النص المفهرس
صفحات 541-560
وأكثر اختصاصه بالذهب، ومنهم من يجعله في الذهب أصلاً، وفي غيره
فَرعاً ومجازاً(١).
* قوله: ((فكرهت أن يحبسني)):
(ط): أي: يُلهيني عن الله، ويَحبِسَني عن مقام الزُّلفى؛ كما قال في
حديث أَنْبِجَانِيَّةِ أبي جهم، انتهى(٢).
وفيه: تنبيهٌ للجماعة على أن حلالَ الدُّنيا فيه الحسابُ والحَبْسُ
واللَّومُ والتَّغْییرُ.
٨٩ - الثَّالث: عَنْ جَابِرِ ﴿هِ، قالَ: قالَ رجلٌ للنبيِّ وَ﴿ يَوْمَ
أُحُدٍ : أَرَيَتَ إِنْ قُتِلْتُ، فَأَيْنَ أَنَا؟ قَالَ: (في الجَنَّةِ»، فَأَلْقَى تَمَرَاتٍ
كُنَّ فِي يَدِهِ، ثمَّ قَاتلَ حَتَّى قتلَ. متفقٌ عليه.
[الثَّالِث]
* قوله: «فألقى تمراتٍ کن في يده» :
(ن): فيه: المُبادرةُ بالخيرات، [وأنه] لا يشتغل عنه بحظوظ النفس،
وفيه: جواز الانغمار [في] الكُفَّار، والتعرُّضِ للشَّهادة، وهو جائزٌ لا كراهةَ
فيه عند جماهير العلماء(٣).
(١) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (١ / ١٧٩).
(٢) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٥ / ١٥٣٧).
(٣) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٣ / ٤٦).
٤٤٧
(ق): فعل ذلك كثير من الصحابة والسلف، ورُوي عن عمر وأبي
هريرة، وهو قول مالك ومحمد بن الحسن، غير أن العُلماءَ كرهوا ذلك
لرأس الكتيبة؛ لأنه إنْ هلك هلك جَيشُه.
وروي أيضاً عن عمر كراهيةُ الاستقبال، وقال: لأَن أموتَ على
فراشي أَحبُّ إليَّ من أَنْ أُقتَلَ بين يدي صَفٍّ؛ يعني: أن أستقبل، ورأى
بعضُ العلماء هذا إلقاءَ اليد إلى التَّهلُكَة المَنهيِّ عنها، وأحسن ما قيل في
الآية: أنها فيمَنْ ترك الإنفاق في الجهاد.
وقيل: إن عملاً يُفضي بصاحبه إلى نَيَّلِ الشهادة ليس بتَهْلُكَةٍ، بل
التَّهلُكَة الإعراضُ عنه، وتركُ الرَّغبة فيه، ودل على ذلك الأحاديثُ
الصحيحة الشهيرة (١).
٩٠ - الرَّابع: عن أبي هريرةََُه قال: جَاءَ رجلٌ إلى النَّبِيِّ وَلمول
فقال: يا رسول الله! أَيُّ الصَّدَقَةِ أعْظَمُ أجْراً؟ قَالَ: ((أَنْ تَصَدَّقَ
وَأَنْتَ صَحِيحٌ شَحِيحٌ تَخْشَى الفَقْرَ وَتَأْمُلُ الغِنَى، وَلا تُمْهِلْ حَتَّى إِذَا
بَلَغَتِ الخُلْقُومَ، قُلْتَ: لِفُلانٍ كَذَا، ولِفُلانٍ كَذَا، وَقَدْ كَانَ لِفُلان))
متفقٌ عليه.
(الخُلْقُومُ)): مَجْرَى النَّفَسِ. و((المَرِيُّ)»: مَجْرَى الطَّعَامِ
وَالشَّرَابِ .
(١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٣/ ٧٣٦).
٤٤٨
w
[
،٧
* قوله {ل: ((وأنت صحیح شحیح):
(خط): الشُّخُ أَعمُّ من البُخْل، وكأن الشُّحَّ جنس، والبُخلَ نوع،
وأكثر ما يقال البخل في أفراد الأمور، والشخُّ عامٌّ كالوَصف اللازم، وما هو
من قبيل الطّبْعِ(١).
(نه): وقيل: هو البخل مع الحِرْصِ، وقيل: البخل بالمال، والشُّحُ
بالمال والمعروف(٢).
(خط): فمعنى الحديث: أن الشُّحَّ غالبٌ في حال الصِّحَّة، فإذا
سمح فيها وتصدَّق؛ كان أصدقَ في نيته، وأعظمَ لأجره، بخلاف من
أشرف على الموت وأيس من الحياة، ورأى مصيرَ المال لغيره، فإن صدقتَه
حينئذٍ ناقصةٌ بالنسبة إلى حال الصِحَّةِ والشُّحِّ رجاءَ البقاء وخوفَ الفقر.
* (وتأمل الغنى»:
[(ن)] بضم الميم؛ أي: تطمع به، ومعنى: ((بلغت الحلقوم)) بلغت
الرُّوحِ، والمراد: قاربت بلوغَ الخُلقوم؛ إذ لو بلغته حقيقةً لم تَصِحَّ وَصِيَّتُه
ولا صدقتُه، ولا شيءٌ من تَصرُّفاته باتفاق العلماء(٣).
(ق): (بلغت الحُلقوم) أراد النَّفْسَ، ولم يَجْرِ لها ذكرٌ، لكن دَلَّ عليها
الحالُ؛ كما قال تعالى: ﴿فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ ﴾ [الواقعة: ٨٣](٤).
