النص المفهرس

صفحات 41-60

عادَ فقالَ: أُحَدِّثُكَ أَنَّ رسولَ اللهِوَهِ نَهَى عَنْهُ، ثُمَّ عُدْتَ تَخْذِفُ!؟
لا أُكَلِّمُكَ أَبَداً.
[مُجَادِي عَشَرَ]
* قوله: ((نهى عن الخذف»:
(ن): هو بالخاء والذال المعجمتين، وهو رَمْيُ الإنسان بحصاة أو
نواة، يجعلهما بين إصبعين: السَّبَّابتين، أو الإبهام والسَّبَّابة.
و((ينكأ)) بفتح الياء وبالهمز في آخره، وفي بعض الروايات: ((يَنْكي))
بفتح الياء وكسر الكاف غير مهموز، قال القاضي: وهو أوجهُ هنا؛ لأن
المهموز إنما هو من نكأتُ القَرْحةَ، وليس هذا موضعَه إلا على تَجُّز،
وإنما هذا من النكاية، يقال: نَكَيْتُ العدوَّ أَنْكِيه نكايةً، ونكأتُ بالهمز لغةٌ
فیه، قال: فعلى هذه اللغة تتوجَّه رواية شيوخنا.
و((يفقأ): مهموز.
وفي هذا الحديث: النهيُ عن الخَذْف؛ لأنه لا مصلحةً فيه، ويُخاف
مفسدته، ويُلحق به كلُّ ما شاركه في هذا.
وفيه: أن ما كان فيه مصلحةٌ أو حاجة في قتال العَدُوِّ أو تحصيل
الصَّيد؛ فهو جائز، ومن ذلك رَمْيُ الطيور الكِبار بالبُندُق إذا كان لا يقتلُها
غالباً، بل تُدرَك حَيَّةً فتذكَّى؛ فهو جائزِ(١).
وقوله: ((لا أكلمك أبداً» فيه: هِجْرانُ أهل البدع والفُسوق، ومُنابذِ
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٣ / ١٠٥).
٤١

السُّنَّة مع العلم، وأنه يجوز هِجرانه دائماً، والنهي عن الهِجْران ثلاثةَ أيام
إنما هو فيمن هجرَ لِحَظُّ نفسه، ومعایش الدنيا.
وأما أهل البدع ونحوهم: فهجرتهم دائماً، وهذا الحديث مِمَّا يُؤْيِّده
مع نظائره؛ كحديث كعب بن مالك وغيره، انتهى(١).
ولقد هجر الإمام أحمد بن حنبل يحيى بنَ معين بسبب قوله: إني
لا أَسألُ أحداً شيئاً، ولو حمل السلطان إليَّ [شيئاً] لأخذته(٢).
وهجر أيضاً الحارثَ المُحاسِبِيَّ في تصنيفه في الرَّدِّ على المعتزلة، وقال:
إنك تورد أولاً شُبهتَهم، وتحمل الناس على التفكر فيه، ثم تردُّ عليهم(٣).
*
١٦٧ - وعن عابِسٍ بنِ ربيعةً، قالَ: رَأَيْتُ عُمَرَ بنَ الخطاب
يُقَبِّلُ الحَجَرَ - يَعْنِي: الأَسْوَدَ - وَيَقُولُ: إني أَعْلَمُ أَنَّكَ حَجَرٌ مَا تَنْفَعُ
وَلا تَضُرُّ، وَلَوْلا أَنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِوَ يُقَبِّلُكَ مَا قَبَلْتُكَ. متفقٌ
عليه .
[ الثَّانِيُ عَشَر
* قوله: ((أعلم أنك حجر)) :
(ط): اعلم أنهم يُنزلون نوعاً من أنواع الجنس بمنزلة جنس آخر؛
(١) المرجع السابق، (١٣ / ١٠٦).
(٢) انظر: ((إحياء علوم الدين)) للغزالي (٢ / ١٦٨).
(٣) المرجع السابق، الموضع نفسه.
٤٢

