النص المفهرس

صفحات 701-720

(ن): حاصل هذا الحديث بطرقه بيانُ رِفْقِ رسول اللهِ وَلاَ بِأُمَّته
وشَفقَتِهِ عليهم، وإرشادِهم إلى مصالحهم، وحَثِّهم على ما يُطيقون الدَّوامَ
عليه، ونهيهم عن التعمُّق والإكثارِ من العبادات التي يُخاف عليهم المَللُ
بسببها، أو تركُها، أو تركُ بعضها .
وقد بيَّن ذلك بقوله وَّهِ: ((عَلَيْكُمْ مِنَ الأَعْمَالِ ما تُطِيقُونَ)) الحديثَ(١)،
وبقوله في هذا الحديث: ((لا تَكُنْ مِثلَ فُلانٍ، كان يقومُ اللَيلَ، فَتَركَ قِيامَ
اللَّلِ))، وفي الحديث الآخر: ((أَحبُّ الأَعْمَالِ ما داومَ صَاحِبُهُ عليه وإِن قَلَّ))(٢).
وقد ذَمَّ الله تعالى قوماً أكثروا العبادةَ، ثم فَرَّطوا فيها، فقال: ﴿فَمَارَعَوْهَا
حَقَ رِعَانِتِهَا﴾ [الحديد: ٢٧].
وفي هذا الحديث: النهيُ عن صيام الدَّهر، واختلف العلماءُ فيه؛
فذهب أهل الظاهر إلى منع صيام الدَّهر؛ لظواهر هذه الأحاديث، قال
القاضي: وذهب جماهير العلماء إلى جوازه إذا لم يَصُمِ الأيامَ المَنهيَّ عنها،
وهي العيدان والتشريق، ومذهب الشافعي وأصحابه: أن سَرْدَ الصِّيامِ إذا أفطر
العيدين والتشريق لا كراهةَ فیه، بل هو مُستحبٌّ بشرطِ أن لا يلحقَه به ضررٌ،
ولا يُفْوِّتَ حقاً، فإن تضرر، أو فَوَّتَ حقاً؛ فمكروه.
واستدلوا بحديث حمزة بن عمرو، وقد رواه البخاريُّ ومسلمٌ: أنه قال:
يا رسولَ الله! إنِّي أَسردُ الصَّومَ، أفأصوم في السَّفر؟ فقال: ((إِن شِئْتَ فَصُمْ)(٣)،
(١) رواه مسلم (٧٨٢/ ٢١٥)، من حديث عائشة رضي الله عنها .
(٢) رواه البخاري (١١٠١)، من حديث عبدالله بن عمرو ئًا.
(٣) رواه البخاري (١٨٤١)، ومسلم (١١٢١ / ١٠٣).
٦٠٧

فأقره على سَرْدِ الصيام، ولو كان مكروهاً لم يُقرّه، لاسيما في السفر، وقد
ثبت عن ابن عمر أنه كان يسردُ الصِّيامَ، وكذلك أبو طلحةَ، وعائشةُ، وخلائقُ
من السَّلَف، ذكرتُ منهم جماعةً في ((شرح المهذب)).
وأجابوا عن حديث: ((لا صامَ مَنْ صامَ الأَبَدَ))(١) بأجوبة:
أحدها: أنه محمولٌ على حقيقته؛ بأن يصوم معه العيدَ والتشريقَ، وبهذا
أجابت عائشة رضي الله عنها.
والثاني: أنه مَحمولٌ على من تَضرَّر به، أو فَوَّت به حقاً، ويؤيده: أن
النهيَ كان خطاباً لعبدالله بن عمرو بن العاص، وقد عجز في آخر عُمُره، وندم
على كونه لم يقبل الرُّخصةَ، قالوا: فنهى ابنَ عمرو لعلمه بأنه سيعجِزُ، وأَقْرَّ
حمزة لعلمه بقدرته بلا ضرر.
۔۔
والثالث: أن معنى ((لا صام)): أنه لا يجد من مَشقّته ما يجدها غيره،
فيكون خبراً لا دُعاءً(٢).
(قض): فكأنه لم يصم؛ لأنه إذا اعتاد ذلك؛ لم يجد منه رياضةً
وكُلفةً يتعلق بها مزيدُ ثواب(٣) .
(ط): هذا التأويلُ بخلاف سياق الحديث؛ لأن السِّياقَ في رفع
التشديد ووَضْعِ الإِصْرِ، ألا ترى كيف نهاه أولاً عن صوم الدَّهر كُلِّه، ثم
حَثَّه على صوم داود؟ والأولى أن يجري ((لا صام)) على الإخبار أنه ما امتثل
(١) رواه البخاري (١٨٧٦)، من حديث عبدالله بن عمرو
(٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٨ / ٣٩).
(٣) انظر: ((تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة)) للبيضاوي (١ / ٥٠٦).
٦٠٨

