النص المفهرس

صفحات 601-620

أخطأ، فهما صحيحان(١).
(ط): ((لن تبلغوا ضري))، لأنكم لو اجتمعتم كُلُّكم على عصياني
ما ضَرَرْتُموني، ولا نقصَ من ملكي شيءٌ(٢).
(قض): ((على أتقى قلب رجل))؛ أي: على تقوى أتقى قلبٍ رجلٍ،
أو: على أتقى أحوالِ قلبٍ رجل(٣).
(ط): لا بدَّ من هذا التقدير ليستقيمَ أن يقعَ ((أتقى)) خبراً لـ (كان)،
ثم إنه لم يُرِدْ أن كلَّهم بمنزلة رجل واحد هو أتقى من الناس، بل كل واحد
من الجمع بمنزلة هذا؛ لأن هذا أبلغ.
ثم إضافة (أفعل) إلى نكرة مُفردَةٍ تدلُّ [على] أنك لو تَفَصَّيتَ قلبَ
رَجُلٍ رَجُلٍ من كل الخلائق؛ لم تجد أتقى قلباً من هذا الرجل (٤).
(ط): ((ما نقص ذلك من ملكي شيئاً) يجوز أن يكون ((شيئاً) مفعولاً به
إن قلنا: إن (نقص) مُتعدٍّ، ومفعولاً مطلقاً إن قلنا: إنه لازم؛ أي: ما نقص
نقصاناً قليلاً، والتنكير فيه للتحقير؛ لِمَا في بعض الروايات: ((جَناحَ بَعُوضَةٍ))(٥).
(قض): قيد السؤال بالاجتماع في مقام واحد؛ لأن تزاحُمَ السُّؤَّال
وازدحامَهم مما يُدْهِشُ المسؤول ويُبْهِتُهُ، ويَعْسُرُ عليه إنجاحُ مآربهم
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٦ / ١٣٣).
(٢) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٦ / ١٨٣٨).
(٣) انظر: ((تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة)) للبيضاوي (٢ / ٧٠).
(٤) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٦ / ١٨٣٨).
(٥) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٦/ ١٨٣٩).
٥٠٧

والإسعافُ إلى مطالبهم(١).
(ن): ((المخيط)»: الإبرة، بكسر الميم وفتح الياء، وهذا تقريب إلى
الأفهام، ومعناه: لا ينقص شيئاً؛ إذ إنما يدخل النقصُ في المحدود الفاني،
وعَطاءُ الله من رحمته وكَرَمِهِ، وهما صفتان قديمتان، فضَرْبُ المثل بالمِخْيَطِ في
البحر لأنه غاية ما يضرب به المثل في القِلَّة؛ لأن البحر من أعظم المرئيات عِياناً
وأكبرها، والإبرة من أصغر الموجودات، مع أنها صقيلةٌ لا يتعلَّق بها ماءٌ (٢).
(ق): سِرُّ ذلك أن قدرته صالحة للإيجاد دائماً، لا يجوز عليها العَجْزُ
ولا القُصورُ، والمُمكناتُ لا تنحصر ولا تتناهى، فما وجد منها لا يَنقُصُ
شيئاً(٣).
(قض): ((إنما هي أعمالكم))؛ أي: هي جزاء أعمالكم، فأحفظها.
عليكم، ثم أُؤدِّيها إليكم تاماً وافياً، إن خيراً فخيرٌ، وإن شَرّاً فشَرٍ (٤).
(مظ): ((أعمالكم)): تفسير لضمير المؤنث في قوله: ((إنما هي))؛
يعني: إنما نُحصي أعمالَكم؛ أي: نَعُدُّ ونكتب أعمالَكم(٥).
(ط): يمكن أن يرجع الضمير إلى مَن يفهم من قوله: ((أتقى قلب رجل))،
((وأفجر قلب رجل))، وهي الأعمال الصالحات والطالحات، ويشهد له لفظة:
(١) انظر: ((تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة)) للبيضاوي (٢ / ٧٠).
(٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٦ / ١٣٣).
(٣) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٦ / ٥٥٦).
(٤) انظر: ((تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة)) للبيضاوي (٢ / ٧١).
(٥) انظر: ((المفاتيح في شرح المصابيح)) للمظهري (٣/ ١٧٤).
٥٠٨

(«فإنما»؛ فإنها تستدعي الحَصْرَ؛ أي: ليس نَفْعُها وضَرُّها راجعاً إليَّ، بل
أُحصيها لكم لأجازيَكُم بها، فمَنْ وجد خيراً فليشكر الله؛ لأنه هو هادي
الضُّلاَّل، ومُوفِّقُهم للخيرات، ومَنْ وجد شَرَاً فليَلُمْ نفسَهُ؛ لأنه باقٍ على ضلاله
الذي أشار إليه بقوله: (کلکم ضال»، انتھی(١).
* قوله: ((جثا على ركبتيه)) هذا رعايةٌ منه للأدب مع الله سبحانه؛ فإن
هذا الحديثَ القُدْسيَّ يتضمَّنُ نداءَ الله لعباده، كأنه استشعر تلك الحالةَ
العظيمةَ، وكونَهَ من المُخاطَبين.
(١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٦/ ١٨٣٩).
٥٠٩

