النص المفهرس
صفحات 61-80
١٩ - باب فِي مَنْ سَنَّ سُنَّةً حسنةً أو سيئةً * قال الله تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَاهَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَجِنَا وَذُرِّيَِّنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَأَجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ [الفرقان: ٧٤]. * وقال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَهُمْ أَيِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا﴾ [الأنبياء: ٧٣]. (الباب التاسع عشر) (فیمن سنَّ سنة حسنة أو سيئة) * قوله تعالى: ﴿ وَاُلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَاهَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَجِنَا وَذُرِّيَّاكِنَا قُرَّةَ أَعْيُرٍ وَأَجْعَلْنَالِلْمُنَّقِينَ إِمَامًا﴾ [الفرقان: ٧٤]؛ أي: يسألون الله أن يُخرجَ من أصلابهم وذُرِّياتهم مَنْ يطيعه ويعبده. وقال ابن عباس: يعنون مَنْ يعمل بالطاعة، فتقرَّ به أعينُهم في الدنيا والآخرة. وقال عكرمة: لم يريدوا بذلك صَبَاحَةً ولا جمالاً، ولكن أرادوا أن يكونوا مطيعين. ٦١ قال الحسن البصري: والله لا شيءَ أَقرُّ لعين المسلم [من] أن يرى ولداً، أو ولدَ ولدٍ، أو أخاً، أو حميماً، مطيعاً لله وَك. روى الإمام أحمد عن عبد الرَّحمن بن جُبير بن نُفُير عن أبيه قال: جلسنا إلى المِقْدَادِ بن الأَسود يوماً، فدخل رجلٌ فقال: طوبى لهاتين العينين اللتين رأتا رسولَ الله وَّه لوَدِدْنا أنَّا رأينا ما رأيتَ، وشهدنا ما شهدت، فاستَغْضَبَ [المقداد]، فجعلت أعجبُ؛ [لأنه] ما قال إلا خيراً، ثم أقبل فقال: ما يحملُ رجلاً على أن يَتمنَّى مَحْضَراً غَيَّبه اللهُ عنه، لا يدري لو شهده كيف كان يكون فيه؟ والله لقد حضر رسولَ الله وَ لّ أقوامٌ أَكبَّهُم على مَناخِرهم في جهنّم، لم يُجيبوه، ولم يُصدِّقوه، أوَلا تحمدون الله إذ أخرجكم [من بطون أمهاتكم لا تعرفون إلا ربّكم، مُصَدِّقين بما جاء به نبيُكم، قد كُفيتم البلاء بغيركم، لقد بعث الله النبيَّ رَِّ على أشرِ حالٍ بعثَ عليها نبياً](١) من الأنبياء، في فترة من جاهلية ما يرون أن ديناً أفضلُ من عبادة الأَوْثان، فجاء بفُرقان فَرَّق به بين الحَقِّ والباطل، وفَرَّق بين الوالد وولده، إن كان الرجلُ ليرى والدَه وولدَه أو أخاه كافراً، وقد فتح الله قُفْل قلبه للإيمان، يعلم أنه إن هلك دخل النار، فلا تقَرُّ عينُه، وهو يعلم أن حبيبَه في النار، وإنها التي قال الله تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَاهَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَجِنَا وَذُرِّيَّاكِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ ﴾ [الفرقان: ٧٤]، هذا الحديث إسناده صحيح، ولم يُخرِّجوه(٢) . (١) ما بين معكوفتين من ((تفسير ابن كثير)) (١٠/ ٣٣٣). (٢) انظر: ((تفسير ابن كثير)) (١٠ / ٣٣٢)، والحديث رواه الإمام أحمد في ((المسند)» (٦/ ٢)، وإسناده صحيح. انظر: ((السلسلة الصحيحة)) (٢٨٢٣). ٦٢ * قوله تعالى: ﴿وَأَجْعَلْنَا لِلْمُنَّقِينَ إِمَامًا﴾ : قال ابنُ عباس، والحسنُ، وقتادة، والسُّدِّيُّ، والربيع بن أنس: أئمةً يُقتدى بنا في الخير. وقال غيرهم: هُداةً مهتدين، دُعاةً إلى الخير، فأحبوا أن تكون عبادتُهم متصلةً بعبادة أولادهم وذُرِّياتهم، وأن يكون هُداهم مُتعدِّياً إلى غيرهم بالنفع، وذلك أكثر ثواباً، وأحسن مآباً . وفي الحديث: ((إذا ماتَ ابنُ آدَمَ؛ انقطعَ عَملُهُ إِلَّ مِنْ ثَلاثٍ: وَلَدٍ صَالحِ يَدْعُو له، أَو عَمَلٍ يَنتَفِعُ به، أَو صدَقَةٍ جَارِيةٍ)»(١). (الثعلبي): قال ابن عباس: اجعلنا أثمََّ هداية؛ كما قال: ﴿وَجَعَلْنَهُمْ أَبِمَّةُ يَهْدُونَ بِأَمَّرِنَا﴾ [الأنبياء: ٧٣]، ولا تجعلنا أئمّةَ ضَلالةٍ؛ كقوله: ﴿وَجَعَلْنَهُمْ أَبِمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ ﴾ [القصص: ٤١] (٢). (الكشاف): أراد: أئمَّةً، فاكتفى بالواحد لدلالته على الجنس، ولعدم اللَّبْس؛ كقوله: ﴿ثُمَُّخْرِجُكُمْ ◌ِفْلًا﴾ [غافر: ٦٧]، أو أرادوا: اجعل كلَّ واحد منا إماماً، أو أرادوا جمع آمِّ كصائم وصيام، أو أرادوا: واجعلنا إماماً واحداً؛ لاتِّحادنا واتفاق كلمتنا(٣). قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَبِمَّةُ يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُواْ﴾ [السجدة: ٢٤]؛ أي: لمَّا كانوا صابرين على أمر الله وتركِ زواجره؛ كان منهم (١) رواه مسلم (١٦٣١ / ١٤)، من حديث أبي هريرة ◌َظُته. (٢) انظر: ((تفسير الثعلبي)) (٧ / ١٥٢). (٣) انظر: ((الكشاف)) للزمخشري (٣/ ٣٠٢). ٦٣ أئمةٌ يهدون إلى الحَقِّ بأمر الله، ويدعون إلى الخير، ويأمرون بالمعروف، وينهَون عن المنكر(١). (م): فكذلك اصبروا وآمنوا بأن وعدَ الله حَقٌّ (٢). ١٧١ - عَنْ أبي عَمْرٍو جَريرِ بنِ عبدِ الله ◌َ﴿ه، قال: كُنَّا فى صَدْرِ النَّهَارِ عِنْدَ رسولِ اللهِوَهَ، فَجَاءَهُ قَوْمٌ عُرَاةٌ مُجْتَابِي الِّمَارِ، أو العَبَاءِ، مُتَقَدِّدِي السُّهُوفِ، عَامَّتُهُمْ مِنْ مُضَرَ، بَلْ كُلُّهُمْ مِنْ مُضَرَ؛ فَتَمَعَّرَ رسولُ اللهِ﴿ لِمَا رَأَى بِهِمْ مِنَ الفَاقَةِ؛ فَدَخَلَ ثُمَّ خَرَجَ، فَأَمَرَ بِلالاً فَأَذَّنَ وَأَقَامَ، فَصَلَّى ثُمَّ خَطَبَ؛ فَقَالَ: ((﴿وَيُّهَا النَّاسُ أَتَّقُواْ رَبَّكُمْ الَّذِى خَلَقَكُ مِّن نَّفْسٍ وَحِدَةٍ﴾ إلَى آخر الآية: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ ، وَالآيَةُ الأُخْرَى الَّتِي في آخِرِ الحَشْرِ: ﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا اتَّقُواْ اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسُ مَّا قَدَمَتْ لِغَدٍّ﴾ تَصَدَّقَ رَجُلٌ مِنْ دِينَارِهِ، مِنْ دِرْهَمِهِ، مِنْ ثَوْبِهِ، مِنْ صَاعِ بُرِّهِ، مِنْ صَاعِ تَمْرِهِ»، حَتَّى قَالَ: ((وَلَوْ بِشِقٌّ تَمْرَةٍ، فَجَاءَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ بِصُرَّةٍ كَادَتْ كَفَّهُ تَعْجِزُ عَنْهَا، بَلْ قَدْ عَجَزَتْ، ثُمَّ تَتَبَعَ النَّاسُ حَتَّى رَأَيْتُ كَوْمَيْنِ مِنْ طَعَامٍ وَثِيَابٍ، حَتَّى وَأَيْتُ وَجْهَ رسولِ اللهِ وَّهِ يَتَهَلَّلُ كَأَنَّهُ مُذْهَبَةٌ، فقال رسولُ اللهِ وَلِّ: (١) انظر: ((تفسير ابن كثير)) (١١ / ١٠٦). (٢) انظر: ((تفسير الرازي)) (٢٥ / ١٦٢). ٦٤ ((مَنْ سَنَّ في الإِسْلامِ سُنةً حَسَنَةً فَلَهُ أَجْرُهَا وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ بَعْدِهِ مِنْ غَيْرٍ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ، وَمَنْ سَنَّ فِي الإسْلامِ سُنَّةٌ سَيَِّةً كَانَ عَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ بَعْدِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْءٌ» رواه مسلم . قَوْلُهُ: ((مُجْتَابِي النِّمَارِ)): هُوَ بالجِيمِ وبعد الألِفِ باءٌ مُوَخَّدَةٌ، و ((النِّمَار)): جَمْعُ نَمِرَةٍ، وَهِيَ: كِسَاءٌ مِنْ صُوفٍ مُخَطَّطٌ، وَمَعْنَى مُجْتَابِيهَا؛ أي: لابِسِيهَا، قَدْ خَرَقُوهَا فِي رُؤُوسِهِمِ. وَالجَوْبُ: القَطْعُ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُواْ الصَّخْرَ بِأَلْوَارِ﴾ [الفجر: ٩]؛ أَيْ: نَحَتُوهُ وَقَطَّعُوهُ. وَقَوْلُهُ: ((تَمَعَّرَ)) هو بالعين المهملة؛ أَيْ: تَغَیَّرَ. وَقَوْلُهُ: ((رَأَيْتُ كَوْمَيْنٍ)) بفتح الكافِ وضمّها؛ أَيْ: صُبْرَتَيْنِ. وَقَوْلُهُ: ((كَأَنَّهُ مُذْهَبَةٌ) هو بالذالِ المعجمةِ، وفتحِ الهاءِ والباءِ الموحدة. قَالَهُ القَاضِي عِيَاضٌ وَغَيْرُهُ. وَصَخَفَهُ بَعْضُهُمْ فَقَالَ: (مُدْهُنَةٌ) - بِدَالٍ مهملةٍ وضم الهاءِ وبالنونِ، وَكَذَا ضَبَطَهُ الحُمَيْدِيُّ، وَالصَّحيحُ المَشْهُورُ هُوَ الأوَّلُ. وَالمُرادُ بِهِ عَلَى الوَجْهَيْنِ: الصَّفَاءُ والاسْتِنَارة. * قوله: ((مجتابي النمار)): (ق): أي: مقطوعي أوساط النِّمار، والاجتباب: التقطيع والخَرْق، ٦٥ ومنه قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ جَابُواْ الصَّخْرَ بِالْوَادِ﴾ [الفجر: ٩]، انتهى(١). أراد أنه لم يكن عليهم قُمُصٌ، بل قَوَّروا وسَطَ نِمَارِهم شِبْهَ الجَيْبِ، فلبسُوها . (ن): ((النمار)) بالنون: جمع (نَمِرَة) بفتحها، وهي ثيابُ صوفٍ فيها تنميرٌ(٢). (نه): كل شَمْلةٍ مُخطّطة من ثياب الأعراب فهي نَمِرة، وجمعها نِمار، كأنها أخذت من لون النَّمر؛ لما فيها من السَّواد والبياض، وهي من الصِّفات الغالبة(٣). (ن): ((العباء)) بفتح العين وبالمَدِّ جمعُ عباءة وعباية، لغتان، و((تمعَّر)): بالعين المهملة؛ أي : تغيَّر (٤). (نه): وأصله: قِلَّة النَّضارة، وعدمُ إشراق اللون؛ من قولهم: مكانٌ أَمْعَرُ، وهو الجذب الذي لا خِصْبَ فیه(٥). (ن): (كومين)): بفتح الكاف وضمها، قال ابنُ سِراج: هو بالضم اسم [لما] كوَّمه، وبالفتح المَرَّة الواحدة، والكُومة بالضم الصُّبْرةُ، والكَوْمُ: العظيم من كل شيء، والكَوْمُ: المكان المرتفع كالرَّابية. (١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٣ / ٦٢). (٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٧ / ١٠٢). (٣) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (٥ / ١١٧). (٤) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٧ / ١٠٢). (٥) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (٤ / ٣٤٢). ٦٦ قال القاضي: الفتح هنا أولى؛ لأن المقصود الكثرة، والتشبيه بالرَّابية. و((يتهلل))؛ أي: يستنير فرحاً وسروراً. و «مذهبة)»: ضبطوه بوجهين: أحدهما - وهو المشهور، وبه جزم القاضي والجُمهور -: بذال معجمة وفتح الهاء وبعدها باء موحدة. والثاني: بدال مهملة وضم الهاء وبعدها نون، ولم يذكر الحُميدي غيره، وقال: المُدْهُن: الإناء الذي يُدهن فيه، وهي أيضاً اسم للنُّقرة في الجبل التي يستنقع فيها ماء المطر، فشَبَّه صفاءَ وجهه الكريم بصَفاء هذا الماء، أو بصفاء الدُّهْن. قال القاضي: هذا تَصْحيفٌ، والصواب: ما ذكرناه، فيكون معناه: فِضَّة مُذْهَبَةٌ، وهو أبلغ في حُسْن الوجه وإشراقه. قال الشاعر : كأَنَّها فِضَّةٌ قَدْ مَسَّها ذَهبُ أو شَبَّهه في حُسنه ونوره بالمُذْهَبةِ من الجُلود، وجمعها: مذاهب، وهي شيء كانت تصنعه العرب من جلود، وتجعل فيها خُطوطاً مُذْهَبةً يُرى بعضها إثرَ بعض. وأما سببُ سروره وَّهِ: ففرحاً بمُبادرة المسلمين إلى طاعة الله تعالى، وبذلِ أموالهم لله تعالى، وامتثالِهم أمرَ رسول الله ◌َِّ، ولدفع حاجة هؤلاء المُحتاجين، وشَفَقةِ المُسلمين بعضِهِم على بعض، ومُعاونتهم على البِرِّ والتقوى. وينبغي للإنسان إذا رأى شيئاً من هذا القَبيل أن يفرح ويُظهر السُّرور، ٦٧ ویکون فرحُه لما ذكرناه. وفي هذا الحديث: استحبابُ جمع الناس للأُمور المُهِمَّة، ووَعْظِهم وحَتِّهم على مصالحهم، وتَحذيرِهم من القبائح. وسببُ قراءته وَّ﴿ هذه الآيةَ: أنها أبلغُ في الحَثِّ على الصدقة عليهم؛ لما فيها من تأكُّد الحَقِّ؛ لكونهم إخوةً، انتهى(١). قال الحافظ محمدُ بن مَعْمَر: الحديث وإن كان مُتضمِّناً لدليل جواز السؤال في المسجد؛ فيمكن أن يكون الجوازُ مُختصّاً بالأئمة والأُمراء إذا أحسُّوا من بعض الرَّعايا