النص المفهرس
صفحات 501-520
المدينة، وكلُّ ذلك من النبيِّ وَّهِ ثِقَةٌ بوعد الله، وتوَكُّلٌ عليه، ودليلٌ على خُصوصية أبي بكر من الخُلَّةِ ومُلازمة الصُّحبة في أوقات الشدّة بما لم يُسبقّ إليه(١). (ن): ((الله ثالثهما»؛ أي: بالنَّصر والمَعونة والتسديد، وهو داخلٌ في قوله تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ أَثَّقَواْ وَالَّذِينَ هُم ◌ُحْسِنُونَ﴾ [النحل: ١٢٨]. وفيه: بيانُ عِظَم توكل النبيِّ وَّ حتى في هذا المقام. وفيه: فضيلة أبي بكر من وُجوه، منها: هذه اللفظة، ومنها: بذلُه نفسَهُ ومُفارقتُه أهلَه ومالَه ورئاستَه في طاعة الله ورسوله، ومُلازمة النبي ◌َّ ومُعاداة الناس فيه، ومنها: جعله نفسَه وقايةً عنه، وغير ذلك(٢). ٨٢ - التّاسعُ: عَنْ أُمّ المُؤْمِنِينَ أُمِّ سَلَمَةَ - وَاسْمُهَا هِنْدٌ بِنْتُ أَبِي أُمَيَّةَ حُذَيْفَةَ، المَخْزُ ومِيَّةُ ﴿هـ: أن النبيَّ ◌َّهِ كَانَ إِذَا خَرَجَ مِنْ بَيْتِهِ قالَ: ((بِاسْمِ اللهِ، تَوَكَّلْتُ عَلَى الله، اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَضِلَّ أَوْ أُضَلَّ، أَوْ أَزِلَ أَوْ أُزَلَّ، أَوْ أَظْلِمَ أَوْ أُظْلَمَ، أوْ أَجْهَلَ أَوْ يُجْهَلَ عَلَيَّ)) حديثٌ صَحِيحٌ رواه أبو داودَ، والتِّرْمذيُّ وَغَيْرُهُمَا بِأسانِيدَ صَحيحةٍ. قالَ التِّرْمذي: حَديثٌ حسنٌ صحيحٌ، وهذا لفظ أبي داود. (١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٦ /٢٣٩). (٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٥ / ١٥٠). ٤٠٧ ٨٣ - العَاشِرُ: عَن أَنَسِ ﴿ه قال: قالَ رسولُ اللهِصلِّ: ((مَنْ قَالَ - يَغْنِي: إذَا خَرَجَ مِنْ بَيْتِهِ -: بِاسْمِ اللهِ، تَوَكَّلْتُ عَلَى اللهِ، وَلا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إلاَّ باللهِ، يقالُ لَهُ: هُدِيتَ، وَكُفِيتَ، وَوُقِيتَ، وَتَنَخَى عَنْهُ الشَّيْطَانُ)). رواه أبو داود، والترمذي، والنسائي، وغيرهم. وقال الترمذي: حديثٌ حسنٌ، زاد أبو داود: ((فيقول - يَعْنِي : الشَّيْطَانَ - لِشَيْطَانٍ آخَرَ: كَيْفَ لَكَ بِرَجُلٍ قَدْ هُدِيَ وَكُفِيَ وَوُقِيَ؟)). ٨٤ - وَعَنْ أَنَسِ ﴿ه قال: كَانَ أَخَوَانِ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ◌َ، وَكَانَ أحَدُهُمَا يَأْتِي النبيَّ ◌َّهِ، وَالآخَرُ يَحْتَرِفُ، فَشَكَا المُحْتَرِفُ أَخَاهُ للنِّبِيِّ وَّهِ، فقال: ((لَعَلَّكَ تُرْزَقُ بِهِ)) رواه التِّرْمذي بإسنادٍ صحيحٍ على شرطٍ مسلمٍ. (يَحْتَرِفُ)): يَكْتَسِبُ وَيَتَسَبَّبُ. إلى آخر الباب قال الراغب: (الزلة) في الأصل: استرسالُ الرِّجل عن غير قصد(١)، يقال: زَلَّت رجلُهُ تَزِلُّ، والمَزلَّةُ: المكانُ الزَّلِقُ، وقيل للذَّنب من غير قصد: زَلَّةٌ؛ تشبيهاً بزَلَّةُ الرِّجل(٢) . (١) في الأصل: ((مقصد)). (٢) انظر: ((مفردات القرآن)) للراغب (ص: ٢١٤). ٤٠٨ (مظ): ((أَضل))؛ أي: [عن] الحَقِّ؛ من الضَّلالة ضِدّ الرَّشاد، ((أو أُضَل)): على بناء المجهول؛ أي: يُضِلَّني أحدٌ، ((أو أظلم): على بناء المعلوم؛ أي: على أحد، ((أو أُظلم): على بناء المجهول؛ أي: يظلمني أحدٌ، ((أو أجهل)): على بناء المعلوم؛ أي: أُمورَ الدِّين، ومعرفةَ الله، وحقوقَ الله، وحقوقَ الناس، ((أو يجهل عليَّ)): غائبٌ مجهول؛ أي: يفعل الناسُ فِيَّ فعلَ الجُهَّال من إيصال الضَّرر إليَّ، انتهى (١). قول الشارح: (على بناء المجهول) صوابهُ: ضم الهمزة وكسر الضاد؛ أي: أصيرَ مُضِلّاّ لغيري، فكأنه استعاذ من أن يصير ضالاً أو مُضِلاً، وأما على بناء المجهول: يَتَّحِدُ المُستعاذُ منه في اللفظين؛ لأن مَنْ أضله أحدٌ؛ صار ضالاً، وكذلك (أزل) بفتح الهمزة في الأولى وضمها في