النص المفهرس

صفحات 481-500

يُسمَّى: العَوْنَ، ولم يزل عنده يشهد به المشاهدَ مع رسول الله ◌ِّهِ حَتَّى قُتل
عُكَّاشةُ وهو عنده، قتله طليحةَ الأَسدُّ الكَذَّابُ أيام الرِّدَّة.
وهو الذي قال له رسولُ الله ◌ِّهِ: (مِنَّا خَيرُ فَارسِ في العَربِ)) قالوا:
ومَنْ هو يا رسول الله؟ قال: ((عُكَّاشَةُ بنُ مِحْصَنٍ)) (١).
ولقُوَّة يقينه وشِدَّة حرصه على الخير ورغبته فيما عند الله سبق
الصَّحابَة كلَّهم بقوله: (ادعُ اللهَ أن يجعلني منهم)، ولمَّا لم يكن عند القائم
بعده من تلك الأحوال الشريفة؛ قال له: ((سَبَقكَ بها عُكَّاشةُ)).
وأيضاً؛ فلئلا يطلب كلُّ مَنْ هناك ما طلبه عُكَّاشة، ويتسلسلَ الأمر،
فسَدَّ ◌ََّ البابَ، وهذا أولى مِن قولِ مَن قال: إن الرجلَ كان منافقاً؛ إذ
الأصل في الصحابة صِحَّة الإيمان والعَدالة، ولأنه يبعد أن يصدرَ هذا
السؤالُ عن منافق؛ فإنه يقتضي تصديقاً صحيحاً، ويقيناً ثابتاً(٢).
(ن): ذكر الخطيبُ البغدادي: أن هذا الرجلَ هو سعد بن عُبادة، فإن
صَحَّ هذا؛ بطَل قولُ مَنْ زعم أنه منافق، والأظهر المُختار أنه يكون سبقَ
لعُكَّاشة بوحي أن يُجاب فيه، ولم يحصل لذلك الآخر، أو يكون الرجل
الثاني فيمن لم يستحقَّ تلك المنزلةَ، ولا كان بصفة أهلها (٣).
(مظ): ((بها))؛ أي: بتلك الدَّعوة، أو بتلك المسألة، وفيه:
التحريضُ على المُسارعة في الخيرات، والأدعية الصَّالحة من الصُلَحاء؛
(١) انظر: ((سيرة ابن إسحاق)) (٣/ ١٨٦).
(٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (١ / ٤٦٨).
(٣) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٣/ ٨٩).
٣٨٧

لأن في التأخير موانعَ (١).
٠٠٠
٧٥ - الثَّانِي: عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ ﴾ أيْضاً: أنَّ رَسُولَ اللهِوَ﴿ كَانَ
يَقُولُ: ((اللَّهُمَّ لَكَ أَسْلَمْتُ، وَبِكَ آمَنْتُ، وَعَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ، وَإِلَيْكَ
أَنَبَّتُ، وَبِكَ خَاصَمْتُ. اللَّهُمَّ أَعُوذُ بِعِزَّتِكَ لا إلهَ إلاَّ أَنْتَ أَنْ
تُضِلَّنِي، أَنْتَ الحَيُّ الذي لا تمُوت، وَالجِنُّ وَالإِنْسُ يَمُوتُونَ»
متفقٌ عليه. وَهَذَا لَفْظُ مُسْلِمٍ، وَاخْتَصَرَهُ البُخَارِيُّ.
(الَّانِى)
(نه): (الإنابة): الرُّجوع إلى الله تعالى بالتوبة (٢).
٤
(حس): ((وبك خاصمت))؛ أي: بحُجَّتك أُخاصم مَنْ يخاصمني من
الكفار، وأُجاهدهم(٣).
وقيل: بتأييدك ونُصرتك قاتلتُ، أو: بوحيك ناظرتُ خَصْمِي.
(ق): أي: بإعانتك وتعليمكَ وبكِلاءَتك جادلتُ المُخالفين فيك
حتی خَصَمْتُهم، انتھی (٤).
(١) انظر: ((المفاتيح في شرح المصابيح)) للمظهري (٥ / ٣٠٨).
(٢) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (٥ / ١٢٢).
(٣) انظر: ((شرح السنة)) للبغوي (٤ / ٦٩).
(٤) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٤ / ٤٦).
٣٨٨