١٣- باب
الحثِّ على الازديادِ من الخير في أواخرِ العمرِ
قال الله تعالى: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرَّكُم مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ
النَّذِيرُ﴾ [فاطر: ٣٧].
قال ابنُ عباسٍ وَالمُحَقِّقُونَ: مَعْنَاهُ: أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ سِتِينَ سَنَةً؟
وَيُؤْيِّدُهُ الحديثُ الذي سنذكُرُه إن شاء الله تعالى، وقيل: معناه:،
ثماني عَشْرَةَ سَنَةً، وقيل: أَرْبَعِينَ سَنَةً. قَالهُ الحَسَنُ، والكلْبِيُّ،
وَمَسْرُوقٌ، ونُقِلَ عن ابن عباس أيضاً. ونَقَّلوا: أَنَّ أَهْلَ المدينَة كانوا
إذا بلَغَ أَحَدُهُمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً، تَفَرَّغَ للعِبادَةِ. وقيل: هو البُلُوغُ.
وقوله تعالى: ﴿وَجَاءَ كُمُ النَّذِيرُ﴾ قال ابن عباس والجمهور:
هو النبيُّ وَِّ، وقيل: الشَّيْب. قاله عِكْرِمَةُ، وابنُ عُيَيْنَةَ، وغيرُهما
والله أعلم.
(الباب الثاني عشر)
(في الحَثِّ على الازدياد من الخير في آخر العمر)
* قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرَّكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرُ﴾؛ أي: أوَ ما
٥١٠

عشتم في الدنيا أعماراً لو كنتم فيمَن ينتفع بالحق لانتفعتم به في مُدَّة عُمُرِكم.
واختلفوا في مقدار العمر المراد هنا:
رُوي عن علي بن الحسين زَيْنِ العابدين أنه قال: سبع عشرة سنة.
وقال قتادة: اعلموا أن طولَ العمر حجةٌ، فنعوذ بالله أن نغترَّ بطول
العمر، قد نزلت هذه الآيةُ وإنَّ فيهم لابنَ ثماني عشرة سنة .
وقال وَهْبُ بن مُنبِّه: عشرون سنة.
وروي عن الحسن: أربعون سنة، فقال: إذا بلغ أَحدُكم أربعين سنة؛
فليأخذ حِذْرَهُ من الله ځ.
روى ابن أبي حاتم عن ابن عباس: أن النبيَّ ◌َّ قال: ((إذا كانَ يومُ
القِيامَةِ؛ قيل: أَيْنَ أَبناءُ السِِّينَ، وهُوَ العُمُرُ الَّذِي قال الله تعالى: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرَّكُمْ
مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَ كُمُ النَّذِيرٌ﴾ [فاطر: ٣٧])) (١).
رُوي عن ابن عباس، وعِكرمةَ، وأبي جعفر الباقر: أنَّ النذيرَ هو الشَّيْبُ.
وقال السُّدِّيُّ وقتادةُ: هو الرسول وَلِّ(٢).
وَأَمَّا الأحاديث:
١١٢ - فالأوَّل: عن أبي هريرة ◌َُّه، عن النبيِّ ◌َّه قال:
(١) رواه ابن أبي حاتم في «تفسيره)) (١٨٠٠٤) قال الحافظ الهيثمي في ((مجمع الزوائد))
(٧/ ٩٧): رواه الطبراني في ((الكبير))، و((الأوسط))، وفيه إبراهيم بن الفضل
المخزومي، وهو ضعيف.
(٢) انظر: ((تفسير ابن كثير)) (١١ / ٣٣١).
٥١١

(َأَعْذَرَ اللهُ إلى امْرِئٍ أَخَّرَ أَجَلَه حتى بَلَغَ سِتِينَ سَنَةً) رواه البخاري.
قال العلماء: معناه: لَمْ يَتْرُكْ لَه عُذْراً إِذْ أَمْهَلَهُ هَذِهِ المُدَّةَ.
يُقال: أَعْذَرَ الرَّجُلُ : إذا بَلَغَ الغَايَةَ في العُذْرِ.
الأَوْلُ
قوله: ((أعذر الله إلى امرئ)):
(نه): أي: لم يُبْقِ فيه موضعاً للاعتذار؛ حيث أمهله طولَ هذه
المُدَّة، ولم يعتذر، يقال: أَعْذَرَ الرَّجلُ: إذا بلغ أقصى الغاية من العُذْرِ(١).
(ك): ((أعذر الله إليه))؛ أي: أزال عُذره، فلا ينبغي له حينئذٍ إلا
الاستغفارُ والطّاعةُ والإقبالُ على الآخرة بالكُلِّية، ولا يكون له على الله بعد،
ذلك حُجَّةٌ، فالهمزة للسَّلْبِ.
وقيل: معناه: أقام الله عُذْرَهُ في تطويل عُمُره، وتمكينه من الطاعة
مُدَّةً مديدة.
قال الأطباء: الأَسْنانُ أربعة : سِنُّ الطُّفولية، وسِنُّ الشباب، وسِنُّ
الكُهولة، وسِنُّ الشَّيخُوخِةِ، فإذا بلغ الستين - وهو آخِرُ الأسنان - فقد ظهر
فيه ضعفُ القوة، وتبيَّن فيه النقصُ والانحطاط، وجاءه نذيرُ الموت، فهو
وقتُ الإنابة إلى الله، انتهى(٢).
وفيه: إشارة إلى أن المعاصيَ في أوان الشَّيْب أَشْنعُ وأفظع؛ فإن ابن
(١) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (٣/ ١٩٦).
(٢) انظر: ((الكواكب الدراري)) للكرماني (٢٢ / ١٩٦).
٥١٢