(١) انظر: ((معالم السنن)) للخطابي (٢ / ٨٣).
(٢) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (٢ / ٤٤٨).
(٣) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٧ / ١٢٣).
(٤) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٣ / ٧٨).
٤٤٩
(خط): ((وقد كان لفلان)) أراد به الوارثَ(١).
(ن): قال غيره: سبق القضاء به للمُوصَى له، ويحتمل أن يكون المعنى
أنه خرج عن تَصرُّفه وكمالٍ مُلكه واستقلاله بما شاء من التصرف(٢)، فليس في
تَصدُّقه كثيرُ ثواب بالنسبة إلى صدقةِ الصَّحيح الشَّحِيح، انتهى(٣).
وفي (سنن أبي داود)) عن أبي سعيد قال: قال رسولُ الله ◌ِصَّةٍ: ((لأَنْ
يَتصدَّقَ الرَّجُلُ فِي حَياتِهِ بِدِرهَمٍ خَيرٌ له مِنْ أَنْ يَتَصدَّقَ بمئةٍ عندَ مَوْتِه))(٤).
٩١ - الخامس: عن أنسٍ : أنَّ رسولَ اللهِ﴿ أَخَذَ سَيْفاً
يَوْمَ أُحُدٍ، فَقَالَ: (مَنْ يَأْخُذُ مِنِّي هذا؟))، فَسَطُوا أَيْدِيَهُمْ كُلُّ
إِنْسَانٍ مِنْهُمْ يَقُولِ: أنَا أَنَا. قَالَ: ((فَمَنْ يَأْخُذُهُ بِحَقِّه؟))، فَأَحْجَمَ
القَوْمُ، فَقَالَ أَبُو دجَانَةَ ﴾: أنَا آخُذُهُ بِحَقُّهِ، فَأَخَذَهُ فَفَلَقَ بهِ هَامَ
المُشْرِكِينَ. رواه مسلم.
اسمُ أَبِي دُجَانَةَ: سِمَاكُ بْنُ خَرَشَةَ.
قَوْلُهُ: ((أحْجَمَ القَوْمُ))؛ أي: تَوَقَّقُوا. وَ((فَلَقَ بِهِ))؛ أيْ: شَقَّ.
(هَامَ المُشْرِكِينَ))؛ أيْ: رؤوسَهُمْ.
(١) انظر: ((معالم السنن)) للخطابي (٤ / ٨٤).
(٢) في الأصل: ((شاهده التصرف)).
(٣) انظر: ((شرح مسلم) للنووي (٧ / ١٢٣).
(٤) رواه أبو داود (٢٨٦٦). وهو حديث ضعيف. انظر: ((ضعيف الجامع الصغير))
(٤٦٤٣).
٤٥٠
,,
* قوله : ((بحقه»:
(ق): يعني بالحق هنا: أنه يقاتل بذلك السيفِ إلى أن يفتح الله على
المسلمين أو يموتَ، فلمَّا فَهِمُوا ذلك أحجموا، فأخذه أبو دُجانةَ، فقام
بشرطه، ووفَى بحَقُّه .
و«هام المشرکین) مخففة المیم : رؤوسُھم، قال:
أزلنا هَامَهُنَّ عَنِ المَقِيلِ
ونضرِبُ بالسُّيوفِ رُؤُوسَ قَوْمٍ
المقيل: أصول الأعناق(١).
(ن): ((فأحجم)): بحاء مهملة ثم جيم، وفي بعض النُّسخ: بتقديم
الجيم على الحاء، وادعى القاضي عياضٌ أن الروايةَ بتقديم الجيم، ولم
يذكر غيرَه، قال: إنهما لغتان، ومعناه: تَأَخَّروا وكَقُوا(٢).
(ق): ((أبو دجانة) هو سِمَاكُ بن خَرَشَةَ بن لَوْذانَ الخَزْرَجِيُّ الأَنصاريُّ،
وهو مشهورٌ بكُنيته، شهد بدراً وأُحداً، ودافع عن رسول الله وَّ يومئذٍ هو
ومُصعَبُ بن عُمير، وكثرت فيه الجراحةُ، وقُتِلَ مُصعبٌ.
وكان أبو دُجانةَ أحدَ الشُّجعان، له المقاماتُ المحمودةُ مع رسول الله وَّ
في مَغازيه، استُشْهِدَ يوم اليمَامة.
وقال أنسٌ: رمى أبو دُجانةَ بنفسه في الحديقة، فانكسرت رِجُه،
فقاتل حتى قُتل.
(١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٦ / ٣٨٥).
(٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٦ / ٢٤).
٤٥١
وقيل: إنه شارك وَحْشِيّاً في قتل مُسيلمةً، وقيل : إنه عاش حَتَّی شهد
مع عليٍّ ◌ُ صِفِّين.
وقال أبو عمر: وإسناد [حديثه] في الحِرْزِ المَنْسُوب إليه فيه
ضَعْفٌ (١).
٩٢ - السَّادس: عن الزُّبَيْرِ بنِ عَدِيٍّ، قال: أَتَيْنَا أَنَسَ بنَ
مَالِكٍ ﴿ُ، فَشَكَوْنَا إِلَيْهِ مَا نَلْقَى مِنَ الحَجَّاجِ، فَقَالَ: ((اصْبروا؛
فَإِنَّهَ لا يَأْتِي زَمَانٌ إلاَّ وَالَّذِي بَعْدَه شَرٌّ منه حَتَّى تَلْقَوْا رِبَّكُمْ))،
سَمِعْتُه منْ نَبِيِّكُمْ وَّر. رواه البخاري.