* قوله: ((أعوذ بعزتك)»: إنما اختار لفظ العزيز من بين سائر الأسماء
الحُسنى، ولم يذكر برحمتك، وعفوك، وغُفرانك، ونحوه؛ رعايةً لكمال
الأدب؛ فإن الإضلال منه سُبحانه مُسبَّبٌ عن كمال عِزَّته واستغنائه، وكونه
فَعّالاً لِما يُريد، وما يَعبأُ بهم، وللأنبياء عليهم الصلاة والسلام اعتناءٌ عظيم
بحفظ مراسم الأدب.
ومنه قولُ عيسى عليه السلام: ﴿إِن تُعَذِّبَهُمْ فَإَِهُمْ عِبَادُكَّ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ
أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة: ١١٨]، وقولُ إبراهيم: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِيْنِ﴾
[الشعراء: ٨٠].
ومنه قولُ العبد في صلاته: ﴿صِرَطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ
وَلَ الضَّالِينَ﴾ [الفاتحة: ٧].
(ط): (أن تضلني)) مُتعلِّقٌ بـ (أعوذ)؛ أي: أَعوذُ أن تُضِلَّني، وكلمة
التوحيد مُعترِضٌ لتأكيد العزة(١).
* قوله: ((والجن والإنس يموتون)):
(ق): إنما خَصَّهما بالذِّكر؛ لأن هذين النَّوعين هما المُكلَّفان
المقصودان بالتبليغ، انتهى(٢).
أو يقال: لدِقَّة نظرهما في جَلب الأشياء النافعة، ودفع المُؤذيات عن
أنفسها، فسُبحان مَن استأثر بالبقاء، والعبادَ بالفَناء.
(١) انظر: ((شرح المشكاة) للطيبي (٦ / ١٩١٤).
(٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٤ / ٤٦).
٣٨٩

٧٦ - الثَّالِثُ: عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ ﴾ أيضاً، قال: حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ
الوَكِيلُ، قَالَهَا إِبْرَاهِيمُ عليه السلام حِينَ أُلْقِيَ فِي النَّارِ، وَقالَهَا
مُحَمَّدٌ ◌َِحِينَ قَالُوا: إنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ
إِيْمَاناً، وَقَالُوا: حَسْبُنَا الله وَنِعْمَ الوَكِيلُ. رواه البخاري.
وفي روايةٍ له عنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﴿﴾، قال: ((كَانَ آخِرَ قَوْلِ إِبْرَاهِيمَ
عليه السلام حِينَ ألْقِيَ في النَّارِ: حَسْبِيَ الله ونِعْمَ الوَكِيلُ)).
(الثَّالِثُ)
سبق معنى: ﴿حَسْبُنَا اُللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران: ١٧٣] في الآية
الثانية من هذا الباب.
* قوله: ((قالها إبراهيم عليه السلام حين ألقي في النار)) روي: أنهم
كانوا يجمعون الحطبَ شهراً، وأُوقد عليه سبعةً أيام، ثم إنهم لم يعلموا
كيف يُلقونه، فجاء إبليسُ فعلَّمهم المَنْجَنيقَ، فعملوه، ثم رفعوا إبراهيمَ
على رأس البَنان، وقَّدوه ووضعوه في المَنْجنيق مُقيَّداً مَغلولاً، فصاحتِ
السَّماءُ والأرض ومَنْ فيها من الملائكة وجميعُ الخلق إلا الثقلين صَيْحةً
واحدة: أي ربنا، إبراهيمُ خليلُك يُلقى في النار، وليس في الأرض أَحدٌ
يعبدك غيرُه، فأُذَنْ لنا في نُصرته، قال الله وّ: ((إنَّه خَليلي، ليس لي غيرُه
خليلٌ، وأنا إلهُه ليس له إله غيري، فإن استغاثَ بشيء منكم أو دعاه؛
فليَنصُرْهُ، فقد أَذِنتُ له في ذلك، وإن لم يدعُ غيري؛ فأنا أعلم به، وأنا
وَلِيُّه، فخَلُّوا بيني وبينه)).
٣٩٠

