النص المفهرس

صفحات 561-580

(الجوهري): (الغَبْنُ) بالتسكين في البيع، وبالتحريك في الرأي.
قال: غَبَتُه في البيع بالفتح؛ أي: خدعته، وقد غُبِنَ فهو مَغبونٌ،
وغَبِنَ رأيَه بالكسر: إذا نَقَصَه، فهو غَبِينٌ؛ أي: ضعيفُ الرأي(١).
(ط): إن رسول الله وَ ل﴿ ضرب مثلاً للمُكلَّف بالتاجر الذي له رأسُ
مال، وهو يبيع ويشتري، ويطلب من تجارته سلامةَ رأس المال والرِّبحَ،
فالواجب عليه أن يتحرَّى فيها مَنْ يعامل، ويكونَ صدوقاً غيرَ مُخادِعٍ؛ لئلا
يَغْبِنَهُ في مُعاملته، فنعمتا الفراغ والصِّحَّة رأسُ مال المُكلَّف، فينبغي له أن
يعاملَ الله تعالى بالإيمان بالله ورسوله، والمُجاهدة مع النفس وأعداء الدين؛
لئلا يُغْبَنَ، ويربحُ في الدُّنيا والآخرة، قال تعالى: ﴿هَلْ أَدُّكُمْ عَلَى تِجَزَوْ نُچِكُمْ﴾
[الصف: ١٠] الآيات، ويجتنبَ معاملةَ الشيطان؛ لئلا يُغبنَ، فيضيع رأسُ ماله
مع الربح، فالكثيرُ في الحديث في مقابلة القليل في قوله تعالى: ﴿وَقَلِيلٌ مِّنْ
عِبَادِىَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ: ١٣].
والشُّكر كما علمتَ في إزاء النِّعمة، وشكرُ العباد لله تعالى عبارةٌ عن
آداب الجوارح في طاعته، وتحرِّي مراضيه بقلبه، والنداء على الجميل
بلسانه، وبناءُ المبالغة في الشكور ينبئ عن هذه الأقسام، انتهى(٢).
قال صاحب ((ضوء الشهاب)): (نعمتان) رفع [على أنه] خبر
مبتدأ محذوف؛ أي: هما نعمتان وهاتان(٣)، و((الصحة والفراغ)): بدل
(١) انظر: ((الصحاح)للجوهري (٦ / ٢١٧٢)، (مادة: غبن).
(٢) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (١٠ / ٣٢٧).
(٣) كذا في الأصل، ولعل الصواب: أو هاتان، والتقدير: هما نعمتان، أو: هاتان
نعمتان .
٤٦٧

من المبتدأ، والتقدير: الصِّحَّةُ والفراغ نعمتان مَغبونٌ فيهما كثيرٌ من
الناس، ويجوز أن تكون (نعمتان) مبتدأ، و(الصحة والفراغ) خبراً؛
لأن النِّعمتين قد وُصفتا وحُدَّتا، قال: إنما غُبن فيهما أكثرُ الناس؛ لأنهم
يصرفون الصحةَ إلى البطالة، وما لا يُجدي عليهم شيئاً؛ كما ينفقون
الفراغَ في الكَسلِ والغَفْلة والنَّوم، فتذهبُ النِّعمتان منهم ضياعاً وباطلاً .
ولعَمْري؛ إنهما نعمتان لا يُحاط بقَدْرِهما ولا يُعرف مكانُهما إلا إذا
ذهبا، ومِنْ حق الصحة أن تُصرفَ إلى العبادة، ولا يُتهاوَنَ عن الانتفاع بها،
فتذهبَ حسراتٍ، وهي لا بُدَّ ذاهبة؛ فإنها كظِلِّ سحابة تنقشع عن قريب،
وكيف تبقى الصِّحَّةُ مع تعادي الطُّباع وهجوم الطبائع؟! وكذلك الفارغُ
ينبغي أن یکون مشغولاً بذكر الله، انتھی.
ولقد أحسن القائلُ:
إذا كُنتَ فَارِغاً مُسْتَرِيحًا
إِغْتَنِمْ رَكْعَتَيْنِ زُلْفَى إلَى الله
◌ِلِ فَاجْعَلْ مَكَانَهُ تَسْبِيحًا
وإِذا مَا هَمَمْتَ بالنُّطْقِ فِي البَا
ضٍ وَإِنْ كُنْتَ بِالحَدِيثِ فَصِيحًا
فَاغْتِنامُ السُّكُوتِ أَحْسَنُ مِنْ خَوْ
نظمه بعض الفضلاء.
يقال :
ومَا على المُرسَلِ إلَّ البَلاغُ
أَخْبِرَنا خَيرُ بَنِي آدَمٍ
صِحَّةِ أَبْدَانِهِمْ والفَرَاغْ
النَّاسِ مَغْبُونونَ فِي نِعْمَتَيْ
٤٦٨