كَسْراً مُجْحِفاً يعجِزُ بيتُ المال عن جَبْره؛ فإن في حديث بُريدة: أن المسجدَ إنما بُني لذكر الله والصلاة، وما سواهما من الأُمور الدنيوية قاطبةً محظورٌ فيه، حتى إنَّ بعضَ أهل العلم يمنع من التصدُّق على السائل في المسجد. ولعلَّ سؤالَهم ◌َِّ في المسجد كان بسبب أنه دعا عليهم قبل ذلك فقال: ((اللَّهُمَّ؛ اشدُدْ وَطْأَتَكَ على مُضَرَ، واجْعَلْ عَلَيْهِمْ سِنينَ كِسِنِي يُوسُفَ))(٢)، فاستُجيب دعاؤهُ فيهم، وبلغوا الغايةَ من الضَّعف، فلمَّا رآهم؛ علم أنه أَثَرٌّ من دعائه، فتدارك ذلك، ورحم لهم، وأعطاهم. وفيه: استحباب جمع الإمام الناسَ، وصعود صَهْوةِ المنبر، والافتتاح بالحمد والثناء، وتقدُّم آيات، وسرد مواعظ على سبيل التَّشبيب أمامَ الحاجة، ووجوب التَّحَرُّق للضَّعفاء إذا نالهم مكروه؛ لتمَعُّر وجهه وَّهِ حين رأى الضُرَّ (١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٧ / ١٠٣). (٢) رواه البخاري (٧٧١)، من حديث أبي هريرة تظـ ٦٨ الذي نزل بهم، ولِمَا جبل الله عليه أولياءَه من رقّة الجنسية، ولحُكمه وَلّ فيما سبق: أنَّ مَنْ لا يَرْحَمُ الناسَ لا يَرحمه الله، ويقابله الاستبشارُ بما فيه راحةٌ الجمهور؛ من اطِّراد الأمر وصلاح الدَّهر. * قوله ◌َّاج: ((من سن في الإسلام ... إلى آخره)): (ن): فيه الحَثُّ على الابتداء بالخيرات، وسَنِّ السُّنن الحسنات، والتحذير من اختراع الأباطيل والمُستقبحات. وسبب هذا الكلام: إتيانُ الرجل بصُرَّة كادت كفُّه تعجِزُ عنها، وتتابع الناس بعده، وكان الفضل العظيم للبادئ بهذا الخير، والفاتح لباب هذا الإحسان. وفي هذا الحديث تخصيصُ قوله ◌َّهِ: ((كُلُّ مُحْدَثةٍ بِدْعَةٌ، وكُلُّ بْدعَةٍ ضَلَاَلَةٌ))(١)؛ فإن المُرادَ به المُحدَثاتُ الباطلةُ والبِدَعُ المَذمومة(٢). ١٧٢ - وعن ابن مسعودٍ ﴿ه: أَنَّ النَّبِيَّ وَّهِ قالَ: ((لَيْسَ مِنْ نَفْسٍ تُقْتَلُ ظُلْماً إِلَّ كَانَ عَلَى ابْنِ آدَمَ الأَوَّلِ كِفْلٌ مِنْ دِمِهَا؛ لأنَّهُ كَانَ أَوَّلَ مَنْ سَنَّ القَتْلَ)) متفقٌ عليه. * قوله مَّى: ((لا تقتل نفس ظلماً)) الحديثَ: (ق): يدخل فيه لعمومه نَفْسُ الدِّمي والمُعاهَد إذا قُتلا ظلماً؛ لأن (١) رواه أبو داود (٤٦٠٧)، من حديث العرباض بن سارية ﴿ه، وهو حديث صحيح. انظر: ((صحيح الجامع الصغير)) (٤٣١٤). (٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٧/ ١٠٤). ٦٩ (نفساً) نكرة في سياق النفي، فهي للعُموم. وقوله: ((لأنه أول من سن)) نصٌّ على تعليل ذلك الأمر؛ لأنه كان أولَ مَنْ قتل، وكان قتلُه ذلك تعليماً لمَن أتى بعده، وتعليماً له، فمَنْ قَتَلَ كأنه اقتدى به في ذلك، وكان عليه من وزره؛ كما في الحديث: ((مَن سَنَّ سُنَّةَ سَيْئَةً فَعَلَيْهِ وِزِرُها وَوِزْرُ مَن عَمِلَ بها))(١). (تو): إنما قيد ((ابن آدم)) بـ ((الأول)) لئلا يشتبه؛ لأن في بني آدم كثرةً، وهذا يدل على أن قابيل كان أولَ مولود من بني آدم. و((الكفل)): يقال للحظ الذي فيه الكفاية، كأنه یکفل بأمر صاحبه، وكم من مثل هذه الألفاظ قد استعملت في معانٍ اختصَّت بها، ثم شاعت واتسعت في غيرها. وحقيقة المعنى من قوله: ((كفل من دمها))؛ أي: نصيبٌ يَكفُل بأمره جزاءَ ما ارتكبه من الإثم، وعُقوبةَ ما سَنَّه من القتل، ويجوز أن يكون الكِفْل بمعنى الكفيل، والمراد منه: أنه أقام كفيلاً بفعله الذي سَنَّه في الناس يُسلِّمه إلى عذاب الله؛ كما قيل: مَنْ ظلم؛ فقد أقام كفيلاً بظلمه. (ق): (الكفل): الجُزْءُ والنَّصيب. وقال الخليل: الكِفْلُ من الأجر والإثم: الضَّعْفُ(٢). (ن): هذا الحديث من قواعد الإسلام، وهو أن مَن ابتدع شيئاً من (١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٥/ ٤٠)، والحديث رواه