4:
١١٧٤
* قوله: ((لا يأتي زمان إلا والذي بعده شر منه)) يحتمل أن يكون
إيرادُ المؤلف هذا الحديثَ في هذا الباب أنه ينبغي للمُوفَّق السَّعيد انتهازُ
الفُرصة(٢)، واغتنامُ أيام المُهْلَة، وأن لا يؤخِّرَ عملَ اليوم إلى غدٍ، ولا يُسوِّفَ؛
فإنه لا يأتي زمانٌ إلا والذي بعده شَرٌّ منه، فلعلَّ داعيةَ العبادة التي خطرت
له في هذا الزَّمان من خصائص هذه الأيام، وهذا الوقت، والزَّمانُ الذي
بعده لا یکون كذلك.
ولقد أحسن القائل :
(١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٣٨٥/٦).
(٢) في هامش الأصل: ((النُّهزَةُ: الفُرصَةُ، وانتهزتُها: اعتنمتها)).
٤٥٢
فَإِنَّ لِكُلِّ خَافِقَةٍ سُكُونُ
إذا هَبَّتْ رِياحُكَ فَاغْتَنِمْها
فَلا تَدْرِي السُّكُونُ متى يَكُونُ
ولا تَغْفَل عَنِ الآخْسَانِ فِيها
يحتمل أن يكون معناه: أن الزمانَ كلَّما تقدَّم؛ كان أقربَ إلى زمان
النبيِّ ◌ََّ، فيكون خيراً، والذي بعدَه شَرٌّ منه، وخيرُ القُرون قَرْنُه ثم الذين
یلونهم.
٩٣ - السَّابع: عن أبي هريرة ﴿ه: أن رَسُولَ اللهِوَّهِ قالَ:
((بادِرُوا بِالأَعْمَالِ سَبْعاً، هَلْ تَنْتَظِرُون إلاَّ فَقْراً مُنْسِياً، أَوْ غِنَّى مُطْغِياً،
أَوْ مَرَضاً مُفْسِداً، أَوْ هَرَماً مُفْنِداً، أَوْ مَوْتاً مُجْهِزاً، أَوِ الدَّجَّالَ فَشَرُّ
غَائِبٍ يُنْتَظَرُ، أَوِ السَّاعَةَ فَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ!)) رواه الترمذي، وقال:
حديثٌ حسنٌ.
النَّاء
سيأتي شرحه في (الباب الخامس والستين)
٩٤ - الثامن: عنه: أن رسولَ الله ◌ِوَّمَ قالَ يومَ خَيْبَرَ: («لأُعْطِيَنَّ
هَذِهِ الرَّايَةَ رَجُلاً يُحِبُّ اللهَ وَرَسُولَه، يَفْتَحُ اللهُ عَلَى يَدَيْهِ))، قَالَ عُمَر ◌َته :
مَا أَحْبَيْتُ الإِمَارَةَ إلاَّ يَوْمَئِذٍ، فَتَساوَرْتُ لَهَا رَجَاءَ أَنْ أُدْعَى لَهَا، فَدَعَا
٤٥٣
رَسُولُ اللهِوَ﴿ عليَّ بِنَ أَبِي طَالِبٍ ﴿َ فَأَعْطَاهِ إِيَّاهَا، وَقَالَ: ((امْشٍ
وَلا تَلْتَفِتْ حَتَّى يَفْتَحَ اللهُ عَلَيْكَ))، فَسَارَ عَلَيُّ شَيْئاً، ثُمَّ وَقَفَ وَلَمْ
يَلْتَفِتْ؛ فَصَرَخَ: يَا رسولَ الله! على ماذَا أُقَاتِلُ النَّاسَ؟ قَالَ: ((قَاتِلْهُمْ
حَتى يَشْهَدوا أنْ لا إلهَ إلاَّ اللهُ، وأَنَّ مُحَمَّداً رسولُ اللهِ، فَإِذَا فَعَلُوا
ذَلِكَ، فَقَدْ مَنَعُوا مِنْكَ دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلاَّ بِحَقِّهَا، وَحسَابُهُمْ عَلَى
الله» رواه مسلم.
((فَتَسَاوَرْت)»: هُوَ بالسِّين المهملة؛ أَيْ: وَثَبْت مُتَطَلِّعاً.
(الثَّافُِ)
* قوله: ((ما أحببت الإمارة إلا يومئذ)»:
(ن): إنما كانت مَحبَّتُه [لها]؛ لِمَا دَلَّت عليه الإمارةُ [من] مَحبةٍ لله
ولرسوله مَ﴿، ومَحبَّتِهما له، والفَتْحِ علی یدیه .
و((تساورت)) بالسين المهملة وبالواو ثم الراء، ومعناه: تَطاوَلْتُ حتى
أظهرتُ وجهي، وتَصدَّيت لذلك ليتذكَّرني.
وقوله: ((ولا تلتفت»: يحتمل وجهين:
أحدهما: أنه على ظاهره؛ أي: لا تلتفت بعينك لا يميناً ولا شمالاً،
بل امض على جهة قَصْدِك.
والثاني: أن المرادَ الحَثُّ على الإقدام، والمُبادرةِ إلى ذلك الأمر،
وحَمَلَهُ عليٍّ ◌َلُه على ظاهره.
٤٥٤
وقيل: إن المراد: لا تنصرف بعد لقاء عدوك حتى يفتح الله عليك،
انتھی(١).