٩٨ - الرابعُ: عن عائشةَ رضي الله عنها: أَنَّ النَّبِيَّ نَلِ كَانَ
يَقُومُ مِنَ اللَّيْلِ حَتَّى تَتَفَطَّرَ قَدَمَاهُ، فَقُلْتُ لَهُ: لِمَ تَصْنَعُ هَذَا يَا رَسُولَ اللهِ
وَقَدْ غَفَرَ اللهُ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ؟! قَالَ: ((أفَلا أُحِبُّ أَنْ
أَكُونَ عَبْداً شَكُوراً؟)) متفقٌ عليه.
هذا لفظ البخاري، ونحوه في ((الصحيحين)) من رواية المُغيرةِ بْنِ شُعْبَةَ.
(نه): ((تتفطر))؛ أي: تتشقَّق، يقال: تَفَطَّرت وانفطرت بمعنى، انتهى(١).
تَشْقُقُ الأطراف إنما يكون بعد استكمال الوَرَم؛ بحيث لا يَتَسع الجلدُ
للموادِّ المُنصبَّةِ إليه، فيتشقق حينئذٍ، فيستفاد من هذا فضيلةُ الإقبال على
العبادة وإن تضرر البدنُ؛ كالصبر على مُقاساة شدة الحَرِّ والبرد، وظمأ
الهَواجر، وإحياء ليالي الشتاء، وطُولِ القيام في الصلاة، والمَشْيِ الطويل
في سفر العبادة كالحَجِّ والجهاد ونحو ذلك، ما لم يأت على الأعضاء
الرئيسة؛ كالقلب والدِّماغ التي يُخاف منه ذهابُ البدن والعقلِ بالكُلِّية .
كان الأسودُ بن يزيدَ يصوم حتى يخضرَّ بدنُهُ ويصفَرَّ، فيقال له: إلى
كم تُعذِّبُ هذا البدن؟ فقال: كرامتَها أُريدُ.
وكان بعضُ المفرِّطين(٢) قد ترك ما كان عليه من الغفلة، وأقبل على
العبادةِ، وتوجه إلى الحَجِّ راجلاً، فعَيِيَ في الرَّمل، وكان يمشي ويُنشدُ:
قَدَمَيَّ اعتَوِرا رملَ الکثیبِ
وَاشْرَبا الآجِنَ مِنْ مَاءِ القَلِيبِ
(١) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (٣ / ٤٥٨).
(٢) في الأصل: ((المفرقين))، والصواب المثبت.
٤٦٩

زَهْرَةِ الدُّنیا وفي وَادٍ خَصِيبٍ
رُبَّ يَومٍ رُخْتُمَا فِيهِ عَلَى
وَخُذَا مِنْ كُلِّ فَنَّ بَنَصِيبٍ
فَاحْسُبَا ذاكَ بِهَذا واصْبِرَا
فَلَعَلَّ اللهَ يَعِفُو عَنْ ذُنُوبِي
إِنَّما أَمْشِي لأَنِّي مُذْنِبٌ
(ك): قال ابنُ بَطَّال: فيه: أَخذُ الإنسان على نفسه بالشدّة في العبادة
وإن أضر ذلك ببدنه، وله أن يأخذ بالرُخصة ویکلِّفَ نفسَه بما سمحت به،
إلا أن الأخذَ بالشِّدَّة أفضلُ؛ لأنه إذا فعل زوِّ ذلك وهو مغفور له قطعاً؛
فكيف بمَنْ لم يعلم أنه استحق النار أم لا؟!
وإنما ألزم الأنبياءُ أَنفُسَهم شدةَ الخوف؛ لعلمهم عِظمَ نعم الله
عليهم، وأنه ابتدأهم بها قبل استحقاقها، فبذلوا مجهودَهم في شُكره، مع
أن حقوقَ الله أعظمُ من أن يقوم بها العبادُ (١).
(ط): الفاء في قوله: ((أفلا أكون)) مُسبَّبٌ عن محذوف؛ أي: أأترك
قيامي وتهجُّدي لمَّا غفر لي، فلا أكونَ عبداً شكوراً؟ يعني: غُفرانُ الله إِيَّايَ
سببٌّ لأن أقومَ وأتهجدَ شكراً له، فكيف أتركه؟ كأن المعنى: كيف لا أشكره
وقد خَصَّني بخير الدَّارين؛ فإن الشَّكور من أبنية المبالغة، يستدعي نعمةً خطيرة.
وتخصيصُ العبد بالذكر مُشعِرٌ بغاية الإكرام والقُرب من الله تعالى،
ومن ثَمَّ وُصِفَ به في مقام الإسراء، أو لأن العُبوديةَ تقتضي صحةَ النِّسبة،
وليست إلا بالعبادة، والعبادةُ عَيْنُ الشُّكر (٢).
(١) انظر: ((الكواكب الدراري)) للكرماني (٦ / ١٩٠).
(٢) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٤ / ١٢٠١).
٤٧٠

٩٩ - الخامسُ: عن عائشةَ رضي الله عنها: أنها قالتْ: كان
رسولُ اللهِ﴿ إِذَا دَخَلَ العَشْرُ أَحْيَا اللَّيْلَ، وَأَيْقَظَ أَهْلَهُ، وَجَدَّ وَشَدَّ
المِثْزَرَ. متفقٌ عليه.
والمراد: العَشْرُ الأوَاخِرُ من شهر رمضانَ. ((وَالِمِثْزَرُ)): الإزَارُ،
وَهُوَ كِنَايَةٌ عن اعْتِزَالِ النِّسَاءِ، وَقِيلَ: المُرَادُ: تَشْمِيرُهُ للْعِبَادَةِ؛
يُقَالُ: شَدَدْتُ لِهَذَا الأمْرِ مِثْزَرِي؛ أيْ: تَشَمَّرْتُ وَتَفَرَّغْتُ لَهُ.
قوله: ((إذا دخل العشر) الألف واللام فيه للعهد الذِّهني، والمرادُ:
العشر الأخير من رمضان، وكان لهذا العشر عندهم شأن.
(ن): ((أحيا الليل))؛ أي: استغرقه بالسَّهر في الصلاة، وأما قول
أصحابنا: يُكره قيامُ الليل كلِّه، فمعناه: الدَّوام عليه، ولم يقولوا بكراهة ليلة
أو ليلتين والعشِر؛ ولهذا اتفقوا على استحباب إحياء ليلتي العيدين وغير ذلك.
((وأيقظ أهله))؛ أي: أَيقظَهم للصلاة في الليل، ((وجد)) في العبادة
زيادةً على العادة، وفيه: أنه يُستحبُّ أن يزاد من العبادات في العشر
الأواخر من رمضان، واستحبابُ إحياء لياليه بالعبادات(١).
(ط): في إحياء الليل وجهان:
أحدهما: راجع إلى نفس العابد؛ فإن العابدَ إذا اشتغل بالعبادة عن
النوم الذي هو بمنزلة الموت؛ فكأنما أحيا نفسَه؛ كما قال الله تعالى :
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٨ / ٧١).
٤٧١