أمرَ الشارع، و((لا أفطر))؛ لأنه لم يَطْعَم شيئاً(١).
(ن): أما قوله {َّهِ في صوم يوم وفِطْرِ يوم: ((لا أَفْضَلَ مِن ذلكَ))
اختلف العلماء فیه:
فقال المُتولِّي من أصحابنا وغيرُه من العلماء: هو أفضل من السَّرْدِ؛
لظاهر هذا الحديث، وفي كلام غيره إشارةٌ إلى تفضيل السَّرد، وتَخصيصٍ
هذا الحديث بعبدالله بن عمرو ومَنْ في معناه، وتقديره: لا أفضل من هذا
في حقك.
ويؤيد هذا أنه وَّ﴿ لم يَنْهَ حمزةَ بن عمرو عن السَّرد، ولم يرشده إلى
يوم ويوم، ولو كان أفضلَ في حَقِّ كل الناس لأرشده إليه وَبيَّنه له؛ فإن
تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز، انتهى(٢).
الظاهر عُموم نَصِّ قوله بَّهِ: ((لا أَفْضَلَ مِن ذلكَ))، ودعوى التخصيص
تحتاج إلى دليل ولم يُذكر، وكيف تخصيصُ لفظ رواية مسلم: ((أَحبُّ الصِّيامِ
إلی الله صِیامُ داود))؟!
وأما عدمُ النهي عن السَّرد: لا يدل على كونه أفضل .
وقوله: لم يرشد حمزة إلى يوم ويوم، يجاب عنه: بأن سؤال حمزةَ
لم يكن عن أفضل الصِّيام حتى يُبيِّن له، بل سأل عن جواز سَرد الصوم في
السفر، وبَیَن له غاية البيان.
وأيضاً إن صومَ يوم ويوم أصعبُ وأَشقُّ على النفس من السَّرْد، وهو ◌َّ
(١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٥/ ١٦١٢).
(٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٨ / ٤١).
٦٠٩

كان يأمر بالتزام الأخَفِّ وترك الأَشَقِّ، فلمَّا ذكر حمزةُ أنه التزم قُرْبةً خفيفة؛ لم
يرشده إلى الأثقل.
(ط): ((بلى) جوابٌ عما يلزم من قوله: ((ألم أخبر))؛ لأنه يَّ إنما
أُخبر عما فعله من الصيام والقيام، كأنه قيل: ألم تصم النهار، أو لم تقم
الليل؟ فقال: بلى(١).
(ن): أما نهيه ◌َ ◌ّ﴿ عن صلاة الليل كلِّه: فهو على إطلاقه، وغيرُ مُختصِّ
به، بل قال أصحابنا: یکره صلاة کل اللیل دائماً لكل أحد.
وفرَّقوا بينه وبين صوم الدهر؛ بأن صلاةَ الليل كلِّه لا بُدَّ فيها من
الإضرار بنفسه، وتفويتٍ بعض الحقوق؛ لأنه لم ينم بالنهار، فهو ضررٌ
ظاهر، وإن نام نوماً ينجبرُ به سهرُهُ فَوَّتَ بعضَ الحقوق، بخلافِ مَن يصلي ،
بعضَ الليل؛ فإنه يستغني بنومٍ باقيه، وإن نام معه شيئاً في النهار كان يسيراً
لا يَفُوتُ به حَقٌّ، وكذا مَنْ قام ليلة كاملة - كليلة العيد وغيرها - لا كراهة
فيه؛ لعدم الضَّرر، والله أعلم(٢).
* قوله *: ((فإن لجسدك عليك حقاً، ولعينيك عليك حقاً،
ولزوجك، ولزورك)):
(ق): حق الجسد والعين: الرِّفقُ بهما، وأما حق الزوجة: فهو في
الوَطء، وذلك إذا سرد الصَّومَ، ووالى القيامَ بالليل؛ منعها بذلك حَقَّها منه،
وأما حَقُّ الزَّوْر - وهو الزائر والضَّيف - فهو القيامُ بإكرامه وخدمته،
(١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٥ / ١٦١١).
(٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٨ / ٤١).
٦١٠

وتأنيسُه بالأكل معه(١).
(ن): في رواية: ((إن لولدك عليك حقاً) فيه: أن على الأب تأديبَ
ولده، وتعليمَه ما يحتاج إليه من وظائف الدِّين، وهذا التعليم واجبٌ على
الأب وعلى سائر الأولياء قبل بلوغ الصَّبِيِّ والصَّبيَّة، نصَّ عليه الشافعيُّ
وأصحابه.
وعلى الأُمَّهات أيضاً هذا التعليمُ إذا لم يكن أبٌّ؛ لأنه من باب
التربية، ولَهُنَّ مَدخلٌ في ذلك، وأجرة هذا التعليم في مال الصبيِّ، فإن لم
يكن له مالٌ فعلى مَنْ يلزمه نفَقتُه؛ لأنه ممَّا يَحتاج إليه(٢).
* قوله : «فصم صوم داود فإنه كان أعبد الناس»:
(ق): إنما أحاله على صوم داود، ووصفه بأنه كان أعبد الناس؛
لقوله تعالى: ﴿وَأَذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُرَدَ ذَا الْأَبْدِّ إِنَّهُ أَوَابٌ﴾ [ص: ١٧]، قال ابن عباس:
(الأيد) هنا: القُوَّةُ على العبادة(٣)، و(الأواب): الرَّجَّاعُ إلى الله تعالى،
وإلى عبادته وتسبيحه، ونبّه بقوله: ((ولا يَفِرُّ إذا لاقى)) على أن صومَ يوم
وإفطارَ يوم لا يَضعُفُ مُلتِزِمُه، بل تنحفظ قُوَّته، ويجد من الصوم مشقةً،
بخلاف سَرْدِ الصوم؛ فإنه يُنِهِك البدنَ والقوة، ويزيل رُوحَ الصوم؛ لأنه
يعتادُه، ولا يبالي به، ولا يجد له معنى(٤).
(١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٣/ ٢٢٥).
(٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٨ / ٤٣).
(٣) رواه ابن جرير الطبري في ((تفسيره)) (٢٣/ ١٣٦).
(٤) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٣/ ٢٢٦).
٦١١