الثانية والزايُ مكسورة فيهما؛ أي: أَقعَ في الذنب، أو أُوقِعَ أحداً فيه؛ حتى يناسب ((أَظْلِمَ أو أُظْلَم، أَجهلَ أو يُجهلَ عليّ)) [ ... ](٢). [أقول]: الإنسانُ إذا خرج من منزله؛ لا بُدَّ أن يعاشرَ الناس، ويزاول الأمورَ، فيخاف أن يعدل عن الصراط المستقيم، فإما أن يكون في أمر الدين؛ فلا يخلو من أن يَضِلَّ أو يُضِلَّ، وإما أن يكون في أمر الدنيا، فإما بسبب جريان المعاملة معهم؛ بأن يَظلِم أو يُظلم، وإما بسبب الاختلاط والمصاحبة؛ فإما أن يَجهلَ أو يُجهل عليه، فاستُعِيذَ من هذه الأحوال كُلُّها بلفظ سَلِسٍ مُوجَز، ورُوعيَ المُطابقةُ المعنويةُ، والمُشاكلة اللفظيةُ؛ كقول الشاعر: (١) انظر: ((المفاتيح في شرح المصابيح)) للمظهري (٣ / ٢٢٨). (٢) بياض في الأصل. ٤٠٩ فَنَجْهِلَ فَوقَ جَهلِ الجَاهِلينا أَلَا لا يَجْهَلَنْ أَحدٌ عَلَینا ، قوله: ((بسم الله)): (ط): الحديث فيه لَفُّ ونَشْرٌ؛ فإن قوله: ((بسم الله، توكلت على الله، لا حول ولا قوة إلا بالله)) لَفٌّ، وقوله: ((هديت وكفيت ووقيت)) نَشْرٌ؛ فإنه إذا استعاذ العبدُ بالله وباسمه المبارك؛ فإن الله يَهديه ويُرشده ويُعينه في الأُمور الدِّينية والدنيوية(١)، فإذا توكل على الله وفَوَّض أمرَه إليه كفاه، فيكون هو حسبَهُ، ومَنْ قال: ((لا حول ولا قوة إلا بالله))؛ وقاه الله شَرَّ الشيطان، ولا يُسلَّطُ عليه. فإن قلت: ما معنى قولك: ((كيف لك برجل))، وما موقعه [من قوله]: ((فيتنحى له الشيطان»؟ [قلت: معناه كيف يتيسرُ لك إغواءُ رجلٍ قد هُدي وكُفي ووُقِيَ؟ قاله مُعزِّياً مُسلِّياً للشيطان](٢) الذي تنحى لأجل القائل عن طريق إضلاله مُتحسِّراً آیساً(٣). * قوله: ((فشكا المُحترفُ أخاه النبيَّ ◌َّ﴾)): (ط): ((النبي)) منصوبٌ على انتزاع الخافض، قال في ((الأساس)): (١) في الأصل: ((الدنيا)). (٢) ما بين معكوفتين من ((شرح المشكاة)) للطيبي (٦ / ١٩٠٤). (٣) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٦ / ١٩٠٤). ٤١٠ شكوتُ إليه فلاناً، فأشكاني منه؛ أي: أخذ لي منه ما أرضاني به، ومعنى (لعل) في قوله: ((لعلك)) يجوز أن ترجع إلى رسول الله وَّةِ، فيفيد القطعَ والتوبيخَ؛ كما ورد: ((هَلْ تُرزقُونَ إِلاَّ بضُعفَائِكُمْ)) (١)، وأن يرجع إلى المُخاطَب؛ ليبعثَه على التفكُّر والتأمُّل، فينتصف من نفسه(٢). (١) رواه البخاري (٢٧٣٩) بلفظ: ((هل تنصرون وترزقون إلا بضعفائكم)). من حديث سعد بن أبي وقاص ﴿ه . (٢) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (١٠ / ٣٣٤٠). ٤١١ ٨-باب الاستقامة ، قال الله تعالى: ﴿فَأَسْتَقِمْ كَمَآ أُمِّرْتَ﴾[هود: ١١٢]. * وقالَ تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ أَسْتَقَامُواْ تَتَغَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَبِكَةُ أَلَّا تَخَافُواْ وَلَا تَحْزَنُواْ وَأَبْشِرُواْ بِالْجَنَّةِ الَّتِ كُمْ تُوعَدُونَ (٦) نَحْنُ أَوْلِيَآؤُكُمْ فِى الْحَيَوةَ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةٌ وَلَكُمْفِيهَا. مَا تَشْتَهِىّ أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ ٦ نُزُلًا مِّنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ﴾ [فصلت: ٣٠ - ٣٢]. وقال تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ أَسْتَقَمُواْ فَلَا خَوْفُ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴿ أُوْلَكَ أَصْحَبُ اَلْجَنَّةِ خَلِينَ فِيَهَا جَزَّةً بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ [الأحقاف: ١٣ - ١٤]. (الباب الثامن) (في الاستقامة) قال الأُستاذ أبو القاسم القُشيريُّ: الاستقامة درجةٌ بها كمالُ الأُمور وتمامُها، وبوجودها