فلما أرادوا إلقاءَهُ؛ أتاه خازنُ المِياه فقال: إن أردت أَخمدتُ النارَ،
وأتاه خازنُ الرِّياح فقال: إن شئت طَيَّرتُ النارَ في الهواء، فقال إبراهيم:
لا حاجةَ لي إليكم، حَسْبِي الله ونعم الوكيلُ، ولما رَمُوا به من المَنْجَنيق إلى
النار؛ استقبله جبريلُ فقال: يا إبراهيمُ؛ ألك حاجة؟ قال: ((أَمَّا إليك فلا))،
قال جبريل: فسَلْ رَبَّكَ، قال: ((حَسْبِي من سُؤالي عِلْمُهُ بحَالي)).
قال السُّدِّيُّ: فأخذت الملائكةُ بضَبْعَي(١) إبراهيمَ، فأقعدوه على
الأرض، فإذا عَينُ ماءٍ عَذْبٍ، ووردٌ أَحمرُ ونَرْجِسٌ.
قال كعبٌ: ما أحرقتِ النارُ من إبراهيمَ إلا وِثاقَهُ.
وكان إبراهيمُ في ذلك الموضع سبعةَ أيام، قال: [ما] كنت أياماً قَطُّ
أَنَعمَ مِنِّي من الأيام التي كنت فيها في النار.
قال ابنُ يَسار: وبعث الله رََّ بقَميصٍ من حرير الجَنَّةُ وطِنْفِسَة (٢)،
فأُلبسَ القميصَ، وأَقعده على الطُنْفِسَةِ، وقعدَ معه جبريل يُحدِّثه، وقال له
جبريل: يا إبراهيمُ؛ إن ربك يقول: أما علمت أَنَّ النارَ لا تَضُرُّ أَحِبَّائي.
ونظر نَمْرودُ من صَرْحٍ له فرآه على تلك الحالةِ وما حوله نار تُحرق
الحطبَ، فناداه: يا إبراهيم! كَبُرَ إلهُك الذي بلغت قدرتُه أن حال بينك
وبين ما أرى، يا إبراهيم! هل تستطيع أن تخرج منها، فلما خرج إليه؛ قال
له: يا إبراهيم! مَن الرجلُ الذي رأيته معك في مثل صورتك قاعداً إلى
(١) في هامش الأصل: ((الضَّبْعُ: العَضُد. صحاح)).
(٢) في هامش الأصل: ((الطَِّفِسَةُ: هي بكسر الطاء والفاء ويضمها، لا بكسر الطاء
وفتح الفاء: البساط الذي له خَمَلٌ رقیق)) .
٣٩١

جنبك؟ قال: ذاك ملك الظُّلِّ أرسله ربي ليُؤْنِسني فيها، فقال نمرود:
يا إبراهيم! إني مُقرِّبٌ إلى إلهك قُرباناً؛ لِمَا رأيت من قُدرته وعِزَّته فيما
يَصنعُ بك حين أبيتَ إلا عبادتَه وتوحيدَه، إني أذبح له أربعة آلاف بقرة،
فقال إبراهيم: إذاً؛ لا يقبل الله منك ما دُمت على دينك حتى تفارقه إلى
دينه، فقال: لا أستطيع ترك مِلَّتي، ولكن سوف أذبحها له، فذبحها
نمرودُ، ثم کَفَّ عن إبراهيم عليه السلام، ومنعه الله منه.
قيل: ألقي إبراهيم في النار وهو ابن ستَّ عشرةَ سنةً.
قال الترمذي الحكيم: ورد في الحديث: ((إذا قال العبدُ: حَسْبِي
اللهُ؛ قال الله تعالى: وعِزَّتي؛ لأَكْفِينَّهُ صَادِقاً وكَاذِبً)(١)؛ وهذا لأن السابقَ
المُقرَّبَ وهو المُوفَّق إذا قال: حَسْبي، صَدَّقه بفعله، فهو صادق؛ لأنه
لا يتعلق بعد ذلك قلبُه بالأسباب، وذلك مثل قول إبراهيم حين وضع في
المَنْجنيق من الجبل ليُزْمَى به في النار، وعُرِّي من الكِسْوة، وكُتف بالوثاق،
فقال: ((حَسْبِي الله) فعارضَهُ جبريلُ في الهواء امتحاناً وابتلاءً، فقال: هَل
مِنْ حَاجةٍ يا إبراهيمُ، وهو يَهْوِي في الجَوِّ؟ فقال: ((أما إليك فلا)).
وقد بكت السماوات والأرض والملائكةُ وخُزَّانُ القَطْرِ(٢) لِمَا حَلَّ به،
وجأرت إلى الله، فأمر الله تعالى بنُصرته مَن استغاث به، فلم يلتفت إلى
أحد من خلقه، ولا إلى جبريل، حتى تفرد الله بنُصرته لمَّا لم يلتفت إلى
خلقه، وإنما عارضه جبريلُ في الهواء بما عارضه؛ ليُبرز صدقَ مقالة
(١) انظر: ((نوادر الأصول)) للحكيم الترمذي (ص: ٦٣).
(٢) في هامش الأصل: ((القطر: المطر. صحاح)).
٣٩٢