الستين لا عُذْرَ له إن قَصَّر في عبادة رَبِّه، وقيل: شَيْبٌ وعَيْبٌ كيف يجتمعان؟!
روى وَهْبُ بن مُنبِّه قال: مَكتوبٌ في بعض كتب الله: أبناءَ الأربعين؛
زَرْعُ قد دنا حَصَادُه، أبناءَ الخمسين؛ هَلُمُّوا للحساب، أبناءَ السِِّّين؛ ماذا
قَدَّمْتُم، وماذا أَخّرتُم، لا عُذْرَ لكم، أبناءَ السَّبعين؛ عُدُّوا أنفسَكم من المَوتى،
ليت الخلائقَ لم يُخلقوا، فإذا خُلقوا عملوا لِما خُلِقوا(١).
روي: أن جماعة كانوا يتنادمون بالبصرة، ويجتمعون كل يوم، فتخلَّف
أحدهم ذات يوم، فطُلِبَ فقال: إني تفكرت البارحةَ؛ فإذا بسِنِّي قد صارت
أربعين، وأنشد:
فحَاولي للصِّبا غَيْرِي وللغَزَلِ
يا رَبَّةَ الخِدْرِ إِنِّي عَنكِ في شُغُلِ
ما أَوْضَحَ العُذْرَ والِمِنْهَاجَ للَّجُلِ
في الأربعينَ إذا ما عَاشَها رَجُلٌ
ثم ودّعهم وانصرف.
وقال بعض الأدباء :
بلغتَ مَدَى الشُّبَّانِ وَيُحَكَ فاحْذَرِ
إذا المَرْءُ جازَ الأربعينَ فَقُل لَهُ
جَبَا مَنْهَلٍ جَمِّالشَّريعَةِ أَكْدَرِ
وإنَّكَ لا تَدْرِي مَتَى أنتَ وَارِدٌ
الجَبا: مقصورٌ مفتوح الجيم: ما حول البئر.
(١) رواه أبو نعيم في ((حلية الأولياء)) (٤/ ٣٣)، والحكيم الترمذي في ((نوادر الأصول))
(٢/ ١٥٧)، قال الحافظ العراقي في ((المغني عن حمل الأسفار)) (٢ / ١٠٠٥):
إسناده ضعيف .
٥١٣

١١٣ - الثاني: عن ابن عباس ټ﴾﴾ قال: كانَ عمر ﴾ يُدخِلُني
مَعَ أَشْيَاخٍ بَدْرٍ، فَكَأَنَّ بَعْضَهُمْ وَجَدَ في نَفْسِهِ، فقال: لِمَ يَدْخُلُ هَذَا
معنا، وَلَنَا أَبْنَاءٌ مِثْلُهُ؟! فقال عمرُ: إنَّه مَنْ حَيْثُ عَلِمْتُمْ! فَدَعاني
ذَاتَ يَوْمٍ فَأَدْخَلَنِي مَعَهُمْ، فما رَأَنْتُ أَنَّهُ دَعانِي يَوْمَئِذٍ إلَّ لِيُرِيَهُمْ،
قال: ما تقولون في قول الله تعالى: ﴿إِذَا جَآءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾،
فقالَ بعضُهم: أُمِرْنَاَ نَحْمَدُ اللهَ ونَسْتَغِفْرُهُ إذا نَصَرَنا وفَتَحَ عَلَيْنا.
وسَكَتَ بَعْضُهُمْ فَلَمْ يَقُلْ شيئاً، فقالَ لي: أكذلك تقولُ يا بْنَ عباس؟
فقلت: لا، قَالَ: فما تقولُ؟ قَلتُ: هو أَجَلُ رسولِ اللهِ أَعلمَه
له، قال: ﴿إِذَا جَآءَ نَصْرُ اللَّهِ وَاَلْفَتْحُ﴾، وذلك علامةُ أَجَلِك،
فَسَبِّحْ بِحَمْدٍ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ، كَانَ تَوَّابًا﴾ [الفتح: ٣]، فقال
عمر : ما أَعْلَمُ منها إلاَّ ما تَقُول. رواه البخاري.
(الثَّانِى)
* قوله: ((هو أجل رسول الله وَ لا)(١).
١١٤ - الثالثُ: عن عائشةَ رضي الله عنها قالت: ما صَلَّی
رسولُ اللهِ وَّهِ صلاةً بَعْدَ أَنْ نَزَلَتْ عَلَيْهِ ﴿إِذَا جَآءَ نَصْرُ اللَّهِ
(١) كذا في الأصل بدون شرح.
٥١٤