مسلم (١٠١٧)، من حديث جرير ه . (٢) المرجع السابق، الموضع نفسه. ٧٠ الشرِّ؛ كان عليه مثلُ وِزْرِ كلِّ مَن اقتدى به في ذلك العمل مثلَ عمله إلی یوم القيامة، ومثلُه مَن ابتدع شيئاً من الخير، وهو موافقٌ للحديث الصحيح: ((مَنْ سَنَّ سُنَّةً حَسنةً))، و((مَنْ دَلَّ على خَيرِ)) (١)، و((ما مِنْ دَاعٍ يَدْعُو إِلى هُدىّ)) الحديثَ(٢). (ق): وبهذا الاعتبار يكون على إبليسَ كِفْلٌ من معصية كلٍّ من عصى بالسُجود؛ لأنه أول من عصی به. وهذا - والله أعلم - ما لم يَتُبْ ذلك الفاعل الأول من تلك المعصية؛ لأن آدم عليه السلام كان أول من خالف في أكل ما نُهِيَ عنه، ولا يكون عليه شيء من أوزار مَنْ تعاطى كلَّ ما نُهي عنه من بعده بالإجماع؛ لأن آدمَ عليه السلام تاب من ذلك، وتابَ الله عليه، فصار كمَن لم يجْنِ؛ فإنَّ التائب من الذنب کمَن لا ذنب له. وابنُ آدم المذكور هو قابيل، قتل أخاه هابيل لمَّا تنازعا في تزويج إقليمياء، فأمرهما آدمُ أن يُقرِّبا قرباناً، فمَنْ تُقُبِّل قُربانُه كانت له، فتُقُبِّل قُربان هابيل، فحسدَه قابيلُ، فقتله بَغْياً وعُدواناً(٣). (١) رواه مسلم (١٨٩٣ / ١٣٣)، من حديث أبي مسعود الأنصاري (٢) رواه الإمام مالك في ((الموطأ)) (١ / ٢١٨) بلاغاً، ورواه مسندًا ابن ماجه (٢٠٦)، من حديث أبي هريرة ظ، وهو حديث صحيح. انظر: ((صحيح الجامع الصغير)) (٦٢٣٤) . (٣) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٥ / ٤١). ٧١ ٢٠- باب في الدلالة على خير، والدعاءِ إلى هُدَى أو ضلالةٍ قال تعالى: ﴿وَادْعُ إِلَى رَبِّكٌَ﴾ [القصص: ٨٧]. * وقال تعالى: ﴿اَدْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَّةِ﴾ [النحل: ١٢٥]. * وقال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبِّ وَاُلنَّقْوَىّ﴾ [المائدة: ٢]. · وقال تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ ﴾ [آل عمران: ٨٤]. (الباب المُوفِي عشرين) (في الدلالة على الخير والدعاء إلى هدى أو ضلالة) قوله تعالى: ﴿أَدْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْمَسَنَّةِ﴾ [النحل: ١٢٥]: ﴿اَلْحِكْمَةَ﴾: ما أنزل إليه من الكتاب والسُّنَّة، ﴿وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾؛ أي: بما فيه من الزَّواجر والوقائع، يُذَكِّرهم ليحذروا بأسَ الله(١). (١) انظر: ((تفسير ابن كثير)) (٨/ ٣٦٨). ٧٢ (م): العطف يقتضي التغاير، فالحكمة هي الحُجَّة القطعية المفيدة للعقائد اليقينية، و﴿وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَّةِ﴾: هي الأمارة الظنِّية، والدَّلائل الإقناعية. والمُجادلة: هي الدَّلائل التي يكون المقصودُ بذكرها إفحامَ الخُصوم، ويكون مركباً من مُقدِّمات مُسلَّمة، فأعلى المراتب في الدلائل: الحِكمةُ، وأوسطها: المَوعِظةُ، وأدناها: المُجادلة. وقوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ﴾ [النجم: ٣٠]؛ أي: إنك مُكلّف بالدعوة إلى الله بهذه الطُّرق الثلاثة؛ فأما حصول الهداية فلا يتعلَّق بك، فهو تعالى أعلم بالضَّالِّين والمُهتدين، فلا تطمع في حصول الهداية للكل، فلكل نفس فطرةٌ مخصوصة(١). * قوله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِّنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ﴾ [آل عمران: ١٠٤]؛ أي: ولتكن منكم أمةٌ منتصبة للقيام بأمر الله في الدعوة إلى الخير، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر . قال الضَّخَّاك: هم خاصَّة الصحابة، وخاصَّة الرواة؛ يعني: المُجاهدين والعلماء. وقال أبو جعفر الباقر: قرأ رسول الله وَّهِ: ﴿وَلْتَكُنْ مِّنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى اُلْخَيرِ﴾، ثم قال: الخير اتِّباع