النص المفهرس
صفحات 81-100
بأنه يَفتحُ الله على يديه، فكان كذلك، والفعلية بُصاقه في عينيه، وكان
أرمدَ، فبرئ من ساعته، وفيه فضيلة ظاهرةٌ لعليٍّ ﴿ُ، وبيانُ شجاعته،
وحُسنٍ مراعاته لأمر رسول الله وَّه، وحُبِّه لله ورسوله وحُبِّهما إياه، انتهى(١).
وفي ((المعجم الكبير)) للطبراني عن سلمةَ [بن] الأكوع: أن رسولَ الله وَّ
أعطى الرَّايةَ أبا بكر الصِّدِّيقَ ﴿ه، وبعثه إلى بعض حُصون خَيْبر، فقاتل، ثم
رجع ولم يكن فَتْحٌ، وقد جَهِد، فقال: ((لأُعطِيَنَّ الرَّايةَ غداً رَجُلاً يُحِبُّ اللهَ
ورسُولَهُ يَفتحُ الله على يدَيهِ، وليسَ بِفَرَّارٍ))، فدعا عليَّ بن أبي طالب، وهو أَرْمَدُ،
فَتَفَل في عينيه، قال: ((خذ هذه الرَّايةَ حَتَّى يفتحَ اللهُ لكَ)) قال سلمةُ: فخرج والله
يُهرِولُ هَزْولةً، وأنا خلفه أتبع أثرَه، حتى ركز الرَّايةَ في رَضْمِ حجارة، فاطَّلع
عليه يهوديٍّ من رأس الحِصْن، فقال: مَنْ أنت؟ قال: عليُّ بن أبي طالب، قال:
فقال اليهوديُّ: غلبَهم وما أُنزل على موسى، فما رجعَ حَتَّى فتحَ الله عليه(٢).
(ن): وفيه: الدعاء إلى الإسلام قبل القتال، وقد قال بها طائفةٌ على
الإطلاق، ومذهبنا أنهم إن كانوا مِمَّن لم يبلغهم دعوة الإسلام؛ وجب
إنذارُهم قبل القتال، وإلا؛ فلا يجب، لكن يُستحبُّ، وليس في هذا ذكرُ
الجِزْية وقبولها إذا بذلوها، ولعله كان قبل نزول آية الجزية، وفيه: دليلٌ
على قَبول الإسلام سواءٌ كان في حال القتال(٣) أم في غيره(٤).
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٥ / ١٧٨).
(٢) رواه الطبراني في ((المعجم الكبير)) (٦٣٠٣).
(٣) في الأصل: ((القيام)).
(٤) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٥ / ١٧٧).
٨١
١٧٦ - وعن أَنَسٍ ﴾: أَنَّ فَتَىَ مِنْ أسْلَمَ قالَ: يا رَسُولَ اللهِ!
إِنِّي أُرِيد الغَزْوَ، ولَيْس مَعِي مَا أَتَجَهَّزُ بِهِ؟ قَالَ: ((ائْتِ فُلانً؛ فَإِنَّهُ
قَدْ كَانَ تَجَهَّزَ، فَمَرِضَ))، فَأَنَاهُ فقالَ: إِنَّ رسولَ اللهِهِ يُقْرِتُكَ
السَّلامَ، ويَقُولُ: أَعْطِنِي الَّذِي تجَهَّزْتَ بِهِ، فقال: يَا فُلانَةٌ! أَعْطِيهِ
الَّذِي تَجَهَّزْتُ بِهِ، ولا تَحْبِسِي مِنْهُ شَيْئاً، فَواللهِ لاَ تحْبِسِينَ مِنْهُ
شَيْئاً فَيُبَارَكَ لَكِ فِيهِ. رواه مسلم.
(ن): فيه: فضيلةُ الدَّلالة على الخير، وفيه: أن ما نوى الإنسان صَرْفَه
في جهة، فتَعذَّرت عليه تلك الجهةُ؛ يُستحب بَذْلُه في جهة أخرى من البِرِّ،
ولا يلزمه ذلك بالنَّذْرِ(١).
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٣ / ٣٩).
٨٢
٢١- باب
في التعاون على البرِّ والتقوى
* قال الله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبِّ وَاَلنَّقْوَىّ﴾ [المائدة: ٣].
وقال تعالى: ﴿وَاَلْعَصْرِ ) إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِى خُسْرِ ن إِلَّا الَّذِينَ
ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ وَتَوَاصَوْاْ بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْ بِالصَّبْرِ﴾ [العصر: ١ -
٣].
قال الإمَام الشَّافِعِي رَحِمَه الله كَلاَماً مَعْنَاهُ: إِنَّ النَّاسَ أوْ
أَكْثَرَهُمْ فِي غَفْلَةٍ عَنْ تَدَبُّرِ هَذِهِ السُّورَةِ.
(الباب الحادي والعشرون)
(في التعاون على البر والتقوى)
* قوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الَّ وَالنَّقْوَى ◌ّ﴾ [المائدة: ٣] سبق في الباب
قبله.