وَالْفَتْحُ﴾ إلَّ يقول فيها: ((سبْحَانَكَ رَبََّا وبِحَمْدِكَ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ
لي» متفق عليه.
وفي رواية في ((الصحیحین)) عنها: كان رسولُ الله ◌ِ﴾ يُكْثِر
أَنْ يَقُولَ فِي رُكُوعِه وسُجُودِهِ: ((سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَبَحَمْدِكَ،
اللَّهُمَّ اغْفِرْ لي))، يَتَأَوَّلُ القُرآنَ.
معنى: ((يتأَوَّلُ القُرآن))؛ أي: يَعْمَلِ مَا أُمِرَ بِهِ في القُرآن في
قولهِ تعالى: ﴿ فَسَيِّحْ بَحَمْدِرَبِّكَ وَاُسْتَغْفِرْهُ﴾ .
وفي رواية لمسلم: كان رَسُولُ اللهِ وَّهِ يُكْثِرِ أَنْ يَقُولَ قَبْلَ أَنْ
يَمُوتَ: ((سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وبِحَمْدِكَ، أَسْتَغْفِرُكَ وأتُوبُ إِلَيْكَ)).
قالت عائشة: قلت: يا رسول الله! ما هَذِهِ الكَلِمَاتُ الَّتِي أَرَاكَ
أَحْدَثْتَها تَقَولُها؟ قال: ((جُعِلَتْ لي علامةٌ فِي أُمَّتِي إِذَا رَأَيْتُها قُلْتُها
﴿إِذَا جَآءَ نَصْرُ اللَّهِ وَاَلْفَتْحُ ﴾ إلى آخر السورة)).
وفي رواية له: كان رَسُولُ اللهِ وَّهِ يُكْثِرِ مِنْ قَوْلِ: ((سُبْحَانَ
اللهِ وبِحَمْدِهِ، أَسْتَغْفِرُ اللهَ وَأَتُوبُ إِلَيْه)). قالت: قلتُ: يا رسولَ
الله! أَرَاكَ تُكْثِرٍ مِنْ قَوْلِ: سُبْحَانَ اللهِ وبِحَمْدِهِ، أَسْتَغْفِرُ اللهَ وَأَتُوبُ
إِلَيْهِ؟ فقالَ: «أَخْبَرَنِي رَبِّي أَنِّي سَأَرَى عَلَامَةً فِي أُمَّتِي، فَإِذَا رَأَيْتُها
أَكْثَرْتُ مِنْ قَوْلِ: سُبْحَانَ الله وبحَمْدِهِ، أَسْتَغْفِرُ اللهَ وَأَتُوبُ إلَيْهِ؛
فَقَدْ رَأَيْتُها: ﴿إِذَا جَآءَ نَصْرُ اللَّهِ وَاَلْفَتْحُ﴾ فَتْحُ مَكَّةَ، ﴿ وَرَأَيْنَ
٥١٥

ج
النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِ دِينِ اللَّهِ أَفْوَجًا ﴾ فَسَبِّحْ بَحَمْدٍ رَبِّكَ وَأَسْتَغْفِرْهُ
إِنَّهُ كَانَ تَوَابًا﴾)).
[الثَّالِثُ)]
(ن): ((التسبيح)): التنزيه، و(سبحان) منصوبٌ على المصدر، يقال:
سَبَّحتُ الله تسبيحاً وسُبحاناً، فـ (سبحان الله) معناه: براءةً وتنزيهاً له من
كل نَقْصٍ وصفةٍ للمُحدَث(١).
وقوله: ((وبحمدك)) معناه: بتوفيقك لي وفضلك عليَّ سَبَّحتك، لا بحَوْلي
وقوتي، ففيه شكرُ الله على هذه النعمة، والاعترافُ بها، والتفويضُ إلى الله،
وأن كل الأفعال له(٢).
(ق): (سبحان): اسمُ عَلَمٍ لمصدرِ (سَبَّحَ) وقع موقعه، وهو لا ينصرف؛
للتعريف والألف والنون الزائدتين، و(بحمدك) متعلق بفعل محذوف دَلَّ عليه
التسبيح؛ أي: بحمدك نُسبِّحك؛ أي: بفضلك وهدایتك.
هذا قولهم، كأنهم لاحظوا أن الحمدَ هاهنا بمعنى الشُّكر، ويظهر لي
وجهٌ آخرُ، وهو إبقاء معنى الحمد على أصله، وتكون الباء للسَّبب، فيكون
معناه: بسبب أنك مَوصوفٌ بصفات الكمال والجلال سَبَّحك المُسبِّحون،
وعَظَّمك المُعظِّمون(٣).
(١) في الأصل: ((الحدث)).
(٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٤ / ٢٠١).
(٣) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٢ / ٨٧).
٥١٦