باعتبار اتصافه بصفة مُختصَّة به؛ لأن تغايرَ الصِّفات بمنزلة التَّغايُر في
الذات، فقوله: ((أعلم أنك حجر)) شهادةٌ له [بأنه] من هذا الجنس، وقوله:
((لا تضر ولا تنفع)) تأکید وتقرير بأنه حجرٌ کسائر الأحجار.
وقوله: (لولا أني رأيت .. . إلى آخره)» إخراجٌ له من الجنس؛ باعتبارِ
تقبيله صلوات الله عليه (١).
(ك): ((الحجر الأسود)»: هو الذي في الرُّكن القريب بباب البيت من
جانب الشرق، وارتفاعه من الأرض ذراعان وثلثا ذراع، قال رسول الله وَليه:
((نزلَ الحجَرُ الأسودُ منَ الجنَّةِ وهو أشدُّ بياضاً منَ اللَّبَنِ، فَسَوَّدَتْهُ خَطَايا بني
آدمَ))، رواه الترمذيُّ (٢).
صرَّح بأنه لا يَضُرُّ ولا ينفع وإن كان امتثالُ ما شرع فيه ينفع بالثواب،
لكن لا قُدرةَ له على نفعٍ ولا ضَرِّ(٣).
(ق): هذا دفعٌ لتوهُم مَنْ وقع له من الجُهَّال أن للحجر الأسود
خاصيةً ترجع إلى ذاته؛ كما توهّمهُ بعضُ الباطنية، وبيانُ أَنْ ليس في تقبيله
إلا الاقتداءُ المَخْض.
وفيه: أن تقبيل الحجر من سُنن الطواف، والجمهور على ذلك لمن
قدر عليه، وإن لم يقدر وضع يده عليه، ثم يرفعها إلى فيه بغير تقبيل على
(١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٦/ ١٩٨٥).
(٢) رواه الترمذي (٨٧٧)، من حديث ابن عباس حلمًا، وهو حديث صحيح. انظر:
((صحيح الجامع الصغير)) (٦٧٥٦).
(٣) انظر: ((الكواكب الدراري)) للكرماني (٨ /١١٦).
٤٣

إحدى الروايتين عن مالك، والجمهور: على أنه يُقبِّل يده.
قال مالك: والسُّجود عليه بدعةُ. والجمهور على جوازه(١).
(ن): أراد بيانَ الحَثِّ [على] الاقتداء برسول الله ◌َّه في تقبيله، ونبَّه
على أنه لولا الاقتداءُ لما فعلْتُه، وإنما قال: ((لا تضر ولا تنفع)؛ لئلا يغتر به
بعضُ قريبي العهد بالإسلام، الذين أَلِفِوا عبادةَ الأحجار وتعظيمَها ورجاءَ
نفعها، وخوفَ الضرر بالتقصير في تعظيمها، وكان العهد قريباً بذلك، فخاف
عمر أن يراه بعضُهم يقبله ويعتني به، فيشتبه عليه، فَيَّن أنه لا يَضُرُّ ولا ينفع
بذاته، وإن كان امتثال ما شرع فيه [ينفع] بالجزاء والثواب.
وأشار بهذا في الموسم؛ ليشتهر في البلدان، ويحفظَه عنه أهلُ
الموسم المُختلفو الأوطان(٢).
(١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٣ / ٣٧٨).
(٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٩ / ١٦).
٤٤

١٧- باب
في وجوب الانقیاد لحكم اللهِ،
وما يقولُه مَنْ ذُعيَ إلى ذلك، وأُمِرَ بمعروفٍ،
أو نُھِيَ عن منكرٍ
: قال الله تعالى: ﴿ فَلَ وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكْمُوكَ فِيمَا
شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ
تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥].
وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُهُوَاْ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ.
لِيَحْكُرَبَّنَّهُ أَنْ يَقُولُواْسَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [النور: ٥١].
وَفِيهِ مِنَ الأحَادِيثِ حَدِيثُ أبي هُرَيْرَة المَذِكُورُ فِي أَوَّلِ البَابِ
قَبْلَهُ، وَغَيْرُهُ مِنَ الأحَادیثِ فيهِ.
١٦٨ - عن أبي هريرةَ ◌ُ قال: لَمَّا نَزَلَتْ عَلَى رَسُولِ الله ◌ِوَّهِ:
﴿لِلَّهِ مَا فِ السَّمَوَتِ وَمَا فِىِ الْأَرْضُِّ وَإِن تُبْدُواْ مَا فِيٌ أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ
يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اَللَّهُ﴾ الآيَةَ [البقرة: ٢٨٣]، اشْتَدَّ ذِلِكَ عَلَى أَصْحَابٍ
رَسُولِ اللهِ نَّهِ، فَأَنَوْا رسولَ الله ◌َّهِ، ثُمَّ بَرَكُوا عَلَى الرُّكَبِ، فَقَالُوا:
أَيْ رسولَ اللهِ! كُلِّفْنَا مِنَ الأَعْمَالِ مَا نُطِيقُ: الصَّلاةَ، وَالجِهَادَ،
وَالصِّيَامَ، وَالصَّدَقَةَ، وَقَدْ أُنْزِلَتْ عَلَيْكَ هَذِهِ الآيَةُ وَلا نُطِيقُهَا. قال
٤٥