حصولُ الخيرات ونظامُها، و[من] لم يكن مُستقيماً في حاله؛ ضاع سَعُه، وخاب جُهدُهُ. ٤١٢ وقيل: الاستقامةُ لا يُطيقها إلا الأكابرُ؛ لأنها الخروجُ عن المعهودات، ومفارقةُ الرُّسوم والعادات، والقيامُ بين يدي الله على حقيقة الصِّدق؛ ولذلك قال ◌َّهِ: ((استَقِيمُوا ولَن تُحْصُوا))(١). وقال الواسطيُّ: الخَصْلةُ التي كمَلت بها المَحاسنُ وبِفَقْدِهَا قَبُحَت المَحاسِنُ: الاستقامةُ. (ش): الاستقامة تتعلق بالأقوال، والأفعال، والأحوال، والنيات، والاستقامةُ فيها وقوعُها لله وبالله على أمر الله. قال بعضُ العارفين: أعظم الكرامة لُزُومُ الاستقامة (٢). * قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ أَسْتَقَامُواْ﴾ [فصلت: ٣٠]؛ أي: اعتدلوا على طاعة الله تعالى عقْداً وقولاً وفعلاً، وداموا على ذلك. عن أنس ظه قال: قرأ علينا رسولُ اللهِ وَّ هذه الآيَةَ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ أَسْتَقَامُواْ﴾ [فصلت: ٣٠]، فقال: ((قَدْ قَالَها الناسُ ثُمَّ كفرَ أَكثرُهم، فمَنْ قالَها حتَّى يموتَ فهو مِمَّن استَقَامَ عَلَيهَا))، رواه أبو يعلى، والنسائيُّ، والبزَّارُ، وابن أبي حاتم(٣). وروى ابنُ جرير عن سعيد بن عِمرانَ قال: قُرئت عند أبي بكر (١) رواه ابن ماجه (٢٧٧) من حديث ثوبان ظُه. وهو حديث صحيح. انظر: ((إرواء الغلیل)) (٤١٢). (٢) انظر: ((مدارج السالكين)) لابن القيم (٢/ ١٠٥). (٣) رواه أبو يعلى في («مسنده)) (٣٤٩٥)، والنسائي في ((السنن الكبرى)) (١١٤٧٠)، والبزار في ((مسنده)) (٦٨٨٥). وهو حديث ضعيف. انظر: ((السلسلة الضعيفة)) (٤٠٥٢). ٤١٣ الصِّدِّيقِ ﴿ هذه الآيةُ، قال: هُمُ الذین لا يُشركون بالله شيئاً، ثم روى من حديث الأَسودِ بن هلال قال: قال أبو بكر له: ما تقولون في هذه الآية ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوْ رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ أَسْتَقَمُواْ﴾ [فصلت: ٣٠]؟ فقالوا: رَبُّنا الله، ثم استقاموا من ذَنْبٍ، فقال: لقد حملتُموها على غير المَحْمِل، قالوا: رَبُّنًا الله، ثم استقاموا، فلم يلتفتوا إلى إلهٍ غَيرِه(١). وكذا قال مُجاهدٌ والسُّدُِّّ، وعكرمةُ، وغيرُ واحد. وسُئل ابن عباس: أيُّ آيةٍ في كتاب الله أَرْخَصُ؟ قال: قولُه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ أَسْتَقَامُواْ﴾ على شهادة أن لا إله إلا الله، رواه ابن أبي حاتم. وقال الزُّهريُّ: تلا عمرُ ﴾ه هذه الآيَةَ على المِنْبَرِ، ثم قال: استقاموا والله لله بطاعته، ولم يَروغُوا رَوَغَانَ الثَّعالب(٢). وقال أبو العَاليةِ: ﴿ثُمَّ اُسْتَقَمُواْ ﴾ أخلصوا له الدِّينَ والعملَ. (م): في الاستقامة الإتيانُ بالأعمال الصَّالحة، وهو قول جماعة من الصحابة والتابعين، وهذا أولى؛ حَتَّى يكون قولُه: ﴿رَسُّنَا اللَّهُ﴾ مُتناولاً للقول والاعتقاد، ويكونَ قولُه: ﴿ثُمَّ أَسْتَقَمُواْ﴾ مُتناولاً للأعمال الصَّالحة (٣). (الكشاف): ﴿ثُمَّ﴾ لتراخي الاستقامة عن الإقرار في المرتبة وفضلها عليه؛ لأن الاستقامةَ لها الشأنُ كلُّه، ونحوُه قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا (١) رواه ابن جرير الطبري في ((تفسيره)) (٢٤ / ١١٤). (٢) رواه ابن جرير الطبري في ((تفسيره)) (٢٤ / ١١٥). (٣) انظر: ((تفسير الرازي)) (٢٧ / ١٠٥). ٤١٤ اَلْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ بِالَّهِ وَرَسُولِهِ، ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُواْ﴾ [الحجرات: ١٥]، المعنى: ثم ثبتوا على الإقرار ومُقتضياته(١). * قوله تعالى: ﴿تَتَغَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَبِكَةُ﴾: قال مُجاهدٌ، والسُّدِّيُّ، وزيدُ بن أسلمَ وابنُه: يعني: عند الموت قائلين: ﴿أَلََّتَّخَافُوا﴾؛ أي: على ما تَقْدَمُون عليه من أمر الآخرة، ﴿وَلَا تَحْزَنُواْ﴾؛ أي: على ما خَلَّفتموه من أمر الدُّنيا؛ من ولد، وأهل، ودين؛ فإنا نَخْلُفكُم فيه، ﴿وَأَبْشِرُواْ بِالْجَنَّةٍ﴾ فبشَّروهم بذهاب الشَّرِّ، وحُصولِ الخير، وهذا كما في حديث البراء: ((إنَّ المَلائِكَةَ تقولُ لِرُوحِ المُؤمنين: اخرجي أَيُّها الزُّوحُ الطَّيبةُ في الجسد الطَّيِّبِ كنت تَعْمُّرِينَ؛ اخرجي إلى رَوْحٍ ورَيّحانٍ، ورَبِّ غَيرٍ غَضْبانَ)). وقيل: إن الملائكةَ تتنزَّلُ عليهم يومَ خُروجهم من قُبورهم، حكاه ابن جرير عن ابن عباس والسُّدِّيِّ. روى ابن أبي حاتم عن جعفر بن سليمان قال: سمعتُ ثابتاً قرأ (السَّجدةَ) حَتَّى بلغ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوْرَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اُسْتَقَمُواْ تَخَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَبِكَةُ﴾، فوقف، فقال: بلغنا أن المؤمنَ حيث يبعثه الله من قبره يَتلقَّاه الملَكانِ اللذان كانا معه في الدُّنيا، فيقولان: لا تخف ولا تحزن، وأبشر بالجَنَّةِ. * [قوله تعالى]: ﴿الَّتِى كُتُمْ تُوعَدُونَ﴾ قال: فيؤمِّنُ الله خوفَهُ، ويُقِرُّ عينَهُ، فما عظيمةٌ يخشى الناسُ يوم القيامة إلا [هي للمؤمن قُرَّةُ عين]؛ لِمَا هداه الله، ولما كان يعمل له في الدنيا، وقال زيدُ بن أسلمَ: يُبشِّرُونَ عند الموت، وفي القبر، وحين يُبعث، رواه ابن أبي حاتم، وهذا القول (١) انظر: ((الكشاف)) للزمخشري (٤ / ٢٠٤). ٤١٥ مَجْمَعٌ للأقوال كُلُّها، وهو حَسَنٌ جِدّاً، وهو الواقع(١). (م): (أن) مُخفَّفةٌ من الثقيلة، وأصله: أنه لا تخافوا، والهاء ضميرُ الشَّانِ، أو يكون بمعنى (أي). واعلم أن الغايةَ القُصوى في رعاية المصالح: دَفعُ المَضَارِّ، وجَلْبُ المنافع، ومعلومٌ أن دفعَ المَضَّرةِ أولى بالرعاية من جلب المنفعة، والمَضَرَّةُ إما أن تكون في المستقبل، أو في الحال، أو في الماضي، والمضار [التي يتوقَّعُ حُصولها في](٢) المستقبل أولى بالدفع من الماضية، وأيضاً الخوفُ عبارةٌ عن تَأَلُّم القلب بسبب توقُّع حُصول مَضَرَّة مُستقبَلة، والحُزنُ عبارةٌ عن تألُّم القلب بسبب فَوْتٍ نفعٍ كان موجوداً في الماضي، وإذا كان كذلك؛ فدفعُ الخوف أولی من دفع الحُزن. إذا ثبت هذا؛ فنقول: إنه تعالى أخبر عن الملائكة بأنهم يُخبرون المؤمنين بأنه لا خوف عليكم بسبب ما تستقبلونه من الأهوال، ثم يخبرونهم بأنه لا حزنَ عليكم بسبب ما فاتكم من أحوال الدنيا، وعند حُصول هذين الأمر زالت المضارُّ بالكُلِّية، ثم بعد الفراغ منه يُبشِّرونهم بحصول المنافع، وهو قوله: ﴿وَأَبْشِرُواْ بِالْجَنَّةِ﴾ [فصلت: ٣٠]. * قوله تعالى: ﴿ نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِ الْحَيَوْوَ الذُّنْيَا﴾ [فصلت: ٣١]؛ أي: تقول الملائكة للمؤمنين عند الاحتضار: نحن كنا أولياءكم؛ أي: قُرَناءكم في الحياة الدنيا؛ نُسدِّدكم ونُوقِّيكم ونَحفَظُكم بأمر الله، وكذلك نكون لكم (١) انظر: ((تفسير ابن كثير)) (١٢ / ٢٣٧). (٢) ما بين معكوفتين من ((تفسير الرازي)) (٢٧ / ١٠٦). ٤١٦ في الآخرة؛ نُؤنِسُ منكم الوَحشةَ في القُبور، وعند النفخة في الصُّوْر، ونُؤْمِّنكُم يومَ البَعْث والنُّشور، ونُجاوزُ بكم الصِّراطَ المُستقيمَ، ونُوصِلُكم إلى جَنَّات النَّعيم(١). (م): كونُ الملائكة أولياءَ للأرواح الطَّيِّبة الطاهرة [حاصلٌ] من جهات كثيرة [معلومة لأرباب المكاشفات](٢)، فهم يقولون: كما أن تلك الولايةَ كانت حاصلةً في الدنيا؛ فهي تكون باقيةً في الآخرة؛ فإن القُوَّةَ المَلَكِيَّةَ التي كانت في الإنسان ذاتِيَّةٌ لازمةٌ غيرُ قابلة للزوال، بل تصير بعد الموت أقوى وأبقى؛ وذلك لأن جوهرَ النفس من جنس الملائكة، والتعلُّقات الجِسمانيةُ هي التي تَحُولُ بينها وبين الملائكة؛ [كما] قال ◌َّهِ: ((لَوَلا أَنَّ الشَّيَاطِينَ يَحُومُونَ على قَلوبٍ بَنِي آدَمَ؛ لَنَظِرُوا إلى مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ))(٣)، فإذا زالت العَلائقُ الجِسْمانيةُ، والتدبيراتُ البدنيةُ، فقد زال الغِطاءُ وارتفع المانعُ (٤). * قوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِىَّ أَنْفُسُكُمْ﴾؛ أي: في الجنة من جميع ما تختارون مِمَّا تشتهيه النفوسَ وتَقَرُّ به العُيونُ. * [قوله تعالى]: ﴿وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ﴾؛ أي: مهما طلبتم وَجدْتُم، وحضر بين أيديكم كما اخترتم . (١) انظر: ((تفسير الرازي)) (٢٧ / ١٠٥). (٢) ما بين معكوفتين من ((تفسير الرازي)). (٣) رواه الإمام أحمد في ((المسند)) (٢/ ٣٥٣)، من حديث أبي هريرة ظُه بنحوه. وهو حديث ضعيف كما ذكر محققو ((المسند)) (طبعة الرسالة). (٤) انظر: ((تفسير الرازي)) (٢٧ / ١٠٦)، ووقع في الأصل: ((التدبيرات البدنية والتدبيرات الدينية)) بزيادة: ((والتدبيرات الدينية))، والمثبت من المصدر، وهو الصواب. ٤١٧ [قوله تعالى]: ﴿نُلاً مِّنْ غَفُورٍ رَّحِيمٍ﴾؛ أي: ضِيافةً وعَطاءَ وإنعاماً من غَفُورٍ لِذُنوبكم، رَحِيمٍ بكم(١). ٨٥ - وَعَنْ أَبِي عَمْرٍو - وقيل: أَبِي عَمْرَةَ - سُفْيَانَ بنِ عبدِالله قالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! قُلْ لِي في الإسْلامِ قَوْلاً لا أَسْأَلَ عَنْه أَحداً غَيْرَكَ. قال: ((قُلْ: آمَنْتُ باللهِ، ثُمَّ اسْتَقِمْ) رواه مسلم. (الأَوْلُ) * قوله: ((قل لي في الإسلام قولاً)): (ط): أي: فيما يكتمل به الإسلامُ ويُراعَى به حقوقُه، ويُستدَلُّ به على توابعه ولَواحقهِ . وقوله: ((بعدك))؛ أي: بعد سؤالك هذا؛ كقوله: ﴿وَمَا يُمْسِكْ فَلَ مُرْسِلَ لَهُمِنْ بَعْدِهِ، ﴾ [فاطر: ٢]؛ أي: مِنْ بعد إمساكه. وفي رواية: ((غيرك))(٢)، وهو لازمُ ذاك اللَّفظِ؛ لأنه إذا لم يَسألْ بعد سؤاله أحداً؛ يلزم منه أن لا يسألَ غيره(٣). (ن): قال القاضي عياضٌ: هذا من جوامع كَلِمِهِ نََّ، وهو مُطابقٌ لقول الله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُواْرَبُّنَا اللّهُ ثُمَّ أَسْتَقَمُواْ﴾ [فصلت: ٣٠]؛ أي: وَخَّدُوا (١) انظر: ((تفسير ابن كثير)) (١٢ / ٢٣٧). (٢) رواه مسلم (٣٨/ ٦٢)، من حديث سفيان بن عبدالله الثقفي (٣) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٢ / ٤٥٦). ٤١٨ الله تعالى وآمنوا به، ثم استقاموا فلم يَحيدوا(١) عن توحيدهم، والتزموا طاعَته سبحانه وتعالى [إلى] أن تُوقُّوا على ذلك، وعلى ما ذكرناه أكثر المفسرين من الصّحابة فمن بعدهم، وهو معنى الحديث إن شاء الله تعالى، هذا كلام القاضي. وقال ابنُ عباس في قوله تعالى: ﴿فَأَسْتَقِمْ كَمَآ أُمِرْتَ﴾ [هود: ١١٢]: ما نزلَ على رسول الله وَ ﴿ في القرآن آيةٌ أشدُّ ولا أَشقُّ عليه من هذه الآية؛ ولذلك قال ◌َّ﴿ لأصحابه حين قالوا: قد أَسرعَ إليك الشَّيبُ؟ فقال: (شَيَّتِي هُودٌ وَأَخَواتُها))(٢). (ق): فإنه وَّر جمع لهذا السائل في هاتين الكلمتين معانيَ الإسلام والإيمان كُلَّها؛ فإنه أمره أن يجدد إيمانه مُتذكِّراً بقلبه وذاكراً بلسانه، ويقتضي هذا استحضارَ تفصيل معاني الإيمان الشَّرعيِّ بقلبه، وأَمَرَهُ بالاستقامة على أعمال الطاعات، والانتهاء عن جميع المخالفات؛ إذ لا يأتي الاستقامة مع شيء من الاعوجاج؛ فإنها ضِدُّهُ(٣). (شف): لفظة (ثم) موضوعةٌ للتراخي، دالة على أن الكُفَّار غيرُ مُكلَّفين بفروع الإسلام، بل هم مُكلَّفون