(خط): المعنى: أن المؤمن لم يُتعبَّد بالصوم فقط، حتى إذ اجتهد
فيه كان قد قضى حقَّ التعبد كلَّه، وإنما تُعبِّدَ بأنواع من العمل كالجهاد
والحَجِّ، فإن استفرغ جُهدَه في الصوم فبلغ به حَدَّ غَور العين وكَلال البدن؛
انقطعت قوته، وبطلت سائر أنواع العبادة، فأمره بالاقتصاد في الصوم؛
ليستبقيَ بعضَ القوة لسائر الأعمال.
ويؤيده: إتْباعه بقوله: ((ولا يَفِرُّ إذا لاقى))؛ أي: إنما كان يصوم يوماً
ويفطر يوماً؛ لقوته من أجل الجهاد؛ فإنه كان لا يَفِرُّ وقت لقاء العدوِّ.
و ((لا صام)) بمعنى الدُّعاء عليه، وقد تكون أيضاً (لا) بمعنى (لم)،
كقوله: ﴿فَلَصَدَّقَ وَلَ صَلَى﴾ [القيامة: ٣١].
وكقول أُميّةً:
سے%
إِنْ تَغْفِرِ اللَّهُمَّ تَغْفِرْ جَمَّا
وأَيُّ عَبْدٍ لكَ لا أَلَمَّا
أي: لم يُلِم، فيكون بمعنى الخبر، فقيل: معناه: أنه لا يجد من مشقته
ما يجده غيره(١) .
* قوله ◌َّفي: ((واقرأ القرآن في كل شهر)) إلى أن قال: ((في كل سبع
ولا تزد)» :
(ن): هذا من الإرشاد إلى الاقتصاد في العبادة، والإشارة إلى تَدُّر
القرآن، وقد كان للسلف عاداتٌ مختلفة فيما يقرؤون، بحسَب أحوالهم
وأفهامهم ووظائفهم، وقد كان بعضُهم يختم في كل شهر، وبعضهم في
(١) انظر: ((أعلام الحديث)) للخطابي (٢ / ٤٩٠).
٦١٢

عشرين يوماً، وبعضهم في عشرة أيام، وبعضهم أو أكثرهم في سبعة أيام،
وكثيرٌ منهم في ثلاثة، وبعضهم في يوم وليلة، وبعضهم في كل ليلة، وبعضهم
في اليوم والليلة ثلاث ختمات، وبعضهم ثمان ختمات، وهو أكثر ما بَلَغَنا.
والمختار أنه يستكثر منه ما يمكنه الدَّوامُ عليه في حال نشاطه وغيره،
هذا إذا لم يكن مُشتغلاً بوظائفَ عامة؛ كولاية ونحوها (١) ما إذا كان له
ذلك(٢)؛ فليُوظِّف لنفسه قراءةً يمكنه المحافظةُ عليها في حال نشاطه وغيره،
من [غير] إخلال بشيء من كمال تلك الوظيفة، وعلى هذا يحمل ما جاء
عن السلف(٣).
(ق): ذهب إلى منع الزيادة على السبع كثيرٌ من العلماء، واختار
بعضُهم قراءته في ثمان، وكأنَّ مَنْ لم يمنع الزيادة على السبع حملَ قوله:
((لا تزد» على أنه من باب الرِّفق وخوف الانقطاع، فإن أمن ذلك جاز؛ بناء
على أن ما كَثُر من العبادة والخير فهو أحبُّ إلى الله.
والأولى تركُ الزيادة؛ أخذاً بظاهر المَنْع، واقتداءً برسول الله وَّ،
فلم يُروَ عنه أنه ختم القرآن كلَّه في ليلة، ولا في أقلّ من السبع، وهو أعلم
بالمصالح، والأَجْرُ فَضْلُ الله يؤتيه من يشاء، فقد يعطي على القليل ما لا يعطي
على الكثير، لاسيما وقد تبينت مصلحةُ القِلَّة والمُداومة، وآفةُ الكثرة
الانقطاعُ(٤).
(١) في الأصل: ((ونحو ونحوها)) بياض بين الكلمتين.
(٢) في ((شرح مسلم)) للنووي: ((كولاية وتعليم ونحو ذلك))، وهي أوضح.
(٣) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٨ / ٤٢).
(٤) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٢٢٩/٣).
٦١٣

* قوله: ((وددت أني كنت قبلت رخصة رسول الله (صل)):
(ن): معناه: أنه كَبِرَ وعجَز عن المُحافظة على ما التزمه ووظَّفه على
نفسه عند رسول الله وَّةِ، فشَقَّ عليه فعلُه، ولا يمكنه تركُه؛ لأن النبيَّ ◌َله
قال له: ((يا عبدَالله! لا تَكُنْ مثلَ فُلانٍ، كانَ يقُومُ اللَّيلَ فترك قيامَ
اللَّيلِ))(١).
وفي هذا الحديث وكلام ابن عمرو عليها: أنه ينبغي الدَّوامُ على ما صار
عادةً من الخير، ولا يُفرِّط فيه(٢).
* قوله: «یتعاهد کنته»:
(الجوهري): ((الكَنَّة)» بالفتح: امرأة الابن، ويُجمع على كنائن، كأنه
جمعُ كَنِينة، قال الزِّبْرِقانُ: أَبَغَضُ كنائني إليَّ الْقُبَعَةُ الظُّلَعَةُ (٣).
(نه): ((لم يفتش لنا كنفاً)) بكسر الكاف وسكون النون: وعاءُ الراعي
الذي يجعل فيه آلته؛ أي: لم يُدخل يدَه في الإناء معها؛ كما يُدخِل الرجل
يدَه مع زوجته في دواخل أمرها، وأكثر ما يروى: بفتح الكاف والنون؛ من
الكَنَف، وهو الجانب؛ يعني: أنه لم يَقْرَبْها (٤).
١٥١ - وعن أَبِي رِبْعِيِّ حَنْظَلَةَ بْنِ الرَّبِيعِ الأُسَيِّدِيِّ الكَاتِبِ
(١) تقدم تخريجه.
(٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٨ / ٤٣).
(٣) انظر: ((الصحاح)) للجوهري (٦/ ٢١٨٩)، (مادة: كنن).
(٤) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (٤ / ٢٠٤).
٦١٤