* قوله تعالى: ﴿وَاَلْعَصْرِ ن إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِى خُسْرٍ﴾ [العصر: ١ -٢]: الزَّمان
الذي يقع فيه حركاتُ بني آدم من خير وشر، وعن زيد بن أسلم: هو الوقتُ
الذي يلي المغربَ من وقت النهار.
٨٣
وقيل: هو صلاة العصر، والمشهور الأول، فأقسم تعالى بذلك إنَّ
الإنسان في خسارة وهلاك، ثم استثنى من جنس الإنسان عن الخُسران ﴿الَّذِينَ
ءَامَنُواْ﴾ بقُلوبهم، ﴿وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ﴾ بجوارحهم، ﴿وَتَوَاصَوْاْ بِالْحَقِّ ﴾،
وهو أداءُ الطاعات، وتَرْكُ المُحرَّمات، ﴿وَتَوَاصَوْ بِالصَّبْرِ﴾ على المصائب
والأقدار، وأذى مَنْ يُؤذي مِمَّن يأمرونه بالمَعروف، وينهوَنه عن المُنكر.
قال الإمام الشافعي رحمه الله: لو تدبر الناس هذه السُّورةَ لوَسِعَتْهُم(١).
(م): في العصر أقوال:
أحدها: أنه الدهر؛ إذ هو مُشتمل على الأعاجيب، ولأن العمر لا قيمة
له، فلو ضَيَّعْتَ ألفَ سنة ثم تُبْتَ في اللَّمحة الأخيرة؛ بقيتَ في الجَنَّة أبدَ
الآباد، وفيه تنبيةٌ على أن الليل والنهار فُرصةٌ يُضيِّعُها المُكلَّف، ولأن الزمان
أعلى وأشرف من المكان، فيكون القَسَم بالعصر قسماً بأشرف النِّصفين من
مُلكه ومَلَكُوته، ولأنه ذكر العصر الذي بمُضيِّه ينقصُ العمر، فإذا لم يكن في
مُقابلته كَسْبٌ؛ صار ذلك النقصانُ عينَ الخُسران.
ثانيها: أنه قسم بأحد طرفي النهار؛ فإنه تعالى أقسم بالعَشِيِّ كما
أقسم بالضُّحى؛ فإن كلَّ بَكْرةٍ كأن القيامةَ قامت، يخرجون من القُبُور،
وتصير الأمواتُ أحياءً، ويقام المَوَازين، وكل عشية تشبه تخريبَ الدُّنيا
بالصَّعْقِ والمَوت، فالغافل عنها في خسر.
قال الحسن: إنما أقسم بهذا الوقت؛ تنبيهاً على أن الأسواقَ قد دنا
وقتُ انقطاعها، وانتهاء التجارة والكَسْب [فيها]، فإذا لم تكتسِبْ ودخلتَ
(١) انظر: ((تفسير ابن كثير)) (١٤ / ٤٥١).
٨٤
الدار؛ طاف العِيالُ عليك يسألك كلُّ أحد بما هو حَقُّه، فحينئذ تخجل
وتخسر، وكذا نقول: ﴿وَالْعَصْرِ﴾؛ أي: وعصر الدنيا قد دَنَتْ القِيامةُ وأنت
بعدُ لم تَستعِدَّ، فإذاً؛ أنت خاسرٌ.
وقيل: لأن هذا الوقت مُعَظّمٌ، وكما أقسم في حق الرابح بالضُّحى،
وأنَّ أمره إلى الإقبال؛ كذا أقسم في حق الخاسر بالعصر وأن أمرَه إلى
الإِدْبَار، وكأنه يقول: بعضُ النهار باقٍ، فيحُثُّه على التدارك في البقية
بالتوبة، وعن بعض السلف: تعلَّمتُ معنى السُّورة من بائع الثلج کان یصیحُ
ويقول: ارحموا مَنْ يذوبُ رأسُ ماله، فقلت: هذا معنى ﴿إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِى
خُسْرٍ ﴾ [العصر: ٢].
ثالثها: أنه أقسم بصلاة العصر؛ لكونها الصَّلاةَ الوُسطى، ولكونها
خَتْمَ طاعات النهار، فهي كالتوبة، والأُمور بخواتيمها، فأقسم بهذه الصلاة
تفخيماً لشأنها، وزيادةً بوَصِيَّة المُكلَّف على أدائها، وإشارةً منه أنك إذا
أديتها على وجهها عاد خُسرانك ربحاً.
رابعها: أنه أقسم بزمان الرسول وَ الر؛ أي: العصر الذي أنت فيه، فهو
تعالى أقسم بزمانه في هذه الآية، وبمكانه في قوله: ﴿وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَدِ﴾ [البلد:
٢]، وبعُمُره في قوله: ﴿لَعَمْرُكَ ﴾ [الحجر: ٧٢]، فكأنه قال وعَصْرِك وبلدِك
وعُمُرِك، وذلك كلُّه كالظَّرْف له، فإذا وجب تعظيم الظرف؛ فقِسْ حالَ
المظروف.
والألف واللام في ﴿الْإِنسَنَ﴾ للجنس، والخُسْرُ والخُسران کالكُفر
والكُفران، ومعناه: النُّقصانُ، وذهابُ رأس المال، والتنكيرُ يفيد التهويلَ؛
أي: في خُسْرٍ عظيم لا يعلم كُنْهَهُ إلا الله، وأَنَّ كالمَغمور في الخُسران،
٨٥
أحاط به من كل جانب، أكده بـ [إنَّ] واللام، والجملة الاسمية.
