناهين لمَّا أيسوا عن اتِّعاظ
(١) انظر: ((تفسير ابن كثير)) (٥ / ٤٨٣).
(٢) انظر: ((تفسير الرازي)) (١٥/ ٣٣).
١١٧

المُعتدين؛ كرهوا مُساكنتَهم، فقسموا القرية (١) بجدار فيه بابٌ مطروقٌ،
فأصبحوا يوماً ولم يخرج إليهم أحدٌ من المُعتدين، فقالوا: إن لهم شأناً،
فدخلوا عليهم؛ فإذا هم قِرِدَةٌ، فلم يعرفوا أنسباءَهم(٢)، ولكن القردة عرفتهم،
فجعلت تأتي أنسباءَهم وتَشْتَمُّ ثيابَهم وتدور باكيةً حولهم، ثم ماتوا بعد ثلاث.
وعن مُجاهد: مُسِخت قلوبُهم لا أبدانهم(٣) .
وَأَمَّا الأحاديثُ:
١٨٤ - فالأوَّلُ: عن أبي سعيدِ الخُدْرِيِّ ﴿ه، قالَ: سَمِعْتُ
رَسُولَ اللهِ﴿ يَقُولُ: (مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَراً، فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ
لَمْ يَسْتَطِعْ، فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ، فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ
الإيمانِ» رواه مسلم.
(الَّوْلُ)
(ن): ((فليغيره)) أمرُ إيجابٍ بإجماع الأمة، وقد تطابق على وجوبه
الكتابُ، والسُّنةُ وإجماعُ الأُمَّة، وأما قولُه تعالى: ﴿عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُم
مَنْ ضَلَّ إِذَا أُهْتَدَيْتُمْ ﴾ [المائدة: ١٠٥] معناه: إنكم إذا فعلتم ما كُلُّمتم به؛ فلا
يَضُرُّكم تقصيرُ غيركم؛ مثل قوله تعالى: ﴿وَلَا نَِّرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤]،
(١) في الأصل: ((الفرقة)).
(٢) في الأصل: ((أنسابهم)) في الموضعين.
(٣) انظر: ((تفسير البيضاوي)) (٣ / ٦٨).
١١٨

وإذا كان كذلك؛ فمِمَّا كُلِّف به الأمرُ بالمعروف والنهي عن المنكر، وإذا
فعله ولم يمتثل المُخاطَب؛ فلا عَتْبَ بعد ذلك على الفاعل؛ لكونه أَدَّی ما
عليه، فإنما عليه الأمرُ والنهيُ، لا القَبول.
ثم إن الأمرَ بالمعروف والنهيَ عن المُنكر فرضٌ على الكفاية، إذا قام
به بعض الناس سقط الحرج عن الباقين، وإذا تركه الجميع أثم كُلَّ مَن
تمكَّن منه بلا عُذر ولا خوف، ثم إنه قد يتعين؛ كما إذا كان في موضع
لا يعلم به إلا هو، أو لا يتمكن من إزالته إلا هو، وکمَن یری زوجتَه أو
ولدَه أو غُلامَه على مُنكر أو تقصيرِ في المعروف.
قال العلماء: ولا يسقط الأمر بالمعروف والنهيُ عن المُنكر لكونه
لا يفيد في ظَنِّه، بل يجب عليه فعلُه؛ فإنَّ الذكرى تنفع المؤمنين، وقد
قَدَّمنا أن عليه الأمرَ والنهيَ، لا القَبولَ، وما على الرسول إلا البلاغ.
ولا يشترط في الآمر والناهي أن يكون كاملَ الحال، مُمثلاً ما يأمر به،
مجتنباً ما ينهى عنه، بل عليه الأمرُ وإن كان مُخِلاً بما يَأمر به، والنهيُ وإن كان
مُلتبساً بما يَنْهَى عنه؛ فإنه يجب عليه شيئان: أن يأمرَ نفسَه وينهاها، ويأمرَ
غيرَه وينهاه، فإذا أخلَّ بأحدهما، کیف یباح له الإخلال بالآخر؟!
ولا يختصُّ(١) الأمر بالمعروف والنهيُ عن المُنكر بأصحاب الولایات،
بل ذلك ثابتٌ لآحاد المسلمين.
قال إمام الحرمين: والدليل عليه إجماعُ المسلمين؛ فإنَّ غيرَ الوُلاة في
الصَّدْر الأول والعصرِ الذي يليه كانوا يأمرون الوُلاةَ بالمعروف، ويَنْهَوْنَهم
(١) في الأصل: ((يختلف)).
١١٩

عن المُنكر، مع تقرير المسلمين إياهم، وترك التوبيخ على المُتشاغل بهما
من غير ولاية.
ثم إنه يأمر وينهى مَنْ كان عالماً بما يأمر به وينهى عنه، وذلك يختلف
باختلاف الشيء، فإن كان من الواجبات الظاهرة أو المُحرَّمات المشهورة؛
كالصلاة، والصيام، والزكاة، والزِّنًا، والخمر، ونحوها؛ فكُلُّ المسلمين
عُلماءُ بها، وإن كان من دقائق الأفعال والأقوال، ومما يتعلق بالاجتهاد؛ لم
يكن للعَوامِّ مَدْخِلٌ فيه، ولا لهم إنكارُه، بل ذلك للعُلماء.
ثم العلماء إنما ينكرون ما أُجمع عليه، أما المختلَف فيه: فلا إنكارَ على
أحد المذهبين، وهو أن كلَّ مجتهد مُصيبٌ، وهذا هو المُختار عند كثير من
المُحقِّقين أو أكثرهم، وعلى المذهب الآخر المُصيبُ واحد والمخطئء غيرُ
مُتَعيِّن لنا، والإثم مرفوعٌ عنه، لكنْ إنْ نَدَبه على جهة النصيحة إلى الخروج
من الخلاف؛ فهو حَسنٌ محبوبٌ مندوب إلى فعله برِفْق؛ فإن العُلماءَ متفقون
على الحَثِّ على الخروج من الخلاف إذا لم يلزم منه إخلالٌ بسُنَّة، أو وقوعٌ
في خلافٍ آخر.
وذكر أقضى القضاة أبو الحسن المَاوَرْدِيُّ البَصريُّ خلافاً بين
العلماء في أن مَنْ قَلَّده السلطان الحِسْبةَ؛ هل له أن يحمل الناس على
مذهبه إذا كان المُحتَسِبُ من أهل الاجتهاد، أم لا يُغيِّرُ ما كان على مذهب
غيره؟ الأصحُّ: أنه لا يُغيِّرِ؛ لما ذكرناه، ولم يزَل الخلاف في الفروع بين
الصحابة والتابعين فمَنْ بعدَهم أجمعين ولا ينكِر مُحَتَسِبٌ ولا غيره؛
ولذلك قالوا: ليس للمُفتي ولا القاضي أن يعترضَ على مَنْ خالفه إذا لم
يُخالف نصّاً، أو إجماعاً، أو قياساً جَلِيّاً، وينبغي للآمر والناهي أن يَرْفُقَ؛
١٢٠