(ط)(١): ((ويحمدك)) [إما] حال من فاعل الفعل الذي أنيب المصدر
مَنابَهُ، و((اللهم ربنا)) مُعترِضٌ، وإما عطفُ جملة على جملة، وعلى هذا قوله:
((سبحان الله وبحمده)) .
(ك): (سبحان) منصوب على المصدر، وحَذْفُ فعله [وهو (أسبح)
ونحوه](٢) لازِمٌ، وهو عَلَمٌ للتسبيح، ويُنكَّر ثم يُضاف، وإضافة الحَمْد إلى
الفاعل، والمراد من الحَمْد لازِمُه مجازاً، وهو ما يوجب الحمدَ من التوفيق
والهداية، أو إلى المفعول، ويكون معناه: وسَبَّحت مُتلَبِّساً بحمدي لك(٣).
(ن): ((يتأول القرآن)) يعمل ما أمر به في قوله تعالى: ﴿فَسَمِحْ بِحَمْدٍ
رَيِّكَ وَأَسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ، كَانَ تَوَّابًا﴾ [النصر: ٣]، وكان ◌َُّ يقول هذا الكلام
البديعَ في الجَزالةِ؛ ليستوفيَ ما (٤) أمر به في الآية، وكان يأتي به في الركوع
والسجود؛ لأن حالةَ الصلاة أفضلُ من غيرها، وكان يختارها لأداء هذا
الواجب الذي أمر به؛ ليكون أكملَ.
وأما قولُهُ وَّر: ((اللهم اغفر لي)) مع كونه مغفوراً له، فهو من باب
العُبودية والإِذْعَان والافتقار إلى الله (٥).
(ك): أو الاستغفارُ عن ترك الأَوْلَى، أو التقصيرِ في بلوغ حَقِّ عبادته،
(١) في الأصل: (ك)، والكلام للطيبي، وليس للكرماني، انظر: ((شرح المشكاة))
(٣ / ١٠١٥).
(٢) ما بين معكوفتين من ((شرح البخاري)) للكرماني (٥/ ١٥١).
(٣) انظر: ((الكواكب الدراري)) (٥ / ١٥١).
(٤) في الأصل: ((المستوفى بما)).
(٥) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٤ / ٢٠١).
٥١٧

مع أن نفس الدُّعاء هو عبادة(١).
(قض): (يتأول القرآن)) جملة وقعت حالاً عن الضمير في ((يقول))؛
أي: يقوله متأولاً للقرآن؛ أي: مُبيِّناً ما هو المرادُ من قوله تعالى:
﴿فَسَيِّحْ بَحَمْدٍ رَبِّكَ وَأَسْتَغْفِرُهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَابًا﴾ [النصر: ٣] آتياً بمقتضاه،
يقال: أَوَّلَ الكلامَ، وتَأوَّلَ [الكلام]: إذا فَسَّرَهُ وبَيِّن المرادَ منه؛ مأخوذ من
آل: إذا رجع، كأن المفسِّرَ يصرف الكلامَ عن سائر الوجوه المُحتملة إلى
المَحْمِل الذي أوَّله عليه(٢).
(ط): الأظهر أن هذا التأويل بمعنى العاقبة ومآل الأمر؛ كما في قوله
تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَةً يَوْمَ يَأْتِى تَأْوِيلُهُ﴾ [الأعراف: ٥٣]؛ أي: عاقبةُ أمره،
وما يؤول إليه من تَبِيُّن صِدْقهِ، وظهور ما صدق به من الوعد والوعيد، فتنزيل،
الحديث على الآية: أن يقال: إنه مَِّ لمَّا أُمر بقوله تعالى: ﴿فَسَيِّحْ مَحَمْدِرَبِّكَ
وَأَسْتَغْفِرْهُ ﴾ [النصر: ٣]؛ صَدَّقه بفعله، وأظهر ما يقتضي مآل أمر الله تعالى؛
من الامتثال، وحُصول المأمور به(٣) .
(ك): قوله تعالى: ﴿ فَسَيِّحْ بَحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ ﴾ [النصر: ٣] الحمد
إشارة إلى إثبات الصفات الوُجودية المُسمَّاة بصفات الإكرام، والتسبيحُ إلى
الصفات العدَمية المُسمَّاة بصفات الجَلال والرُّبوبية؛ إشارةً إلى ما هو مبدأ
أحوال الإنسان، والمغفرةُ إلى المَعاد، وفيه: تقديم الثناء على الدُّعاء،
(١) انظر: ((الكواكب الدراري)) للكرماني (٥ / ١٥١).
(٢) انظر: ((تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة)) للبيضاوي (١ / ٢٩٣).
(٣) انظر: ((شرح المشكاة) للطيبي (٣/ ١٠١٤).
٥١٨