﴿يَتَوَنَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَأَلَّتِى لَمْ تَمُتْ فِىِ مَنَامِهَاً﴾ [الزمر: ٤٢].
ثانيهما: أنه راجع إلى نفس الليل؛ فإن ليله لمّا صار بمنزلة نهاره في القيام
فيه؛ كأنه أحياه وزَيَّنه بالطاعة والعبادة، ومنه قوله تعالى: ﴿فَانْظُرْ إِلَى ءَائٍَ
رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحِى الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ [الروم: ٥٠]، فمَنِ اجتهدَ فيه وأحياه كُلَّه؛
وَفَرَ نصيبُه منها، ومن قام في بعضه أخذ نصيبه بقَدْرِ ما قام فيها، وإليه لَمَحَ
سعيدُ بنُ المُسيَّب بقوله: مَنْ شهد العِشاءَ ليلةَ القَدْرِ؛ فقد أخذَ بحَظُّه منها (١).
(ن): ((شد المئزر)) هو بكسر الميم مَهموزٌ: الإزار، ومعنى شَدِّ المِئزر:
الاجتهادُ في العبادات زيادةً على عادته بََّ في غيره، ومعناه: التَّشميرُ في
العبادة؛ يقال: شددتُ لهذا الأمر مِئزري؛ أي: تَشْمَّرتُ له وتَفَرَّغتُ.
وقيل: هو كِنايةٌ عن اعتزال النساء وتركِ النكاح ودواعيه وأسبابه، أو
هو كِنايةٌ عن التَّشمير للعبادة والاعتزالِ عن النساء معاً (٢).
(ط): قد تقرَّر عند علماء البيان أن الكنايةَ لا تنافي إرادةَ الحقيقة؛
كما إذا قلت: فلانٌ طويلُ النِّجاد، وأردت طُولَ نِجَادِهِ مع طول قَامتِهِ،
كذلك لا يُستبعدُ أن يكون قد شَدَّ مِنزَرُه ظاهراً، وتَفَرَّغ للعبادة، واشتغل بها
عن غيرها، وإليه يرمز الشاعر:
دَبَيَتَ لِلِمَجْدِ والسَّاعُونَ قَدْ بَلَغُوا
جَهْدَ النُّوسِ وَأَقَوْا دُونَهُ الأُزُرَا(٣)
(١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٥/ ١٦٢٤)، والحديث رواه الإمام مالك في ((الموطأ)»
بلاغًا (١ / ٣٢١)، قال ابن عبد البر في ((الاستذكار)) (٣/ ٤١٧): هذا لا يكون رأيًا،
ولا يؤخذ إلا توقيفًا، ومراسيل سعيد أصح المراسيل .
(٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٨ / ٧١).
(٣) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٥ / ١٦٢٤).
٤٧٢

(ق): (جد)؛ أي: اجتهد، و(شد المئزر)؛ أي: امتنع عن النساء،
وهذا أولى مما قيل: إنه كنايةٌ عن الجد والاجتهاد؛ لأنه قد ذكر ذلك،
فحَمْلُ [هذا] على فائدةٍ مُستجدَّةٍ أولى.
وقد ذهب بعضُ أئمتنا إلى أنه عبارةٌ عن الاعتكاف، وفيه بُعْدٌ؛
لقوله: ((أيقظ أهله))، وهو يدلُّ على أنه كان معهم في البيت، على أنه يصح
أن يُوقِظهُنَّ في موضعه من باب الخَوْخَةِ التي كانت إلى بيته من المسجد،
فإن حملناه على الاعتكاف فُهِمَ منه أن المُعتكفَ لا يجوز له أن يَقرَبَ
النساءَ بمُباشرةٍ ولا استمتاع، ويدلُّ عليه قولُه: ﴿وَلَا تُبَشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ
عَكِّفُونَ فِى الْمَسَجِدِ﴾ [البقرة: ١٨٧].
وفيه: حَثُّ الأهل على القيام للنوافل، وحَمْلُهم على تحصيل الخير
والثواب(١).
١٠٠ - السادِسُ: عن أبي هريرة ◌ُ قال: قال رسولُ اللهِ وَلِ:
((المُؤْمِنُ القَوِيُّ خَيْرٌ وأَحَبُّ إلى اللهِ مِنَ المُؤْمِنِ الضَّعِيفِ، وَفِي كُلِّ
خَيْرٌ، احْرِصْ عَلى مَا يَنْفَعُكَ، وَاسْتَعِنْ بِاللهِ وَلاَ تَعْجَزْ، وَإِنْ أَصَابَكَ
شَيْءٌ فَلاَ تَقُلْ: لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ كَانَ كَذَا وَكَذَا، وَلَكِنْ قُلْ: قَدَرُ اللهِ،
وَمَا شَاءَ فَعَلَ، فَإِنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ)) رواه مسلم .
* قوله {يَّي : ((المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف»
(١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٢٤٩/٣).
٤٧٣

المراد بالقوة هنا: عزيمةُ النفس والقريحةِ في أُمور الآخرة، فيكون صاحبُ
هذا الوصف أكثرَ إقداماً على العَدُوِّ في الجهاد، وأسرعَ خروجاً إليه وذهاباً في
طلبه، وأَشْدَّ عزيمةً في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والصَّبر على
الأذى في كل ذلك، واحتمال المَشاقٌّ في ذات الله، وأرغبَ في الصَّلوات،
والصَّوم، والأذكار، وسائر العبادات، وأنشطَ طلباً لها، ومُحافظةً عليها،
ونحو ذلك.
وقوله: ((وفي كلِّ خير)) معناه: في كلٍّ من القَويِّ والضعيف خَيْرٌ؛
لاشتراكهما في الإيمان، مع ما يأتي به الضعيفُ من العبادات.
(ط): قيل: أراد بالقوي: الذي قَوِيَ في إيمانه وصَلُبَ في إيقانه؛
بحيث لا يرى الأسبابَ، ووثق بمُسبِب الأسباب، والمؤمن الضعيف
بخلافه، وهو أدنى مراتب الإیمان.
ويمكن أن يُذهبَ إلى اللفِّ والنَّشر، فيكون قوله: ((احرص على ما
ينفعك)) ولا تترك الجُهْدَ بياناً للقَويِّ، وقوله: ((ولا تعجز)) بياناً للضعيف(١).
(ن): ((احرص)) بكسر الراء، و((تعجز)) بكسر الجيم، وحكي فتحهما
جميعاً، معناه: (احرص) على طاعة الله والرَّغبةِ فيما عنده، واطلب الإعانةَ
من الله تعالى على ذلك، (ولا تَعْجِزْ): ولا تَكْسَلْ عن طلب الطاعة،
ولا عن طلب الإعانة(٢).
* قوله: ((فإن لو تفتح عمل الشيطان»:
(قض): أي: لو كان الأمرُ لي، وكنت مُستبدّاً بالفعل والترك؛ كان
(١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (١٠ / ٣٣٣٤).
(٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٦ / ٢١٥).
٤٧٤