وقيل: إنه ◌َّ﴿ كان يتفاءَلُ ويُحِبُّ الفَأْلَ، فالتفاتُ الذي هو مُتوجِّه إلى
مَقْصِدٍ له، أو رجوعُه قبل حصول مَقصِده، لا يَحْسنُ التفاؤلُ به.
ويُؤيِّدُه: ما خَرَّجه الحافظ أبو الشَّيخ الأَصفهانِّي عن أنس: أن النبيَّ ◌َلـ
بعث عَلِيّاً ظُه إلى قوم يقاتلهم، ثم أرسل خلفَهُ رَجُلاً فقال: ((لا تُنَادِهِ مِنْ
وَرَائِهِ، وَقُلْ لَهُ: لا تُقاتِلْهُم حَتَّى تَدْعُوَهُمْ)(٢)، فقوله ◌َّىَ: ((لا تُنَادِهِ مِنْ وَرَائِهِ))
إشارةٌ إلى أنه كان يُحِبُّ أن لا يلتفتَ حتى يفتح الله عليه، وسيأتي تمامُ الكلام
في شرح هذا الحديث في (الباب العشرين في الدَّلالة على الخير).
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٥ / ١٧٦).
(٢) رواه أبو الشيخ في ((طبقات المحدثين بأصبهان)) (٣/ ٤٩٣)، وفي ((أخلاق النبي))
(٨٠٢). وإسناده صحيح. انظر: ((السلسلة الصحيحة)) (٢٦٤١).
٤٥٥
١١-باب
في المجاهدة
قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَهَدُ واْ فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَاً وَ إِنَّاللَّهَ
لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت: ٦٩].
* وقال تعالى: ﴿وَأَعْبُدْ رَبَّكَ حَقِّى يَأْنِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر: ٩٩].
* وقال تعالى: ﴿ وَأَذْكُرٍ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَثَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا﴾ [المزمل: ٨]؛
أي: انْقَطِعْ إلَيْه.
* وقال تعالى: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾
[الزلزلة: ٧].
ج.
أَخْ
وقال تعالى: ﴿وَمَا تُقَدِّمُواْ لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ
* [المزمل: ٢٠].
وقال تعالى: ﴿وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ، عَلِيمٌ﴾ [البقرة:
٢٧٣].
والآيات في الباب كَثِيرَةٌ معلومة .
٤٥٦
(الباب الحادي عشر)
(في المجاهدة)
* قوله تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ جَهَدُ واْفِيْنَا﴾ [العنكبوت: ٦٩]:
(قض): أي: في حَقِّنا، أَطْلقَ المُجاهدةَ ليعمَّ [جهادَ] الأعادي
الظاهرة والباطنة بأنواعه .
و﴿سُبُلَنَا﴾؛ أي: سُبلَ السير إلينا، والوُصول إلى جنابنا، أو: لنزيدنَّهم
هدايةً إلى سُبل الخير، وتوفيقاً لسُلوكها؛ كقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَهْتَدَوْ زَادَهُمْ
هُدًى﴾ [محمد: ١٧]، وفي الحديث: ((مَنْ عَمِلَ بما يَعلَمُ؛ أَورَثَهُ اللهُ عِلْمَ
مَا لا يَعلَمُ))(١).
﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ بالنَّصر والإعانة(٢).
قوله تعالى: ﴿وَأَعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْنِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر: ٩٩] قال
البخاريُّ: قال سالمٌ: هو الموت، وكذلك أخبر عن أهل النار: ﴿وَكُنَا نُكَذِّبُ
بِيَّوْمِ الذِينِ ) حَّ أَتَنْنَا الْيَقِينُ﴾ [المدثر: ٤٦ -٤٧](٣).
وفي ((صحيح البخاري)): أنه لما تُوفِّي عُثمانُ بن مظعون قال ◌َّ:
((أَمَّا هُوَ فقد جَاءهُ اليَقِينُ))(٤).
ففي الآية دليلٌ على أن العبادةَ واجبة على الإنسان ما دام عقلُه ثابتاً،
(١) رواه أبو نعيم في ((حلية الأولياء)) (١٠ / ١٥)، من حديث أنس ظه. وهو حديث
موضوع. انظر: ((السلسلة الضعيفة)) (٤٢٢).
(٢) انظر: ((تفسير البيضاوي)) (٤ / ٣٢٤).
(٣) انظر: ((صحيح البخاري)) (٤ / ١٧٣٩).
(٤) رواه البخاري (١١٨٦)، من حديث أم العلاء الأنصارية رضي الله عنها.
٤٥٧
وقال بعضُ الملاحدة: إن اليقينَ المعرفةُ، فمتى وصل أحدُهم إلى
المعرفة؛ سقط عنه التكليف، وهذا كُفرٌ وضلالٌ وجهلٌ؛ فإنَّ الأنبياءَ عليهم
السلام كانوا هم وأصحابُهم أعلمَ الناس بالله وأعرفَهم بحقوقه وصفاته،
ومع هذا كانوا أعبدَ الناس إلى حين الوفاة.
(م): سمي الموت باليقين؛ لأنه أمر متيقَّنٌ.
فإن قيل: أيُّ فائدة لهذا التوقيت، مع أن كلَّ أحد يعلم أنه إذا لمات
سقطت عنه العبادات؟
قلنا: المراد: اعبد ربّك في جميع زمان حياتك، ولا تُخْلِ لحظةً من
لحظات الحياة عن هذه العبادات، انتھی(١).