أَحَدِ كُتَّابٍ رَسُولِ اللهِ لَهَ، قال: لَقِي أَبُو بَكْرٍ ◌َُه، فقالَ: كَيْفَ
أَنْتَ يا حَنْظَلَةُ؟ قُلْتُ: نَفَقَ حَنْظَلَةُ! قالَ: سُبْحَانَ اللهِ! مَا تَقُولُ؟
قُلْتُ: نَكُونُ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ وَهِ يُذَكِّرُنَاَ بِالجَنَّةِ وَالنَّارِ كَأَنَّا رَأْيَ عَيْنِ،
فَإِذَا خَرَجْنَا مِنْ عِنْدِ رَسُولِ اللهِ بَّهِ، عَافَسْنَا الأَزْوَاجَ وَالأوْلادَ
وَالضَّيْعَاتِ، فَنَسينَا كَثِيراً. قالَ أَبُو بَكْر ◌َهُ: فَوَ اللهِ إِنَّا لَتَلْقَى مِثْلَ
هَذَا، فانْطَلَقْتُ أَنَا وَأَبُو بَكْرِ حَتَّى دَخَلْنَا عَلَى رَسُولِ اللهِنَِّ، فَقُلْتُ:
نافَقَ حَنْظَلَةُ يَا رَسُول الله! فقالَ رَسُولُ اللهِهِ: ((وَمَا ذَاكَ؟))، قُلْتُ:
يا رسولَ الله! نَكُونُ عِنْدَكَ تُذَكِّرُنَاَ بِالنَّارِ وَالجَنّةِ كأنَّا رَأُ عينٍ، فَإِذَا
خَرَجْنَا مِنْ عِنْدِكَ عَافَسْنَا الأَزْوَاجَ وَالأوْلادَ والضَّيْعَاتِ نَسِينَا كَثِيراً.
فقالَ رَسُولُ الله ◌َّهِ: ((وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ! لَوْ تَدُومُونَ عَلَى مَا تَكُونُونَ
عِنْدِي وَفيِ الذِّكْرِ، لصَافَحَتْكُمُ الملائِكَةُ عَلَى فُرُشِكُمْ وَفي طُرُقِكُمْ،
وَلَكِنْ يَا حَنْظَلَةُ سَاعَةً وَسَاعَةً)) ثَلاثَ مَرَّاتٍ، رواه مسلم.
قولُهُ: ((رِبْعِيٌّ): بِكَسْرِ الرَّاءِ. ((وَالأُسَيِّدي)»: بِضَمِّ الهَمْزَةِ
وَفَتْحِ السِّينِ وَبَعْدَها يَاءٌ مَكْسُورَةٌ مُشَدَّدَةٌ .
وَقَوْلُهُ: ((عَافَسْنَا)»: هُوَ - بِالعَيْنِ وَالسِّينِ المُهْمَلَتَيْنِ -؛ أَيْ:
عَالَجْنَا وَلاعَبْنَا. ((وَالضَّيْعَاتُ)): المَعَايِشُ.
VI٧٠
(الجَّشَر)
(ن): ((الأسيدي)): ضبطوه بوجهين؛ أَصُهما وأشهرهما: ضَمُّ الهمزة
٦١٥

وفتح السين وكسر الياء المشددة، [والثاني كذلك] إلا أنه بإسكان(١) الياء، ولم
يذكر القاضي إلا هذا الثانيَ، وهو منسوبٌ إلى بني أُسَيْد بَطْنٍ من تمیم.
[قوله: ((رأي عين))] قال القاضي: ضبطناه: بالرفع؛ أي: كأنَّا بحالٍ مَن
يراها بعينه.
والثاني: النصب على المصدر؛ أي: نراها رأيَ عينٍ.
و((عافسنا) بالفاء والسين المهملة، معناه: حاولنا ذلك ومارسناه واشتغلنا
به؛ أي: عالجنا مَعايشَنا وحُظوظنا، وروى الخَطَّابيُّ: ((عانسنا)) بالنون، قال:
ومعناه: لاعبنا، ورواه ابن قتيبة بالشين المعجمة، قال: ومعناه: عانقنا (٢).
(تو): ((عافسنا)) مأخوذٌ من العَفْسِ، وهو الحَبْسُ والابتذال أيضاً؛ وذلك
لأن المعتني بالشيء المهتمَّ به يحبس نفسَه عليه، ويبتذلها .
١
* قوله: «نافق حنظلة» :
(ق): إنكارٌ منه على نفسه لمَّا وجدها في خَلْوَتها خلافَ ما يظهرُ منها
بحَضْرة النبيِّ وََّ، فخاف أن يكونَ من أنواع النِّفاق، وأراد من نفسه أن يستديمَ
تلك الحالةَ التي كان يجدُها عند مَوعظة النبيِّ وَِّ، ولا يُشْغَل عنها بشيءٍ(٣).
(ط): ((نافق حنظلة)) فيه تجريدٌ؛ لأن [أصل] الكلام: نافقتُ، وجرَّد
من نفسه شخصاً آخر مثلَه فهو يخبر عنه، لمَّا رأى في نفسه ما لا يرضى؛
المُخالفة السِّرِّ العَلَن.
(١) في الأصل: ((تكسر))، وما بين معكوفتين من ((شرح مسلم)) للنووي (١٧ / ٦٥).
(٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٧ / ٦٥).
(٣) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٧ / ٦٦).
٦١٦