القرآن وسُنَّتي، رواه ابن مَرْدَويَهْ(٢). (قض): و(من) للتبعيض؛ لأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من فروض الكفاية، ولأنه لا يصلح له كلُّ أحد؛ إذ للمتصدي له شُروط لا يشترك (١) انظر: ((تفسير الرازي)) (٢٠ /١١١ - ١١٢). (٢) انظر: ((تفسير ابن كثير)) (٣/ ١٣٧). ٧٣ فيها جميعُ الأمة؛ كالعلم بالأحكام ومراتب(١) الاحتساب، وكيفية إقامتها، والتمكُّن من القيام بها، خاطب بها الجمع وطلبَ فعلَ بعضهم؛ ليدل على أنه واجبٌ على الكلِّ حَقٌّ لو تركوه رأساً أَئِمُوا جميعاً، ولكن يسقط بفعل بعضهم، وهكذا كل ما هو فرض كفاية أو للتبيين بمعنى: وكونوا أُمةً تأمرون؛ كقوله: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [آل عمران: ١١٠]. والدعاء إلى الخير يَعُمُّ الدعاءَ إلى ما فيه صلاح دينيٍّ أو دُنيويٌّ، وعطف الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عليه عطفُ الخاصِّ على العامِّ؛ للإيذان بفضله(٢). * قوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبِّ وَاَلنَّقْوَىَّ وَلَا نَعَاوَنُواْ عَلَى الْإِثْمِ وَاَلْعُدْوَنِ﴾ [المائدة: ٢ ] : أمر تعالى عبادَه بالمُعاونة على فعل الخيرات، وهو البِرُّ، وترك المُنكرات، وهو التقوى، ونهاهم عن التَّناصُر على الباطل، والتَّناصُر على الإثم والمحارم. قال ابن جرير: الإثم: ترك ما أمر الله بفعله، والعُدوان: مجاوزة ما حَدَّ الله في الدِّين(٣). ١٧٣ - وعن أبي مسعودٍ عقبةَ بنِ عمرٍو الأنْصَارِيِّ البَدْرِيِّ ، (١) في الأصل: ((وشرائطه الاحتساب)). (٢) انظر: ((تفسير البيضاوي)) (٢ / ٧٥). (٣) انظر: ((تفسير ابن كثير)) (٥ /١٨). ٧٤ قالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: (مَنْ دَلَّ عَلَى خَيْرٍ، فَلَهُ مِثْلُ أَجْرِ فَاعِلِهِ) رواه مسلم. * قوله مَّيفي: [((مَن دل على خير؛ فله مثل أجر فاعله))]: (ن): فيه: فضيلة الدَّلالة على الخير، والتنبيه عليه، والمُساعدة لفاعله. وفيه: فضيلة تعليم العلم ووظائف العبادات، لاسيما لمن يعمل بها من المُتعبِّدين وغيرهم، والمراد بـ ((مثل أجر فاعله)): أن له ثواباً بذلك الفعل؛ كما أن لفاعله ثواباً، ولا يلزم أن يكون قدرُ ثوابهما سواءً (١). (ق): ظاهر هذا اللفظ: أن للدال من الأجر ما يساوي أجرَ الفاعل، وقد ورد مثل هذا في الشرع كثيراً؛ كقوله: ((مَنْ قالَ مثلَ ما يقولُ المُؤذِّنِ؛ كانَ لَهُ مثلُ أَجْرِهِ))(٢)، وكقوله فيمَنْ توضَّأ وخرجَ إلى الصلاة فوجد الناس قد صَلَّا: ((أَعْطَاهُ اللهُ منَ الأَجْرِ مثلَ أَجْرِ مَنْ حضَرَها وصَلَّهَا))(٣). وهو ظاهر قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ، مُهَاجِرًا إِلَى اَللَّهِ وَرَسُولِهِ، ثُمَّ يُدْرِكِهُ اٌلْوِّتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [النساء: ١٠٠]. وهذا المعنى يمكن أن يقال به ويُصارَ إليه؛ بدليل أن النيةَ الصَّادقة (١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٣ / ٣٩). (٢) رواه الطبراني في ((المعجم الكبير)) (١٩ / ٣٤٦)، من حديث معاوية ظه، وهو حديث ضعيف. انظر: ((ضعيف الجامع الصغير)) (٥٦٣٣). (٣) رواه أبو داود (٥٦٤)، من حديث أبي هريرة ﴿ه، وهو حديث صحيح. انظر: ((صحيح الجامع الصغير)) (٦١٦٣). ٧٥ هي أصل الأعمال، فإذا صَخَّت في فعل طاعة، فعجَز عنها لمانع مَنَعَ منها؛ فلا بُدَّ في مُساواة أجر ذلك العاجز لأجر القادر الفاعل، أو يزيدُ عليه، وقد دل على هذا قولُه عليه السلام: ((نِيَُّ المُؤْمنِ خَيْرٌ مِن عَمَلِهِ)(١)، وقولُه: ((إنَّ بِالمَدينةِ قَوْماً ما سِرْتُم مَسِيراً إِلَّ كَانُوا معَكُمْ)) الحديثَ(٢). وقد ذهب بعض الأئمة: أن المثلَ المذكور في هذه الأحاديث إنما هو بغير