وفي (شرح السنة)) عن جُبير بن نُفَير مُرسلاً قال: قال رسولُ الله ◌ٍِّ:
(مَا أُوحِيَ إليَّ أَنْ أَجمِعَ المَالَ وأَكونَ منَ التَّاجِرِينَ، ولَكِنْ أُوحِيَ إليَّ أَنْ
سَبِخْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وِكُنْ منَ السَّاجِدِينَ، واعْبُدْ ربَّكَ حَتَّى يَأْتيَكَ اليَقينُ)) (٢).
ورواه أبو نعيم في ((الحلية)) عن أبي مسلم(٣).
* قوله تعالى: ﴿وَأَذْكُرٍ أَسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا﴾ [المزمل: ٨]؛ أي: أكثِرْ
من ذكره، وانقطِعْ إليه، وتَفَرَّغْ لعبادته.
(١) انظر: ((تفسير الرازي)) (١٩ / ١٧١).
(٢) انظر: ((شرح السنة)) للبغوي (١٤ / ٢٣٧)، ورواه في ((معالم التنزيل)) (٣/ ٦٠).
(٣) رواه أبو نعيم في ((حلية الأولياء)) (٢/ ١٣١). ورواه ابن مردويه في ((التفسير)) من
حديث ابن مسعود، قال الحافظ العراقي في («المغني عن حمل الأسفار)) (١ / ٤٢٠):
بسند فیه لین، وقال في (٢ / ٩١٥): ضعيف.
٤٥٨
قال الحسن: اجتَهِدْ وبتِّلْ إليه نفسَك، يقال للعابد: مُتَبِّل(١).
(م): [اعلم] أنه تعالى أمر الرسولَ وَل﴿ أولاً بقيام الليل، ثم ذكر
السببَ في أنه لِمَ خَصَّ الليلَ بذلك دون النهار، ثم بيّن أن أشرفَ الأعمال
المأمور بها عند قيام الليل ما هو؟ فقال: ﴿وَاذْكُرُ اسْمَ رَبِّكَ﴾ [الإنسان: ٢٥]،
وإنما قال: ﴿أَسْمَ رَبِّكَ﴾ هاهنا، وفي آية أخرى: ﴿وَأَذْكُرُ رَبَّكَ فِ نَفْسِكَ
تَضَرُّعًا﴾ [الأعراف: ٢٠٥]؛ لأنه لا بُدَّ في أول الأمر من ذكر الاسم باللِّسان
مُدَّةً، ثم يزول الاسم ويبقى المُسمَّى؛ أي: إنما تكون مشتغلاً بذکر الرب
إذا كنت في مقام مُطالعة رُبوبيته؛ أي: تربيته لك، وإحسانِه إليك، فما
دُمتَ في هذا المقام؛ تكون مشتغلاً بمُطالعة آلائه ونَعْمائه، فلا تكون
مُستغرِقَ القلب به، وحينئذٍ يزداد الثَّرقِّي، فتكون مشتغلاً بذكر الإلهية.
وأما ﴿وَبَثَّلْ إِلَيْهِ﴾؛ أي: انقطع عن كلِّ ما سواه إليه، لا تطلب آخرةً
ولا ثواباً، بل المعبودَ وحدَهُ، وإنما عدل من (تَبَتُّلاً) إلى ﴿تبتِيلاً﴾ لدقيقة،
وهي: أن المقصودَ بالذات إنما هو التَّبُّلُ، فأما التبتيلُ: فهو التصرفُ،
والمشتغِلُ بالتصرف لا يكون مُتبتلاً إلى الله، إلا أنه لا بُدَّ من التبتل حتى يحصل
التبتيلُ، كما قال: ﴿ وَالَّذِينَ جَهَدُ واْفِينَا لَنَهَدِ يَنَّهُمْ سُبُّلَنَا﴾ [العنكبوت: ٦٩](٢) .
* قوله تعالى: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرَايَرَهُ﴾: عن صَعْصَعةَ
ابن مُعاويةَ عَمِّ الفرزدق: أنه أتى النبيَّ ◌ََّ، فقرأ عليه هذه الآيةَ، فقال:
حَسْبي لا أُبالي أن لا أسمعَ غيرَها، رواه أحمد(٣).
(١) انظر: ((تفسير ابن كثير)) (١٤ / ١٦٨).
(٢) انظر: ((تفسير الرازي)) (٣٠/ ١٥٦).
(٣) رواه الإمام أحمد في ((المسند)) (٥/ ٥٩). قال الحافظ الهيثمي في ((مجمع الزوائد)) =
٤٥٩
وعن عائشة رضي الله عنها: أن رسولَ اللهِوٍَّ قال: ((يا عائشةُ؛
اسْتَتِرِي من النَّارِ ولَوْ بَشِقِّ تَمْرةٍ؛ فإنَّها تَسُدُّ منَ الجَائعِ مَسلَّهَا منَ
الشَّبْعَانِ))، تَفْرَّد به أحمد(١).
ورُوي: أنها تَصدَّقت بعِنَةٍ، وقالت: كم فيها مِنْ مثقال ذَرَّةٍ؟!
وعنها: أن رسولَ اللهِ نٍَّ كان يقول: ((يا عَائِشةُ؛ إِيَّاكِ ومُحَقَّراتٍ
الذُّنُوبِ؛ فَإِنَّ لها منَ الله طَالباً)، رواه أحمدُ، والنسائيُّ، وابنُ ماجَهْ(٢).