بأُصوله، فإذا آمنوا كُلِّفوا بفروعه. (ط): لفظة (ثم) هنا للتراخي في الرُّتبة لا الزَّمان؛ لِمَا اتفق علماءُ (١) في هامش الأصل: ((الحَيْدُ: المَيْل)) . (٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٢/ ٩)، والحديث رواه الطبراني في ((المعجم الكبير)) (٢٢/ ١٢٣)، من حديث أبي جحيفة ظ. وهو حديث صحيح. انظر: ((صحيح الجامع الصغير)) (٦٠٣٣). (٣) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (١ / ٢٢١). ٤١٩ البيان على أن (ثم) في قوله تعالى: ﴿أَسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُنْ ثُمَّ نُوبُواْ إِلَيْهِ﴾ [هود: ٣]، وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُواْ رَبَُّا اللَّهُ ثُمَّ أَسْتَقَدمُواْ﴾ [فصلت: ٣٠] للتراخي في الرُّتبة؛ فإن الثباتَ والاستقامةَ على ذلك أفضلُ من قوله: آمنت بالله، ينصره قولُه تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ ءَامَنُواْبِلَّهِ وَرَسُولِهِ، ثُمَّ لَمْ يَرْقَابُواْ﴾ [الحجرات: ١٥]؛ فإنَّ قوله: ﴿لَمْ يَرْتَابُواْ﴾ تفسيرُ معنى قوله: ﴿ثُمَّ أَسْتَقَامُواْ﴾ بالثَّبَات. وأيضاً لمَّا (١) تقرَّرَ أن مذهبَ الصحابة والتابعين: أن الإيمان مُشتمِلٌ على القول باللِّسان، والتصديق بالجَنان، والعمل بالأركان؛ وجبَ حَمْلُ ((آمنت)) على المجموع، وقوله: ((ثم استقم)) على الثَّبات على ذلك(٢). ٨٦ - وَعَنْ أبي هُرَيْرَةَ عَه قال: قالَ رسولُ اللهِ وَّهِ: ((قارِبُوا وَسَدِّدوا، واعْلَمُوا أَنَّه لَنْ يَنْجُوَ أَحَدٌ مِنْكُمْ بِعَمَلِهِ))، قَالُوا: وَلا أَنْتَ يا رَسُولَ الله؟ قال: ((وَلا أَنَا، إلاَّ أَنْ يَتَغَمَّدَني اللهُ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ)) رواه مسلم. وَ«المُقَارَبَةُ)): القَصْدُ الَّذِي لا غُلُوَّ فيه وَلا تَقْصِيرَ. وَ(«السَّدَادُ»: الاسْتَقَامَةُ وَالإِصَابَةُ، وَ(يَتَغَمَّدَني)»: يُلْبِسَنِي وَيَسْتُرَنِي. قالَ العُلَمَاءُ: مَعْنَى الاسْتَقَامَةِ: لُزوم طَاعَةِ الله تَعَالَى؛ قَالُوا: وَهِيَ مِنْ جَوَامِعِ الكَلِمِ، وَهِيَ نظَامُ الأمُورِ، وَبَالله التَّوْفيق. (١) في الأصل: ((قد)). (٢) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٢ / ٤٥٧). ٤٢٠ (الثَّانِى) :[قوله]: ((قاربوا)) : ٠ (ق): أي: قاربوا في زمان الأعمال؛ بحيث لا يكون فيها قِصَرٌ ولا تطويل(١). (ط): سَدَّدَ الرجلُ: إذا لزم الطريقةَ المُستقيمةَ [والسَّداد: القصد المستقيم](٢) الذي لا ميل له، و(قاربوا) تأكيد للتسديد من حيث المعنى يقال: قارب فلان في أموره إذا اقتصد(٣). (ق): في بعض روايات مسلم: ((لن يُدخِلَ الجَنَّةَ أحداً عملُهُ)) (٤)؛ أي: أن الأعمال ليست مما يقتضي دخول الجنة؛ إذ ليست في أَنفُسها على صفات تقتضي ذلك، ولا يَستحِقُّ المُكَّلِفُ على الله بسببها شيئاً؛ إذ لا منفعةَ فيها ولا غرضَ؛ فإنه الغنيُّ بذاته، وهذا رَدٌّ على [أهل] البدع في قولهم في [قاعدتَي] الشَّحسين والتَّقبيح العقليتين. وقولهم: ((ولا أنت)) كأنه وقعَ لهم أنه ◌َّ لِعِظَم معرفته بالله، وكثرة عبادته يُنجيه عملُه، فرد ذلك، وسَوَّى بينهم وبينه في ذلك المعنى، وأخبر أنه عن فضله ورحمته لا يستغني(٥) . (ن): اعلم أن مذهب أهل السُّنَّة أنه لا يثبت بالعقل ثوابٌ ولا عِقَابٌ، (١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٧ / ١٣٩). (٢) ما بين معكوفتين من ((شرح المشكاة)) للطيبي (٤ / ١٢١٤). (٣) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٤ / ١٢١٤). (٤) رواه مسلم (٢٨١٨ / ٧٨). (٥) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٧ / ١٣٩). ٤٢١ ولا إيجابٌ ولا تحريم، و[لا] غيرُها من