تضعيف، قال: إنه يجتمع في تلك الأشياء أفعالٌ أُخَر، وأعمالٌ من البِرِّ كثيرةٌ لا يفعلها الدالُّ الذي ليس عنده إلا مُجرَّدُ النية الحَسَنة، وقد قال ◌َله: (أَيُّكُم خَلَفَ الخَارِجَ في أَهْلِهِ بِخَيرٍ؛ فلَهُ نِصْفُ أَجْرِ الخَارِجِ)(٣)، وقال: (لِيَنْبَعِثْ مِن كُلِّ رَجُلَيْنِ أَحدُهُما، والأَجرُ بِينَهُمَا))(٤). قلت: ولا حُجَّة في هذا الحدیث لوجهین: أحدهما: أنا نقول بمُوجَبه، وذلك أنه لم يتناول محلَّ النزاع؛ فإن المطلوبَ إنما هو أن الناويَ للخير المَعُوقَ عنه، هل له مثل أجر الفاعل من غیر تضعيف؟ وهذا الحديث إنما اقتضى مُشاركةً ومشاطرةً في المُضاعف، فانفصلا. وثانيهما: أن القائمَ على مال الغازي وعلى أهله نائبٌ عن الغازي في عملٍ لا یتأثّی(٥) للغازي غزوُه إلا بأن یُکفی ذلك العمل، فصار كأنه یباشر معه (١) رواه الطبراني في ((المعجم الكبير)) (٥٩٤٢)، من حديث سهل بن سعد ظه، وهو حديث ضعيف. انظر: ((ضعيف الجامع الصغير)) (٥٩٧٧). (٢) رواه البخاري (٤١٦١)، من حديث أنس ﴿ه. (٣) رواه مسلم (١٨٩٦ / ١٣٨)، من حديث أبي سعيد الخدري (٤) رواه مسلم (١٨٩٦ / ١٣٧)، من حديث أبي سعيد الخدري ﴾. (٥) في الأصل: ((الإتيان)). ٧٦ الغزوَ، فليس مقتصراً على النية فقط، بل هو عامل في الغزو، ولما كان كذلك؛ كان له مثلُ أجر الغازي كاملاً وافراً مُضاعفاً، لا أن النائبَ يأخذ نصفَ أجر الغازي ويبقي للغازي النصفُ؛ فإن الغازيَ لم يطرأ عليه ما يوجب تنقيصاً لثوابه، وإنما هذا كما قال: ((مَنْ فَطَّرَ صَائِماً؛ كانَ لَهُ مثلُ أَجْرِ الصَّائمِ لا يَنْقُصُهُ مِنْ أَجْرِهِ شَيْءٌ) (١)، وعلى هذا؛ فقد صارت كلمة (نصف) مُقحمةً بين (مثل) و(أجر) وكأنها زيادةٌ مِمَّن تسامح في إيراد اللفظ؛ بدليل قوله: ((والأجر بینهما))؛ فليتنبه له؛ فإنه حسن. فأما من تحقق عجزُه وصدقت نيته: فلا يُختلف في أن أجرَه مُضاعفٌ كأجر العامل المُباشِر؛ لما تقدَّم، ولما خَرَّجه النسائي من حديث أبي الدرداء [قال]: قال رسولُ الله ◌َّهِ: ((مَنْ أَتَى فِراشَهُ وهُوَ يَنوي أن يَقُومَ يُصلِّي منَ اللَّلِ، فَغَلَبْهُ عَيْنَاهُ حَتَّى يُصْبحَ؛ كانَ لهُ ما نَوَى، وكان نَوْمُهُ صَدَقةٌ عَلَيْهِ)(٢). ١٧٤ - وعن أبي هريرةَ ﴿هُ: أَنَّ رسولَ اللهِنَّهِ قالَ: ((مَنْ دَعَا إِلَى هُدَى كَانَ لَهُ مِنَ الأَجْرِ مِثْلُ أُجُورِ مَنْ تَبِعَهُ، لا يَنْقُصُ ذِلِكَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئاً، وَمَنْ دَعَا إِلَى ضَلالَةٍ كَانَ عَلَيْهِ مِنَ الإِثْمِ مِثْلُ مَنْ تَبِعَهُ، لا يَنْقُصُ ذلِكَ مِنْ آثَامِهِمْ شَيْئاً) رواه مسلم. (١) رواه الترمذي (٨٠٧)، من حديث زيد بن خالد الجهني څ، وهو حديث صحيح. انظر: ((صحيح الجامع الصغير)) (٦٤١٥). (٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٣/ ٧٢٧)، والحديث رواه النسائي (١٧٨٧)، وهو حديث حسن. انظر: ((صحيح الجامع الصغير)) (٥٩٤١). ٧٧ (الثَّانِى) (ن): فيه: الحَثُّ على استحباب سَنِّ الأُمور الحسنة، وتحریمُ سَنٌّ الأُمور السيئة، وأن مَنْ دعا إلى هُدىّ كان له مثل أُجور تابعيه، أو إلى ضَلالة كان عليه مثلُ آثام تابعيه، سواء كان ذلك الهُدى أو الضلالةُ هو الذي ابتدأه، أو كان مَسبوقاً إليه، وسواء كان ذلك تعليمَ علمٍ، أو عبادة، أو أدبٍ، أو غير ذلك(١). ١٧٥ - وعن أبي العباسِ سَهْلٍ بنِ سعدِ السَّاعِدِيِّ ﴾: أَنَّ رسولَ اللهِ نَّهِ قالَ يَوْمَ خَيْبَرَ: ((لأُعْطِيَنَّ الرَّايَةَ غَداً رَجُلاً يَفْتَحُ اللهُ عَلَى يَدَيْهِ، يُحِبُّ اللهَ وَرَسُولَهُ، وَيُحِبُّهُ اللهُ وَرَسُولُهُ))، فَبَاتَ النَّاسُ يَدُوكُونَ لَيْلَنَّهُمْ أَيُّهُمْ يُعْطَاهَا. فَلَمَّا أَصْبَحِ النَّاسُ، غَدَوْا عَلَى رسولِ الله وَّهِ، كُلَّهُمْ يَرْجُو أَنْ يُعْطَاهَا، فقال: ((أَيْنَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ؟))