فإن قيل: قوله: (في خسر) يفيد التوحيدَ، مع أنه في أنواعٍ من الخُسر.
فالجواب: أن الخُسْرَ الحقيقيَّ هو حِرمانُهُ عن خدمة رَبِّه، وأما الحِرمانُ
عن الجنة، والوقوعُ في النار: فبالنسبة إلى الأول كالمعدوم، وهذا كما أن
الإنسان في وجوده فوائدُ، وقد قال تعالى ﴿ وَمَا خَلَقْتُ اَلِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا
لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦]؛ أي: هذا هو أجلُّ المقاصد.
واعلم أن الإنسان لا ينفَكُّ عن خُسران؛ لأن الخُسر مع تضييع رأس
[المال، ورأسُ] مال العبد عُمرُه، وهو قلَّما ينفَكُّ فيه من خُسران؛ لأن كل
ساعة تمرُّ بالإنسان إذا صرفها في المعصية فلا شك في الخُسران، وإن
كانت في المُباحات فكذلك؛ لأنه كان مُتمكِّناً من أن يعمل عملاً صالحاً
يبقى أَثَرُه دائماً، وإن كانت في الطاعات؛ فلا طاعةً إلا ويمكن الإتيانُ بها
أو بغيرها على وجه أحسنَ من ذلك؛ لأن مراتبَ الخُضوع والخُشوع غيرُ
مُتناهيةٍ؛ فإن مراتِبَ جلال الله وقهره غيرُ متناهية، وتركُ الأعلى للاقتصارِ
على الأدنی نوعُ خُسران.
واعلم أن سببَ الخُسران للإنسان: أن سعادتَهُ في حُبِّ الآخرة
والإعراض عن الدُّنيا، ثم إن الأسبابَ الذَّاعيةَ إلى الآخرة خَفِيَّةٌ، والأسبابَ
الدَّاعية إلى الدنيا ظاهرةٌ، وهي الحواسُّ الخمس، والشَّهوةُ، والغضبُ؛
فلهذا السببِ استغرق الخَلقُ في حُبِّ الدُّنيا، ووقعوا في الخَسَار والبَوَار.
فإن قيل: قوله تعالى: ﴿خَلَقْنَا اُلْإِنسَنَ فِيَ أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ) ثُمَّ رَدَدْنَهُ أَسْفَلَ
سَفِلِينَ﴾ [التين: ٤ -٥] يدلُّ على أن الابتداء من الكمال، والانتهاءَ إلى النقصان،
وها هنا بالعكس.
٨٦
قلنا: المذكور هناك أحوال البدن، وهاهنا أحوالُ النفس، وقوله
تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ ءَامَنُوا﴾ تسليةٌ للمؤمن من فوات عمره وشبابه؛ لأن العمل
قد أوصله إلى ما هو خيرٌ منهما.
فإن قيل: في جانب الخُسْر ذُكِرَ الحُكمُ ولم يُذكر السببُ، وفي
جانب الرِّبح ذُكر السببُ، ولم يُذكر الحكمُ، فما الفرق؟
قلنا: لم يذكر سببُ الخُسر؛ لأن الخُسرَ كما يحصل بالفعل - وهو
الإقدامُ على المعصية - يحصلُ بالترك، وهو عدمُ الإقدام على الطاعة، وأما
الرِّبحُ: فلا يحصل إلا بالفعل، وأيضاً؛ إنه تعالى أبهم في جانب الخُسر
ولم يُفصِّل، وفي جانب الرِّبح فَصَّل، وهذا هو اللائق بالكرم.
وقوله: ﴿وَتَوَاصَوْاْ بِالْحَقِّ ﴾ [العصر: ٣]؛ أي: هم مع خروجهم من
الخسر بالإيمان والعمل الصالح لم يقتصروا على ما يَخُصُّهم، بل يُوصون
غيرَهم بمثل طريقهم، فالتواصي بالحَقِّ يدخل فيه سائرُ الدِّين من علمٍ
وعملٍ، والتواصي بالصبر يدخل فيه حَمْلُ النفس على مشقة التكليف(١).
* قوله: (نقل عن الشافعي رحمه الله كلاماً معناه: الناس في غفلة عن
تدبر هذه السورة):
(ش): قال الشافعي: ولو تفكّروا فيها لَكَفَتْهُم، وبيانُ ذلك: أن المراتبَ
أربعة، وبتمامها واستكمالها يحصل للشخص غايةُ كماله:
إحداها: معرفة الحق.
الثانية : عَمَلُه به.
(١) انظر: ((تفسير الرازي)) (٣٢/ ٨٠).
٨٧
الثالثة: تعليمُه لمَن لا يعلمه.
الرابعة: صبره على تعلُّمه والعمل به وتعليمه.
فذكر تعالى هذه المراتبَ الأربع في هذه السورة الكريمة، فأقسم
سبحانه بالعصر أن جنسَ الإنسان في خسر ﴿ إِلَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾، وهم الذين
عرفوا الحَقَّ فصَدَّقوا به، فهذه المرتبة الأولى ﴿وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ﴾ وهم
الذين عملوا بما علموه من الحق، وهذه هي الثانية، ثم قال: ﴿وَتَوَاصَوْاْ
بِالْحَقِّ ﴾؛ أي: وصَّى بعضُهم بعضاً، تعليماً وإرشاداً، أمراً ونهياً، وهذه
هي الثالثة، ﴿وَتَوَاصَوْاْ بِالصَّبْرِ﴾؛ أي: صبروا على الحق بعد علمهم به،
ووصَّى بعضُهم بعضاً بالصبر عليه والثبات، فهذه مرتبةٌ رابعة، وهذا هو
نهايةُ الكمال؛ فإن حقيقة الكمال أن يكون الشخص كاملاً في نفسه مُكمِّلاً
لغيره، وكمالُه إنما يكون بكمال قُوَّتيه العلمية والعملية، فصلاحُ القوة
العلمية بالإيمان، وصلاحُ القوة العملية بعمل الصالحات، وتكميله غيره
بتعليمه إياه، وصبره عليه، وتوصِيتِه بالصبر على العلم والعمل، فهذه
السورة الكريمة مع اختصارها من أجمع سور القرآن وأكثرها حَضّاً على
الخير بحذافيره، والحمد لله الذي جعل کتابه کافیاً عن كل ما سواه(١).
وقد ذكر ابن عبد السلام في ((قواعده)): أن الصَّحابةَ كانوا إذا
اجتمعوا؛ لم يَتفرَّقوا حتى يقرؤوا هذه السورةَ، والله أعلم.
(١) انظر: ((مفتاح دار السعادة)) لابن القيم (١ / ٥٦).
٨٨
١٧٧ - عن أبي عبدِ الرحمنِ زيدِ بنِ خالدِ الجُهَنِيِّ ﴾ قالَ:
قالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ: ((مَنْ جَهَّزَ غَازِياً في سَبِيلِ اللهِ فَقَدْ غَزَا، وَمَنْ
خَلَفَ غَازِياً في أَهْلِهِ بِخَيْرٍ فَقَدْ غَزَا» متفقٌ عليه.
١٧٨ - وعن أبي سعيدِ الخُدْرِيِّ ﴿ه: أَنَّ رَسُولَ اللهِوَّهِ بَعَثَ
بَعْثاً إلى بَنِي لِحْيَانَ مِنْ هُذَيْلِ، فقالَ: ((لِيَنْبَعِثْ مِنْ كُلِّ رَجُلَيْنِ
أَحَدُهُمَا، وَالأَجْرُ بَيْنَهُمَا)) رواه مسلم.
(لَوْلُ وَالثَّانِى)
(ن): ((فقد غزا))؛ أي: حصل له أجرٌ بسبب الغَزْو، وهذا الأجر يحصل
بكل جهاد، سواء قليلُه أو كثيره، وبكل خالفٍ خلَف أهلَه بخير؛ من قضاء
حاجة لهم، وإنفاقٍ عليهم، أو ذَبِّ عنهم، أو مُساعدتهم في أمر لهم، ويختلف
قَدْرُ الثواب بقِلَّة ذلك وکثرته.
وفي هذا الحديث: الحَثُّ على الإحسان إلى مَنْ فعل مصلحةً للمُسلمين،
أو قام بأمر من مُهِمَّاتهم(١).
(قض): يقال: خَلَفَه في أهله: إذا قام مقامه في إصلاح حالهم،
ومحافظة أمرهم؛ أي: من تولَّى أَمرَ الغازي، وناب منابَه في مُراعاة أهله
في غَيْبته؛ شاركه في الثواب؛ لأن فراغ الغازي له واشتغالَه به بسبب قيامه
بأمر عِياله، فكأنه مُسبَّبٌ مِن فِعْلِهِ(٢) .
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٣ / ٤٠).
(٢) انظر: ((تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة)) للبيضاوي (٢ / ٥٨٢).
٨٩
(ن): ((بني لحيان)) بكسر اللام وفتحها، والكسر أشهر، كانوا في ذلك
الوقت كُفَّاراً، فبعث إليهم بَعْئاً يغزوهم، وقال لذلك البَعْث: ((ليَخْرُجْ من كُلِّ
قَبِيلةٍ نِصْفُ عَدَدِها))، وأما كونُ الأجر بينهما: فمحمولٌ على ما إذا خلَف
المقيمُ الغازيَ في أهله بخير كما سبق، قال الأزهري: البَعْثُ: [بعث] الجند
إلی العدو، حكاه عن اللیث، انتهى(١).
وقد تقدم ما ذكره القُرطبيُّ في هذا الحديث في الباب قبله.
١٧٩ - وعنِ ابنِ عباسٍ: أَنَّ رَسُولَ الله ◌ِ﴿ لَقِيَ رَكْباً بالرَّوْحَاءِ،
فقالَ: ((مَنِ القَوْمُ؟))، قَالُوا: المُسْلِمُونَ، فَقَالُوا: مَنْ أَنْتَ؟ قال:
(رَسُولُ اللهِ)، فَرَفَعَتْ إِلَيْهِ امْرَأَةٌ صَبِيّاً، فَقَالَتْ: أَلِهَذَا حَجُّ؟ قال:
(نَعَمْ، وَلَكِ أَجْرٌ)) رواه مسلم.
(الثَّالُِّ)
* قوله: ((ركباً):
(تو): هو جمع راكب؛ كـ (صاحب وصَحْب)، وهم العشرة فما فوقها
من أصحاب الإبل في السفر دون الدوابِّ.
(ن): ((الروحاء)» مكانٌ معروف على ستة وثلاثين ميلاً من المدينة.
(ن): قولهم: ((من أنت؟)) قال القاضي: يحتمل أن هذا اللقاءَ كان
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٣ / ٤٠).
٩٠
ليلاً، فلم يعرفوه وبَّز، ويحتمل كونها نهاراً، لكنهم لم يروه پڼ قبل ذلك؛
لعدم هجرتهم، فأسلموا في بلدانهم، ولم يهاجروا قبل ذلك(١).
* قولها: ((ألهذا حج)):
(ط): ((حج)) فاعل الظرف؛ لاعتماده على الهمزة؛ يعني: أَيحصُل
لهذا ثوابُ حَجُّ؟ وما قالت: (أَعَلى هذا)؛ لأنه لا يجب على الأطفال(٢).
* قوله {قليا: ((نعم ولك أجر)):
(ن): فيه حُجَّة للشافعيِّ ومالك وأحمدَ وجماهير العلماء: أن حَجَّ
الصبي مُنعقدٌ صحیح، یثابُ علیه وإن كان لا يجزئه عن حَجَّة الإسلام، بل
يقع تَطُّعاً.
وقال أبو حنيفة: لا يصح حَجُّه، وقال أصحابه: وإنما فعلوه تمريناً له
ليعتادَه فيفعلَه إذا بلغ، وهذا الحديث يَرُدُّ عليهم، وأجمع العُلماء أنه
لا يجزئه إذا بلغ عن حُجَّة الإسلام إلا فِرْقةً شَذَّت، ولا يلتفت إلى قولها (٣).
(ق): بدليل أن الصبيَّ لا يجب عليه حُكمٌ شرعاً اتفاقاً، وإنما
الخلاف هل يخاطَبُ بخطاب النَّدْبِ من جهة الله تعالى، أو إنما المُخاطَب
أولياؤهم؛ بحَمْلِهم على آداب الشريعة، وتمرينهم عليها، وأخذهم بما
يمكنهم من أحكامها في أنفسهم وأموالهم؟ وهذا هو المَرْضيُّ في
الأصول، ثم لا بُعْدَ في أن الله تعالى يُثيبهم على ما يصدر عنهم من أفعال
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٩ / ٩٩).
(٢) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (١٩٣٩/٦).
(٣) انظر: ((شرح مسلم) للنووي (٩ / ٩٩).
٩١
البِرِّ والخير؛ فإن الثواب فضلُ الله يؤتيه من يشاء، وبهذا قال عمرُ بن
الخطاب وكثيرٌ من العلماء؛ يعني: أنهم يُئابون على طاعاتهم، ولا يعاقبون
على سيئاتهم(١).
(ن): قال القاضي: جواز الحَجِّ بالصِّبيان مُجمعٌ عليه، وإنما خلاف أبي
حنيفة في أنه هل ينعقد حَجُّه وتجري عليه أحكام الحَجِّ؛ من الفِذْية، ودم
الجُبْران، وسائر أحكام البالغ، وأبو حنيفة يمنع ذلك، والجمهور یثبتونه.
أما الذي يُحرِمُ عن الصبيٍّ: فالصحيحُ عند أصحابنا: أنه الذي يلي
مالَه، وهو أبوه، أو جَدُّه، أو الوَصِيُّ أو القَيِّمُ من جهة القاضي، أو
القاضي، أما الأمُّ: فلا يصحُّ إحرامها عنه، إلا أن تكون وصيّةً، أو قَيِّمةً من
جهة القاضي، وقيل: إنه يصحُّ إحرامُها وإحرامُ العَصَبة وإن لم يكن لهم ولايةٌ
للمال، هذا كلُّه إذا كان صبياً لا يُميِّزِ، فإن كان مميزاً؛ أَذِن له الوليُّ فأحرم،
فلو أحرم بغير إذن الولي، أو أحرم الوليُّ عنه؛ لم ينعقد على الأصح، وصفةٌ
إحرام الوليٍّ عن غير المُميِّز: أن ينوي بقلبه: جعلتُه مُحرماً(٢).
(ق): واختلف في الصبيِّ إذا أحرم ثم بلغ فقال مالك: لا يَرفُض
إحرامَه، ويُتِمُّ حَجَّه، ولا يجزئه عن حَجَّة الإسلام، وقال: إن استأنف
الإحرامَ قبل الوقوف؛ أجزأه عنها.
وقال أبو حنيفة: يلزمه تجديدُ النية للإحرام؛ إذ لا يُترك فرضٌ لنافلة،
وقال الشافعيُّ: يجزئه، ولا يحتاج إلى تجديد نية، والخلاف في العبد يُحرم
(١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٤٤٦/٣).
(٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٩ / ٩٩).
٩٢
ثم يَعْتِقُ كالخِلاف في الصبيِّ(١).
(ن): ((ولكِ أجر)» معناه: بسبب حَمْلها وتجنيبها إياه ما يجتنبه المُحرم،
وفِعْلِ ما يفعلُه المُحرم(٢).
١٨٠ - وعَنْ أَبِي موسى الأَشْعَرِيِّ ◌َ﴿، عن النبيِّ وَّهِ: أنَّهُ
قالَ: ((الخَازِنُ المُسْلِمُ الأمِينُ الَّذِي يُنْفِذُ ما أُمِرَ بِهِ، فَيُعْطِيهِ كامِلاً
مُؤَفَراً طَيِّبَةً بِهِ نَفْسُهُ، فَيَدْفَعُهُ إِلَى الَّذِي أُمِرَ لَهُ بِهِ، أَحَدُ المُتَصَدِّقَيِنَ))
متفقٌ عليه.
وفي رواية: ((الَّذِي يُعْطِي مَا أُمِرِ بِهِ)، وضبطوا ((المُتَصَدِّقَيْنِ))
بفتح القاف مع كسر النون على التَّيْنِيَةِ، وعَكْسُهُ عَلَى الجَمْعِ،
وَكَلَاهُمَا صَحِيحٌ.
* قوله ◌َّ: «الخازن المسلم الأمين ... إلى آخره)):
(ن): هذه الأوصاف شرطٌ لحُصول هذا الثواب، فينبغي أن يعتنيَ بها
ويُحافظ عليها(٣).
(١) انظر: (المفهم)) للقرطبي (٣/ ٤٤٦).
(٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٩ / ١٠٠).
(٣) انظر ((شرح مسلم)) للنووي (٧ / ١١٣).
٩٣
(ق): فإن لم يكن مسلماً؛ [لم] يصح منه نيةُ التقرُّب، وإن لم يكن
أميناً؛ كان عليه وِزْرُ الخيانة، فكيف يحصل له أجر الصدقة(١)؟!
(مظ): شَرَطَ في الحديث طِيبَ النفس بإعطاء ما أُمر به؛ فإنَّ البخيلَ
كلَّ البخيل مَنْ بخل بمال الغير، وأن يُعطيَ من أُمِرَ بالدفع [إليه] لا إلى
الغير(٢).
(ن): معنى الحديث: أن المُشارك في الطاعة مُشارٌ في الأجر والمراد:
المُشاركةُ في أصل الثواب، فيكونُ لهذا ثوابٌ ولهذا ثواب، وان كان أحدُهما
أكثر، ولا يلزم أن يكون مقدار ثوابهما سواءً، بل قد يكون ثوابُ هذا أكثرَ،
وقد يكون عكسُه، فإذا أعطى المالكُ لخَازنه، أو امرأته، أو لغيرهما، مئة
درهم ليُوصلها إلى مُستِحقِّ للصدقة على باب داره أو نحوه؛ فأجرُ المالك
أکثر، وإن أعطاه رُمَّانةً أو رغیفاً ونحوهما؛ حیث ليس له کثیرُ قيمة؛ ليذهب به
إلى مُحتاج في مسافة بعيدة؛ بحيث لو تقابَلَ مشيُّ الذاهب إليه [بأجره] لزاد
على الرُّمَّانة والرغيف؛ فأجر الوكيل أكثر، وقد يكون [عملُهُ] قدرَ الرغيف
مثلاً، فیکون مقدار الأجر سواءً.
واعلم أنه لا بُدَّ في العامل والخازن والزوجة والمملوك من إذن المالك
في ذلك، فإن لم يكن أذن أصلاً؛ فلا أجرَ لهؤلاء، بل عليهم وِزْرٌ بتصرفهم
في مال غيرهم بغير إذنه، والإذن ضربان: أحدهما: الإذن الصريح في النفقة
(١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٣ / ٦٨).
(٢) انظر: ((المفاتيح في شرح المصابيح)) للمظهري (٢ / ٥٥٦)، وانظر: ((شرح المشكاة))
للطيبي (٥ / ١٥٦٩).
٩٤
والصدقة، والثاني: الإذن المفهوم من اطِّراد العرف؛ كإعطاء السائل كِسْرةً،
فما جرت العادةُ به، واطَّرد العُرف فيه، وعُلم بالعُرف رضا الزوجِ والمالك
به؛ فإذنه في ذلك حاصلٌ وإن لم يتكلم، فإن شكَّ في رضاه، أو كان شحيحاً
يشُُ بذلك، وعُلم من حاله [ذلك]، أو شُكَّ فيه؛ لم يجز للمرأة وغيرها
الصدقةُ من ماله إلا بصریح إذنه(١).
(ق): ((أحد المتصدقين)) لم نروه إلا بالتثنية، ومعناه أنه بما فعل
مُتَصدِّقٌ، والذي أخرج الصدقةَ بما أخرج مُتُصدِّق [آخر]، فهما مُتَصدِّقان،
ويصح أن يقال على الجمع، ويكون معناه أنه مُتصدّق من جُملة المُتصدِّقِين(٢).
