النص المفهرس
صفحات 661-680
وفي رواية أبي(١) إسحاق عن أبي تميمة (٢): أن أعرابياً أتى النبيَّ ◌ِّ فقال: أَوْصِني، فقال: ((أُوصِيكَ أَنْ لا تَسُبَّ، ولا تَزْهَد في مَعْرُوفٍ، وإن استَسْقَاكَ أَخُوكَ مِنْ دَلْوِكَ فَصُبَّ له، والْقَهُ ووَجْهُكَ مُنْبَسِطٌ إليهِ»(٣). وفي رواية [أبي السليل] عن أبي تميمة (٤) أنه قال: سألته عن المعروف، فقال: ((لا تَحْقِرَنَّ شَيئاً مِنَ المَعْرُوفِ، ولو بشِسْعِ النَّعْلِ، ولَوْ أن تُعطِيَ الخُبزَ، ولَوْ أَنْ تُؤْنِسَ الوَحْشانَ))(٥)؛ أي: تُؤْنِسَه بما تؤنسُه من قولٍ مُزيلٍ للوَحْشة، يقال: رجل وَحْشَان من قوم وَحَاشَى. ١٣٥ - التَّاسعَ عَشَرَ: عَنْهُ قال: قال رسولُ اللهِ: ((مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَغْرِسُ غَرْساً إلاَّ كَانَ مَا أُكِلَ مِنْهُ لَهُ صَدَقَةً، وَمَا سُرِقَ مِنْهُ لَهُ صَدَقَةً، ولا يَرْزَؤه أحَدٌ إلاَّ كَانَ لَه صَدَقَةً)) رواه مسلم. وفي رواية له: ((فَلا يَغْرِسُ المُسْلِمُ غَرْساً فَيَأْكُلَ مِنْهُ إِنْسَانٌ وَلا دَبَّةٌ وَلا طَيْرٌ، إلاَّ كَانَ لَه صَدَقَةً إِلَى يَوْمِ القِيَامَة)). (١) في الأصل: ((ابن)). (٢) في الأصل: ((بھیحة)). (٣) رواه الدولابي في ((الكنى والأسماء)) (١٣٥)، والخطابي في ((غريب الحديث)) (١/ ١٥٧)، وهو حديث صحيح. انظر: ((صحيح الجامع الصغير)) (٧٣٠٩). (٤) في الأصل: ((تهمة)). (٥) رواه الإمام أحمد في ((المسند)) (٣/ ٤٨٢)، وإسناده صحيح. انظر: ((السلسلة الصحیحة» (٣٤٢٢). ٥٦٧ وفي رواية له: ((لا يَغْرِسُ مُسْلِمٌ غَرْساً، وَلا يَزْرَعِ زَرْعاً، فَيَأْكُلَ مِنْهُ إِنْسَانٌ وَلا دَابَّةٌ وَلا شَيْءٌ إلاَّ كَانَتْ لَه صَدَقَةٌ))، وَرَوَيَاه جَمِيعاً مِنْ رواية أنَسٍ قولُهُ: ((يَرْزَؤُهُ)): أَيْ: يَنْقُصُهُ. [ البَّاقُ عَنْشَرٌ * قوله ريج: «ما من مسلم يغرس غرساً): (ن): فيه: فضيلة الغَرْس والزَّرْع، وأن أجر فاعل ذلك مُستمرٌّ ما دام الغرس والزرع وما تَولَّد منه إلى يوم القيامة . وقد اختلف العلماءُ في أطيب المكاسب، فقيل: التجارة، وقيل:، الصَّنْعَةُ باليد، وقيل: الزِّراعة، وهو الصَّحيح، وقد بسطتُ إيضاحَه في آخر (باب الأطعمة) من ((شرح المهذب)). وفي هذه الأحاديث أيضاً: أن الثوابَ والأجر مُختصٌّ بالمسلمين؛ فإن المسلم يثابُ على ما سُرِق من ماله، أو أتلفته دابةٌ أو طائر أو نحوهما، انتھی(١). قال جابر بن عبد الله رَُ: دخل النبيُّ ◌َِّ على أُمِّ مَعْبَدٍ حائطاً، فقال: ((يا أُمَّ مَعْبَدٍ؛ مَنْ غَرسَ هذا النَّخْلَ، أَمُسْلِمٌ أَمْ كَافِرٌ؟)) فقالت: بل مسلم، فقال: ((لا يَغْرِسُ مُسلِمٌ غَرْساً)) الحديثَ(٢). (١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٠ / ٢١٣). (٢) رواه مسلم (١٥٥٢ / ١٠). ٥٦٨ (ط): نكر ((مسلماً)) وأوقعه في سياق النفي، وزاد ((من)) الاستغراقية، وخص الغرس والزرع، وعَمَّ الحيوان؛ ليدل على سبيل الكناية الإيمائية على أن أيَّ مسلم كان هو حُرّاً أو عبداً، مُطيعاً أو عاصياً، يعمل أيَّ عمل من المُباح، ينتفع بما عمله أيُّ حيوان كان؛ يرجع نفعُه إليه، ويُثابُ عليه، والرواية: برفع ((صدقة)) على أن ((كان)) تامة(١). (ق): خَصَّ المسلم بالذِّكر؛ لأنه ينوي عند الغرس غالباً أن يتقوى بذلك الغرسِ المُسلمون على عبادة الله تعالى، ولأنه هو الذي يحصل له الثواب. وأما الكافر: فلعله يُخفَّف عنه العذابُ فيما يفعله من الخيرات، ويعني بالصدقة هاهنا: ثوابَ صدقة مضاعفاً؛ كما قال تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَلَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَثْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ﴾ الآية [البقرة: ٢٦١]. وفيه دليلٌ أن الغراسَ واتخاذَ الضِّعِ مُباحٌ، وغير قادح في الزُّهد، وقد فعله كثيرٌ من الصحابة. وقد ذهب قوم من المُتزهِّدة إلى أن ذلك مكروهٌ وقادح، ولعلهم تَمسَّكُوا بما أخرجه الترمذي مُحَسِّناً من قوله عليه الصلاة والسلام: ((لا تَتَّخِذوا الضَّيْعَةَ؛ فترَكَنُوا إلى الدُّنيا))(٢). والجواب: أن هذا النهيَ محمولٌ على الاستكثار من الضياع والانصراف إليها بالقلب الذي يفضي بصاحبه [إلى] الرُّكون إلى الدنيا، فأما إذا اتخذها غيرَ مستكثر، وقَلَّل منها، وكانت له كَفافاً وعَفافاً: فهي مُباحةٌ غير قادحة في الزهد، (١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٥/ ١٥٤٧). (٢) رواه الترمذي (٢٣٢٨)، من حديث ابن مسعود ظه، وهو حديث صحيح. انظر: ((صحيح الجامع الصغير)) (١٣١٧٠). ٥٦٩ سبيلُها كسبيل المال الذي استثناه النبيُّ نَّه بقوله: ((إلا مَنْ أَخْذَهُ بحَقِّهِ، ووضَعَهُ في حَقِّهِ)(١). فأما لو غرس واتخذ الضَّيْعةَ ناوياً بذلك مَعُونةَ المسلمين وثوابَ ما يؤكل ويتلفُ له منها، ويفعل بذلك معروفاً: فذلك من أفضل الأعمال، وأكرم الأحوال. ولا يبعد أن يقال: إن أجر ذلك يعود إليه أبداً دائماً، وإن مات وانتقلت إلى غيره، ولولا الإكثار لذكرنا فيمَن اتخذ الضَّاعَ من الفُضلاء والصَّحابة جُمَلاً من الأخبار، انتهى(٢). وفي ((مسند أحمد)) عن معاذ بن أنس عن رسول الله وَّ ه قال: ((مَنْ بنى بُنْيَاناً في غَيْرِ ظُلْمٍ ولا اعْتِدَاءٍ، أَوْ غَرسَ غَرْساً فِي غَيْرِ ظُلْمٍ ولا اعْتِدَاءٍ؛ كانَ لَهُ أَجْراً جَارِياً، مَا انْتُفْعَ به من خَلْقِ الرَّحمَنِ تَبَارَكَ وَتَعالَى))(٣). م وعن جابر ◌َُّه قال: أتى رسولُ اللهِ وَ لي بني عمرو بن عوف فقال: ((يا مَعاشرَ الأَنْصَارِ)) قالوا: لَّيْكَ يا رسولَ الله، قال: ((كُنْتُمْ فِي الجَاهِلِيَّةِ أَذِلاَءَ لا تَعْبُدُونَ اللهَ، تَحْمِلُونَ الكَلَّ، وتَفْعلُونَ فِي أَمْوَالِكُمُ المَعْرُوفَ، وتَفْعَلُونَ إلى ابنَ السَّبِيلِ، حَتَّى إذا مَنَّ اللّهُ عَلَيْكُمْ بِالإِسْلامِ وِنبيِّهِ؛ إِذْ أَنْتُمْ تُحْصُونَ أَموَالكُم، فِيمَا يَأْكلُ ابنُ آدَمَ أَجْرٌ، وفيمَا يَأْكلُ السَّبُعُ والطَيرُ أَجْرٌ»، قال: فرجع القوم، فما منهم أحدٌ إلا هدم من حديقته باباً أو بابين. (١) رواه البخاري (٦٠٦٣)، من حديث أبي سعيد الخدري (٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٤ / ٤٢١). (٣) رواه الإمام أحمد في ((المسند)) (٣/ ٤٣٨)، وهو حديث ضعيف. انظر: ((ضعيف الترغيب والترهيب)) (١٥٤٥). ٥٧٠ رواه الحاكم، وقال: صحيح الإسناد. قال: وفيه النهيُ الواضح عن تحصين الحِيطان، والنَّخيل، والكَرْمِ، وغيرها من المُحتاجين والجَائعين أن يأكلوا منها(١). (حس): روي: أن رجلاً مَرَّ بأبي الدَّرداء ظُه وهو يغرس جَوْزةً، فقال: أَتَغرِسُ هذا وأنت شيخ كبير تموتُ غداً أو بعد غد، وهذا لا يُطعِمُ إلا في كذا وكذا عاماً؟! فقال: وما عليَّ، إنَّ لي أَجرَها، ويأكل مَهْناَها غيري(٢). (ط): وذكر أبو الوفاء البغدادي في كتاب ((المقامات)): أنه مَرَّ أَنُوشَرْوانَ على شيخ يَغْرِسُ شجرةَ الزيتون، فقال: ليس هذا أوانَ غرس الزيتون، وهو شجر بطيء الإثمار، وأنت شيخ هِمٌّ. فأجاب: غَرَسَ مَنْ قبلنا فأكلنا، ونَغَرِسُ ليأكلَ مَنْ بعدنا، فقال