وعن ابن مسعود مرفوعاً: ((إيّاكُم ومُحَقَّراتِ الذُّنُوبِ؛ فإنَّهُنَّ يَجْتِمِعْنَ
على المَرْءِ حَتَّى يُهْلِكْنَهُ))، وأن رسولَ الله وَّهِ ضربَ لَهُنَّ مثلاً بمثَلَ قومٍ
نزلوا بأرضٍ فَلاةٍ، فحضرَ صَنِيعُ القوم، فجعلَ الرَّجلُ ينطلقُ فيجيءُ
بالعُودِ، والرَّجلُ يجيء بالعُود، حَتَّى جمعوا سَواداً، وأَجَّجُوا ناراً،
وأَنضجُوا مَا قَذَفُوا فِيهَا)) رواه أحمد(٣).
وعن أنس قال: كان أبو بكر ﴿ه يأكلُ معَ النبيِّ وَّ، فنزلت هذه
الآية: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ( ٢) وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّقِ
شَرَّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧ - ٨]، فرفع أبو بكر يَده، وقال: يا رسولَ الله! إنِّي
أُجزى بما عملتُ من مثقال ذَرَّةٍ من شَرِّ؟ فقال: ((يا أَبَا بَكْرِ! ما رَأَيْتَ في
= (٧ / ١٤١): رواه أحمد والطبراني مرسلاً ومتصلاً، ورجال الجميع رجال الصحيح.
(١) رواه الإمام أحمد في ((المسند)) (٦ / ٧٩). وإسناده حسن. انظر: ((صحيح الترغيب
والترهيب)) للألباني (١ / ٢١١).
(٢) رواه الإمام أحمد في («المسند» (٦ / ٧٠)، وابن ماجه (٤٢٤٣)، من حديث عائشة
رضي الله عنها. وهو حديث صحيح. انظر: ((صحيح ابن ماجه)) (٤٢٣٣).
(٣) رواه الإمام أحمد في ((المسند)) (١ / ٤٠٢). وإسناده صحيح على شرط الشيخين.
انظر: ((السلسلة الصحيحة)) (٣١٠٢).
٤٦٠
الدُّنيا مِمَّا تكره فبمَثاقِيل ذَرِّ الشَّرُّ، ويَدَّخِرُ اللهُ لكَ مَثاقِيلَ الخَيْرِ حَتَّى تُوَفَّاه(١)
يوم القيامة)) رواه ابن جرير، وابن أبي حاتم(٢).
وعن عبدالله بن عمرو بن العاص: لمَّا نزلت هذه الآية: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ
اَلْأَرْضُ﴾، وأبو بكر قاعدٌ، فبكى حين أُنزلت، فقال له رسولُ الله ◌َِّت :
(لَوَلا أَنَّكُم تُخْطِئونَ وتُذْنِبُونَ فِيَغْفِرُ [اللهُ لَكُم؛ لخلَقَ اللهُ أُمَّةً يُخْطِئُونَ
ويُذْنِبُون فَيَغْفِرُ لَهُمْ))، رواهُ مُحمَّد بن جرير(٣).
وعن أبي سعيد الخدري قال: لمَّا نزلت هذه الآيةُ: ﴿فَمَن يَعْمَلْ
مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾، فقلت: يا رسولَ الله؛ إني أُرى عملي؟ قال:
(نَعَمْ))، قلتُ: الكِبارَ الكِبارَ؟ قال: ((نَعَمْ))، قلتُ: الصِّغارَ الصِّغارَ؟ قال:
(نَعَمْ))، قلتُ: واتُكْلَ أُمِّي، قال: ((أَبْشِرْ يَا أَبَا سَعيدٍ؛ فإنَّ الحَسنةَ بعَشْرِ
أَمثالِها إلى سَبْع مئةِ ضِعْفٍ، ويُضَاعِفُ اللهُ لِمَنْ يَشاءُ، والسَّيْئَةَ بِمِثْلِها، أَو
يَغْفِرُ الله)، رواه ابن أبي حاتم (٤).
وقال سعيدُ بن جُبير: كان المسلمون يَرَوْنَ أنهم لا يُؤجرون على
الشيء القليل إذا أعطَوْهُ، فيجيء المِسْكِينُ إلى أبوابهم، فيستقِلُّون أن يُعطوه
(١) في الأصل: ((يوافى)).
(٢) رواه ابن جرير الطبري في («تفسيره)) (٣٠/ ٢٦٨)، وابن أبي حاتم في ((تفسيره))
(١٩٤٣٨). قال الهيثمي في ((مجمع الزوائد» (٧/ ١٤٢): رواه الطبراني في
((الأوسط)) عن شيخه موسى بن سهل، والظاهر أنه الوشاء، وهو ضعيف.
(٣) رواه ابن جرير الطبري في تفسيره)) (٣٠/ ٢٧٠). قال الحافظ الهيثمي في ((مجمع
الزوائد» (٧/ ١٤١): رواه الطبراني وفيه حيي بن عبدالله المعافري، وثقه ابن معين
وغيره، وبقية رجاله رجال الصحيح.
(٤) رواه ابن أبي حاتم في ((تفسيره)) (١٩٤٣٩)، قال أبو زرعة: لم يرو هذا غير ابن لهيعة.