((أَتُرِيدُونَ أَنْ تَقُولُوا كَمَا قَالَ أَهْلُ الكِتَابَيْنِ مِنْ
رسولُ الله ◌َلَةٍ:
قَبْلِكُمْ: سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا؟ بَلْ قُولُوا: سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا، غُفْرَانَكَ رَبََّا
وَإِلَيْكَ المَصِيرُ))، فَلَمَّا اقْتَرَأَهَا القَوْمُ، وَذَلَّتْ بِهَا أَلْسِنْتُهُمْ؛ أنْزَلَ اللهُ
تَعَالَى فِي إِثْرِهَا: ﴿ءَامَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَّبِّهِ، وَالْمُؤْمِنُونَ كُلُّ
ءَامَنَ بِاللَّهِ وَمَلَبِّكَتِهِ، وَكُبِهِ، وَرُسُلِهِ، لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ، وَقَالُواْ
سَمِعْنَا وَأَطَعْنَاً غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾، فَلَمَّا فَعَلُوا ذلِكَ،
نَسَخَهَا اللهُ تَعَالَى؛ فَأَنْزَلَ اللهُ وَكَّ: ﴿لَا يُكَلِّفُ اَللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَاَ
لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيَّهَا مَا أَكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَآ إِن نَسِينَآ أَوْ أَخْطَأَنَا﴾،
قال: ((نَعَمْ)) ﴿وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ، عَلَى الَّذِينَ مِن
قَبْلِنَا﴾، قال: ((نَعَمْ)) ﴿رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةً لَنَا بِهِ"ٌ﴾ قَالَ:
(نَعَمْ)) ﴿وَأَعْفُ عَنَّا وَأَغْفِرْ لَنَا وَأَرْحَمْنَاْ أَنْتَ مَوْلَئِنَا فَأَنصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ
اُلْكَفِرِينَ﴾ قالَ: ((نَعَمْ)) رواه مسلم.
(الباب السابع عشر)
(في وجوب الانقياد لحكم الله تعالى،
وما يقوله من دعي إلى ذلك، أو أمر بمعروف أو نهي عن منكر)
: قوله تعالى: ﴿ فَلَ وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكْمُوكَ فِيمَا شَجَرَ
بینهُمْ﴾ سبق في الباب قبله.
* قوله: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُهُوْاْ إِلَى اَللَّهِ وَرَسُولِهِ، لِيَحْكُمَ بَّنَهُمْ أَنْ يَقُولُواْ
٤٦

سَمِعْنَا وَأَعْنًا﴾ [النور: ٥١]؛ أي: سمعاً وطاعة، ولهذا وصفهم بالفلاح، وهو
نيل المطلوب، والسلامةُ من المَرهوب(١).
(م): ﴿سَمِعْنَا﴾؛ أي: أجبنا، على تأويل قول المسلمين: سمع الله
لمن حمده؛ أي: قَبِلَ وأجاب(٢).
* قوله تعالى: ﴿ وَلِلَّهِ مَا فِ السَّمَوَتِ وَمَا فِ اَلْأَرْضِ﴾ [النجم: ٣١]:
(ق): ﴿مَا﴾: هاهنا بمعنى الذي، وهي هاهنا متناولةٌ لمن يعقل، وهي
هاهنا عامَّة لا تخصيصَ فيها بوجه؛ لأن كل ما في السماوات والأرض، وما
فيهما وبينهما خلقُ الله تعالى، ومُلكٌ له.
وهذا إنما يتمشَّى على مذهب أهل التحقيق الذين يُحيلون على الله أن
يكون في السماء أو في الأرض؛ إذ لو كان في شيء لكان مَحصوراً مَحدُوداً،
ويتأوَّلون قوله تعالى: ﴿َأَمِنْثُم مَّن فِ السَّمَآءِ﴾ [الملك: ١٦]، وقول الأَمَة للنبيِّ ◌َله
حين قال لها: ((أين الله؟))، فقالت: في السماء(٣)، ولم ينكر عليها ذلك =
بتأويلات صحيحة، لكن السلف كانوا يحتنبون تأويل المتشابهات مع علمهم
بأن الله تعالى يستحيل عليه سِماتُ المُحدَثات، ولوازمُ المخلوقات.
و(ما) في قوله: ﴿مَا فِي أَنْفُسِكُمْ﴾ أيضاً على عمومها، فتتناول كلَّ
ما يقع في نفس الإنسان من الخواطر: ما أُطيق دفعُه منها، وما لا يُطاق؛
ولذلك أشفقت الصحابة من مُحاسبتهم على جميع ذلك ومُؤاخذتهم به،
(١) انظر: ((تفسير ابن كثير)) (١٠ / ٢٦٠).
(٢) انظر: ((تفسير الرازي)) (٢٤ / ٢٠).
(٣) رواه مسلم (٥٣٧ / ٣٣)، من حديث معاوية بن الحكم
٤٧