كذا وكذا. وفيه تأسُّفٌ على الغائب، ومُنازعةُ القدَر، وإيهامٌ بأنَّ ما كان
يفعله باستبداده ومُقتضی رأیه خیرٌ مما ساقه القدَرُ إلیه، من حیث إن (لو)
تدلُّ على انتفاء الشيء لانتفاء غيره فيما مضى؛ ولذلك استكرهَهُ وجعلَه مِمَّا
يفتح عملَ الشيطان.
وقولُهُ وَّه في حديث فَسْخِ الحَجِّ إلى العُمرة: ((ولَوْ أَنِّي استَقْبلتُ مِنْ
أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ))(١)، ليس من هذا القَبيل، وإنما هو كلامٌ قصدَ به تطييبَ
قلوبهم، وتحريضَهم على الثَّحلُّل بأعمال العُمرة(٢).
(ن): قال القاضي: هذا النهيُ إنما هو لمن قاله مُعتقداً ذلك حَتْماً،
وأما قول أبي بكر عه: لو أن أحدَهم رفع رأسَه لرآنا (٣)، فهذا لا حُجَّة فيه؛
لأنه إنما أخبر عن مُستقبَلٍ، وكذا قولُهُ وَّهُ: ((لو كُنتُ رَاجِماً بغَيرِ بَيِّنَةٍ
لَرَجَمْتُ هَذِه))(٤)، وشِبْهُ ذلك، [فكلُّه مُستقْبَلٌ] لا اعتراضَ فيه على قَدَرٍ،
فلا كراهيةَ فيه؛ لأنه إنما أخبر عن اعتقاده فيما كان يفعلُ لولا المانعُ، وعَمَّا
هو في قُدرته، وأما الماضي فليس في قُدرته.
وأما معنى قوله: ((فإن لو تفتح عمل الشيطان)»: أنه يُلقي في القلب
مُعارضةَ القدَر، فيُوسوِسُ به الشيطان.
(١) رواه البخاري (٦٨٠٢)، من حديث عائشة رضي الله عنها.
(٢) انظر: ((تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة)) للبيضاوي (٣/ ٣٠١).
(٣) رواه البخاري (٤٣٨٦)، من حديث أبي بكر عظته، ولفظه: ((لو أن أحدهم رفع
قدمه رآنا)»، ورواه أيضاً (٣٤٥٣) بلفظ: ((لو أن أحدهم نظر تحت قدميه
لأبصرنا)»، ورواه مسلم (٢٣٨١)، ولفظه: «لو أن أحدهم نظر إلى قدميه أبصرنا
تحت قدمیه)) .
(٤) رواه البخاري (٥٠٠٤)، من حديث ابن عباس خطئًا.
٤٧٥

(ن): قد جاء استعمال (لو) في الماضي؛ كقوله وَّجٍ: (لَوِ اسْتَقبلتُ
مِنْ أَمرِي ما اسْتَدْبَرتُ لَمْ أَسُقِ الهَدْيَ))، فالظاهر أن النهيَ إنما ورد فيما لا
فائدة فيه، فيكون نهيَ تنزيهِ لا تحريمٍ، فأما مَن قالهُ متأسِّفاً على ما فات من
طاعة الله، أو [ما] هو مُتعذِّرٌ [عليه] من ذلك، فلا بأس به، وعليه يُحمل
أكثرُ استعمال (لو) الموجودة في الأحاديث(١).
١٠١ - السابع: عنه: أنَّ رسولَ اللهِوَّه قال: ((حُجِبَتِ النَّارُ
بِالشَّهَواتِ، وحُجِبَتِ الجَنَّةُ بالمَكَارِهِ» متفقٌ عليه.
وفي رواية لمسلم: ((حُفَّت)) بَدلَ ((حُجِبَتْ)، وهُوَ بِمَعْنَاهُ؛
أَيْ: بَيْنَهُ وبَيْنَهَا هَذا الحِجَابُ؛ فَإِذا فَعَلَهُ دَخَلَهَا.
* قوله ◌َ : ((حجبت النار بالشهوات)):
(ن): معناه: لا يُوصلُ إلى الجنة إلا بارتكاب المَكاره، والنارِ إلا
بارتكاب الشَّهوات، ولذلك هما مَحجُوبتان بهما، فمَنْ هَتَك الحِجابَ
وصل إلى المَحْجُوب، فهَتْكُ حجاب الجنة بارتكاب المَكاره، وهَتْكُ
حجاب النار بارتكاب الشَّهوات.
أما المَكارهُ: فيدخل فيها الاجتهادُ في العبادات، والمواظبةُ عليها،
والصَّبرُ عن الشَّهوات، ونحو ذلك.
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٦ / ٢١٦).
٤٧٦