٤٦١
التمرةَ والكِسْرةَ والجَوْزةَ، ونحوَ ذلك. وكان آخرون يَرَوْنَ أنهم لا يُلامون
على الذَّنب اليسير، الكِذْبةِ، والنَّظرةِ، والغِيبةِ، وأشياء. فرغَّبهم الله في
القليل من الخير؛ فإنه يوشك أن يكثُر، وحَذَّرهم اليسيرَ من الشرِّ؛ فإنه
يوشك أن يكثر، فنزلت: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾؛ يعني: وزنَ
أصغرِ النَّمل ﴿يَرَهُ﴾؛ يعني: في كتابه، ويَسُرُّهُ ذلك، قال: يُكتب لكل
بَرِّ وفاجر بكُلِّ سَيِّئة سيئةٌ، وبكُلِّ حسنة عشرُ حسنات، فإذا كان يوم القيامة
يضاعف الله حسناتِ المؤمنين أيضاً بكُلِّ واحد عشراً، فيمحو عنه بكُلِّ
حسنة عشرَ سيئات، فمَنْ زاد حسناتُه على سيئاته مثقالَ ذَرَّة دخل الجَنَّةَ .
* قوله تعالى: ﴿وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ، عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢١٥]؛
أي: لا يَعزُبُ عن علمه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء، فيجازيكم
أحسنَ الجزاء عليها، والعليمُ: مبالغةٌ في كونه عالماً [فالمعنى: وآما
تفعلوا من إنفاقِ [شيءٍ من](١) المال قَلَّ أم كَثُرَ.
والأولى أن يقال: الخير يتناول إنفاقَ المال وسائرَ وجوه البِرِّ والطاعةِ.
وأما الأحاديث :
٩٥ - فالأَوَّلُ: عن أبي هريرة ◌َ﴿به قال: قال رَسُولُ اللهِ ◌ِّهِ:
(إنَّ اللهَ تعالى قالَ: مَنْ عَادَى لِي وَلِيَّاً فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالحَرْبِ، وَمَا تَقَرَّبَ
إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ، وَمَا يَزَالُ عَبْدِي
يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهِ، فَإِذَا أَحْبَيْتُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ
(١) ما بين معكوفتين من ((تفسير الرازي)) (٦/ ٢٢).
٤٦٢
به، وَبَصَرَهُ الَّذي يُبْصِرُ بِه، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطُشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي
بِهَا، وَإِنْ سَأَلَنِي أَعْطَيْتُهُ؛ وَلَئِنِ اسْتَعَاذَنِي لأُعِيذَنَّهُ» رواه البخاري.
((آذَنْتُهُ»: أَعْلَمْتُهُ بِأَنِّي مُحَارِبٌ لَهُ. ((اسْتَعَاذَنِي)) رُوي بالنون
وبالباءِ .
(الأَوْلُ)
(شف): الولي له معنیان:
أحدهما: أنه فَعِيلٌ بمعنى مفعول، وهو مَنْ يتولى اللهُ أمرَه، فلا يَكِلُه
إلى نفسه لحظة، قال تعالى: ﴿وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّلِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٦].
والثاني: أنه فَعِيلٌ بمعنى فاعل مبالغةً، وهو [الذي] يتولى عبادةَ الله
وطاعته.
وكلا الوصفين شرطٌ في ولاية الوليِّ، فيجب قيامُه بحقوق الله تعالى
على الاستقصاء والاستيفاء؛ ليدوم حفظُ الله تعالى له.
((و[ما يزال] عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه)) إرشادٌ إلى أن باب
محبة الله [للعبد هو التقرب إلى الله تعالى بالنوافل الزائدة على الفرائض،
فلا يزال العبد يتقرب إلى الله تعالى](١) بأنواع الطاعات، ويرتقي من مقام
إلى مقام [ ... ](٢) بأصناف الرِّياضات حتى يُحبَّ الله تعالى، فيستغرق
(١) ما بين معكوفتين من ((شرح المشكاة)) للطيبي (٥ / ١٧٢٦).
(٢) بياض في الأصل، وجاء في الهامش: ((الكلام منتظم، وترك البياض ليس له
أصل أصلاً)).
٤٦٣
بِمُلاحظة جَناب قُدْسِهِ؛ بحيث ما لاحظ شيئاً إلا رأى اللهَ تعالى فيه، وهو
آخرُ درجات السَّالكين، وأوَّلُ درجات الواصلين.
* قوله: «فكنت سمعه» :
(حس): سئل أبو عثمانَ الحِيريُّ عن معنى هذا الخبر، فقال: كنتُ
أسرعَ إلى قضاء حوائجه مِنْ سَمْعه في الاستماع، وبصره في النظر، ويده
في البَطْش، ورجله في المشي(١).
(خط): هذه أمثالٌ ضَرَبها، والمعنى - والله أعلم -: توفيقهُ في
الأعمال التي يباشرها بهذه الأعضاء؛ يعني: يُيسِّرُ عليه فيها [سبيل]
ما يحبه، ويعصمه عن مُواقعة ما يكره؛ من إصغاءٍ إلى اللَّهو بسمعه، ونظرٍ
إلى ما نُهي عنه ببصره، وبَطْشِ ما لا يحل [بيده]، وسعي في الباطل.
وقد يكون معناه: سُرعةَ إجابة الدُّعاء، والإنجاحَ في الطَّلِبَةِ، وذلك
أن مساعيَّ الإنسان إنما تكون بهذه الجوارح الأربع(٢).