فقالوا للنبيِّ ◌َّهِ: لا نُطِيقُها، ففيه دليل على أن موضوع (ما) للعموم، وأنه
معمول به فيما طريقُه الاعتقاد؛ كما هو معمول به فيما طريقه العمل، وأنه
لا يجب التوقفُ فيه إلى [البحث](١) عن المُخصِّص، بل يبادر إلى اعتقاد
الاستغراق فيه، وإن جاز التخصيصُ كما بيناه في الأصول.
ولما سمع النبي ◌َّر [ذلك القول] منهم؛ أجابهم بأنْ قال: ((أتريدون
أن تقولوا كما قال أهل الكتابين من قبلكم: سمعنا وعصينا، بل قولوا:
سمعنا وأطعنا)).
فأقرَّهم النبي ◌َِّ على ما فهموه، وَبيَّن لهم أن الله تعالى أن يكلف
عبادَه بما يُطيقونه وبما لا يُطيقونه، مُمكناً كان أو غيرَ مُمكن، ونهاهم أن
يقع لهم شيء مِمَّا وقع لضُلاَل أهل الكتاب من المُخالفة، وأمرهم بالسَّمْع
والطاعة والتسليم لأمر الله على ما فهموه.
فسَلَّم القوم لذلك وأذعنوا، ووطنوا أنفسهم على أنهم كُلِّفوا في الآية
بما لا يُطيقونه، واعتقدوا ذلك، فقد عملوا بمُقتضى ذلك العموم، فإن قُدِّر
رافعٌ لشيء منه؛ فذلك الرفع نسخٌ لا تخصيصٌ، وعلى هذا فقولُ الصحابيِّ:
((فلما فعلوا ذلك نسخها الله)) على حقيقة النسخ، لا على جهة التخصيص،
خلافاً لمن لم يَظهر له ما ذكرنا، وهم كثيرٌ من المُتكلُّمين على هذا الحديث
مِمَّن رأى أن ذلك من باب التخصيص، لا من باب النسخ، وقالوا: إن
الصحابة ما كانوا يُفرِّقون بين النسخ والتخصيص، وقد كنت على ذلك زماناً
إلى أن ظهر لي ما ذكرته؛ فتأمله، فإنه الصحيح إن شاء الله(٢).
(١) بياض في الأصل.
(٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (١ / ٣٣٥).
٤٨

(ن): ((في إثرها)) بفتح الهمزة والثاء، ويكسر الهمزة مع إسكان الثاء،
لغتان، و﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُسُلِهِ"﴾ معناه: لا نفرق بينهم في الإيمان
فنؤمن ببعضهم ونكفر ببعض؛ كما فعله أهل الكِتابَیْن، بل نؤمن بجميعهم،
و ﴿آحدٍ﴾ في هذا الموضع بمعنی الجمع، ولهذا دخلت فيه ﴿بین﴾، ومثله
قوله تعالى: ﴿فَمَامِنْكُمْمِّنْ أَحَدٍ عَنَّهُ حَجِزِينَ﴾ [الحاقة: ٤٧](١).
(ق): لا نفرق في العلم بصِحَّة رسالاتهم، وصدقهم في قولهم،
و﴿غُفْرَانَكَ﴾ منصوب على المصدر؛ أي: اغفر غفرانك، وقيل: مفعول
فعل مضمر؛ أي: هَبْ غفرانك، و﴿الْمَصِيرُ﴾ المرجع، و(التكليف): إلزامُ
ما في فعله كُلفةٌ، وهي النَّصَبُ والمَشقَّة، و(الوُسْعُ): الطاقة، وكسب
واكتسب لغتان بمعنىّ واحد؛ كـ (قدَر واقتدر)، ويمكن أن يقال: إن هذه التاءَ
تاءُ الاستفعال والتعاطي، ودخلت في اكتساب الشر دون كسب الخير؛ إشعاراً
بأن الشرَّ لا يُؤاخَذ به إلا بعد تعاطيه وفعله دون الهَمِّ به، بخلاف الخير؛ فإنه
يكتبُ لمَنْ هَمَّ به وتحدث به في قلبه، كما ثبت في ((الصحيح))(٢).
و(الإصر): العهد الذي يُعجَزُ عنه، قاله ابن عباس، وقال الرَّبيعُ: هو
الثقل العظيم، وقال ابن زيد: هو الذنب الذي لا توبةَ له، ولا كَفَّارة.
وقوله: ﴿وَاعْفُ﴾؛ أي: عن الكبائر، واغفر الصَّغائر، وارحم بتثقيل
الموازين، وقيل: اعفُ عن الأقوال، و﴿ وَاغْفِرْ﴾ الأفعالَ، وارحم بتوالي
الألطاف وسَنِيِّ الأحوال.
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٢ / ١٤٥).
(٢) رواه البخاري (٦١٢٦)، من حديث ابن عباس ـ
٤٩

قلت: أصل العفو: التسهيلُ والمغفرة، والرَّحمة: إيصال النِّعمة إلى
المحتاج.
و﴿مَوْلَئِنَا﴾: وَلِيُّنا ومُتولِّي أُمورِنا وناصرنا.
و((نعم)) حرف جواب، وهو هاهنا إجابةٌ لِمَا دَعَوْا فيه؛ كما قال في
الرواية الأخرى عن ابن عباس: ((وقد فعلت))(١) بدل قوله هنا: ((نعم)).
وهو إخبارٌ من الله تعالى أنه أجابهم في تلك الدَّعوات، فكلُّ داع
يشاركهم في إيمانهم وإخلاصهم واستسلامهم أجابه الله تعالى كإجابتهم؛
لأن وعدَه تعالی صِدْقٌ، وقولَه حٌّ.
وكان مُعاذٌ يختِمُ هذه السورةَ بـ (آمين)؛ كما يختم (الفاتحة)، وهو
حَسَنٌ (٢).
(١) رواه مسلم (١٢٦).
(٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (١ / ٣٣٨).
٥٠