وأما الشَّهواتُ التي النار مَحفوفةٌ بها: فالظاهر أنها الشَّهواتُ المُحرَّمةُ؛
كالخمر والزِّنًا والغِيبة، والنظرِ إلى الأجنبية، واستعمالِ المَلاهي.
وأما الشَّهواتُ المُباحة: فلا تدخل في هذا، لكن يُكره الإكثار منها
مَخافةَ أن تَجُرَّ إلى المُحرَّمة، وتُقْسَِّ القلبَ، أو تشغلَ عن الطاعات(١).
(ق): هذا من التمثيل الواقع مَوْقِعَهُ، ومن الكلام البليغ الذي انتهى
نهايتَهُ، وذلك أنه مثَّل المكارهَ بالحَفَافِ، وهو الدائر بالشيء المُحيط به،
الذي لا يُتوصَّل إلى ذلك [الشيء] إلا بعد أن يُتخَطَّى.
وقد روي عنه بَّه: أنه مَثَّلَ طريق الجنة وطريقَ النار بتمثيلٍ آخر
فقال: ((طريقُ الجَنَّةِ حَزْنٌ بِرَبْوةٍ، وطريقُ النَّارِ سَهْلٌ بسَهْوةٍ»(٢).
والحَزْنُ: هو الطريقُ الوَعْرُ المَسلَكِ، والرَّبوة: المرتفع، وأراد به
أعلى ما يكون من الرَّوابي، والسَّهوة بالسين المهملة: هي الموضعُ السهل
الذي لا غِلَظَ فيه ولا وُعورةَ، وهذا أيضاً تمثيل حسنٌ واقع مَوقِعَهُ،
انتھی(٣).
وفي ((سنن الترمذي)) و((أبي داود)) و((النسائي)) عن أبي هريرة ◌َُه،
عن النبي ◌َّهِ قال: ((لمَّا خلقَ اللهُ الجَنَّةَ قالَ لِجِبرِيلَ؛ اذهَبْ فانظر إليها،
فَذَهبَ فَنظرَ إليها وإلى ما أَّد الله لِأَهْلِهَا فيها، ثم جاءَ فقالَ: أَيْ رَبِّ؛
وعِزَّتِكَ لا يَسمعُ بها أَحَدٌ إلا دخلها، ثُمَّ حَفَّها بالمَكَارِهِ، ثُمَّ قالَ:
يا جِبريلُ؛ اذهَبْ فانظر إليها، قال: فذهبَ فنظرَ إليها، ثم جاءَ فقالَ: أَيْ
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٧ / ١٦٥).
(٢) رواه الإمام أحمد في ((المسند)) (١/ ٣٢٧)، من حديث ابن عباس ◌ًِّا، بنحوه.
(٣) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٧ / ١٦١).
٤٧٧

رَبِّ؛ وِزَّتِكَ لقد خَشِيتُ أن لا يَدخُلَهَا أَحدٌ، قالَ: فلمَّا خلقَ اللهِ النَّارَ
قال: يا جِبريلُ اذهَبْ فَانْظُرْ إليها، قالَ: فذهبَ فنظرَ إِلَيْها، ثُمَّ جاءَ فقال:
أَيْ رَبِّ؛ وعِزَّتِكَ لا يَسمَعُ بها أَحدٌ فِيَدخُلُها، فحَفَّها بالشَّهَواتِ ثُمَّ قالَ:
يا جِبريلُ؛ اذهَبْ فانظُرْ إليها، فذهبَ إليها فقالَ: أَيْ رَبِّ؛ وعِزَّتِكَ لَقَدْ
خَشِيتُ أَن لا يبقى أحدٌ إِلاَّ دَخلَها))(١).
*
١٠٢ - الثامنُ: عن أبي عبدِ اللهِ خُذَيْفَةَ بنِ اليمانِ ﴾ قال:
صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ وَ﴿ ذَاتَ لَيْلَةٍ، فَافْتَتَحَ البَقَرَةَ، فَقُلْت: يَرْكَعُ عِنْدَ
المِئَةِ، ثمَّ مَضَى؛ فَقُلْتُ: يُصَلِّي بِهَا فِي رَكْعَةٍ، فمَضَى، فَقُلْت:
يَرْكَعُ بِهَا، ثُمَّ افْتَتَحَ النِّسَاءَ فَقَرَأَهَا، ثمَّ افْتَتَحَ آلَ عِمْرَانَ فَقَرَأَهَا،
يَقْرَأُ مُتَرَسِّلاً، إذَا مَرَّ بآيةٍ فِيها تَسْبِيحٌ سَبَّحَ، وَإِذَا مَرَّ بَسُؤَالٍ سَأَلَ،
وَإِذَا مَزَّ بِتَعَوّذٍ تَعَوَّذَ، ثُمَّ رَكَعَ، فَجَعَلَ يَقُول: ((سُبْحَانَ رَبِّي
العَظِيمِ))، فَكَانَ رَكُوعُه نَحْواً مِنْ قِيَامِهِ، ثمَّ قالَ: ((سَمِعَ اللهُ لِمَنْ
حَمِدَه، رَبَّنَا لَكَ الحَمْدُ))، ثمَّ قَامَ قِيَاماً طَوِيلاً قَرِيباً مِمَّا رَكَعَ، ثمَّ
سَجَدَ فَقَالَ: ((سُبْحَانَ رَبِّيَ الأَعْلَى))، فَكَانَ سُجُوده قَرِيباً مِنْ
قِيَامِهِ) رواه مسلم.
١٠٣ - التاسعُ: عن ابنِ مسعودٍ ◌َُ قال: صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ ◌َله
(١) رواه الترمذي (٢٥٦٠)، وأبو داود (٤٧٤٤)، والنسائي (٣٧٦٣)، وهو حديث
صحيح. انظر: ((صحيح الجامع الصغير)) (٥٢١٠).
٤٧٨