إبراهيم في قوله: ((حسبي الله)) عن مَكنون قلبه، وليَعلمَ الصادقون من بعده
غايةَ الصدق في المقالات، فاتخذه خليلاً وأشاد بذكره في العالمين، وهو
أَوَّل من يُكسى يوم القيامة؛ لأنه عُرِّي في الدنيا في ذات الله، فبدئ به من
بين الأنبياء، فهكذا يكون قولُ أهل اليقين، والمُخلِّطُ كَذَّبه بفعله(١)؛ حيث
تَعلَّق بالأسباب وبالمخلوقين.
٧٧ - الرَّابعُ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾، عنِ النَّبِيِّ: ﴿ قال:
(يَدْخُلُ الجَنَّةَ أَقْوَامٌ أَفْئِدَتُهُمْ مِثْلُ أَفْئِدَةِ الطَّيْرِ)) رواه مسلم.
قيلَ: مَعْنَاهُ: مُتَوَكِّلُونَ، وَقِيلَ: قُلُوبُهُمْ رَقِيقَةٌ.
* [قوله]: ((مثل أفئدة الطير)»:
(ن): قيل: مثلُها في رِقَّتها وضعفها؛ كالحديث الآخر: ((أَهلُ اليَمنِ
أَرُّ قُلوباً وأَضعفُ أَفِئِدةً».
وقيل: في الخوف والهيبة، والطَّيرُ أكثر الحَيَوان خوفاً وفزعاً، وكما
قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَوْاْ﴾ [فاطر: ٢٨].
وكأن المُرادَ: قومٌ غلب عليهم الخوفُ؛ كما جاء عن جماعات من
السلف في شدة خوفهم، وقيل: المراد المتوكلون(٢).
(١) أي: كذب بفعله قولَه: حسبي الله، فلم يعمل بمقتضاه.
(٢) انظر: ((شرح مسلم) للنووي (١٧ / ١٧٧).
٣٩٣