١٨- باب
في النّھی عن البدع ومحدثاتِ الأُمورِ
قال الله تعالى: ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلََّ الضَّلَلُ﴾ [يونس: ٢٢].
* وقال تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِى الْكِتَبِ مِن شَىْءٍ﴾ [الأنعام: ٨].
* وقال تعالى: ﴿فَإِن تَنَزَعْثُمْ فِي شَىْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء:
٥٩]؛ أي: الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ.
* وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَطِى مُسْتَقِيمًا فَأَتَّبِعُوهُ وَلَا تَنَّبِعُوا
السُبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ،﴾ [الأنعام: ١٥٣].
* وقال تعالى: ﴿قُلْ إِن كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَتَّبِعُونِ يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ
لَكُرْذُنُوبَكُمْ ﴾ [آل عمران: ٣١].
وَالْآيَاتُ فِي البَابِ كَثِيرَةٌ مَعْلُومَةٌ.
(الباب الثامن عشر)
(في النهي عن البدع ومُحدثات الأمور)
* قوله تعالى: ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَلٌ﴾ [يونس: ٣٢]:
(قض): استفهام إنكار؛ أي: ليس بعد الحق إلا الضلال، فمن يُخطئ
٥١

الحقَّ الذي هو عبادةُ الله وقع في الضلال(١).
* قوله تعالى: ﴿مَا فَرَّطِّنَا فِ الْكِتَبِ مِن شَىْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨]:
(قض): أي: في القرآن؛ فإنه قد دُوِّن فيه ما يُحتاج إليه في أمر الدِّين
مُفصَّلاً ومُجْملاً، و(مِن) زائدة، و(شيء) في موضع المصدر لا المفعول
به، فإنَّ (فرَّط) لا يتعدَّى بنفسه، وقد عُدِّي بـ (في) إلى (الكتاب)(٢).
* قوله تعالى: ﴿فَإِن تَنَزَعْنُمْ فِ شَىْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩]:
سبق في (الباب السادس عشر)، وكذلك قوله تعالى: ﴿ قُلْ إِن گُنتُمْ
تُحِبُونَ اللَّهَ فَأَنَِّعُونِ ﴾ [آل عمران: ٣١].
* قوله: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَِّى مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهٌ﴾ [الأنعام: ١٥٣] قال ابن
عباس ظه: أمر الله المؤمنين بالجماعة، ونهاهم عن الاختلاف والفُرقة،
وأخبرهم [أنه] إنما هلك مَنْ كان قبلكم بالمِراء والخُصومات في دين الله(٣).
وفي ((مسند أحمد)) عن ابن مسعود رضيه قال: خَطَّ رسولُ اللهِوَّهِ خَطّاً
بيده، ثم قال: ((هَذا سبيلُ الله مُستَقِيماً)، وخَطَّ عن يمينه وشِماله، ثم قال:
((هَذِهِ السُّبُلِ ليسَ منها سَبِيلٌ إِلَّ عَليهِ شَيْطَانٌ يَدْعُو إِلَيهِ، ثُمَّ قرأ: ﴿وَأَنَّ هَذَا
صِرَطِى مُسْتَقِيمًا فَأَتَّبِعُوهُ وَلَا تَنَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ،﴾ [الأنعام:
١٥٣]»(٤).
(١) انظر: ((تفسير البيضاوي)) (٣/ ١٩٦).
(٢) المرجع السابق، (٢ / ٤٠٦).
(٣) رواه ابن أبي حاتم في ((تفسيره)) (٦١٢٤)، والطبري في «تفسيره)) (٣٩/٤).
(٤) رواه الإمام أحمد في ((المسند)) (١ / ٤٦٥)، وهو حديث حسن. انظر: ((تخريج
مشكاة المصابيح)) (١٦٦).
٥٢

وإنما وخَّد (سَبِيلٍِ﴾؛ لأن الحقَّ واحد، وإنما جمع ﴿الشُبُلَ﴾
لتفرُّقها وتَشْغُّبِها(١).
وَأَمَّا الأحَاديثُ، فَكَثِيرَةٌ جِداً، وَهِيَ مَشْهُورَةٌ، فَنَقْتَصِرُ عَلَى
طَرَفٍ مِنْهَا:
١٦٩ - عن عائشةَ رضي الله عنها، قالَتْ: قالَ رسولُ الله ◌ِّى:
(مَنْ أَحْدَثَ في أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ، فَهُوَ رَةٌ)) متفقٌ عليه.
وفي رواية لمسلم: ((مَنْ عَمِلَ عَمَلاً لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا، فَهُوَ رَدِّ).
* قوله ێ: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه؛ فهو رد)»:
(ن): (الرد) هنا بمعنى المَردود، ومعناه باطلٌ غير مُعتدٍّ به، وهذا
الحديث قاعدة عظيمة من قواعد الإسلام، وهي من جوامع كلامه وَّر؛ فإنه
صريح في رَدِّ كل البِدَع والمُخترعات.
وفي الرواية الثانية زيادةٌ، وهي أنه قد يُعاند بعض الفاعلين بدعةً
سُبِقَ إليها، فإذا احتُجَّ عليه بالرواية الأولى؛ يقول: أنا ما أحدثتُ شيئاً،
فيُحتجُّ عليه بالرواية التي فيها التصريحُ برَدِّ كل المُحدَثات، سواءٌ أحدثها
الفاعلُ، أو سُبِقَ بإحداثها .
وفيه: دليلٌ لمن يقول من الأصوليين: إن النهيَ يقتضي الفساد، ومن
قال: لا يقتضيه؛ يقول: هذا خبرُ واحد، فلا يكفي في إثبات هذه القاعدة
(١) انظر: ((تفسير ابن كثير)) (٥ / ٤٥٦).
٥٣