(تو): معنى قوله: ((كنت سمعه)) إلى تمام الفصل: أجعل سلطانَ
حُبي غالباً عليه، حتى يسلبَ عنه الاهتمامَ بشيء غير ما يقربه إليَّ، فيصير
منخلعاً عن الشهوات، وذاهلاً عن الحُظوظ واللَّذَّات، متى ما تقلّب،
وأينما توجَّه؛ لقي الله بمرأَى منه وسَمْع، لا يَطُورُ حولَ الغَفْلِةِ، ولا يحول
دون شهوده الحَجَبةُ، ولا يعتري ذكرَهَ النسيانُ، ولا يخطر بباله الأحداثُ
والأعيانُ، يأخذ بمجامع قلبه حُبُّ الله، فلا يرى ولا يسمع ولا يفعل إلا ما
يحبه، ويكون الله سبحانه في ذلك يداً ومؤيداً وعَوناً ووكيلاً، يحمي سمعَه
(١) انظر: ((شرح السنة)) للبغوي (٥ / ٢٠).
(٢) انظر: ((أعلام الحديث)) للخطابي (٣/ ١١٨٦).
٤٦٤
وبصرَه ویدَه ورجلَه عَمَّا لا يرضاه.
وحقيقة هذا القول: ارتهان كُلِّيّةِ العبد بمراضي الله تعالى، وحُسْنُ
رعاية الله له، وذلك على سبيل الاتساع؛ فإنهم إذا أرادوا اختصاصَ شيء
بنوع منه، والاهتمامَ به، والعنايةَ والاستغراق فيه، والفَناء والوَلَهَ إليه،
والتُّزوعَ؛ سلكوا هذا الطريق، وفي معناه يقول قائلُهم:
ونَارِي فِيكَ لا تَخْبُو
جُنوني فيكَ لا يَخْفَى
ـرُ والمُهْجَةُ والقَلْبُ
وأَنْتَ السَّمِعُ والنَّاظـ
ولسلفنا من مشايخ الصُّوفية في هذا الباب فُتوحاتٌ عينية وإشاراتٌ
ذَوْقِيةٌ تهتز منها العِظامُ البالية، غير أنها لا تصلح إلا لمن سلك سبيلَهم
فعلم مَشْرَبَهُم، وأما غيرهم فلا يُؤمَنُ عليه عند سماعها من الأغاليط التي
تَهْوِي بصاحبها إلى مَهْوَاة الحُلول والاتِّحاد (١)، وتعالى الله المَلِكُ الحَقُّ عن
صفات المخلوقين، ونُعوت المَربُوبين، وعَوذاً بالله من عمّى تفضي
بصاحبها إلى تشبيه مَنْ خَلَق بما خُلِقٍ .
وحَسْبُ ذوي الألباب مِنْ شواهد هذا الباب: أن الله تعالى لمَّا أراد أن
يقرر في قُلوب السَّامعين عنه والواقفين معه أن عَقْدَ الميثاق مع الرَّسول ◌َّ
(١) کان النبي پ یتکلم کلاماً یفهمه عنه كلُّ أحد سمعه أو بلغه حديثه ێے، وقد نهى
عليه الصلاة والسلام عن الأُغلوطات في المسائل، وهي شداد المسائل وصِعابها؛
خوفاً من فتنة قد تنجرُّ على المسلمين في أمور دينهم، ولنا في ذلك كل الأسوة،
فرحم الله امرءاً ذبَّ عن نفسه التهمة وسوء الظن في كلام هو غير محتاج إليه، وإشارات
تجرُّ عليه الوقيعة في دينه، فأمرُ الدين واضح جلي، بعيدٌ عن التعقيد والغموض
وفلسفات الأقوام السالفة، والله الهادي إلى سواء السبيل .
٤٦٥
كعقده معه؛ أضاف المُبايعةَ معه إلى نفسه بآكَدِ الألفاظ وأَخَصِّ المعاني،
فقال: ﴿إِنَّالَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُلَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح: ١٠]، وفي
هذا كفايةٌ لمن تدبّر القول، والله أعلم.
١٠
٩٦ - الثاني: عن أَنَسٍ ﴿، عن النبي(َ﴿ فِيمَا يَرْویه عَنْ رَبِّە ◌َكْ،
قال: ((إذَا تَقَرَّبَ العَبْدُ إلَيَّ شِبْراً تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعاً، وَإِذَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ
ذِرَاعاً تَقَرَّبْتُ مِنْهُ بَاعاً، وإذا أَتَانِي يَمْشِي أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً)) رواه البخاري.
(الثانى)
سيأتي هذا الحديثُ بأبسطَ من هذا في (الباب الحادي والخمسين).
*
٩٧ - الثالث: عن ابنِ عباس ﴾، قال: قال رَسُولُ الله ◌َلِفِ :
(نِعْمَتَانِ مَغْبُونٌ فِيهِمَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ: الصِّحَّةُ، وَالفَرَغُ» رواه البخاري.
(الثَّالُِّ)
(الراغب): (النعمة): الحالة الحسنة، وبناء النِّعمة بناء الحالة التي
يكون عليها الإنسان؛ كالجِلْسة والرِّكْبَةِ، والمُنعَمُ عليه لا بُدَّ أن يكون من
الناطقين، فلا يقال: أنعم فلانٌ على فرسه إلا مجازاً، و(الغبن): أن تَبخسَ
صاحبَك في معاملةٍ بينك وبينه بضَرْبٍ من الإخفاء، فإن كان ذلك في مال
يقال: غُبِنَ فُلانٌ، وإن كان في رأي يقال: غَبِنَ(١).
(١) انظر: ((مفردات القرآن)) للراغب (ص: ٤٩٩، ٣٥٧).
٤٦٦