النص المفهرس
صفحات 721-728
سادسها: طال عهدُهم بسماع التوراة والإنجيل، فزال وَقْعُها عن قلوبهم، فقست. وفي قوله: ﴿وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَسِقُونَ﴾ إشارةٌ إلى أن عدمَ الخُشوع في أول الأمر يُفْضِي إلى الفسق في آخر الأمر(١). قوله تعالى: ﴿ ثُمَّ قَفَّتِّنَا عَلَى ءَاثَرِهِم بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى أَبْنِ مَرْيَمَ وَءَاتَّيْنَهُ الْإِنجِيلَ﴾ [الحديد: ٢٧]: هو الكتاب الذي أوحاه الله إليه، ﴿الَّذِينَ ◌ُتََّعُوهُ ﴾ الحَوارِيّون، ﴿رَأْفَةً وَرَحْمَةً﴾؛ أي: رأفة وخشية، ﴿وَرَهْبَانِيَّةٌ ابْتَدَعُوهَا﴾؛ أي: ابتدعتها أُمَّة النصارى، ﴿مَا كَتَبْتَهَا عَلَيْهِمْ﴾؛ أي: ما شرعناها لهم، وإنما هم التزموها من تلقاء أنفسهم . ﴿إِلََّ ابْتِغَآءَ رِضْوَنِ اللَّهِ ﴾ فيه قولان: أحدهما: أنهم قصدوا بذلك رضوانَ الله، قاله سعيدُ بن جُبير وقتادةٌ . والآخر: ما كتبنا عليهم ذلك، إنما كتبنا عليهم ابتغاء رضوان الله. ﴿فَمَارَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾؛ أي: فما قاموا [بما] التزموه حَقَّ القيام، وهذا ذٌَّ لهم من وجهين : أحدهما: الابتداع في دين الله . والثاني: عدم قيامهم بما التزموه مِمَّا زعموا أنه قُرْبةٌ يُقرِّبهم إلى الله رَقّ. روى الحافظ أبو يعلى [من طريق سعيد بن عبد الرحمن بن أبي العمياء](٢): أن سهلَ بن أبي أُمامة حَدَّثه: أنه دخل هو وأبوه على أنس بن (١) انظر: ((تفسير الرازي)) (٢٩/ ٢٠٠)، وانظر هذه الأقوال في ((تفسير الرازي)). (٢) زيادة يقتضيها السياق. ٦٢٧ مالك بالمدينة زمانَ عمر بن عبد العزيز، وهو أميرٌ يصلي صلاةً خفيفة وَقْعَةً، كأنها صلاةُ مُسافر أو قريباً منها، فلمَّا سَلَّم؛ قال: يَرَحمُك الله، أَرأيتَ هذه الصَّلاةَ المَكتوبةَ، أو شيءٌ تَنفَّلْتَه؟ قال: إنَّها المَكتوبةُ، وإنها صَلاةُ رَسُولِ اللهِوَّةِ، مَا أَخْطَأْتُ، إلا شيئاً سَهَوْتُ عنه، إنَّ رسولَ اللهِكَ ه كان يقول: ((لا تُشَدِّدُوا على أَنفُسِكُمْ فِيُشَدَّدَ عَليكُم، فإنَّ قَوماً شَدَّدُوا على أَنْفُسِهِمْ فَشُدِّدُ عَلَيْهِمْ، فتلكَ بقَايَاهُم في الصَّوامعِ والدِّيَاراتِ ﴿وَرَهْبَانِيَةً آبْتَدَعُوهَا مَا كَنَبْنَهَا عَلَيْهِمْ﴾ [الحديد: ٢٧]))(١). وروى الإمام أحمد عن أنس : أن النبيَّ ◌َّ قال: ((لِكُلِّ نبيِّ رَهْبَانِيَّةٌ، ورَهْبَانِيَّةُ هذهِ الأُمَّةِ الْجِهَادُ في سَبيلِ الله ◌ٍَّ))(٢). قال الحكيمُ التِّرمذيُّ: فعلى هذا المثال عامَلَتْ مُتَزَهِّدةُ زماننا، سَمِعَتْ ، أنه مضى في السَّلف الصَّالحين [قوم] اجْتَزَوا بالدُّون من الحال، فلبسوا الصُّوفَ والخُلْقَانَ، وأكلوا الخشِنَ، وامتنعوا من الشهوات، وشَمَّروا الثيابَ، وامتنعوا من المُخالطة؛ صِدْقاً وتورعاً واحتياطاً لدينهم، كل ذلك خوفاً من الله أن يقدَمُوا عليه مُتدنّسين بحُطام الدنيا، مفتونين فيها، وإنما فعل ذلك القومُ لضعف (١) رواه أبو يعلى في ((المسند)) (٣٦٩٤)، ورواه أيضاً أبو داود (٤٩٠٤)، وفيه: ((يصلي صلاة خفيفة دقيقة))، قال في ((عون المعبود)) (١٣ / ١٦٩): ((دقيقة)) بدالين