وقوله: ((سبحان الله)) كلمة تَعجُّب، و(ما) استفهامية، فقوله:
((ما تقول)) هو المُتعجّبُ منه، و((نسينا كثيراً)؛ أي: نسينا أكثرَ ما ذكَّرْتَنَا به،
أو نسينا نسياناً كثيراً، كأنا ما سمعنا منك شيئاً قَطُّ، هذا مناسبٌ لقوله:
((رأي عين)) إذا أريد به المصدر في إرادة المبالغة منها، و((في الذكر)) عطفٌ
على خبر (كان) الذي هو ((عندي))(١).
(ق): قول الصِّدِّيق ◌َهُ: ((والله؛ إنا لنلقى مثل هذا)) رَدٌّ على غُلاة
الصُّوفية الذين يزعمون دوامَ مثل تلك الحال، ولا يُعرِّجُون بسببها(٢) على
أهل ولا مال.
ووجه الرَّدِّ: أن أبا بكر أفضلُ الناس كلهم بعد رسول الله مَّر، مع
ذلك فلم يَدَّعِ خُروجاً عن جِبَلَّةِ البشرية، ولا تعاطى من دوام الذكر وعَدَمِ
الفترة ما هو خاصِّية الملائكة.
وقد ادعى قومٌ منهم دوامَ الأحوال، وهو بما ذكرناه شبيه المُحال،
وإنما الذي يدوم المقاماتُ، لكنها تتفاوت فيها المُنازلات، والمَقام يحصل
للإنسان بسعيه وكَسْبه، والحال ما يحصل له بهبة ربِّه(٣)، ولذلك قالوا:
المَقاماتُ مكاسبٌ والأحوالُ مَواهبٌ، ومَن طاب وقتُه علا نعتُهُ(٤)، ومَن
صَفَا واردُه طاب وِرْدُه.
(١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٥ / ١٧٣١).
(٢) في الأصل: ((تعرجوا بسعيها)).
(٣) في الأصل: ((والحال لا يحصل له يهبه ربه))، والمثبت من ((المفهم)) للقرطبي
(٧ / ٦٧).
(٤) في الأصل: ((على نفسه)).
٦١٧

وعلى الجملة فسنةُ الله في هذا العالم الإنساني جَعْلُ تمكينهم في
تلوينهم، ومُشاهدتهم في مُكابدتهم، وسر ذلك: أن هذا العالم متوسِّطٌ
بين عالمي الملائكة والشياطين، فمَكَّن الملائكة في الخير بحيث يفعلون
ما يؤمرون، ويُسبِّحون الليل والنهار لا يفترون، ومَكَّن الشياطين في الشَّرِّ
والإِغْوَاء بحيث لا يفعلون، وجعل هذا العالمَ الإنسانيَّ مُتْلَوِّناً، فيمِّنُه ويُلَوِّنه،
ويُفنیه ويُبقيه، ويُشهده ويُفقده.
وإليه أشار صاحبُ الشَّفاعة بقوله: ((ولكن يا حنظلة؛ ساعة وساعة))،
وفي حديث أبي ذَرِّ رضي الله تعالى عنه: ((وعلى العاقل أن يكونَ له سَاعاتٌ؛
سَاعةٌ يُناجِي فيها رَبَّهُ، وساعةٌ يُحاسِبُ فيها نفسَهُ، وساعةٌ يُفكِّر فيها في صنع
الله إليه، وساعةٌ يخلو فيها بحاجته منَ المَطْعَم والمَشْرَب))(١)، هكذا حال أهل ،
الكمال، وما عداه تُزَّهَاتٌ وخيال(٢).
* وقوله: ((وفي الذكر)):
هكذا صَحَت الروايةُ بالواو العاطفة، ويفيد أنه وقفَ مُصافحةَ الملائكة
على حصول حالتين لنا: على حالة مشاهدة الجنة والنار، مع ذكر الله ودوام
ذلك، ومَن كان كذلك ناسب الملائكةَ في معرفتها، فبادرت إلى إكرامه
ومُشافهته وإعظامه، والمسؤولُ من الكريم المُتعال أن يمنحنا من صفاء هذه
الأحوال.
(١) رواه ابن حبان في ((صحيحه)) (٣٦١)، وهو حديث ضعيف جدًا. انظر: ((ضعيف
الترغيب والترهيب)) (١٣٥٢).
(٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٧ / ٦٧).
٦١٨