لَيْلَةً، فَأَطَالَ القِيَامَ حَتَّى هَمَمْتُ بِأَمْرٍ سُوءٍ! قيل: وَمَا هَمَمْتَ بِهِ؟
قالَ: هَمَمْت أَنْ أَجْلِسَ وَأَدَعَهُ. متفقٌ عليه.
(الثَامِنُ وَالتَّائَة
* قوله: ((فقلت يصلي بها في ركعة)):
(ن): معناه: ظننت أنه يُسلِّم بها، فيقسِمُها على ركعتين، وأراد
بالركعة الصلاة بكمالها، وهي ركعتان، ولا بد من هذا التأويل؛ لينتظم
الكلام بعده.
وعلى هذا: فقوله: ((ثم مضى)) معناه: قرأ مُعظَمَها؛ بحيث غلب
على ظني أنه لا يركع الركعة الأولى إلا في آخر (البقرة)، فحينئذ قلت:
يركع الركعة الأولى، فجاوز فافتتح (النساء).
قال القاضي: فيه دليل لمن يقول: إن ترتيبَ السُّوَر اجتهادٌ من
المسلمين حين كتبوا المُصحفَ، وإنه لم يكن ذلك من ترتيب النبيِّ ◌ِێ،
بل وَكَلَهُ إلى أُمَّته بعده.
قال: وهذا قول مالك وجمهور العلماء، و[اختاره] القاضي أبو بكر
[البَاقِلانيُّ، قال] ابن البَاقِلانِيُّ: هو أَصُ القولين مع احتمالهما.
قال: والذي نقوله: إن ترتيبَ السُّوَر ليس بواجبٍ في الكتابة، ولا في
الصلاة، ولا في الدَّرس، ولا في التلقين والتعليم، وأنه لم يكن من النبيِّ ◌َّل
في ذلك نَصٌّ ولا حَدٌّ يَحْرُمُ مُخالفتُه؛ ولذلك اختلف ترتيبُ المصاحف قبل
مُصحف عثمان رظُ، قال: واستجاز النبيُّ وَّرَ والأُمَّةُ بعده في جميع الأعصار
تركَ ترتيب السُّور في الصلاة والدَّرس والتلقين.
٤٧٩

وأما على قولِ مَن يقول من أهل العلم: إن ذلك بتوقيفٍ من النبيِّ وَّلـ
حَدَّده لهم كما استقر في مُصحف عثمان رُه، وإنما اختلف المصاحف قبل
أن يبلغهم التوقيفُ والعَرْضُ الأخير في صلاته نَّهِ [فيُنأول قراءته ◌َّه] (النساء)
ثم (آل عمران) هنا على أنه كان قبل التوقيف والترتيب، وكانت هاتان السورتان
هكذا في مُصحف أُبيِّ ﴾.
قال: ولا خلاف أنه يجوز للمصلي أن يقرأَ في الركعة الثانية سورةً
قبل التي قرأها في الأُولى، وإنما يُكره ذلك في ركعة، ولمَنْ يتلو في غير
صلاة .
قال: وقد أباحه بعضُهم، وتأوَّلَ نهيَ السلف عن قراءة القرآن منكوساً
على مَنْ [يقرأ من] آخر السورة إلى أولها .
قال: ولا خلافَ أن ترتیبَ آیات كل سورة بتوقيف من الله تعالی علی
ما هي الآن عليه في المُصحف، وهكذا نقلته الأُمّة عن نبيها ◌َّةَ(١).
* قوله: ((يقرأ مترسلاً)):
(ق): أي: مُترفقاً مُترتلاً؛ من قولهم: على رِسْلِكَ؛ أي: على
رِفْقِكَ(٢).
(نه): يقال: تَرسَّل الرجل في كلامه ومِشْتِهِ: إذا لم يَعْجَلْ، وهو
والترتيل سواء(٣).
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٦ / ٦١).
(٢) انظر: ((المفهم) للقرطبي (٢/ ٤٠٥)، وفيه: ((متمهلاً)) مكان: ((مترتلاً)).
(٣) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (٢/ ٢٢٣).
٤٨٠

* قوله: ((إذا مر بآية فيها تسبيح سبح))، وكذلك في السؤال والتعوذ.
(ن): فيه: استحبابُ هذه الأمور لكل قارئ في الصلاة وغيرها،
ومذهبنا استحبابه للإمام والمأموم والمنفرد.
وفي هذا الحديث: استحباب تكرير: (سبحان ربي العظيم) في الرُّكوع،
و(سبحان ربي الأعلى) في السُّجود، وهو مذهبنا، ومذهبُ الأَوزاعيِّ، وأبي
حنيفة، والكُوفيين، وأحمدَ، والجمهور، وقال مالك: لا يتعين ذكرٌ
للاستحباب.
وفي قوله: ((ثم قال: سمع الله لمن حمده، ثم قام قياماً طويلاً قريباً
مما ركع، ثم سجد)» دليلٌ لجواز تطويل الاعتدال عن الركوع، وأصحابنا
يقولون: لا يجوز، ويبطلون به الصلاةَ.
هذا التطويل وهذه الكيفيةُ التي صدرت عنه ◌َّ في هذه الصلاة إنما
کانت بحسب وقتٍ صادفه، ووَجْدٍ وجده، فاستطاب ما كان فيه، واستغرقه
عَمَّا سواه، وهو مُوافقٌ لما قاله في حديث آخر: ((إذا أَمَّ أَحدُكم الناسَ
فليُخفَّفْ، وإذا صَلَّى وَحدَه فليُطوِّل ما شاءَ)(١).
، قوله: «هممت بأن أجلس وأدعه)):
(ن): فيه: أنه ينبغي الأدبُ مع الأئمة والكبار، وأن لا يخالفوا بفعل
ولا قول ما لم يكن حراماً، واتفقوا على أنه إذا شَقَّ على المُقتدي في
فريضة أو نافلة القيامُ، وعجز عنه؛ جاز له القعود، وإنما لم يقعد ابنُ
مسعود ؛ للتأذُّب مع النبيِّ ◌َلّ.
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٦/ ٦٢)، والحديث رواه البخاري (٦٧١)، من
حديث أبي هريرة ظه بنحوه.
٤٨١