أنواع التكليف، ولا تثبت هذه كلُّها ولا غيرُها إلا بالشرع. ومذهب أهل السنة أيضاً: أن الله لا يجبُ عليه شيء، تعالى الله، بل العالَمُ مُلكُه، والدُّنيا والآخرة في سُلطانه، يفعل فيها ما يشاء، فلو عَذَّب المُطيعين والصَّالحين أجمعين وأدخلهم النارَ؛ كان عَدْلاً، وإذا أكرمهم ونَعَّمُهُم وأدخلهم الجَنَّةَ؛ فهو فَضْلٌ منه، ولو نَعَّمَ الكافرين وأدخلهم الجَنَّةَ؛ كان له ذلك، ولكنه أخبر - وخَبَرُهُ صِدْقٌ - أنه لا يفعل هذا، بل يغفر للمؤمنين ويُدخِلُهم الجَنَّةَ برحمته، ويُعذِّب الكافرين ويُدخِلُهم النارَ بعَدْلِهِ. وأما المعتزلة: فيُثْبِتِون الأحكامَ بالعقل، فيوجبون ثوابَ الأعمال، ويوجبون الأصلحَ، ويمنعون خلافَ هذا، في خَبْطٍ لهم طويلٍ، تعالى الله عن اختراعاتهم الباطلة المُنابذة لنُصوص الشَّرع. وفي [ظاهر] هذه - هو هذا الحديث - دلالةٌ لأهل الحَقِّ أنه لا يَستحِقُّ أحدٌ الجَنَّةَ والثوابَ بطاعته، وأما قوله تعالى: ﴿أَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٣٢] ونحوها من الآيات، معناه: أن دخول الجنة بسبب الأعمال، ثم التوفيقُ للأعمال الصَّالحة، والهدايةُ للإخلاص فيها، وقَبولُها برحمة الله وفَضْلِه، فيصِحُّ أنه لم يدخل بمُجرَّد العمل، وهو مُرادُ الأحاديث، ويَصِحُّ أنه [دخل] بالأعمال؛ أي: بسببها وهي من الرَّحمة(١). (١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٧ / ١٥٩). ٤٢٢ ٩ - يب في التفكّر في عظيم مخلوقاتِ الله تعالى وفناءِ الدنيا وأهوالِ الآخرة وسائرٍ أمورهما، وتقصيرِ النفس وتهذيبِها، وحملها على الاستقامة * قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَآ أَعِظُكُمْ بِوَحِدَةٍ أَن تَقُومُواْ لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَدَىْ ثُمَّ نَنَفَكَّرُواْ﴾ [سبأ: ٤٦]. * وقال تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَخْتِلَافِ اُلَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَيَاتٍ لِّأُوْلِ الْأَلْبَبِ ﴿ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَمًا وَقُعُودًاوَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِىِ خَلْقِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَطِلًا سُبْحَنَكَ﴾ الآيات [آل عمران: ١٩٠ - ١٩١]. * وقال تعالى: ﴿أَفَلاَ يَظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ ) وَ إِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ ( وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ وَإِلَى الْأَرْضِكَيْفَ سُطِحَتْ فَذَكِّرْ إِنَّمَآ أَنْتَ مُذَكِّرٌ﴾ [الغاشية: ١٧ -٢١]. * وقال تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِ اَلْأَرْضِ فَيَنَظُرُواْ ﴾ الآية [محمد: ١٠]. والآيات في الباب كثيرةٌ. وَمِنَ الأَحَادِيث: الحَدِيثُ السَّابقِ: ((الكَيِّس مَنْ دَانَ نَفْسَه)). ٤٢٣ (الباب التاسع) (في التفكر في عظيم مخلوقات الله تعالى، وفناء الدنيا، وأهوال الآخرة، وسائر أمورهما، وتقصير النفس وتهذيبها، وحملها على الاستقامة) قال الغزالي رحمه الله: التفكُّر: هو إحضارُ معرفتين في القلب؛ ليستثمر منهما معرفةً ثالثةً، مثاله: أن يعرف أن الأبقى أولى بالإيثار، ثم يعرفَ أن الآخرة أبقى، فيحصل له من هاتين المعرفتين معرفةٌ ثالثة، وهو أن الآخرة أولى بالإيثار، وإحضار هاتين المعرفتين في القلب للتوصُل إلى المعرفة الثالثة يُسمَّى تَفَكُّراً واعتباراً، وتذكُّراً ونظراً، وتأملاً [وتدبراً]. أما التدبُّرُ والتأمُّل: فعباراتٌ مُترادفةٌ على معنى واحد، ليس تحتها معانٍ مختلفةٌ، وأما اسمُ التذكُّر والاعتبار والنظر: فهي مختلفة المعاني، وإن