(تو): ((ساعة وساعة)) تقديره ساعةً في الحضور، فتؤدُّون حُقوقَ
ربِّكم، وساعةً في الغَيْة، فتَقَضُون حُقوقَ أنْفُسِكم.
وفيه: تنبيهٌ على أن الإنسانَ لا يصبر على الحق الصِّرْفِ والجَدِّ المَحْض،
وأعاد القول ثلاثاً إرادةَ التأكيد وتأثيرِ القول فيه حتى يزيل عنه ما اتَّهم به نفسه.
وقوله: ((ساعة وساعة)) محتمِلٌ للترخُّص وهو أظهر، ومُحتملٌ للحَثِّ
على التحفّظ به؛ لئلا تسأمَ النفسُ عن العبادة.
(مظ): قوله: ((صافحتكم الملائكة))؛ أي: عِياناً، ولا بدَّ من هذا
القيد؛ لأن الملائكة يصافحون أهل الذكر غيرَ عِيان، انتهى(١).
قال الترمذي الحكيم: الذِّكر المُذهل للنفوس إنما يدوم ساعة ثم
ينقطع، ولولا ذلك ما انتفع بالعيش(٢).
وقوله: ((ساعة وساعة))؛ أي: ساعةً للذكر، وساعةً للنَّفْس؛ لا ساعة
للصحبة، وساعة للتخليط، وهذا مَهجورٌ من قول الجهلة، ولكن كأن
الجنة والنار رأي عين ساعةً، وساعةً مُقبلٌ على المَعاش ومَرَمَّتِهِ(٣)، وفي
درجات [المقربين](٤) أيضاً ساعة وساعة؛ لأن القلب ربما عجَز عن احتمال
ما یحُل به، فیحتاج إلى مزاج.
ألا ترى أن رسول الله﴿ لمَّا صار إلى السِّدْرةِ، فغشيها من أمر الله
(١) انظر: ((المفاتيح في شرح المصابيح)) للمظهري (٣/ ١٤٢).
(٢) انظر: ((نوادر الأصول)) للحكيم الترمذي (١ / ٣٦٦).
(٣) في الأصل: ((ومرهبه)).
(٤) بياض في الأصل، وما بين معكوفتين من ((نوادر الأصول)) للحكيم الترمذي (١ / ٣٠٨).
٦١٩

ما غشيها، وأشرق النور؛ حال دونه فَراشٌ من ذهب، وتحولت السدرة(١)
زبر جداً وياقوتاً، فما أحدٌ من خلق الله يستطيع أن ينعتَ حُسْنَها.
وفي رواية: ((رأيتُ النُّورَ الأعظمَ، ولُطَّ دُونِي الحِجابُ، رَفْرَفُهُ الدُّرُ
والياقوتُ، وأوحى إليَّ ما شاء أن يُوحِيَ))(٢)؛ أي: لم يَقُم بَصرُه(٣) للنور،
فعُورض بالزبرجد والياقوت وفرَاشِ الذهب مزاجاً حتى يَقْوَى ويقدر احتماله.
وقوله: ((ساعة وساعة)) من تدبير الله للعبد، وكان أصحابُ رسول الله وَلآه
يطلبون تلك الساعةَ التي هي للذِّكر، قال عبدالله بن رواحة لأبي الدَّرِداء: تعال
حَتَّى نُؤْمنَ ساعةً.
ومنهم(٤) مَنْ له هذا النورُ دائمٌ، فيدوم له مُعاينةُ أمور الآخرة، وأَمرِ
المَلَكُوت، وعددُهم في كلِّ زمانٍ قليلٌ.
يذكر أنه يبلغ عددُهم أربعين صِدِّيقاً، هم خلفاء الأنبياء(٥).
وقال الحافظُ محمَّدُ بن مَعْمَرِ القرشيُّ: الجِبِلَّةِ المَلَكية مُستعدَّةٌ للعبادة
المَحْضَة، المُعبَّر عنها بقوله: ﴿ يُسَبِّحُونَ الَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٠]،
والجِبلَّة الإنسانية موضوعةٌ على ثلاث اختصاصات:
(١) في الأصل: ((إلى سدرة)).
(٢) رواه ابن سعد في ((الطبقات)) (١ / ١٧١)، والطبراني في ((المعجم الأوسط)) (٦٢١٤)،
وهو حديث ضعيف. انظر: ((السلسلة الضعيفة)) (٥٤٤٤).
(٣) في الأصل: ((الصورة)).
(٤) في الأصل: ((ومنهم هذا))، بزيادة كلمة ((هذا))، والمثبت من ((نوادر الأصول))،
وهو الصواب.
(٥) انظر: ((نوادر الأصول)) للحكيم الترمذي (١ / ٣٠٨).
٦٢٠