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٧ / ١١١).
(٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٣/ ٦٨).
٩٥
٢٢- باب
٢٢ - ٧.
في النصیحة
* قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ ﴾ [الحجرات: ١٠].
* وقال تعالى إخباراً عن نُوحِ بَّهِ: ﴿وَأَصَحُ لَكُـ
﴾ [الأعراف :
٦٢].
* وعَنْ هُودٍ وَلِ: ﴿وَأَنَاْ لَكُمْ نَاصِعُ أَمِينٌ﴾ [الأعراف: ٦٨].
(الباب الثاني والعشرون)
(في النصيحة)
(خط): ((النصيحة)): كلمةٌ جامعة معناها حِيَّازةُ الحَظِّ للمنصوح له،
ويقال: هو من وجيز الأسماء، ليس في كلام العرب كلمة مفردة يُستوفی بها
العِبارةُ عن معنى هذه الكلمة؛ كما قالوا في الفلاح: ليس في كلام العرب
كلمةٌ أجمعُ لخير الدنيا والآخرة منه.
وقيل: النصيحة مأخوذةٌ من نَصَحَ الرجلُ ثوبَه: إذا خاطه، فشَبَّهوا فعلَ
الناصح فيما يتحرَّاه من صلاح المَنصوح له بما يَسُدُّه من خلل الثوب، وقيل:
إنها مأخوذة من نَصحتُ العسلَ: إذا صَفَّيْتَه من الشَّمْع، شبَّهوا تخليصَ القول
٩٦
من الغِشِّ بتخليص العسل من الخلط(١).
* قوله تعالى: ﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ ﴾ [الحجرات: ١٠]؛ أي: الجميع
إخوة في الدِّين(٢).
(قض): من حيث إنهم مُنتسبون إلى أصل واحد، وهو الإيمان المُوجِبُ
للحياة الأبدية، وهو تعليلٌ وتقرير للأمر بالإصلاح؛ ولذلك كرَّره مُرتَّباً عليه
بالفاء، فقال: ﴿فَأَصْلِحُواْ بَيْنَ أَخَوَيَّكُمْ﴾ [الحجرات: ١٠]، ووضع الظاهر موضعَ
المُضمر للمبالغة في التقرير والتخصيص، وخَصَّ الاثنين بالذكر؛ لأنهما أولُ
مَنْ يقع بينهما الشِّقاق (٣).
(م): قال قائلهم:
أَبِي الإِسْلامُ لا أبَ لي سِوَاهُ
إذا افتَخَرُوا بَقْيسٍ أَو تَمِيمٍ
انتھی(٤).
وكان سَلْمانُ الفارسيُّ ◌َلُله يقول: أنا سلمان بن الإسلام.
ومناسبةُ هذه الآية للباب من وجهين:
أحدهما: أنه ينبغي للمؤمن أن لا يدَّخِرَ النُّصْحَ عن المؤمن؛ كما
لا يَدَّخر النصيحة عن أخيه؛ فإنما المؤمنون إخوةٌ .
(١) انظر: ((أعلام الحديث)) للخطابي (١ / ٥٦).
(٢) انظر: ((تفسير ابن كثير)) (١٣ / ١٥٢).
(٣) انظر: ((تفسير البيضاوي)) (٥ / ٢١٦).
(٤) انظر: ((تفسير الرازي)) (٢٨ /١١١).
٩٧
ثانيهما: أن المؤمِنَيْن إذا تشاجَرا وتخاصما؛ فينبغي أن ينصحَهُما
بالإصلاح بينهما.
* قوله تعالى إخباراً عن نوح عليه السلام: ﴿ أُبَلِغُكُمْ رِسَلَتِ رَبِ وَأَنْصَحُ
﴾[الأعراف: ٦٢]، هذا شأن الرسول، ينبغي أن يكون بليغاً، فصيحاً،
ناصحاً، عالماً بالله، لا يدركهم أحدٌ من خلق الله في هذه الصِّفات(١).
(قض): في إجابة الأنبياء جماعةَ الكَفَرة عن كلماتهم الحمقاء بما
أجابوا والإعراض عن مُقابلتهم كمالُ النُّصح والشَّفَقة، وهَضْمُ النفس،
وحُسن المُجادلة، وهكذا ينبغي لكل ناصح(٢).
وَأَمَّا الأحادِيثُ:
١٨١ - فَالأَوَّلُ: عن أبي رُقَّةَ تميمٍ بنِ أَوْسِ الدَّارِيِّ ﴾: أَنَّ
النَّبِيَّ وَّهِ قالَ: ((الدِّينُ النَّصِيحَةُ))، قُلْنَا: لِمَنْ؟ قَالَ: ((للهِ، ولكتَابِهِ،
ولِرَسُولِهِ، وَلأَئمَّةِ المُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ)) رواه مسلم.
(لَوْلُ)
(ن): هذا حديث عظيم الشأن، وعليه مدار الإسلام، وأما ما قاله
جماعاتٌ من العلماء: إنه أحد أرباع الإسلام؛ فليس كما قالوه، بل المدار
(١) انظر: ((تفسير ابن كثير)) (٦/ ٣٢٧).