أَنُوشَرْوانَ: زِه - أي: أحسنت - وكان إذا قال: زِهْ؛ يعطي مَنْ قيل له أربعةَ آلاف درهم. فقال: أيها المَلِكُ؛ كيف تتعجَّبُ من غراسي واستبطاء ثمره، فما أسرعَ ما أثمرت؟! فقال: زِهْ، فزيد أربعةَ آلاف أخرى، فقال: أيها الملك كل شجرة تثمر في العام مرة، وقد أثمرت شجرتي في ساعة مرتين، فقال: زِهْ، فزيد مثلَها، ومضى أَنُوشَرْوانَ، فقال: إن وقفنا؛ لم يَكْفِه ما في خزائتنا (٣). (١) رواه الحاكم في ((المستدرك)) (٧١٨٣)، وفيه: ((تحصنون)) مكان: ((تحصون))، وهو حديث ضعيف. انظر: ((ضعيف الترغيب والترهيب)) (١٥٤٨). (٢) انظر: ((شرح السنة)) للبغوي (٦ / ١٥١). (٣) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٥ / ١٥٤٨). ٥٧١ ١٣٦ - العِشْرُونَ: عَنْهُ قالَ: أرَادَ بَنُو سَلِمَةَ أَنْ يَنْتَقِلُوا قُرْبَ المَسْجِدِ، فَبَلَغَ ذلكَ رسولَ اللهِوَلِ، فَقَالَ لَهُمْ: ((إنَّهُ قَدْ بَلَغَنِي أنَّكُمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَنْتُقِلُوا قُرْبَ المَسْجِدِ؟))، فَقَالُوا: نَعَمْ يَا رسول الله، قَدْ أَرَدْنَ ذلكَ، فَقَالَ: ((بَنِي سَلِمَةَ! ديَارَكُمْ تُكْتَبْ آثَارُكُمْ، دِيَارَكُمْ تُكْتَبْ آثَارُكُمْ)) رواه مسلم . وفي روايةٍ: ((إِنَّ بِكُلِّ خَطْوَةٍ دَرَجَةً) رواه مسلم. ورواه البخاري أيضاً بِمَعْنَاهُ مِنْ رواية أنَسٍٍ و (بَنُو سَلِمَةَ)) بكسر اللام: قبيلةٌ معروفة من الأنصار ، و ((آثَارُهُمْ)): خُطَاهُمْ. (الَُّ) (ق): ((دياركم)) نصب على الإغراء؛ أي: الْزَموا ديارَكم، زاد في ((كتاب البخاري)): ((وكَرِهَ أن تُعْرى المَدِينَةُ))(١)، وهذا تنبيه على عِلَّة أخرى تحملهم على مُقامهم بمواضعهم، وهي: أنه كره أن تترك جهاتُ المدينة عَراءً؛ أي: فضاء خاليةً، فيُؤْتَوْنَ منها. وفيه: أن البُعدَ من المسجد أفضل، فلو كان بجوار مسجد؛ فهل له أن يُجاوزَه إلى الأبعد؟ اختُلِفَ فيه، فروي عن أنس ◌َبه: أنه كان يجاوز المسجدَ المُحْدثَ إلى القديم، وروي عن غيره أنه قال: الأَبعدُ فالأبعد من المسجد أعظمُ أجراً، وكره (١) رواه البخاري (١٧٨٨)، من حديث أنس . ٥٧٢ الحسن وغيره هذا، وقال: لا يَدَعُ مسجداً قُربَهُ، ويأتي غيرَه، وهو مذهبنا، وفي المذهب عندنا في تَخْطِيته مسجدَه إلى المسجد الأعظم قولان، انتهى(١). مذهب الشافعي: أن الصلاة في الجمع الكثير أفضلُ، إلا أن يكون إمامُه مبتدعاً، أو فاسقاً، أو متهماً به، أو يتعطلَ مسجد قريبٌ منه بغَيْتهِ؛ لكونه إماماً أو شريفاً. (تو): كانت ديار بني سَلِمةَ على بُعْدٍ من المسجد، وكانت المسافة تُجِهِدُهم في سَواد الليل، وعند وقوع الأمطار واشتداد البَرْد، فأرادوا أن يتحولوا إلى قُرْب المسجد، فكره وَّهِ أن تُعْرَى المدينةُ، فزَّمهم(٢) فيما عند الله من الأجر على نقل الخُطى إلى المسجد. (ط): في النداء بقوله: ((يا بني سلمة)) - والظاهر الاستغناء عنه - استرضاءُ من(٣) قصدهم، وإِحِمَادٌ لهم على نياتهم، ولذلك أتبعه بقوله: ((دياركم))؛ أي: عليكم، فالزموها؛ لأنكم أَحِقَّاءُ أن يُضاعفَ ثوابُكم، ويُجعلَ لكم لسانُ صِدْقٍ في الآخِرِین . و((تكتب)) يُروى بالجزم على جواب ((الزموا))، ويجوز الرفع على الاستئناف؛ لبيان المُوجَب، وأَثَرُ الشيء: حُصولُ ما يدل على وجوده. والمراد بالكتابة: إما كَتْبُ صحائف الأعمال، وبالآثار الخُطى، (١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٢ / ٢٩٢). (٢) كذا في الأصل، ولعلها من ((أزعمه)) بمعنى: ((أطمعه)) كما في ((اللسان)) (مادة: زعم)، وجاء في ((شرح المشكاة)) للطيبي (٣/ ٩٣٢) وعنه نقل المؤلف: ((فرغبهم))، وهي واضحة . (٣) في الأصل: ((استرضاءُ عن))، والتصويب من ((شرح المشكاة) للطيبي (٣/ ٩٣٢). ٥٧٣ فالمعنى: أن كثرة الخطى إلى المساجد سبب لزيادة الأجر، كما قال ◌َله: ((أَعْظَمُ النَّاسِ أَجْراً في الصَّلاةِ أَبعدُهُمْ فَأَبَعدُهُمْ مَمْشَى))(١). وإما كتبٌ في السِّيَر، والمراد بالآثار: ما يؤثر في الكتب المُدوَّنة من سِيَرَ الصَّالحين، فالمعنى: لُزُومُكم ديارَكم وبُعْد مَمْشاكم تكتبُ في سِيَرِ السَّلف وآثار الصالحين، فيكون سبباً لحرص الناس وجَدِّهم في حضور الجماعات، فمن سَنَّ سُنةً حسنةً فله أَجرُها، وأَجْرُ مَن عمل بها(٢). ١٣٨ - الثَّاني وَالعِشْرُونَ: عَنْ أبي محمدٍ عبدِاللهِ بنِ عمرو بنِ العاص ﴾ قال: قال رَسُولُ اللهِوَِّ: ((أَرْبَعُونَ خَصْلَةً أَعْلاَهَا مَنِيحَةُ العَنْزِ، مَا مِنْ عَامِلٍ يَعْمَل بِخَصْلَةٍ مِنْهَا رَجَاءَ ثَوَابِهَا وَتَصْدِيقَ. مَوْعُودِهَا إِلاَّ أَدْخَلَهُ الله بِهَا الجَنَّةَ)) رواه البخاري. ((المَنِيحَة)): أَنْ يُعْطِيَهُ إِيَّاهَا لِيَأْكُلَ لَبَنَهَا، ثُمَّ يَرِدُّهَا إلَيْهِ. [الْقَانِ وَالتَّعْر * قوله وقال : ((أدناها(٣) منيحة العنز)): (ك): ((العنز)): الأنثى من المَعْز، قال ابن بطال: لم يذكر رسول الله وَّه الأربعين الخَصْلة إلا لمعنىّ هو أنفع لنا من ذكرها؛ كخشية أن يكون التعيينُ (١) رواه البخاري (٦٢٣)، من حديث أبي موسى نظـ (٢) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٣/ ٩٣٢). (٣) كذا في الأصل، والذي في الرواية والمصادر: ((أعلاها)). ٥٧٤ لها زُهداً في غيرها من أبواب الخير، قال: وقد بلغني عن بعض أهل عصرنا أنه طلبها في الأحاديث، فوجدها تبلغ أَزْيدَ من أربعين خصلة. فمنها: أن رجلاً سأل رسولَ الله وَّر عن عمل يدخله الجنة، فذكر له أشياءَ، ثم قال: ((والمِنْحَةُ))، وليس الفَيْءُ منها؛ لأنها أفضل من المنحة(١). والسلام، ففي الحديث: ((مَنْ قال: السَّلامُ عَليكَ؛ كُتِبَ له عشرُ حَسْنَاتٍ، ومَنْ زادَ: ورَحْمةُ الله؛ كُتْبَ له عِشْرُونَ، ومَنْ زادَ: وبركاتُه؛ كُتب له ثَلاثُونَ»(٢). وتَشميتُ العاطس؛ للحديث، وهو: ((ثلاثٌ تُثبِتُ لك الوُدَّ فِي صَدِرِ أَخِيكَ: إِحَداها تَشْميتُ العَاطِسِ، وإِمَاطةُ الأَذى عنِ الطَّريقِ، وإِعانةُ الصَّانِعِ والصَّنعة للأَخْرَقِ، وإِعطاءُ صِلَّةِ الحَبْلِ، وإِعطاءُ شِسْعِ النَّعْلِ، وأَنْ تُؤْنِسَ الوَحْشَانَ))(٣)؛ أي: تلقاه بما يؤنسه من القول الجميل، أو تُلِغه من أرض الفلاة إلى مكان الأُنس. وكَشْفُ الكُرْبة؛ قال عليه السلام: ((مَنْ كَشْفَ كُرْبَةً عَن أَخِيهِ؛ كشفَ اللهُ عنهُ كُربةٌ يومَ القِيامَةِ))(٤). (١) رواه ابن حبان في ((صحيحه)) (٣٧٤)، من حديث البراء بن عازب رظُه، وهو حديث صحيح. انظر: ((صحيح الترغيب والترهيب)) (١٨٩٨). (٢) رواه الطبراني في ((المعجم الكبير)) (٥٥٦٣)، من حديث سهل بن حنيف نظرته، وهو حديث صحيح لغيره. انظر: ((صحيح الترغيب والترهيب)) (٢٧١١). (٣) روى الإمام أحمد في ((المسند)) (٣/ ٤٨٢)، من حديث رجل من الصحابة، بنحوه، وإسناده صحيح. انظر: ((السلسلة الصحيحة)) (٣٤٢٢). (٤) رواه البخاري (٢٣١٠)، من حديث ابن عمر مُولَئًا، بنحوه. ٥٧٥ وكونُ المَرء في حاجة أخيه، وسَتْرُ المسلم، للحديث: ((واللهُ فِي عَوْنِ العَبْدِ ما دامَ العبدُ في عَوْنِ أَخيهِ، ومَنْ ستَرَ مُسلِماً سَتَرَهُ اللهُ يومَ القِيامَةِ) (١). والتفسُّحُ في المجلس، وإدخالُ السُّرور على المسلم، ونَصْرُ المظلوم، والأخذ على يد الظالم: ((انصُرْ أَخَاكَ ظَالِماً أَوْ مَظْلُوماً)(٢). والدَّلالة على الخير، قال: ((الدَّالُّ على الخَيْرِ كَفَاعِلِهِ)(٣). والأمر بالمعروف، والإصلاح بين الناس، والقول الطيب يُردُّ به المسكين، قال تعالى: ﴿قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ﴾ [البقرة: ٢٦٣]، وفي الحديث: ((اتَّقُوا النَّارَ ولَوْ بِشِقِّ تَمْرةٍ، فإِنْ لم تَجِدْ فَبِكَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ))(٤). وأن تُفْرِغَ من دَلوك في إناء المستسقي، وغرسُ المسلم وزرعُه، قال عليه السلام: ((مَا مِنْ مُسلِمٍ يَغْرِسُ غَرساً أَوْ يَزْرِعُ زَرْعاً، فيَأْكلُ منهُ طَيرٌ، أَو، إِنسانٌ، أَوَ بَهِيمَةٌ، إلاَّ كانَ له صَدَقةٌ)) (٥). والهدية إلى الجار، قال: ((لا تَحْقِرنَّ إِحدَاكُنَّ لجارِتِها ولو فِرْسِنَ شاةٍ) (٦). والشفاعة للمسلم، ورحمةُ عزيز قوم ذَلَّ، وغنيٍّ افتقر، وعالمٍ بين جُهَال: «ارحَمُوا ثلاثةً: غَنِيَّ قومِ افتقرَ، وعِزِيزَ قومٍ ذُلَّ، وعَالِماً يلعَبُ به (١) رواه مسلم (٥٦٩٩ / ٣٨)، من حديث أبي هريرة (٢) رواه البخاري (٢٣١٢)، من حديث أنس څه. (٣) رواه الترمذي (٢٦٧٠)، من حديث أنس څته. (٤) رواه البخاري (١٣٤٧)، من حديث عدي بن حاتم نضـ (٥) تقدم تخريجه . (٦) رواه البخاري (٢٤٢٧)، من حديث أبي هريرة تظله. ٥٧٦ الجُمَّالُ))(١). وعيادة المريض؛ للحديث: ((العَائِدُ على مَخارِفِ الجنَّةِ))(٢). والردُّ على مَنْ يغتاب: قال: ((مَنْ حَمَى مُؤمِناً مِنْ مُنافقٍ يَغتَابُه، بعثَ اللهُ إليه مَلَكاً يومَ القِيامَةِ يَحْمِي لحمَهُ منَ النَّارِ))(٣). ومصافحة مسلم، قال: ((لا يُصافِحُ مُسلِمٌ مُسلِماً فتزولُ يدُه مِنْ يدِهِ حَتَّى يُغْفَرَ لَهُما))(٤) . والتَّحابُّ في الله، والتَّجالُس في الله، والتزاوُرُ في الله، والتباذُلُ في الله، قال: قال الله تعالى: وَجَبتْ مَحبَّتي لأَصْحَابِ هذه الأَعمَالِ الصَّالحةِ. وعون الرَّجُلِ الرَّجلَ في دابته يحمله عليها، أو يرفع عليها متاعَه صدقةٌ، روي ذلك عن رسول الله وَلَ (٥). أقول: هذا الكلام رَجْمٌ بالغيب؛ لاحتمال أن يكون المراد غيرَ المذكورات من سائر أعمال الخير، ثم إنه من أين عرف أن هذه أدنى من المنيحة؟ لجواز (١) رواه القضاعي في ((مسند الشهاب)) (٧٣٤)، من حديث ابن مسعود ظه، قال الشوكاني في ((الفوائد المجموعة)) (ص: ٢٧٨): موضوع، في أسانيده كذابون ومجهولون. (٢) رواه ابن ماجه (١٤٤٢)، من حديث علي ظه، بنحوه، وهو حديث صحيح. انظر: ((صحيح الجامع الصغير)) (٦٨٢). (٣) رواه الطبراني في ((المعجم الكبير)) (٢٠/ ١٩٤)، من حديث معاذ بن أنس ظـ وهو حديث ضعيف. انظر: ((ضعيف الجامع الصغير)) (٥٥٦٤). (٤) رواه الإمام أحمد في ((المسند)) (٣/ ١٤٢)، من حديث أنس ظُهُ بنحوه. وهو حديث ضعيف. انظر: ((ضعيف الترغيب والترهيب)) (١٦٢٥). (٥) رواه البخاري (٢٨٢٧)، من حديث أبي هريرة ـ ٥٧٧ أن تكون مثلَها، أو أعلى منها، ثم فيه تَحكُّم حيث جَعَلَ السلامَ منه، ولم يَجْعَلْ ردَّ السلام منه، مع أنه صرح في هذا الحديث الذي نحن فيه به، وكذا جعل الأمر بالمعروف، بخلاف النَّهي عن المُنكر، وفيه أيضاً تكرارٌ؛ لدخول الأخير - وهو الأربعون - تحت ما تقدم، فتأمل(١). ١٣٩ - الثَّالثُ وَالعِشْرُونَ: عَنْ عَدِيٍّ بنِ حَاتِمِ ﴿هِ، قالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ نَّهِ يقول: ((اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ) متفقٌ عليه. وفي روايةٍ لهما عنه قال: قال رَسُولُ اللهِ وَيِ: ((مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إلاَّ سَيُكَلِّمُه رَبُّه لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَه تَرْجُمَانٌ، فَيَنْظُرُ أَيْمَنَ مِنْهُ فَلا يَرَى إلاَّ مَا قَدَّمَ، وَيَنْظُرُ أَشْأَمَ مِنْهُ فَلا يَرَى إِلَّ مَا قَدَّمَ، وَيَنْظُرُ بَيْنَ يَدَيْهِ فَلاَ يَرَى إلَّ النَّارَ تِلْقَاءَ وَجْهِهِ، فَاتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ، فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَبِكَلِمَةٍ طَيَِّةٍ). [الثَّالِوَالْعَبْرَ [ * قوله : ((اتقوا النار)): (ق): أي: اجعلوا بينكم وبينها وقايةً؛ من الصَّدقات وأعمال البِرِّ(٢). (ن): ((شق)) بكسر الشين: نصفها وجانبها، وفيه: الحَثُّ على الصدقة، (١) انظر: ((الكوكب الدراري)) للكرماني (١١ / ١٥١). (٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٦١/٣). ٥٧٨ وأنه لا يمتنع منها لقلتها، وأن قليلَها سببٌ للنجاة من النار. و ((ترجمان)) هو بفتح التاء وضمها، وهو المُعَبِّرِ عن لسانٍ بلسانٍ، انتھی(١). قيل: الخير وإن قَلَّ فليس بقليل، وكذلك الشَّرُّ، وما أكثر شِقَّ تمرة إن قَبِلَهُ الله، وسئل إبليس عن غَمِّهِ بالصدقة، فقال: كأني أُقطع نصفين. (ق): ((أيمن منه)) و((أشأم)): كلاهما منصوبٌ على الظرف؛ يعني بهما: يمينه وشماله؛ مأخوذ من اليد اليمنى والشُّؤْمی(٢). (ن): (الكلمة الطيبة): هي التي فيها تطييب قلب إنسان إذا كانت مُباحة أو طاعة، وفيه: أنها سببٌ للنجاة من النار(٣). ١٤٠ - الرَّابعُ وَالِعِشْرونَ: عَنْ أَنَسٍ ﴾ قالَ: قالَ رسولُ اللهِ وَّى : ((إنَّ اللهَ لَيَرْضَى عَنِ العَبْدِ أنْ يَأْكُلَ الأَكْلَةَ فِيَحْمَدَهُ عَلَيْهَا، أَوْ يَشْرَبَ الشَّرْبَةَ فَيَحْمَدَهُ عَلَيْهَا)) رواه مسلم. وَ(الأَكْلَةِ)): بفتح الهمزة، وَهيَ الغَدْوَةِ أَوِ العَشْوَةِ. [الجَزُ وَالعَدْمُ] * قوله ويّة: ((إن الله ليرضى عن العبد أن يأكل الأكلة فيحمده عليها)): (١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووري (٧ / ١٠١). (٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٣ / ٦١). (٣) انظر: ((شرح مسلم) للنووي (١٠١/٧). ٥٧٩ (ق): الحمد هنا بمعنى الشُّكر، ولا يوضع الشكر في موضع الحمد. وفيه: دلالةٌ على أن شكر النعمة وإن قَلَّتْ سببُ نَيَّل رضا الله الذي هو أشرفُ أحوال أهل الجنة، وإنما كان الشكر سبباً لذلك الإكرام العظيم؛ لأنه يتضمَّن معرفةَ المُنعم، وانفرادِه بخَلْق تلك النِّعمة، وإيصالِها إلى المُنعَم عليه تفضُّلاً من المُنْعِم وكرماً. وفيه: أن المُنعَم عليه فقيرٌ مُحتاجُ إلى مُلك النِّعم، ولا غِنى به عنها، فقد تَضمَّن ذلك معرفةً حق الله وفضله، وحقِّ العبد وفاقته وفقره، فجعل الله جزاءَ تلك المعرفة تلك الكرامةَ الشَّريفةَ(١). (ن): فيه: استحبابُ حمد الله عَقِيبَ الأكل والشُّرب، وقد جاء في ((صحيح البخاري)) صفةُ التحميد: ((الحَمْدُ للهِ حَمْداً كَثِيراً طَيِّباً مُباركاً فيه غيرَ مَكْفِيٍّ ولا مُوذَّعٍ، ولا مُستَغْنىَ عَنْهُ رَبَّنا))(٢)، ولو اقتصر على (الحمد الله)؛ حصل أَصلُ السُّنة(٣). ١٤١ - الخَامسُ وَالِعِشْرونَ: عن أبي موسى څله، عن النبي مَلاقه قال: (عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ صَدَقَةٌ))، قالَ: أَرَأَنْتَ إِنْ لَمْ يَجِدْ؟ قالَ: ((يَعْمَل بِيَدَيْهِ فَتْفَعِ نَفْسَه وَيَتَصَدَّقُ))، قالَ: أَرَأَيْتَ إِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ؟ قالَ: (١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٧ / ٦٠). (٢) رواه البخاري (٥١٤٢)، من حديث أبي أمامة (٣) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٧ / ٥١). ٥٨٠ (يُعِينُ ذَا الحَاجَةِ المَلْهُوفَ))، قالَ: أَرَأَيْتَ إِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ؟ قالَ: ((يَأْمُرُ بالمَعْرُوفِ أوِ الخَيْرِ))، قالَ: أَرَأَيَتَ إنْ لَمْ يَفْعَلْ؟ قالَ: ((يُمْسِكُ عَنِ الشَّرِّ، فَإِنَّهَا صَدَقَةٌ)) متفقٌ عليه. [ الخَامُوالَعْتُ * قوله فيفي: ((على كل مسلم صدقة)): (ق): هو هاهنا مُطلقٌ، وقد قيده من حديث أبي هريرة بقوله: ((كُلَّ يومٍ)(١)، وظاهر هذا اللفظ للوجوب، لكن خَفَّفه الله تعالى حيث جعل ما خَفَّ من المندوبات مُسقِطاً له؛ لطفاً منه وتَفضُّلاً، و((ذو الحاجة)): صاحبها، و((الملهوف)): المضطر إليها، الذي قد شغله هُّه عن كل ما سواها. ولا شك أن في قضاء حاجة مَنْ كانت هذه حالَه يتعدَّد فيها الأجرُ، ويكثر بحسب ما كشفَ من كُرْبةٍ صاحبها(٢). (ن): (الملهوف): يطلق على المُتحَسِّر، وعلى المضطر، وعلى المظلوم، وقولهم: (يا لَهْفَ نفسي على كذا) كلمةٌ يُتحسَّر بها على ما فات، يقال: (لَهِفَ) بكسر الهاء (يَلْهَفُ) بفتحها (لَهْفا) بإسكانها؛ أي: حَزِنَ وتَحسَّرَ. وقوله: ((يمسك عن الشر)) المراد: أنه إذا أمسك عن الشر الله تعالی؛ كان له أجر على ذلك؛ كما أن للمتصدق بالمال أجراً، انتهى (٣). (١) رواه البخاري (٢٥٦٠) و(٢٨٢٧)، ومسلم (١٠٠٩). (٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٣/ ٥٤). (٣) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٧ / ٩٤). ٥٨١ ويحتمل أن يقال: إنه باقتران المعاصي يوجبُ لنفسه العُقوبةَ، فإذا أمسك عن ذلك؛ فقد تَصدَّق على نفسه بتخليصها عن العُقوبات. ٥٨٢ ١٤ - باب في الاقتصاد في العبادة O * قال الله تعالى: ﴿طه ) مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْءَانَ لِتَشْقَى﴾ [طه: ١ - ٢]. * وقال تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]. (الباب الرابع عشر) (في الاقتصاد في العبادة) * قوله تعالى: ﴿طِهِ مَآأَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْءَانَ لِتَشْقَى﴾ [طه: ١ - ٢]: قال ابن عباس: (طه): كلمة بالنَّبطية، معناه: يا رجل، وقال أبو مالك: هي مُعرَّبة، وذلك أن النبيَّ وَّ كان إذا صلى قام على رِجْلٍ ورفع الأخرى، فأنزل الله تعالى: ﴿طه﴾؛ يعني: طأ الأرضَ يا مُحمَّدُ، ﴿ مَا أَنَزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْءَانَ لِتَشْقَى﴾، ذكره القاضي في ((الشفا»، وقال: لا خفاء بما في هذا من الإكرام وحُسنِ المعاملة . وقال جُويبر عن الضَّخَّاك: لمَّا أنزل الله القرآن على رسول الله وَليه؟ ٥٨٣ قام به هو وأصحابه، فقال المشركون من قريش: ما أُنزل هذا القرآن على محمد إلا ليشقى، فأنزل الله تعالى: ﴿طه ) مَآ أَنَزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْءَانَ لِتَشْفَقَ ) إِلَّا نَذْكِرَةُ لِّمَنْ يَخْشَى﴾ [طه: ١ - ٣](١)، فليس الأمرُ كما زعمه المُبطلون، بل آتاه الله العلم، فقد أراد به خيراً. قال مُجاهدٌ: كانوا يُعلِّقون الحِبالَ بصُدورهم في الصلاة. وقال قتادة: لا والله؛ ما جعله شقاءً، ولكن جعله رحمةً ونوراً ودليلاً إلى الجنة (٢). ١٤٢ - وعن عائشةَ رضي الله عنها: أن النبي ◌َِّ دَخَلَ عَلَيْهَا ، وَعِنْدَهَا امْرَأَةٌ، قال: ((مَنْ هَذِهِ؟))