الأولى: القيام بما فيه ترفيةُ المعاش، وتَزْجِيةُ الأيام لنفسه ولغيره، المبنية
عليها بالعمارة، المُشار إليها بقوله عز من قائل: ﴿وَأَسْتَعْمَرَّكُمْ فِيهَا﴾ [هود: ٦١].
الثانية: السياسة الخاصَّة التي لا تتهيأ إلا بالانقياد لطاعة الله، والائتمار
بأوامره، والانتهاء عَمَّا نهى عنه، المُشار إليه بقوله تعالى: ﴿ وَمَا خَلَقْتُ اَلِنَ
وَآلْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾ [الذاريات: ٥٦].
الثالثة: التخلُّق بأخلاق الله، الذي هو تَحرِّي العدالة والإحسان، والحُكم،
والعفو، والتَّطَوُّل، وغير ذلك من المكارم الشرعية، والحسنات الدِّينية.
فقوله پذار: ((لو تدومون على ما تكونون عندي وفي الذكر؛ لصافحتكم
الملائكة))؛ أي: لو استغرقتم في الخُصوصية التي شاركتم فيها الملائكة، فأخذتم
فيها أَخْذَهُم؛ لتعطلت الخُصوصيتان الأخريان اللتان تميزتم بها عن الملَك،
وصلَحتم بمقتضاها للعِمارة والسِّياسة اللتين لا غنى لقيام العالم عنهما، فلعلَّهم
كانوا يَعُدُّون هاتين الخُصوصيتين ديناً، ولا غَرْوَ أن يكون قولُ النبيِّ وَّهِ: ((لَوْلا
أَنَّكُمْ تُذْنِبُونَ لخَلَقَ اللهُ خَلقاً يُذْنِبُونَ فِيَغْفِرُ لَهُم)) (١) إشارةً إليهما.
١٥٢ - وعنِ ابنِ عباسٍ ﴾﴾ قالَ: بَيْنَمَا النَّبِيُّ وَهِ يَخْطُبُ، إِذَا
هُوَ بِرَجُلٍ قَائمٍ، فَسَأَلَ عَنْهُ، فَقَالُوا: أَبُو إِسْرَائِيلَ، نَذَرَ أَنْ يَقُومَ في
الشَّمْسِ وَلا يَقْعُدَ، وَلا يَسْتَظِلَّ وَلاَ يَتَكَلَّمَ، وَيَصومَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َه:
((مُرُوهُ فَلْيَتَكَلَّمْ، وَلْيَسْتَظِلَّ، وَلْيَقْعُدْ، وَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ» رواه البخاري.
(١) رواه مسلم (٢٧٤٨ / ٩)، من حديث أبي أيوب ظُه.
٦٢١

(الجَّادِي عَيْسَ)
* قوله: «فسأل عنه»:
(قض): الظاهر من اللفظ [أن] المسؤول عنه هو اسمُه، ولذلك أُجيب
عنه بذكر اسمه، وأن ما بعده زيادة في الجواب، ويحتمل أن يكون المسؤول
عنه حاله، فیکون الأمر بالعكس.
ولعل السُّؤالَ لمَّا كان محتملاً لكل واحد من الأمرين؛ أجابوا بهما
جميعاً، وأمرُهُ وَّر بالوَفاء في الصوم والمخالفةِ فيما سواه تدلُّ على أن النذرَ
لا يصح إلا فيما فيه قُرْبٌ، وما لا قُربةَ فيه فنذر لَغْوٍ لا عبرةَ به، وبه قال ابنُ
عمر وغيره من الصحابة، وهو مذهبُ الشافعيِّ.
وقيل: إن كان المنذورُ به مُباحاً يجب الإتيانُ به؛ لِمَا روي: أن امرأةٌ
١
قالت: يا رسولَ الله؛ إنِّي نذرتُ أن أَضرِبَ على رأسك بالدُّفِّ، فقال:
(أَوْفِي بِنَذْرِكِ))(١).
وإن كان مُحرَّماً يجب كَفَّارةُ اليمين؛ لِمَا روي عن عائشة رضي الله
عنها قالت: ((لا نَذْرَ في مَعصيةٍ، وكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ الْيَمين)» (٢).
والجواب عن الأول: أنها لمَّا قصدت بذلك إظهارَ الفرح بمَقْدَم
رسول الله وَّة، والمَسَرَّةِ بنصر الله للمؤمنين، وكانت فيه مَساءَةُ الكفار
(١) رواه أبو داود (٣٣١٢)، عبد الله بن عمرو ظه، وهو حديث صحيح. انظر: ((إرواء
الغلیل)» (٢٥٨٨).
(٢) رواه أبو داود (٣٢٩٠)، وهو حديث صحيح. انظر: ((صحيح الجامع الصغير))
(٧٥٤٧).
٦٢٢

والمنافقين؛ التحق بالقُرُبات، مع أن الغالبَ في أمثال هذا الأمر أن يُرادَ به
الإذنُ دون الوجوب.
وعن الثاني: أنه حديثٌ ضعيف لم يثبت عند الثقات.
وعن الثالث: أنه ليس من هذا الباب؛ إذ الرواية الصحيحةُ عنه ◌ٍَّ قال:
(كَفَّارَةُ النَّذْرِ إذا لَمْ يُسَمَّ كَفَّارَةُ الْيَمين))(١)، وذلك مثل أن يقول: لله عليَّ نَذْرٌ،
ولم يُسمِّ شيئاً.
وقال أصحاب أبي حنيفة: لو نذر صومَ العيد لزمه صومُ يوم آخر، ولو
نذر نَحْر ولده لزمه ذبحُ شاة، ولو نذر ذبحَ والده اتفقوا على أنه لا يلزمه ذلك،
ولعل الفرقَ أن ذبح الولد كان قبل الإسلام ينذرونه ويَعُدُّونه قُربةً، بخلاف
ذبح الوالد(٢).
(١) رواه الترمذي (١٥٢٨)، من حديث عقبة بن عامر قاله، وهو حديث صحيح دون
قوله: ((إذا لم يسم)). انظر: ((صحيح الجامع الصغير)) (٤٤٨٨)، و((ضعيف الجامع
الصغير)) (٥٨٦٢).
(٢) انظر: ((تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة)) للبيضاوي (٢ / ٤٤٤).
٦٢٣