وفيه: إثبات الثَّخْلية أولاً، ثم التَّحْليةُ ثانياً.
١١٥ - الرابعُ: عن أَنَسِ عَ﴿ُه، قال: إنَّ الله ◌َّ تَابَعَ الوَحْيَ
عَلى رسولِ اللهِ﴿ قَبْلَ وَفَاتِهِ، حَتَّى تُؤُنِّيَ أَكْثَرَ مَا كَانَ الوَحْيُ.
متفقٌ عليه.
١١٦ - الخامس: عن جابرٍ ﴿ه قال: قال رسولُ الله ◌ِ: ((يُبْعَثُ
كُلُّ عَبْدٍ عَلى مَا مَاتَ عَلَيْهِ) رواه مسلم.
إلى آخر الباب
* قوله: ((إن الله تابع الوحي على رسوله)):
(ق): أي: والى؛ أي: الشيءَ بعد الشيء، و(كان) تامة، و(ما) مع
الفعل بتأويل المصدر، انتهى(٢).
ومناسبة الحدیث للباب: أن الوحي منه سبحانه إلى رسول الله ێ لم يكن
إلا في أوقات غاية قُرْبه، وفي آخر عُمُره ◌َّ توالى قُرْبه من رَبِّه سبحانه وتتابع،
فينبغي للمُوفَّق أن يجتهد في آخر عمره في العبادات؛ ليزداد قرباً من ربه.
وكان اجتهادُهُ وَّرَ في العبادات في العام الذي قُبِضَ فيه أكثرَ، كان
(١) في الأصل: ((الثالث))، والصواب المثبت.
(٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (١ / ٣٨١).
٥١٩

جبريل عليه السلام يُعارِضُه القرآنَ في كل رمضان مرة، وعارضه في السنة
التي قُبض فيها مرتين، وكان يعتكفُ في كل رمضان عشرةَ أيام، فلمَّا كان
في العام الذي قبض فيه [اعتكف] عشرين يوماً، رواه البخاري(١).
* قوله {قر: «یبعث کل عبد على ما مات عليه)):
(ن): أي: الحالة التي مات عليها(٢).
(ق): فينبغي للعبد أن يستصحبَ الأعمال الصالحة والآدابَ الحسنة التي
يُرْتَجَى للعامل لها قَبولُها، ويحقِّقَ ظَنَّه برحمة ربه عند فعلها؛ فإن رحمة الله
قريب من المحسنين، هذا في حال الصحة والقوة على العمل، وأما في حال
حضور الموت فليس ذلك وقتَ استئناف عمل غيرِ حُسن الظن بالله، والتفكر
في سَعة رحمته وعِظَم فضله، وأنه لا يتعاظمه ذنبٌ يغفره، وأنه الکریم الحَلِیم،
الغفور الشَّكور، المُنعم الرَّحيم، ويتذكر آياتِ الرُّخَص وأحاديثها لعلَّ ذلك يقع
بقلبه، فيُحِبَّ اللهَ، فيختمَ عليه بذلك، فيلقى اللهَ وهو مُحِبُّ لله، فيحشره في
زُمرة المُحبِّين بعد أن كان في زمرة الخَطَّائين؛ إذ «يُبعثُ كل عبد على ما مات
علیه))(٣).
(١) رواه البخاري (١٩٣٩)، من حديث أبي هريرة بعضه.
(٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٧ / ٢١٠).
(٣) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٧ / ١٤٣).
٥٢٠

١٣- باب
في بيانِ كثرةٍ طُرُقِ الخيرِ
* قال الله تعالى: ﴿وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ [البقرة:
٢١٥].
* وقال تعالى: ﴿وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اَللَّهُ ﴾ [البقرة: ١٩٧].
* وقال تعالى: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾
[الزلزلة: ٧].
* وقال تعالى: ﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ، ﴾ [الجاثية: ١٥].
والآيات في الباب كثيرةٌ .
(الباب الثالث عشر)
(في بيان كثرة طرق الخير)
سبق الآيتان في باب المجاهدة.
* قوله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَلِحًا﴾ [الجاثية: ١٥](١).
(١) كذا في الأصل، ذكر الآية ولم يتكلم عليها.
٥٢١

وأمّا الأحاديث فكثيرة جداً، وهي غيرُ منحصرة، فنذكر
طرفاً منها :
١١٧ - الأوَّلُ: عن أبي ذَرِّ جُنْدَبِ بنِ جُنَادَةَ ﴿ه، قال: قلتُ:
يا رسولَ الله! أَيُّ الأعمَالِ أَفْضَلُ؟ قال: ((الإيمانُ بالله، والجهادُ في
سبيلِهِ»، قلتُ: أيُّ الرِّقابِ أفْضَلُ؟ قَالَ: ((أَنْفَسُهَا عِنْدَ أَهْلِهَا،
وَأَكْثَرُّهَا ثَمَناً)، قُلْتُ: فَإِنْ لَمْ أَفْعَلْ؟ قال: ((تُعينُ صَانِعاً، أَوْ تَصْنَعُ
لأَخْرَقَ))، قُلْتُ: يا رَسولَ الله! أَرَأَيْتَ إِنْ ضَعُفْتُ عَنْ بَعْضِ العَمَلِ؟
قال: (تَكُفُّ شَرَّكَ عَنِ النَّاسِ؛ فَإنها صَدَقَةٌ مِنْكَ عَلى نَفْسِكَ)) متفقٌ
عليه .
١
((الصَّانِعُ)): بالصَّاد المهملة، هذا هو المشهور، وَرُويَ:
((ضَائعاً)) بالمعجمة؛ أيْ: ذَا ضَيَاعٍ مِنْ فَقْرٍ أَوْ عِيَالٍ، ونحو ذلكَ،
(وَالأَخْرَقُ)): الَّذِي لا يُتقن مَا يُحَاوِلُ فِعْلَهُ.
(الأَوْلُ)
* قوله: ((أي الأعمال أفضل؟»:
(ك): أي: الأكثر ثواباً عند الله، وأفعل التفضيل لا بُدَّ أن يستعمل بأحد
الوجوه الثلاثة، ولا يجوز: زيدٌ أفضلُ، إلا أن يكون معلوماً؛ نحو: الله أكبر.
(ن): فيه: تصريحٌ بأن العمل يطلق على الإيمان، والمُرادُ به - والله
أعلم -: الإيمان الذي يُدخل في مِلَّة الإسلام، وهو التصديق بالقلب، والنُّطْق
٥٢٢