كان أصلُ المُسمَّى واحداً؛ كما أن اسم الصَّارم والمُهنَّد والسيف يتوارد على شيء واحد، ولكن باعتبارات مختلفة، فإن الصَّارمَ يدلُّ على السيف من حيث هو قاطعٌ، والمُهنَّد من حيث نسبتُه إلى موضعه، والسيف يدلُّ دلالةً مطلقة من غير إشعار بهذه الزوائد، فكذلك الاعتبار ينطلق على إحضار المعرفتين من حيث إنه يَعبُرُ منهما إلى معرفة ثالثة، فإن لم يقع العبورُ، ولم يكن [إلا] الوقوفُ على المعرفتين؛ فينطلق عليه اسمُ التذكر، لا اسمُ الاعتبار. وأما النظر والتفكر: فيقع عليه من حيث إن فيه طلبَ معرفة ثالثةٍ، فمَنْ ليس يَطلُب المعرفةَ الثالثة؛ لا يُسمَّى ناظراً، فكُلُّ مُتفكِّرٍ مُتذكِّرٌ، ولا ینعِکسُ. ٤٢٤ وفائدة التذكار تكرارُ المعارف على القلب؛ لتترسَّخَ وتثبت ولا تنمحي عن القلب، وفائدة التفكّر تكثيرُ العلم واستجلابُ معرفةٍ ليست حاصلةً. والمعارف إذا اجتمعت في القلب وازدوجت على ترتيب مخصوصٍ؛ أثمرت معرفةً أُخرى، وإذا حصلت معرفةٌ وازدوجت مع معرفةٍ أخرى؛ حصل منه نتاجٌ آخرُ، وهكذا يتمادى النَّتَاجُ، وتتمادى العلوم بتمادي الفكر إلى غير نهاية، وإنما تنسدُّ طريق زيادة المعارف بالموت أو العَوائق(١). ، قوله: ((التفكر في عظيم مخلوقات الله)) سيأتي بعض شرحه في هذه الآيات، وأما التفكر في تقصير النفس وتهذيبها: قال الإمام الغزالي: التفكر في صفات النفس وأفعالها - مِمَّا هو مكروهٌ عند الله أو مَحبوبٌ - ينقسم إلى ظاهر؛ كالطاعات والمعاصي، وإلى باطن؛ كالصِّفات المُنجيات والمُهلكات التي محلُّها القلبُ، والطاعاتُ والمعاصي تنقسم إلى ما يتعلق بالأعضاء السبعة، وإلى ما ينسب إلى جميع البدن؛ كالزَّحف عن صَفِّ القتال، وعُقوق الوالدين، والسكنى(٢) في المسكن الحرام. ويجب في كل واحد من المكاره التفكُّرُ في ثلاثة أُمور: الأول: التفكّرُ في أنه هل هو مكروهٌ عند الله أم لا؟ فرُبَّ شيء لا يظهر كونه مكروهاً، بل يُدرَكُ بدقيق النظر . الثاني: التفكّرُ في أنه [إن] كان مكروهاً؛ فما طريق الاحتراز عنه؟ الثالث: في أن هذا المَكروهَ هل هو مُتَّصِفٌ به في الحال فيتركه؟ أو (١) انظر: ((إحياء علوم الدين)) للغزالي (٤ / ٤٢٥). (٢) في الأصل: ((السكون)). ٤٢٥ هو مُتَعرِّضٌ له في الاستقبال فيحترز عنه؟ أو قارفه فيما مضى من الأحوال فیحتاج إلی تداركه؟ وكذلك كُلُّ واحد من المَحبوبات ينقسم هذه الانقساماتِ، فإذا اجتمعت هذه الأقسامُ؛ زادت مجاري الفكر على مئة، والعبدُ مدفوعٌ إلى التفكُّرِ إما في جميعها أو في أكثرها، وشرحُ هذه الأقسام يطول، ولكن ينحصر في أربعة أنواع: الطّاعاتُ، والمَعاصي، والصِّفاتُ المُهلكاتُ، والصِّفاتُ المُنجياتُ، فلنذكر في كل نوع مثالاً؛ ليُقاسَ به سائرُها، وينفتحَ به بابُ الفکر . النوع الأول: المعاصي : [ينبغي] أن يفتش العبدُ صبيحةَ كلّ يوم جميعَ أعضائه السبعة تفصيلاً، ثم بدنَ على الجُملةِ؛ هل هو مُلابسٌ لمعصية بها فيتركها؟ أو لابَسَها بالأمس(١) فيتداركها بالترك والندم، أو هو مُتَعرِّضٌ لها في نهاره فيستعدَّ للاحتراز والتباعد؟ فينظر في اللسان ويقول: إنه مُتعرِّضٌ للغِيبة، والكذب، وتزكية النفس، والاستهزاء [بالغير]، والمُماراة، والمُمازحة، والخَوضِ فيما لا يعني، إلى غير ذلك، فيتفكر أنه كيف يحترزُ منها؟ ويعلم أنه لا يَتِمُّ له إلا بالعُزلة، أو بأن لا يُجالسَ إلا صالحاً تَقِيّاً يُنكر عليه مهما تكلّم بمكروه، أو يضعُ حَجَراً في فيه حتى يكونُ [ذلك] مُذكِّراً له. ويتفكر في بطنه أنه إنما يعصي اللهَ فيه بالأكلِ والشُّرب؛ إما بكثرة الأكل مِنَ الحلال؛ فإنها مُقَوِّ للشهوة التي هي سلاح الشيطان، وإما بأكل (١) في الأصل: ((الأنس بها))، والتصويب من ((إحياء علوم الدين)) (٤ / ٤٢٨). ٤٢٦