١٥ -باب
في المحافظةِ على الأعمالِ
قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ
*
وَمَا نَزَّلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُواْ كَالَّذِينَ أُوتُواْالْكِنَبَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَّدُ فَقَسَتْ
قُلُوبُهُمْ﴾ [الحديد: ١٦].
* وقال تعالى: ﴿وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَءَاتَّيْنَهُ اَلْإِنجِيلَ:
وَجَعَلْنَا فِى قُلُوبٍ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةٌ وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً آبْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَهَا
عَلَيْهِمْ إِلََّابْتِغَاءَ رِضْوَنِ اَللَّهِ فَمَارَ عَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾ [الحديد: ٢٧].
* وقال تعالى: ﴿ وَلَا تَكُونُواْ كَأَلَّتِى نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةِ
أَنْكَثًا﴾ [النمل: ٩٢].
* وقال تعالى: ﴿وَأَعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْنِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر: ٩٩].
(الباب الخامس عشر)
(في المحافظة على الأعمال)
* قال الله تعالى: ﴿أَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ ءَامَنُوَأَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ﴾ الآيةَ؛
أي: أما آن للمؤمنين أن تلين قلوبُهم عند الذكر والموعظة وسماع القرآن،
٦٢٤

فتفهمه وتنقادَ له، وتسمعَ له وتُطیعَه .
قال ابن عباس : استبطأ قلوبَ المؤمنين، فعاتبهم على رأس
[ثلاث] عشرة سنة من نزول القرآن فقال: ﴿أَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ الآيةَ(١).
قال ابن مسعود: ما كان بين إسلامنا وبين أن عاتبنا الله بهذه الآية إلا
أربعُ سنین، رواه مسلم(٢).
قال قتادة: ذُكر لنا: أن شَدَّادَ بنَ أَوْسٍ كان [يروي] عن رسول الله وَّه
قال: ((إِنَّ أَوَّلَ ما يُرفَعُ منَ النَّاسِ الخُشوعُ)) (٣).
ثم نهى الله المؤمنين أن يتشبهوا بالذين أوتوا الكتاب؛ اليهودِ
والنَّصارى، لمَّا تطاول عليهم الأَمَدُ بَدَّلوا كتابَ الله بأيديهم، واشتروا به ثمناً
قليلاً، ونبذوه وراءَ ظُهورهم، وأقبلوا على الآراء المُختلفة، والأقوال
المُؤتَفِكة، وقَلَّدوا الرِّجالَ في دين الله، واتخذوا أَحْبارَهم ورُهبانَهم أرباباً،
فعند ذلك قَسَتْ قلوبُهم، فلا تَقَبلُ موعظةً، ولا تلينُ جلودُهم بوعد ولا وعيد،
وكثيرٌ منهم فاسقون في الأعمال، فقُلوبهم فاسدةٌ، وأَعمالُهم باطلة.
قال أبو جعفر الطبريُّ: قال رجل لابن مسعود: يا أبا عبدالله! هلك مَنْ
لم يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، فقال عبدُالله: هلك مَنْ لم يعرف قلبُه
(١) رواه ابن أبي حاتم في ((تفسيره)) (١٨٨٢٥)، وفي إسناده صالح المري ضعيف كما
في ((تقريب التهذيب)) لابن حجر (ص: ٢٧١)، (ت: ٢٨٤٥).
(٢) رواه مسلم (٣٠٢٧/ ٢٤).
(٣) رواه الطبراني في ((المعجم الكبير)) (٧١٨٣) وهو حديث صحيح. انظر: ((صحيح
الجامع الصغير)) (٢٥٧٦).
٦٢٥

معروفاً، ولم يُنكر قلبُه منكراً، إنَّ بني إسرائيل لمَّا طال عليهم الأَمَدُ وقست
قلوبُهم اخترعوا كتاباً من بين أيديهم وأرجلهم، استَهْوَتْهُ قلوبُهم، واستَحْلَتْهُ
ألسنتُهم، وقالوا: نعرِضُ على بني إسرائيل هذا الكتابَ، فمَنْ آمن به تركناه،
ومَنْ كفر به قتلناه، فجعل رجلٌ منهم كتابَ الله في قَرْن، ثم جعل القَرنَ بين
تُنْدُوَتَيْهِ، فلمَّا قيل له: أتؤمن بهذا؟ قال: آمنت به، ويُومئ إلى القَرْن بين
تُنْدُوَتَيْهِ، وما لي لا أؤمنُ بهذا الكتاب؟! فمِنْ خير مِلَلِهِم اليومَ مِلَّةُ صاحب
القَرْن(١).
(الثعلبي): قال محمد بن كَعْب: كانت الصحابة بمكة مُجْدِبين، فلمَّا
هاجروا أصابوا الرِّيفَ والنعمةَ، ففَتروا عما كانوا فيه، فنزلت: ﴿فَطَالَ عَلَيْهِمُ
اُلْأَمَدُ﴾(٢) .
ذكروا في تفسيره وجوهاً:
أحدها: طالت المُدَّة فيما بينهم وبين أنبيائهم.
ثانيها: قال ابن عباس: مالوا إلى الدنيا، وأعرضوا عن مواعظ الله.
ثالثها: طالت أعمارُهم في الغَفْلة، فقست قلوبهم.
رابعها: قال مُقاتِل: الأَمَدُ هاهنا: الأمل البعيد، والمعنى: طال عليهم
الأمَدُ بطول الأمل.
خامسها: قال مُقاتل بن سليمان: هو أمد خُروج النبيِّ وَلَد .
(١) انظر: ((تفسير ابن كثير)) (١٣ / ٤٢١).
(٢) رواه الثعلبي في ((تفسيره)) (٩/ ٢٤١)، وفي إسناده أبو معشر، ضعيف أسنَّ واختلط
كما في ((تقريب التهذيب)) لابن حجر (ص: ٥٥٩)، (ت: ٧١٠٠).
٦٢٦