بالشهادتين، فالتصديق عملُ القلب، والنُّطق عمل اللسان، ولا يَدخُل في
الإيمان هنا الأعمالُ بسائر الجوارح، كالصَّوم، والصَّلاة، والحَجِّ، والجهاد،
وغيرها؛ لكونه جُعل قسماً للجهاد والحَجِّ؛ کما رواه مسلم في رواية أخرى.
وأما قوله هنا: ((إيمانٌ بالله، وجهادٌ في سبيلهِ))، وفى حديث ابن
مسعود: ((الصَّلاة))، ثم (بِرُّ الوالدين))، ثمَّ ((الجِهادُ)(١)، وفي حديث عبدالله
ابن عمرو: أيُّ الإسلام خير؟ قال: «تُطْعِمُ الطَّعامَ، وتَقرأُ السَّلامَ على مَنْ
عَرفتَ ومَنْ لم تَعرف)(٢)، وفي رواية: أيُّ المُسلمين خيرٌ؟ قال: ((مَنْ سَلِمَ
المُسلِمِونَ مِنْ لِسانِهِ ويَدِهِ))(٣).
فوجهُ الجمع بين هذه الأحاديث: أن ذلك اختلافُ جوابٍ جری علی
حسب اختلاف الأحوال والأشخاص؛ فإنه قد يقال: خیرُ الأشياء كذا، ولا يراد
أنه خير جميع الأشياء من جميع الوجوه في جميع الأحوال والأشخاص، بل
في حالٍ دُونَ حالٍ، كذا قاله القَفَّلُ، واستشهد بما رُوي عن ابن عباس عنه وَّ:
((حَجَّةٌ لِمَنْ لَمْ يَحُجَّ أَفضلُ مِن أَربعينَ غَزْوةً، وغَزْوةٌ لمن حَجَّ أَفضلُ من
أربعينَ حَجَّةً))(٤).
(١) رواه البخاري (٧٠٩٦).
(٢) رواه البخاري (١٢).
(٣) رواه مسلم (٤٠ / ٦٤)، من حديث عبدالله بن عمرو ضِـ
(٤) ذكره الحافظ المنذري في ((الترغيب والترهيب)) (٢/ ١٨٨)، وعزاه للبزار، وقال:
رواته ثقات معروفون، وهو حديث ضعيف. انظر: ((ضعيف الجامع الصغير))
(٢٦٩٢).
٥٢٣

قال: ويحتمل أن يكون المرادُ: مِنْ أفضل الأعمال كذا، أو: مِنْ
خيرها، أو: مِنْ خَيركم، فحذفت (مِنْ) وهي مرادٌ؛ كما يقال: فُلانٌ أعقلُ
الناس وأفضلُهم.
ومن ذلك قوله ◌َّه: ((خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لأَهْلِه)) (١)، ومعلومٌ أنه لا يصير
بذلك خيرَ الناس مطلقاً، ومن ذلك قولهم: أَزهدُ النَّاس في العالِمِ جِيرانُهُ.
فإن قيل: فقد جاء في بعض هذه الروايات: (أَفضلُها كذا، ثم كذا)
بحرف (ثم)، وهي موضوعة للترتيب.
فالجواب: أن (ثم) هنا للترتيب في الذِّكر؛ كقوله تعالى: ﴿وَمَا أَدْرَنكَ مَا
اُلْعَقَبَةُ ؟ فَقُّ رَقَبَةٍ﴾ [البلد: ١٢ - ١٣] إلى قوله: ﴿ثم كان من الذين آمنوا﴾ [البلد:
١٧]، ومعلومٌ أنه ليس المرادُ هنا الترتيبَ في الفعل، وكقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ
خَلَقْنَكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَكُمْ ثُمَّقُلْنَا لِلْمَلَبِكَةِ أَسْجُدُ واْلَدَمَ ﴾ [الأعراف: ١١]، ونظائرُ ذلك
كثيرة .
ومنه قول الشاعر :
ثُمَّ قد سادَ قبلَ ذلك جَدُّهْ
قُلْ لمَنْ سَادَ ثُمَّ سادَ أَبوهُ
وقال صاحب ((التحرير)): كَونُ (ثم) لا تقتضي الترتيب شَاذٌّ عند أهل
العربية والأُصول، والجواب في تقديم الجِهاد على الحَجِّ: أنه مَحمولٌ
على الجهاد في وقت الزَّحْف المُلْجِئ والنَّفير العام؛ فإنه حينئذ يجب
الجهادُ على الجميع، فإذن يكون الجهاد في تلك الحالة أولى بالتحريض
(١) تقدم تخريجه.
٥٢٤