وفيه: جواز الاقتداء في غير المكتوبات(١).
وفيه: استحباب تطویل صلاة الليل.
*
١٠٤ - العاشرُ: عن أَنَسٍ ﴿ه، عن رسولِ اللهِ ﴿ قال: ((يَتْبَعُ
المَيِّتَ ثَلاَثَةٌ: أَهْلُهُ، وَمَالُهُ، وَعَمَلُهُ؛ فَيَرْجِعُ اثْنَانٍ وَيَبْقَى وَاحِدٌ:
يَرْجِعُ أَهْلُهُ وَمَالُهُ، وَبَبْقَى عَمَلُهُ)) متفقٌ عليه.
(إِلَشِرُ)
• قوله ري: ((يتبع الميت ثلاث: أهله وماله وعمله)) أبهم أولاً ثم
فسر؛ ليكون أوقعَ في النفس، وكذلك في قوله: ((فيرجع اثنان ويبقىْ
واحد)»، واتّباعُ المال ورجُوعُه على سبيل المَجاز، والإضافةُ يكفي فيها
أدنى مُلابَسةٍ، يريد المالَ الذي كان له أيام حياته، ففيه الحَثُّ على صرف
أيام الحياة في اقتناء الباقيات الصالحات.
(مظ): أراد: بعض ماله، وهو مماليكُه(٢).
(ط): متابعة المال على الاتِّساع؛ فإن المال حينئذٍ له نوعُ تعلُّق
بالميت؛ من التجهيز والتكفين؛ ومُؤنة الغَسْلِ، والحَمْل، والدَّفن، فإذا
دُفن؛ انقطع التعلُّق بالكُلِّية، انتهى (٣).
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٦ / ٦٣).
(٢) انظر: ((المفاتيح في شرح المصابيح)) للمظهري (٥ / ٢٨٠).
(٣) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (١٠/ ٣٢٨٠).
٤٨٢

روى الحافظ أبو نعيم الأصفهاني في ((معرفة الصحابة)) في ترجمة
عبدالله بن كُرْزِ اللَّيْيِّ عن عائشة رضي الله عنها، عن النبيِّ ◌َّ أنه قال: ((يا
أَيُّها الناسُ؛ إنَّما مَثَلُ أَحْدِكُم ومثَلُ أهلِهِ وعمَلِهِ ومَالهِ كمثَلِ رَجُلٍ له ثلاثةُ
إِخْوةٍ، فقال لأخيه الذي هو مالُهُ حينَ حضَرتْهُ الوَفاةُ ونزل به المَوتُ: ماذا
عندك، فقد نزلَ بي ما ترى؟ فقالَ أَخُوه الذي هو مالُهُ: ما لكَ عِنْدِي غِنّى
إِلاَّ ما دُمتَ حَيّاً، فخُذْ مِنِّي الآن ما أردتَ؛ فإِنِّي إذا فارَقتُكَ سَيُذهَبُ بي إلى
مَذْهبٍ غَيْرِ مَذهَبِكَ، وسَيأْخُذُني غَيرُك)) فالتفتَ النبيُّ ◌َّ فقال: ((هذا
أَخُوهُ الذي هُوَ مالُه، فأيَّ أَخْ تَرَوْنَ؟!)) قالوا: لا نسمعُ طائلاً يا رسول الله،
(ثُمَّ قالَ لأَخِيه الذي هُوَ أَهْلُه: نزلَ بي المَوتُ، وحضرَ ما ترى، فماذا
عندك منَ الغِنى؟ فقال: غِنائي أَنْ أُمرِّضَكَ وَأَقُومَ عليك وأُعينَكَ، فإذا مِثَّ.
غَسَلَتكَ وحَنَّطِتُكَ وكَفَّتُكَ، ثُمَّ حَمَلتُكَ فِي الحَامِلينَ، وشَيَّعتُكَ، أَحمِلُكَ
مرةً، وأُمِيطُ أُخرى، ثُمَّ أرجعُ عنك، فأُثِنِي بخَيرٍ عند من يَسألُني)) فقال
النبيُّ وَّرَ للذي هو أهله: ((أَيَّ أَخْ تَرَوْنَ هذا؟)) قالوا: لا نسمع طائلاً يا
رسول الله، ((ثُمَّ قال لأَخِيه الذي هوَ عَملُهُ: ماذا عِندَكَ، وماذا لَدْكَ؟ قال:
أُشَيِّعُكَ إلى قَبْرِكَ، فأُؤْنِسُ وَحْشتَكَ، وأكونُ معك، وأُجادِلُ عنكَ، وأَقعدُ
فِي كِفَّتِكَ فَأَشُولُ خطاياك)) قال رسول الله وَّهُ: ((أَّ أَخْ ترونَ الذي هو
عملُه؟)) قالوا: خَيْرَ أخ يا رسول الله، قال: ((فالأمرُ هكذا)).
قالت عائشةُ رضي الله عنها: فقام عبدُالله بن كُرز الليثيُّ فقال:
يا رسولَ الله! أتأذن لي أن أقولَ على هذا شعراً؟ قال: ((نعم)»، قالت
عائشة: فما بات إلا ليلته تلك حتى غدا عبدُالله بن كرز، واجتمع
المسلمون؛ لِمَا سمعوا من تمثيل رسول الله ◌َ﴿ الموتَ وما فيه، فجاء ابنُ
٤٨٣