(مظ): قيل: كونها خالية عن الغِلِّ والحسد، انتهى(١).
وقيل: لكونها خاليةً عن هَمِّ ما يَتقوَّتُ به صباحاً ومساءً، فيكون
إشارةً إلى الحديث الآخر: (تَغْدُو خِمَاصاً، وتَروحُ بِطَاناً)(٢).
(ط): قد تقرر في علم البيان: أن وجه التشبيه إذا أُضمر عَمَّ تناولهُ،
فيكون أبلغَ مِمَّا لو صُرِّح به، فينبغي أن يحمل الحديثُ على المذكورات
كلِّها، ومن ثَمَّ خُصَّ الفؤاد بالذِّكر دون القلب.
قال الراغب: الفؤاد كالقلب، لكن يقال له: فؤاد، إذا اعتُبر فيه معنى
التَّفؤُّد؛ أي: التوقُّد، يقال: فَأَدْتُ اللحمُ: شَويته، ولحمٌ فَتِيدٌ: مَشوِيٌّ،
قال تعالى: ﴿مَا كَذَبَ اَلْفُؤَادُ مَا رَأَ﴾ [النجم: ١١](٣).
٧٨ - الخَامِسُ: عَنْ جَابٍ ﴾: أنَّهُ غَزَا مَعَ النَّبِّوَ﴿ قِبَلَ نَجْدٍ،
فَلَمَّا قَفَلَ رَسُولُ اللهِوَلِ قَفَلَ مَعَهُمْ، فَأَدْرَكَتْهُمُ القَائِلَةُ فِي وَادٍ كَثِيرِ
العِضَاهِ، فَنَزَلَ رسولُ اللهِ وَهِ، وَتَفَرَّقَ النَّاسُ يَسْتَظِلُّونَ بِالشَّجَرِ،
وَنَزَلَ رسولُ اللهِ﴿ِ تَحْتَ سَمُّرَةٍ، فَعَلَّقَ بِهَا سَيْقَهُ، ونِمْنَا نَوْمَةً، فَإِذَا
رسولُ اللهِوَ﴿ يَدْعُونَ، وَإِذَا عِنْدَهُ أَعْرَابِيٌّ، فَقَالَ: ((إنَّ هَذَا اخْتَرَطَ
عَلَيَّ سَيْفِي وَأَنَا نَائِمٌ، فَاسْتَيْقَظْتُ وَهُوَ فِي يَدِهِ صَلْتاً، قَالَ: مَنْ
(١) انظر: ((المفاتيح في شرح المصابيح)) للمظهري (٦ / ١١).
(٢) رواه الترمذي (٢٣٤٤) من حديث عمر بن الخطاب ﴿ه. وهو حديث صحيح.
انظر: ((تخريج أحاديث مشكلة الفقر)) (٢٣).
(٣) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (١١ / ٣٥٥٩).
٣٩٤

يَمْنَعُكَ مِنِّي؟ قُلْتُ: الله) ثَلاثاً، وَلَمْ يُعَاقِبْهُ، وَجَلَسَ. متفقٌ عليه.
وفي روايةٍ: قَالَ جَابِرٌ: كُنَّا مَعَ رسولِ اللهِ وَّهِ بِذَاتِ الرِّقَاعِ،
فَإِذَا أَتَيْنَا عَلَى شَجَرَةٍ ظَلِيلَةٍ تَرَكْنَاهَا لرسولِ اللهِنَّهِ، فَجَاءَ رَجُلٌ منَ
المُشْرِكِينَ، وَسَيْفُ رسولِ اللهِ وَ﴿ مُعَلَّقٌ بِالشَّجَرَةِ، فَاخْتَرَطَهُ
فَقَالَ: تَخَافُنِي؟ قَالَ: ((لا))، قَالَ: فَمَنْ يَمْنَعُكَ مِنِّي؟ قالَ: ((الله).
وَفي رواية أبي بكرٍ الإسماعيلي في ((صحيحِهِ): قالَ: مَنْ
يَمْنَعُكَ مِنِّي؟ قالَ: ((الله))، قال: فَسَقَطَ السَّيْفُ مِنْ يَدِهِ، فَأَخَذَ
رسولُ اللهِوَ﴿ِ السَّيْفَ، فَقَالَ: ((مَنْ يَمْنَعُكَ مِنِّي؟))، فَقَالَ: كُنْ خَيْرَ
آخِذٍ، فَقَالَ: ((تَشْهَدُ أَنْ لا إلهَ إلاَّ اللهُ، وأنِّي رسولُ الله؟))، قال:
لا، وَلَكِنِّي أُعَاهِدُكَ أنْ لا أُقَاتِلَكَ، وَلا أُكُونَ مَعَ قَوْمٍ يُقَاتِلُونَكَ،
فَخَلَّى سَبِيلَهُ، فَأَتِى أَصْحَابَهُ فَقَالَ: جِنْكُمْ مِنْ عِنْدِ خَيْرِ النَّاسِ.
قَوْلُهُ: ((قَفَلَ)): أَيْ: رَجَعَ. وَ«العِضَاهُ»: الشَّجَرُ الَّذِي لَهُ شَوْكٌ.
وَ«السَّمُرَةُ - بِفَتْحِ السِّينِ وَضَمِّ الميمِ - الشَّجَرَةُ مِنَ الطَّلْحِ، وَهِيَ
العِظَامُ مِنْ شَجَرِ العِضَاءِ. وَ«اخْتَرَطَ السَّيْفَ)): أيْ: سَلَّهُ. ((وَهُوَ في
يَدِهِ صَلْتاً): أَيْ: مَسْلَوْلاً، وَهُوَ بِفَتْحِ الصَّادِ وَضَمِّهَا.
* قوله: «قبل نجد» :
(ق): (النجد): المرتفعُ من الأرض، والغَوْرُ: المنخفِضُ منها، هذا
٣٩٥