والتقديم من الحج؛ لما فيه من المصلحة العامة للمسلمين، مع أنه مُتَعيِّن
مُتَضِيِّقٌ؛ بخلاف الحَجِّ.
ولذلك وقع اختلافُ الجواب في (خير المسلمین)؛ لاختلاف حال
السائل والحاضرين، فكان في أحد الموضعين الحاجةُ إلى إفشاء السَّلام
وإطعام الطعام أكثرَ وأَهمَّ؛ لِمَا حصل من إهمالهما والتَّساهُلِ في أمرهما،
ونحو ذلك، وفي الموضع الآخر: الكَفُّ عن إيذاء المسلمين(١).
(ن): ((أنفسها عند أهلها))؛ أي: أَرفعُها وأجودُها.
قال الأَصمَعيُّ: مال نفيس؛ أي: مَرغوبٌ فيه، والمراد: أنه إذا أراد أن
يُعتق رقبةً واحدة، أما إذا كان معه ألف درهم، وأمكنه أن يشتري بها رقبتين
مفضولتين أو رقبةً نفيسة مُثْمِنةً؛ فالرقبتان أفضل، وهذا بخلاف الأُضحية؛ فإنَّ
التَّضحيَةَ بشاة سمينة أفضلُ من التضحية بشاتين دونها في السِّمَن.
قال البغوي: قال الشافعيُّ في الأُضحية: استكثارُ القيمة مع استقلال
العدد أَحبُّ إليَّ من استكثار العدد مع استقلال القيمة، وفي العتق: استكثارُ
العدد مع استقلال القيمة أحبُّ إليَّ من استكثار القيمة مع استقلال العدد؛ لأن
المقصودَ من الأُضحية اللَّحمُ، ولحم السَّمين أوفرُ وأَطيبُ، والمقصود من
العتق: تكميلُ حال الشخص، وتخليصُه من ذُلِّ الرِّقِّ، فتخليصُ جماعة
أفضلُ من تخلیص واحد، انتهى(٢).
قال الحافظ مُحمَّدُ بن مَعْمرٍ: فيه دليلٌ على أن التقرُّبَ إلی الله بما لا وقع
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٢ / ٧٨).
(٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٢ / ٧٥).
٥٢٥

له عندك من سَفَهِ النفس، ودناءة الهِمَّة، وقال تعالى: ﴿وَلَا تَيَمَّمُواْ الْخَبِيثَ مِنْهُ
تُنفِقُونَ﴾ الآية [البقرة: ٢٦٧]، وروي: أنه نَِّ قال: ((إنَّ اللهَ يُحبُّ مَعاليَ
الأُمورِ، ويُبِغِضُ سَفْسَافَها)(١)، وقال: ((سَمِّنوا ضَحاياكُمْ؛ فإنَّها على الصِّراطِ
مَطَایاكُمْ)(٢).
(ق): ((فإن لم أفعل))؛ أي: لم أقدر عليه، ولا تَسَر لي؛ لأن المعلوم
من أحوالهم أنهم لا يمتنعون من فعل مثل هذا إلا إذا تَعذَّر عليهم(٣).
(ن): ((الأخرق)): الذي ليس بصانع، يقال: رجل أخرقُ، وامرأة
خَرْقاء، فإن كان صانعاً حاذقاً؛ قيل: رجل صَنَعٌ - بفتح النون - وامرأة
صَناعٌ، وأما (صانع): رُوي بالصاد المهملة وبالنون؛ من الصَّنْعَةِ، وروي:
بالضاد المعجمة وبهمزة بدل النون تكتب ياء؛ من الضَّياع.
والصحيح عند العلماء: رواية الصاد المهملة، وهو صوابُ الكلام
لمقابلته بالأَخْرقِ، والأكثر في الرواية بالمعجمة، قال الزهري: صَخَّفَ
هشامٌ(٤).
(١) رواه الطبراني في ((المعجم الكبير)) (٢٨٩٤)، من حديث الحسين بن علي
١،
وهو حديث صحيح. انظر: ((صحيح الجامع الصغير)) (١٨٩٠).
(٢) قال الحافظ ابن حجر في ((التلخيص الحبير)) (٤/ ١٣٨): لم أره، وقال الحافظ
السخاوي في ((المقاصد الحسنة)) ((ص: ١١٤)): أسنده الديلمي من حديث أبي
هريرة مرفوعاً، وفيه يحيى بن عبيدالله، وهو ضعيف جداً . اهـ بتصرف.
(٣) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (١ / ٢٧٧).
(٤) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٢ / ٧٥).
٥٢٦