المُهِمَّة، وهو جوابٌ فاسدٌ، وهذا الحديث ممَّا ينبغي حِفظُه واستعمالُه في
إبطال المُنكرات، وإشاعة الاستدلال به(١).
(قض): (الأمر) حقيقةٌ في القول الطالب للفعل، مَجازٌ في الفعل
والشَّأن والطريق، وأُطلق هاهنا على الدِّين من حيث إنه طريقُه، أو شَأَنُهُ
الذي يتعلَّق به، وهو مُهتمٌّ بشأنه؛ بحيث لا يخلو عنه شيء من أقواله
وأفعاله.
والمعنى: أن مَنْ أحدث في الإسلام رأياً لم يكن له من الكتاب
والسُّنَّة سندٌ جَلِيٍّ أو خَفِيٍّ، ملفوظٌ أو مُستنبطٌ؛ فهو مَردودٌ عليه(٢).
(ط): في وصف الأمر بهذا إشارةٌ إلى أن أمرَ الإسلام كمَل واشتهر،
وشاع وظهر ظهورَ المحسوس؛ بحيث لا يخفى على كل ذي بصر
وبصيرة؛ كقوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَنْتَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِ وَرَضِيتُ
لَكُمُ الْإِسْلَمَ دِينًا ﴾ [المائدة: ٣].
فمَنْ رام الزيادةَ؛ حاول أمراً غير مَرْضِيٍّ؛ لأنه من قُصور فهمه رآه
ناقصاً، وعلى هذا يناسب أن يقال: قوله: ((فهو)) راجع إلى ((من))؛ أي: من
ابتغى الزيادة على الكمال؛ فهو ناقص مطرود، وفي قوله: ((ما ليس منه»
إشارةٌ إلى أن إحداثَ ما لا يُنازِعُ الكتابَ والسُّنةَ ليس بمَذْمُوم.
روى مُحبي السُّنَّةِ عن يحيى بن سعيد: سمعت أبا عُبيد يقول: جمع
النبيُّ نَّهُ جميعَ أمر الآخرة في كلمة: ((مَنْ أحدثَ في أمرنا ما ليسَ مِنْهُ فَهُوَ
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٢ / ١٦).
(٢) انظر: ((تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة)) للبيضاوي (١ / ١١٧).
٥٤

رَدِّ»، وجميعَ أمر الدنيا في كلمة: ((إنَّما الأَعْمالُ بالنّيَّاتِ))(١)، وإنهما يدخلان
في كل باب(٢).
١٧٠ - وعن جابرٍ ﴿ه، قال: كان رسولُ اللهِوَه إِذَا خَطَبَ
احْمَرَّتْ عَيْنَاهُ، وَعَلَا صَوْتُهُ، وَاشْتَدَّ غَضَبُهُ، حَتَّى كَأَنَّهُ مُنْذِرُ جَيْشٍ
يَقُولُ: صَبَّحَكُمْ وَمَسَّاكُمْ، وَيَقُولُ: (بُعِثْتُ أَنَا وَالسَّاعَةُ كَهَاتَيْنِ))،
وَيَقْرِنُ بَيْنَ أُصْبَعَيْهِ؛ السََّّابَةِ وَالوُسْطَى، وَيَقُولُ: ((أَمَّا بَعْدُ: فَإِنَّ
خَيْرَ الحَدِيثِ كِتَابُ اللهِ، وَخَيْرَ الهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ ◌َِ، وَشَرَّ
الأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلالَةٌ))، ثُمَّ يَقُولُ: (أَنَا أَوْلَى بِكُلِّ
مُؤْمِنٍ مِنْ نَفْسِهِ، مَنْ تَرَكَ مَالاَ فَلَأَهْلِهِ، وَمَنْ تَرَكَ دَيْناً أَوْ ضَيَاعاً
فَإِلَيَّ وَعَلَيَّ)) رواه مسلم.
وعن العِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ ﴿لَهِ حَدِيثُهُ السَّابِقُ في (بَابِ
المُحَافَظَةِ عَلَى السُّنَّةِ).
قوله: ((كان ◌َّ إذا خطب؛ احمرت عيناه، وعلا صوته، واشتد
٠
غضبه» :
(ن): يستدل به على أنه يستحبُّ للخطيب أن يفخِّم أمرَ [الخطبة]،
ويرفعَ صوته، ويُجْزِلَ كلامَه، ويكون مطابقاً للفصل الذي يتكلم فيه؛ من
(١) تقدم تخريجه .
(٢) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٢ / ٦٠٣).
٥٥