، فَقيلَ: يا رسولَ الله! هُوَ يَشْتَكِي عَيْنَيَّه، قال: ((فَأَرْسِلُوا إِلَيْهِ))، فَأُتِيَ بِهِ، فَبَصَقَ رسولُ اللهِلَهُ فِي عَيْنَيْهِ، وَدَعَا لَهُ، فَبَرَأَ حَتَّى كَأَنْ لَمْ يَكُنْ بِهِ وَجَعٌ، فَأَعْطَاهُ الرَّايَةَ. فقال عَلَيٌّ ◌َهُ: يَا رَسُولَ اللهِ! أُقَاتِلُهُمْ حَتَّى يَكُونُوا مِثْلَنَا؟ فَقَالَ: ((انْفُذْ عَلَى رِسْلِكَ حَتَّى تَنْزِلَ بِسَاحَتِهِمْ، ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى الإِسْلامِ، وَأَخْبِرْهُمْ بِمَا يَجِبُ (١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٦ / ٢٢٦). ٧٨ عَلَيْهِمْ مِنْ حَقِّ اللّهِ تَعَالَى فِيهِ، فَوَاللهِ! لأَنْ يَهْدِيَ اللهُ بِكَ رَجُلاً وَاحِداً خَيْرٌ لَكَ مِنْ حُمْرِ النَّعَم)) متفقٌ عليه. قوله: ((يَدُوكُونَ»: أيْ: يَخُوضُونَ وَيَتَحَدَّثُونَ، قَوْلُهُ: ((رَسْلِكَ)) بكسر الراءِ وَبَفَتْحِهَا، لُغَتَانِ، وَالكَسْرُ أَفْصَحُ. (الثَّالِثُ)) سبق شرحه في آخر (الباب العاشر)، ومِمَّا زِيدَ في هذه الرواية قوله: «یدوکون): (ق): أي: يتفاوضون؛ بحيث اختلطت أقوالُهم، يقال: بات القومُ يَدُوكون دوكاً؛ أي: في اختلاط ودوران، ووقعوا في (دوكة) بضم الدال وفتحها، وإنما فعلوا ذلك حرصاً على نيل هذه الرُّتبة الشريفة، والمنزلة الرفيعة(١). (ط): ((أين علي؟))؛ أي: ما لي لا أراه حاضراً؟ كأنه وَّ استبعد غَيْبتَه عن حَضْرَته في تلك المواضع، لاسيَّما وقد قال: ((لأعطين هذه الراية غداً رجلاً ... إلى آخره))، وقد حضر الناسُ كلَّهم طمَعاً أن يكون هو الذي يفوز بذلك الوعد، وتقديمُ القومِ الضميرَ وبناءُ ((يشتكي)) عليه اعتذارٌ منهم على سبيل التأكيد(٢). (١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٦ / ٢٧٥). (٢) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (١٢ / ٣٨٨٢). ٧٩ (ق): ((حتى يكونوا مثلنا»؛ أي: يدخلوا في ديننا (١). (ط): كأنه وَِّ استحسن قولَه، واستَحْمدَه على ما قصده من مُقاتلته إياهم حتى يكونوا أمثالهم مسترشدين؛ إعلاءً لدين الله، ومن ثَمَّ حَثَّه علی ما نواه بقوله: «فوالله؛ لأن يهدي الله بك رجلاً))، انتھی(٢). الظاهر أنه ◌َّ ◌ُ لمَّا رآه مُتهيّاً للقتال مُستفتحاً كلامَه بقوله: ((أقاتلهم))؛ لم يقرِّره على ذلك، وقال له: ((انفذ على رسلك))؛ أي: امض على رِفْقٍ وتَانٌّ وسُكون حتى تنزل بساحتهم، وادعهم إلى الإسلام، لعلهم [أن] يُسلِموا ويُسلِّموا، وعليك باستحياء الأبدان والأشباح، واستبقاء المُهَج والأرواح، والسَّعي في هداية القلوب وطهارتها عن العُيوب، ((فوالله؛ لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خيرٌ لك من حُمْرِ النَّعَم))، فكيف لو كانوا ألوفاً مُؤْلَّفة؟! أَّده بالجملة القَسَمية واللام، فالقتال في سبيل الله وإن كان فيه فضائلُ؛ لكنه من الوسائل، فإنْ أَمْكَنَ الوصول إلى المقصود بأيسرَ من ذلك؛ أَتَّبِعَ الأيسرُ. (ن): الإبل الحُمْر أنفسُ أموال العرب، يضربون بها المثل في نفاسة الشيء، وأنه ليس هناك أعظمُ منه، ومن المعلوم أن تشبيهَ أُمور الآخرة بأعراض الدنيا إنما هو للتقريب إلى الأفهام، وإلا؛ فذرَّةٌ من الآخرة الباقية [خيرٌ] مِمَّا في الأرض بأَسْرها وأمثالها لو تُصوّرت. وفي هذا الحديث: بيانُ فضيلةِ العلم والدُّعاءِ إلى الهُدى، وسَنِّ السُّنَن الحسنة، وفيه معجزةٌ ظاهرة لرسول الله وَّهِ قَوليةٌ وفِعْلية، فالقولية: إعلامه (١) انظر ((المفهم)) للقرطبي (٦ / ٢٧٥). (٢) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (١٢ / ٣٨٨٣). ٨٠