(٢) انظر: ((تفسير البيضاوي)) (٣/ ٣٢).
٩٨
على هذا وحده(١).
(خط): أي: عماد الدِّين وقِوَامُه النصيحة؛ كقولهم: ((الحَجُّ عَرَفَةَ))؛
أي: عِمادُهُ ومُعظمُه(٢).
(ن): ذكر الخَطَّابيُّ وغيره من تفسير النصيحة كلاماً نفيساً، أنا أضمُّ
بعضها إلى بعض مختصراً، قالوا: أما النصيحة لله: فمعناه مُنصرِفٌ إلى
الإيمان به، ونفي الشرك عنه، وتركِ الإلحاد في صفاته، ووصفِه بصفات
الكمال والجلال كلُّها، وتنزيهه سبحانه عن جميع أنواع النقائص، والقيامِ
بطاعته، واجتنابٍ معصيته، والحُبِّ فيه، والبُغض فيه، وموالاةٍ مَن أطاعه،
ومعاداةِ مَن عصاه، وجهادٍ مَن كفر به، والاعترافِ بنعمته، وشكرِه عليها،
والإخلاصِ في جميع الأُمور، والدعاءِ إلى جميع الأوصاف المذكورة،
والحَثِّ عليها، والتلطُّفِ في جميع الناس أو مَن أَمْكَنَ منهم عليها.
قال الخَطَّابُّ: وحقيقة هذه الأوصاف راجعةٌ إلى العبد في نُصْحِه نفسَه،
والله غنيٌّ عن نُصح الناصح.
وأما النصيحةُ لكتابه سبحانه: فالإيمانُ بأنه كلام الله وتنزيلُه، لا يشبهه
شيء من كلام الخَلْق، ولا يقدر على مثله أحدٌ من الخلق، ثم تعظيمُه وتلاوتُه
حَقَّ تلاوته، وتحسينها، والخشوعُ عندها، وإقامةُ حُروفه في التلاوة، والذَّبُّ
عنه لتأويل المُحرِّفين، وتعرُّضِ الطاعنين، والتصديقُ بما فيه، والوقوفُ مع
أحكامه، وتفُّمُ علومه وأمثاله، والاعتبارُ بمواعظه، والتفگُّرُ في عجائبه،
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٢ / ٣٧).
(٢) انظر: ((أعلام الحديث)) للخطابي (١ / ٥٦)
٩٩
والعملُ بمُحْكَمِهِ، والتسليمُ لمُتشابهه، والبحثُ عن عُمومه وخُصوصه،
وناسخِه ومنسوخه، ونشرُ علومه، والدعاءُ إليه وإلى ما ذكرنا من نصيحته.
وأما النصيحة لرسول الله وَّهِ: فتصديقُه على الرِّسالة، والإيمانُ بجميع ما
جاء به، وطاعتُه في أمره ونهيه، ونَصْرُه حياً وميتاً، ومُعاداةُ من عاداه، وموالاةٌ
مَن ولاه، وإعظامُ حَقِّه، وتوقيرُه، وإحياءُ طريقته وستَّته، وبَثُّ دعوته، ونشرُ
سُنَّته، ونفيُ التُّهَمة عنها، واستفادةُ علومها، والتفقهُ في معانيها، والدعاءُ إليها،
والتلظُّف في تعلُّمها وتعليمها، وإعظامها وإجلالها، والتأذُّبُ عند قراءتها،
والإمساكُ عن الكلام بغير علم، وإجلالُ أهلها لانتسابهم إليها، والتخلُقُ
بأخلاقه، والتأذُّبُ بآدابه، ومحبةُ أهل بيته وأصحابه، ومُجانبٌ مَن ابتدع في
سُنَّته، أو تعرَّضَ لأحد من أصحابه، ونحو ذلك.
وأما النصيحةُ لأئمّة المسلمين: فمُعاونتُهم على الحَقِّ، وطاعتُهم فيه،
وأمرُهم به، وتنبيهُهم وتذكيرهم بلُطف ورِفْقٍ، وإعلامُهم بما غفلوا عنه ولم
يبلغهم من حقوق المسلمين، وتركُ الخروج عليهم، وتألّفُ الناس لطاعتهم.
قال الخَطَّابيُّ: ومِن النصيحة لهم: الصلاةُ خلفهم، والجهادُ معهم،
وأداءُ الصدقات عليهم، وتركُ الخُروج بالسيف عليهم إذا ظهر منهم حَيْفٌ أو
سُوءُ عِشْرةٍ، وأن لا يُغْرَوا بالثناء الكاذب عليهم، وأن يُدْعَى لهم بالصلاح،
وهذا كلُّه على أن المراد بأئمَّة المسلمين الخلفاءُ وغيرهم مِمَّن يقوم بأُمور
المسلمين من أصحاب الولايات، وهذا هو المشهور، وحكاه أيضاً الخَطَّابيُّ،
قال: وقد يُتَأوَّل ذلك على الأئمّة الذين هم علماء الدِّين، وأن مِن نُصحهم
قَبَولَ ما رَوَوْه، وتقليدَهم في الأحكام، وإحسانَ الظن بهم.
١٠٠