مهملتين وقافين، بينهما تحتية ساكنة، وفي نسخة الخطابي: ((ذفيفة)) بذال معجمة وفاءين، قال في ((المعالم)): معنى الذفيفة: الخفيفة، وهو حديث ضعيف. انظر: ((ضعيف الجامع الصغير)» (٦٢٣٢). (٢) رواه الإمام أحمد في ((المسند)) (٣/ ٢٦٦)، وهو حديث ضعيف. انظر: ((ضعيف الجامع الصغير)» (٤٧٣٩). ٦٢٨ يقينهم، بمنزلة مَنِ امتنع من دخول البحر سباحةً مخافةَ الغرق؛ لعجزه عن السِّباحة، فلم يكتب الله تعالى عليهم هذا، بل أحل لهم الطَّيِّبات والزِّينةَ، ووسَّع عليهم، فابتدعوا تركَها رَهْبةً من الله، وكانوا فيها من الصَّادقين، فلم يُعابوا ولم يُذَمُّوا؛ لأنهم رعَوا ما ابتدعوا، حتى خرجوا من الدنيا مع صدق ما ابتدعوا ابتغاءَ رضوان الله، فخلف مِنْ بعدهم قومٌ، واتَّبعوهم فيما ابتدعوا، وهم غير صادقين فيها، فأقبلوا على لُبْسِ الصُّوف والخُلْقان، وأكل النُّخَالة والخُبز المُتكرِّج، يريدون بذلك إظهارَ الزُّهد، وقلوبهم مَشحونةٌ بشهوات الدنيا تأكل دُنياهم بدينهم، فما رَعَوْها حَقَّ رعايتها(١). * قوله تعالى: ﴿ وَلَا تَكُونُوا كَأَلَّتِى نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَقٍ أَنَكَثًا ﴾ [النحل: ٩٢]: قال عبدالله بن كثير والسُّدِّيُّ: هذه امرأة خرقاء كانت بمكة، کُلّما غزلت شیئاً نقضته بعد إبرامه . وقال مجاهد وقتادة وابن زيد: هذا مَثلٌ لمَن نقض عهدَه بعد توكيده. وهذا القول أرجح وأظهر. و﴿أَنَكَثًا﴾ يحتمل أن يكون اسمَ مصدر، نقضت غزلها أنكاثاً؛ أي: أنقاضاً، ويحتمل أن يكون بدلاً عن خبر (كان)؛ أي: لا تكونوا أنکاثاً، جمع نِکْث؛ من ناکث(٢). (م): قال ابن قتيبة: هذه الآية متصلة بما قبلها، والتقدير: أوفوا (١) انظر: ((نوادر الأصول)) للحكيم الترمذي (١ / ٨٦)، ووقع في الأصل: ((يأكل دنياه بدینه))، والتصويب من المصدر المذكور . (٢) انظر: ((تفسير ابن كثير)) (٨ /٣٤٩). ٦٢٩ بعهد الله إذا عاهدتم، ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها؛ فإنكم إن فعلتم ذلك كنتم مثلَ امرأة غزلت غزلاً وأحكمته، فلمَّا استَحْكَم نَقَضَتْهُ فجعلته أنكاثاً(١). * قوله تعالى: ﴿وَأَعْبُدْ رَبَّكَ﴾ [الحجر: ٩٩] الآيةَ: سبق في (الباب الحادي عشر). ١٥٣ - وعن عُمَرَ بْنِ الخطابِ ﴾ قالَ: قالَ رسولُ اللهِ وَلَّهِ: (مَنْ نَمَ عَنْ حِزْبِهِ مِنَ اللَّيْلِ، أَوْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ، فَقَرَأَهُ مَا بَيْنَ صَلاةِ الفَجْرِ وَصَلاةِ الظَّهْرِ، كُتِبَ لَهُ كأنمَا قَرَأَهُ مِنَ اللَّيْل)) رواه مسلم. * قوله ريرافي: ((كتب له كأنما قرأه من الليل»: (ق): هذا تَفضُّل من الله، ودليلٌ على أن صلاة الليل أفضل من صلاة النهار، و(الحزب) هاهنا: الجزء من القرآن يُصَلَّى به، وهذه الفضيلة إنما تحصل لمن غلبه نوم، أو عُذْرٌ منعه من القيام، مع أن نيته القيام. وفي ((الموطأ)) عنه وَّ: ((ما مِن امْرِئٍ يكونُ لَهُ صَلاةٌ بَيْلٍ، فغلبَهُ عَلَيْها نَومٌ؛ إلاَّ كتبَ اللهُله أَجْرَ صَلاةٍ، وكانَ نَوَمُهُ صَدِقةً عَلَيْهِ)(٢). وهذا أتمُّ من التفضيل والمُجازاة بالنية، وظاهره: أن له أجرَهُ مُكَمَّلاً (١) انظر: ((تفسير الرازي)) (٢٠ / ٨٧). (٢) رواه الإمام مالك في ((الموطأ)) (١ / ١١٧)، من حديث عائشة رضي الله عنها، وهو حديث حسن لغيره. انظر: ((صحيح الترغيب والترهيب)) (٦٠٠). ٦٣٠ مُضاعفاً؛ وذلك لحُسن نيته، وصِدْقٍ تَلهُفهِ وتأسُّفه، هذا قول بعض شيوخنا . وقال بعضهم: يحتمل أن يكون غيرَ مُضاعف؛ إذ الذي يصليها أكملُ وأفضلُ. قلت: والظاهر التمسُّك بالظاهر؛ فإن الثوابَ فضلٌ من الكريم الوَهَّاب، انتھی(١). ١٥٤ - وعن عبدِالله بنِ عَمْرٍو بنِ العاصِ ﴿﴾ قالَ: قالَ لي رسولُ اللهِ وَّهِ: ((يَا عَبْدَالله! لا تَكُنْ مِثْلَ فُلانٍ، كَانَ يَقُومُ اللَّيْلَ، فَتَرَكَ قِيَامَ اللَّيْلِ» متفقٌ عليه. * قوله: ((قال لي: يا عبدالله! لا تكن مثل فلان)) لمَّا بالغ النبيُّ ◌َلـ معه في التخفيف على نفسه - كما تقدم في الباب السابق - فلم يفعل ؛ وَصَّاه بالمُحافظة على ما وَظَّفه لنفسه، قال: لا تكن مثلَ مَنِ استنارَ ليلُه بعبادة الله فتركها؛ ولهذا لمَّا شاخ عبدُالله وغلب عليه الكِبَرُ؛ لم يترك شيئاً من أوراده حَتَّى لحق بالله، وكان يقول: ليتني كنت قَبِلِتُ رُخْصَةَ رسول ◌َِّهِ. ١٥٥ - وعن عائشةَ رضي الله عنها، قالت: كانَ رسولُ اللهِ وَّ (١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٢/ ٣٨٣). ٦٣١ إِذَا فَاتَنَّهُ الصَّلاةُ مِنَ اللَّيْلِ مِنْ وَجَعٍ أَوْ غَيْرِهِ، صَلَّى مِنَ النّهَارِ ثِتُيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً)) رواه مسلم. قوله: ((صلى من النهار ثنتي عشر ركعة)): (ن): هذا دليلٌ على استحباب المُحافظة على الأَوْرَاد، وأنها إذا فاتت تُقْضی(١). (ق): هذا كلُّه إنما هو في تحصيل مثل ما غُلِبَ عليه؛ لأنه قضاءٌ له؛ إذ ليس في ذِمَّته شيءٌ، ولا يُقضى إلا ما تعلَّق بالذِّمَّة. وقد رأى مالك أن يصليَ حِزْبَهُ مَنْ فاته بعد طلوع الفجر، وهو عنده وقتُ ضرورةٍ لمن غُلِبَ على حِزْبهِ وفاته؛ كما يقول في الوتر(٢). (١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٦ / ٢٧). (٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٢ /٣٨٤). ٦٣٢ فهرس الكتب والأبواب الکتاب والباب الصفحة * مقدمات التحقيق 5 سَرُ ،،، ،14 زِشَاضِ الصَّالِحِينَ * مقدمة المؤلف ٣ * نَبَّذَةٌ من مناقب مُؤلِّف الكتاب ٨ ١ - بابُ الإخلاصِ وإحضارِ النيّة في جميعِ الأعمالِ والأقوالِ والأحوالِ ١٤ البارزةِ والخفيَّة ٢ - بابُ التوبةِ ٨٢ ٣ - بابُ الصَّبْرِ ١٦١ فَضْلٌ فِيمَنْ كُفَّ لهم الأبصارُ من ذوي البَصائر والأخيار ٢١٣ ٤ - بابُ الصِّدْقِ ٢٦٠ ٥ - بابُ المراقَبَةِ ٢٧٩ ٦ - باب في التقوى ٣٤٦ ٦٣٣ الكتاب والباب الصفحة ٧ - باب في اليقين والتوكل ٣٦٣ ٨ - بابُ الاستقامةِ ٤١٢ ٩ - بابٌ في التفكّر في عظيمِ مخلوقاتِ الله تعالى وفناءِ الدنيا وأهوالِ الآخرة ٤٢٣ ١٠ - بابٌ في المبادرة إلى الخيراتِ ٤٤٢ ١١ - بابٌ في المجاهَدَةِ ٤٥٦ ١٢ - بابُ الحثِّ على الازديادِ من الخير في أواخرِ العمر ٥١٠ ١٣ - بابٌ في بیانِ کثرةِ طُرُقِ الخيرِ ٥٢١ ١٤ - بابٌ في الاقتصادِ في العبادةِ ٥٨٣ ١٥ - بابٌ في المحافظةِ على الأعمالِ ٦٢٤١ * فهرس الكتب والأبواب ٦٣٣ ٦٣٤