، قالت: هَذِهِ فُلانَةُ، تَذْكُرُ مِنْ صَلاتِهَا، قالَ: ((مَهْ، عَلَيْكُمْ بِمَا تُطِيقُونَ، فَوَاللهِ لا يَمَلُّ اللهُ حَتَّى تَمَلُّوا))، وَكَانَ أَحَبُّ الدِّينِ إِلَيْهِ مَا دَاوَمَ صَاحِبُهُ عَلَيْهِ. متفقٌ عليه. (وَمَهْ)): كَلِمَة نَهْي وَزَجْرٍ. وَمَعْنى ((لا يمَلُّ الله)): أي: لا يَقْطَع ثَوَابَهُ عَنْكُمْ وَجَزَاءَ أَعْمَالِكُمْ ويُعَامِلُكُمْ مُعَامَلَةَ المَالِّ حَتَّى تَمَلُّوا فَتْرُكُوا، فَيَنْبَغِي لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مَا تُطِيقُونَ الدَّوَامَ عَلَيْهِ؛ لِيَدُومَ ثَوَابُهُ (١) رواه الواحدي في ((أسباب النزول)) (ص: ٣٠٣)، مرسلاً، وجوییر بن سعيد ضعيف جدًا كما في ((تقريب التهذيب)) لابن حجر (ص: ١٤٣)، (ت: ٩٨٧). (٢) انظر: ((تفسير ابن كثير)) (٩/ ٣١١). ٥٨٤ لَكُمْ وفَضْلُه عَلَيْكُمْ. (الأَوْاُ) (ق): ((عليكم بما تطيقون)) حَضٌّ على التخفيف في الأعمال النوافل، ويَتضمَّن الزَّجرَ عن التشديد والغُلُوِّ فيها. وسبب ذلك: أن التخفيفَ يكون معه الدَّوامُ والنشاط، فيكثر الثوابُ؛ لتكرار العمل وفراغ القلب، بخلاف الشاقِّ منها؛ فإنه يكون معه التَّشويشُ. والانقطاعُ غالباً(١). * قوله: «مہ)): (الجوهري): هي كلمة بُنيت على السُّكون، وهي اسم سُمِّي به الفعل، ومعناه: اكفُف، فإن وَصلْتَ؛ نَوَّنْتَه وقلت: مَهِ مَهٍ، ويقال: مَهْمَهْتُ به؛ أي: زَجرتُه(٢) . قال الحافظ التَّيْمِيُّ: إذا دخله التنوين كان نكرة، وإذا حُذف كان معرفة، وهذا القسمُ من أقسام التنوين الذي يختصُّ بالدخول على النكرة ليفصِلَ بينها وبين المعرفة، [فالمعرفة] غير مُنَوَّن، والنكرة مُنَوَّنٌ. (ك): (عليكم): من أسماء الأفعال. فإن قلت: الخطاب مع النساء، فلمَ عدل عن (عليكن)؟ [قلت]: طلباً لتعميم الحكم لجميع الأُمّة، فغلَّب الذُّكورَ على الإناث. (١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٢ / ٤١٣). (٢) انظر: ((الصحاح)) للجوهري (٦ / ٢٢٥٠)، (مادة: مهه). ٥٨٥ وقوله: ((يمل)) بالمثناة تحت والميم المفتوحتين، و((تملوا)) بالمثناة فوق المفتوحة(١). (قض): (المَلال): فُتورٌ يَعرِضُ للنفس من كثرة مُزاولة شيء، فيوجب الكَلال في العقل، والإعراضَ عنه، وأمثال ذلك في الحقيقة إنما يصدر لمن يعتريه تَغْيُرٌ وانكسارٌ، فيستحيل تصور هذا المعنى في حَقُّه تعالى، فهو بمعنى: مُنتهاه وغايتُه. ومعناه: لا يُعرِضُ عنكم إعراض المَلُول ولا ينقص ثوابَ أعمالكم ما بقي لكم نشاطٌ وأَرْيَحِيَّة، فإذا فتَرتُم فابعدوا؛ فإنكم إذا مللتم وأتيتم بها على كَلال وفُتور كان معاملة الله معكم حينئذ مُعاملةَ المَلُول(٢). (تو): إسناد المَلال إلى الله تعالى على طريقة الازدواج والمُشاكلة، ، والعرب تذكر أحدَ اللفظين موافقةً للأخرى وإن خالفتها معنىّ، قال الله تعالى: ﴿ وَجَزَّوْاْ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠]. وقال الشاعر : أَلَا لا يَجْهَلَنْ أَحدٌ علينا فَنَجْهَلَ فوقَ جَهْل الجَاهِلِينَا ومن المُستبعد أن يفتخر ذو عقل بجهل. ووجه [آخر]، وهو أن الله تعالى لا يَمَلُّ وإن مللتم، و[ذلك] نظير قولهم: فلان لا ينقطع حتى ينقطع خَصْمُه، وليس المراد أنه ينقطع بعد (١) انظر: ((الكواكب الدراري)) للكرماني (١ / ١٧٢). (٢) انظر: ((تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة)) للبيضاوي (١ / ٣٦٧). ٥٨٦