ترغيب أو ترهيب، ولعل اشتدادَ غضبه كان عند إنذاره خطراً عظيماً،
وتحذيره خَطْباً جسيماً(١).
(ط): مَثَّلَ حالَ رسول اللهِ وَّه في خطبته وإنذاره القومَ بمجيء
القيامة، وقُربٍ وقوعها، وتَهالُكِ الناس فيما يُرديهم، بحالٍ مَنْ ينذر قومَه
عند غَفْلَتِهِم بجيش قريب منهم يَقصِدُ الإحاطةَ بهم بَغْتَةً من كل جانب؛
بحیث لا يفوت [منهم] أحد.
وكما أن المُنذر يرفع من صوته، وتَحمُّ عيناه، ويَشتِدُّ غضبُه على
تغافلهم؛ كذلك كان حال رسول الله وَّ﴿ عند الإنذار، وإلى قُرْب مجيئها
أشار بإصبعيه .
و((يقول)) يجوز أن يكون صفةً لـ ((منذر جيش)) وأن يكون حالاً من
اسم (كان)، والعامل معنى التشبيه، والقائل إذن: رسولُ الله ◌َلتِ.
و((يقول)) الثاني عطفٌ على الأول، وعلى الوجه الأول عطفٌ على
جملة «کأنه)).
وقوله: ((صبحكم ومساكم))؛ أي: صَبَّحكم العدوُّ، وكذا مَسَّاكم،
والمراد: الإنذارُ بإغارة الجيش في الصباح والمساء(٢).
* قوله {يافي: ((بعثت أنا والساعة كهاتين)):
(ن): قال القاضي: يحتمل أنه تمثيل لمُقاربتهما، وأنه ليس بينهما إصبعٌ
أخرى؛ كما أنه لا نبيَّ بينه وبين السَّاعة، ويحتمل أنه لتقريب ما بينهما من
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٦ / ١٥٥).
(٢) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٤ / ١٢٨٣).
٥٦

المُدَّة، وأن التفاوتَ بينهما كنسبة التفاوت بين الإصبعين تقريباً لا تحديداً(١).
(ق): هذا أوقع والله أعلم، وقد جاء أنه قال: ((سَبَقْتُها كمَا سَبَقَتْ
هَذِهِ [هذه]))(٢)؛ يعني: السَّبَّابةَ الوُسطى(٣).
(ن): وروي بنصب ((الساعة)) ورفعها، والمشهورُ النصبُ على المفعول
معه(٤).
.
(ق): الرفع بالعطف على التاء في ((بعثت))، وفصل بينهما بـ ((أنا))؛
توكيداً للضمير (٥) .
(ن): ((يقرن)) بضم الراء على المشهور الفصيح، وحُكي الكسر،
وسُمِّيت السبابة بذلك لأنهم كانوا يُشيرون بها عند السبّ.
وفي هذا الحديث: استحبابُ قول: (أما بعد) في خُطب الجمعة
والعيد وغيرها، وكذا في خُطب الكتب المُصنَّفة، وقد عقد البخاري باباً في
استحبابه، وذكر فيه جملة من الأحادیث.
واختلف في أَوَّل من تكلّم به، فقيل: داود عليه السلام، وقيل:
يَعرُبُ بنُ قحطانَ، وقيل: قُسُّ بن ساعدة.
وقال بعض المُفسِّرين أو كثيرٌ منهم: إنه فصل الخطاب الذي أوتيه
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٦ / ١٥٥).
(٢) رواه الترمذي (٢٢١٣)، من حديث المستورد بن شداد ظه، وهو حديث ضعيف.
انظر: ((ضعيف الجامع الصغير)) (٢٣٣٩).
(٣) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٢ / ٥٠٦).
(٤) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٨ / ٨٩).
(٥) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٢ / ٥٠٦).
٥٧

داود عليه السلام، وقال المحققون: فصل الخطاب: الفَصْلُ بين الحق
والباطل(١).
(ق): ((أما)) هي كلمة تفصل ما بعدها عَمَّا قبلها، وهي حرفٌ مُتضمِّنٌ
للشرط؛ ولذلك تدخل الفاء في جوابها، وقَدَّرها النَّحْويون بـ (مَهْمًا)، وابعد)
ظرف زمانيٌّ قُطع عن الإضافة مع كونها مرادةً، فبُني على الضَمِّ، وخُصَّ
بالضم؛ لأنه حركة ليست له في حال إعرابه، والعامل فيه ما تَضمَّنه (أما) من
معنى الشرط؛ فإن معناه: مهما يكن من شيء بعدَ حمد الله؛ فكذا(٢).
* قوله : «خير الهدي هدي محمد» :
(ن): هو بضم الهاء وفتح الدال فيهما، وبفتح الهاء وإسكان الدال
أيضاً، ضبطناه بالوجهين.
قال القاضي عياض: روِّيناه في ((مسلم)) بالضمِّ، وفي غيره بالفتح،
وبالفتح ذكره الهَرَويُّ، وفسَّره بالطريق؛ أي: أحسنُ الطريق طريقُ محمد ◌ِِّ،
يقال: فلان حَسَنُ الهَدْي؛ أي: الطريقةِ والمذهب، ومنه: ((اهتَدُوا بهَدْىٍ
عَمَّارٍ))(٣).
وأما على رواية الضم فمعناه: الدَّلالة والإرشاد، [قال العُلماء: لفظ
(الهدی) له معنیان :
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٦ / ١٥٤).
(٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٢ / ٥٠٧).
(٣) رواه الترمذي (٣٧٩٩)، من حديث حذيفة نظ، وهو حديث صحيح. انظر:
((صحيح الجامع الصغير)) (٢٥١١).
٥٨