كُرْزٍ فقام على رأس النبيِّ ◌َّهِ، فقال النبي ◌َّ: ((إِيهِ إِيهِ يا بنَ كُرْزٍ))، فقال:
كَدَاعٍ إليه صُخْبةً ثمَّ قَائِلٍ
وإِنِّي وأَهْلِي والَّذِي قَدَّمَتْ يَدِي
لأَصْحَابِهِ إِذْ هُم ثلاثةُ إِخْوةٍ
فِراقٌ طَوِيلٌ غيرُ ذي مَثْنَوِيَّةٍ
فقالَ امرؤٌ منهُم أنا الصَّاحِبُ الذِي
وأَمَّا إذا جَدَّ الفِراقُ فإِنَّنِي
أُبدِّلُ چیراناً فلا يَستَطِيعُني
فخُذْ ما أَردْتَ الآنَ مِنِّي فإنَّني
وإِنْ تُقِني لا تُبْقِ ما تَستفِيدُهُ
وقال امرُؤٌ قَدْ كُنتُ جِدّاً أُحِبُّهُ
غَنَائِيَ أنِّي جَاهِدٌ لك نَاصِحٌ
ولكنَّني باكٍ عليكَ ومُعْوِلٌ
ومُتَّبِعُ المَاشِينَ أَمْشِي مُشيِّعاً
إلى بَيتِ مَثْواكَ الذي أَنْتَ مُدْخَلٌ
كأنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنِي وبَيِنِكَ خُلَّةٌ
وذلك أهلُ المَرْءِ ذاكَ غَناؤُهُم
فقالَ امرُؤٌ منهُم أنا الأخُ لا تَرى
أَعِينُوا على أَمْرٍ ليَ اليومَ نازلِ
فماذا لدیكُم في الذِي هوَ غَائِلِي
أُطيعُكَ فيما شِئْتَ قبل التزَايُلِ
لِمَا بَيْنا مِنْ خُلَّةٍ غيرُ واصلٍ
كذلكَ أَحياناً صُروفُ التَّدَاولِ
سَيُسْلَكُ بي في مَهْيِلٍ من مَهايلٍ
فِعَجِّلْ صَلاحاً قبلَ خَتْفٍ مُعَاجِلٍ
وأُوثِرُهُ من بَيْنِهِم في التَّفاضُلِ
إذا جَدَّ جَدُّ الكَرْبِ غَيرَ مُقابلٍ
ومُثْنٍ بخيرٍ عندَ مَنْ هوَ سَائِلِي
أُعِينُ برِفْقٍ عُقْبَه كُلَّ حَاملٍ
وأَرجِعُ حِيَتْذٍ بما هُوَ شَاغِلي
ولا حُسْنُ وُدِّ مرّةً في التَّباذُلِ
ولَيسُوا وإن كانوا حِراصاً بطائلٍ
أخاً لكَ مِثْلِي عندَ جَهْدِ الزَّلازلِ
٤٨٤

أُجَادِلُ عنكَ في رِجَاعِ الثَّجادُلِ
لَدَى القَبرِ تلقَاني هُنالِكَ قَاعِداً
تكونُ عليها جَاهِداً في التَّناقُلِ
وأَقعدُ يومَ الوَزْنِ في الكِفَّةِ التي
عليكَ شَفِيقٌ نَاصِحُ غَيرُ خَاذِلٍ
فلا تنسَ واعلَمْ مِن مَكانِي فإنّني
تُلاقيهِ إن أحسنتَ يومَ النَّفاصُلِ
وذاكَ بِمَا قَدَّمْتَ مِنْ كُلِّ صالحٍ
قالت عائشةُ رضي الله عنها: فما بقيَ عند النبيِّ نَِّ ذو [عين] تَطَرِف
إلا دمَعَت، ثم كان ابن كُرز يَمُرُّ على مجالس أصحاب رسول الله ◌َّآ،
فيُستنشَدُ فِيُنشِدُهم، فلا يبقى أحدٌ من المهاجرين والأنصار إلا بكى(١).
قال الحافظ محمد بن محمد الكَاشْغَرِيُّ رحمه الله: في هذا الحديث
فوائد ستة :
أحدها: تشبيهُ المعقول بالمحسوس؛ لأن العمل مَعقولٌ.
ثانيها: نُطْقُ ما ليس له نطقٌ بلسان الحال.
ثالثها: جوازُ استعمال الاستعارة والمجاز في الكلام.
رابعها: نقلُ كلام الرسول ◌َّۇ بالمعنى.
خامسها: نظم كلامه بَّه، وجعلُه شعراً، مع كونه ممنوعاً [من] قول
الشعر.
سادسها: تحسين وقوع الحديث النبوي، وتزيينُه في الأسماع بأيِّ
طريقٍ أَمْكَنَ .
(١) رواه أبو نعيم في ((معرفة الصحابة)) (٤ / ١٧٦٠)، وهو حديث منكر. انظر: ((السلسلة
الضعيفة)) (٦٨٤٦).
٤٨٥

وأما تخصيصُه ◌َ ﴿ عملَ الخير بالذِّكر، وإن كان عملُ الشرِّ مثلَه في
استصحابہ المیت إلى القبر، ثم إلى المحشر، [فهو] لوجوه:
أحدها: أنه لما تبيَّن حُسنُ عمل الخير بالميت بهذا التمثيل؛ عُلِمَ قبحُ
عمل الشر في جميع ما ذكر ضِدّاً بضِدٍ.
الثاني: أن الخطابَ للصحابة، وليس أعمالُهم إلا الخيرُ، فمَثَّل ما هو
هَذْیُهم وسيرتهم.
الثالث: لو مَثَّل الأعمالَ القبيحة لوقع في خواطرهم انكسارٌ وتغيُّرٌ،
واعتقادُ أنَّه ربما تكون فيهم أعمالُ الشرِّ القبيحةُ ولا يعلمونها، وربما علمها
النبيُّ ◌َّ دونهم.
الرابع: أن الإنسانَ إذا سمع حُسْنَ صفة ما هو فيه من الحركات
والسَّكَنات، ونَفْعَ مآلها وعاقبتها؛ يزداد رغبةً إلى زيادة ما هو فيه، وتَنْبسِط
نفسُه، وينشرحُ صدره، ويَقْوَى إلى الله سيرُه، فيزدادُ في اجتهاده إلى أن
يصل إلى مُراده، فمَنْ رام السلامة لزم الاستقامة .
الخامس: أنه يلزم من مُلازمة أفعال الخير الانتهاءُ عن أفعال الشرِّ غالباً،
لكن لا يلزم من الامتناع من أفعال الشرِّ مباشرةُ أفعال الخير؛ لأن الإنسانَ قد
يمكن أن لا يأتيَ منه شَرٌّ، ولا يأتي منه خير، فيكون حبلُ حاله علی غَاربِ
جَمَلِ الأعراف، فذكر ◌َّ فعلَ خيرٍ يلزم [منه] الانتهاءُ عن ضِدِّه.
١٠٦ - الثاني عشرَ: عن أبي فِراسِ رَبِيعَةَ بْنِ كَعْبِ الأَسْلَمِيِّ
خَادِمِ رَسُولِ اللهِوَّهِ، وَمِنْ أَهْلِ الصُّفَّةِ ﴿ه، قال: كُنْتُ أَبِيتُ مَعَ
٤٨٦