أصلهما، ثم صارا بحُكم العرف اسمين لجهتين مخصوصتين(١).
الجَوهريُّ: (القائلة): أدركتهم القَائِلَةُ: الظّهيرةُ، وقد يكون بمعنى
القَيلُولة أيضاً، وهي النوم في الظَّهيرة (٢).
* قوله: ((وإذا عنده أعرابي)):
(ن): هذا الرجل اسمه غَوْرثٌ بغين معجمة وثاء مثلثة [و]الغين
مفتوحة، وهو الصواب، وقيل: مضمومة، وقيل: غُوَيْرث على التصغير(٣).
[(ق)]: هذا كان منه ◌َ ﴿ بعدما عصمه الله من الناس، ولم یکن يَحُسه
أحدٌ؛ ثقةً منه بوعد الله، وتوكُّلاً عليه، بخلاف ما كان عليه في أول مرة؛
فإنه بَّه كان يُحرَسُ حتى نزلت: ﴿وَاَللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِّ﴾ [المائدة: ٦٧].
وفيه: جوازُ نوم المُسافر إذا أمن على نفسه، فأما مع الخوف: فالواجب.
التحُّزُ والحذر.
وقول الرجل: ((من يمنعك مني؟)) استفهام مُشرَبٌ بالنفي، كأنه قال:
لا مانع مِنِّي، فلم يُبالِ النبيُّ نَّه بقوله، ولا عَرَّج عليه؛ ثقةً منه بوعد الله
وتَوَكُّلاً عليه، وعلماً منه بأنه ليس في الوجود فاعلٌ إلا الله تعالى؛ فإنه أعلم
الناس بالله، فأجابه بقوله: ((الله)) ثانية وثالثة، فلما سمع الرجلُ ذلك،
وشاهد تلك القُوَّةَ التي فارَقَ بها عن غيره من الناس؛ تحقق صدقَه، وعلم
أنه لا يصل إليه بضَررٍ، وهذا من أعظم الخَوارق للعادة؛ فإنه عَدؤٌ مُتمكّن
(١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٦ / ٦١).
(٢) انظر: ((الصحاح)) للجوهري (٥ / ١٨٠٨) (مادة: قيل).
(٣) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٥ / ٤٥).
٣٩٦