أحدهما: بمعنى الدلالة والإرشاد](١) وهو الذي [يضاف] إلى الرسل
والقرآن والعباد؛ كقوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِىّ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢]،
﴿ إِنَّ هَذَا الْقُرْءَانَ يَهْدِى لِلَّتِى هِىَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء: ٩]، و﴿هُدَى لِلْنَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢]،
﴿ وَمَّا تَمُودُ فَهَدَيْنَهُمْ﴾ [فصلت: ١٧]؛ أي: بيّنا لهم الطريق، ومنه: ﴿هَدَيْنَهُ
السَّبِيلَ﴾ [الإنسان: ٣]، ﴿وَهَدَيْنَهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد: ١٠].
والثاني: بمعنى اللَّطف والتوفيق، والعِصْمةِ والتأييد، وهو الذي تَفَرَّد
الله تعالى به، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِى مَنْ أَحْيَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِى مَن
يَشَآءَ﴾ [القصص: ٥٦].
وقالت القدَريةُ: حيث جاء الهُدى؛ فهو للبيان. بناءً على أصلهم
الفاسد في إنكارهم القدَر، ورَدَّ عليهم أصحابُنا وغيرُهم من أهل الحَقِّ
بقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُواْإِلَى دَارِ السَّلَمِ وَيَهْدِى مَن يَشَآءُ إِلَى صِرَطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [يونس:
٢٥]؛ ففرقٌ بين الهداية والدُّعاء (٢).
* قوله {ل : ((وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة)) سبق معناه
في (الباب السادس عشر).
* قوله : «أنا أولى بكل مؤمن من نفسه)):
(ن): هذا موافق لقوله تعالى: ﴿النَّبِىُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمّ﴾
[الأحزاب: ٦]؛ أي: أحق(٣).
(ق): أي: أقربُ له من نفسه، أو أحقُّ به منها، ثم فَسَّره بقوله: ((مَنْ
(١) ما بين معكوفتين من ((شرح مسلم)) للنووي (٦ / ١٥٤).
(٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٦ / ١٥٤).
(٣) المرجع السابق، (٦ / ١٥٥).
٥٩

ترك مالاً ... إلى آخره))، وبيانه: أنه إذا ترك ضَياعاً أو ديناً، ولم يقدر على
أن يُخلِّص نفسَه منه، أو لم يترك شيئاً يسُدُّ به ذلك، ثم خلَّصه النبيُّ وَه
بقيامهِ به عنه، أو سَدِّ ضَيْعتهِ؛ كان أولی به من نفسه؛ إذ قد فعل معه ما لم
یفعل هو بنفسه(١).
(ن): ((الضياع)): بفتح الضاد: العيال، قال ابن قتيبة: أصله: مصدر
ضاع يضيع ضياعاً، المراد: مَنْ ترك أطفالاً، أو عِيالاً ذوي ضَياع، فأوقع
المصدرَ موضع الاسم.
قال أصحابنا: وكان النبيُّ وَّو لا يصلِّي على مَنْ مات وعليه ديّنٌ ولم
يُخلِّف له وفاءً؛ لئلا يتساهل الناسُ في الاستدانة وإهمالِ الوفاء، فلمَّا فتح
الله على المسلمين مبادئ الفتوح؛ قال: ((مَنْ تركَ دَيْناً فعَليَّ))(٢)؛ أي:
فعَليَّ قضاؤه، وكان يقضيه.
والأصح: أن هذا كان واجباً علیه، وقيل: کان یقضیه تکژُّماً. وهل
هو من الخصائص أم لا؟
فقال بعضهم: هو من الخصائص، وقال بعضهم: لا، بل يلزم الإمامَ
أن يقضي من بيت المال دينَ مَنْ مات وعليه دَيَّنٌ إذا لم يُخلِّف وفاء، وكان
في بيت المال سَعَةٌ، ولم يكن هناك أَهمُّ منه(٣).
(١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٢ / ٥٠٨).
(٢) رواه البخاري (٢١٧٦)، من حديث أبي هريرة ضـ
(٣) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٦ / ١٥٥).
٦٠