بيده [سيف] شاهر، وموتٌ حاضر، ولا حالَ تَغْيَّرت، ولا رَوْعةَ حصلت،
هذا مُحال في العادات، فوقوعه من أبلغ الكرامات، ووقع [مع] اقتران
التحدِّي به، فيكون من أوضح المُعجزات، انتهى(١).
* قوله: «فسقط السيف من يده»:
قال الحافظ أبو عبدالله محمدُ بن مَعمر: وفي بعض الروايات: قال رسالته:
((اللَّهُمَّ؛ اكفِنِيهِ بمَا شِئتَ))، قال: فانكبَّ لوجهه من زُلَّخَةٍ زُلِّخَها بين كَتِفَيْهِ،
وندر سيفُه(٢).
الزُّلَّخَةُ: بضم الزاي وتشديد [اللام] وفتحها - وحُكي: تخفيفها -
والخاء المعجمة، قال الخَطَّبيُّ: وروي: بالجيم، وهو غلطٌ، وهي وجَعٌ
في الظهر لا يتحرك الإنسان من شِدَّته، انتهى(٣).
وروى ابنُ جرير عن محمد بن كعب القرظي(٤) وغيره: فرَعَدَتْ يدُ
الأعرابيِّ، وسقطَ السيفُ منه، قال: وضربَ برأسه الشَّجرةَ حتى انثرَ دِماغُه،
فأنزل الله مات: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ الآيَةَ [المائدة: ٦٧](٥).
فيُستفاد من هذا: أن نزول آية العِصمة كان بعد قِصَّة الأعرابي، وقد
سبق قول القُرطبي بخلاف هذا.
(١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٦ / ٦٢).
(٢) رواه الثعلبي في ((تفسيره)) (٣/ ٣٧٩)، والخطابي في ((غريب الحديث)) (١ / ٣٠٨).
(٣) انظر: ((غريب الحديث)) للخطابي (١ / ٣٠٨).
(٤) في الأصل: ((القرطبي)).
(٥) رواه ابن جرير الطبري في ((تفسيره)) (٦ / ٣٠٨). وإسناده ضعيف لإرساله.
٣٩٧

* قوله: ((ولم يعاقبه)):
(ن): فيه: جواز المَنِّ على الكافر الحربيِّ وإطلاقه، وفيه: الحَثُّ
على مراقبة الله تعالى والعفو والحِلْمِ، ومُقابلة السيئة بالحسنة، انتهى(١).
قال الحافظ مُحمَّد بن مَعمرٍ: وفيه: جوازُ الارتفاق بما للناس فيه
شرع؛ كمقاعد الأسواق، والأشجار في القفار، وأمثال هذا، وأَنَّ من سبقَ
إلى شيء من ذلك فهو أولی به.
وفيه: استحبابُ إيثار الرَّعيَّة للإمام بما [هو] أَحسنُ وأَطيبُ؛ لقوله:
((تركناها لرسول الله (َ﴾)).
وفيه: استحباب القَيلُولة؛ لما روي في الخبر: ((قِيلُوا؛ فإن الشَّيطانَ
لا يَقِيلُ))(٢).
وفيه: استحبابُ التحدُّث بِنِعَمِ الله؛ لإخباره وَلّ أصحابَه بكرامة
اندفاع العدوِّ منه.
وفيه: مشاركةُ رسول الله وَّرِ أُمَّتَه فيما يرجع إلى العوارض البشرية؛
لاستغراق نومه إياه حتى هجم عليه غَورثُ بن الحارث، وتناول سيفَه
وسَلَّه، وقد صَحَّ أنه وَ له تنام عيناه ولا ينام قلبه؛ تنبيهاً على أنه يشارك البشرَ
في النوم ويخالفهم (٣) في المنام.
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٥ / ٤٤).
(٢) رواه الطبراني في ((المعجم الأوسط)) (٢٨). وهو حديث حسن. انظر: ((صحيح
الجامع الصغير)) (٤٤٣١).
(٣) في الأصل: ((وثباتهم)).
٣٩٨

وفيه: أن مَن يفعلِ الخيرَ لم يَعدَم جوازيَه؛ لعرفان غَورث عارفةً
صَفْحِه عنه، واعترافه له بالفضل حتى قال لأصحابه: جئتكم من عند خير
الناس.
٧٩ - السَّادِسُ: عَنْ عُمَرَ عَه قال: سَمِعْتُ رسولَ اللهَِّ
يَقُولُ: (لَوْ أنَّكُمْ تَتَوَكَّلُونَ عَلَى الهِ حَقَّ تَوَكُلِهِ، لَرَزَقَكُمْ كَمَا يَرْزُقُ
الطَّيْرَ، تَغْدُو خِمَاصاً، وَتَرُوحُ بِطَاناً)) رواه الترمذي، وقال: حديثٌ
حسنٌ.
مَعْنَاهُ: تَذْهَبُ أَوَّلَ النَّهَارِ خِمَاصاً؛ أيْ: ضَامِرَةَ الْبُطُونِ مِنَ
الجُوعِ، وَتَرْجِعُ آخِرَ النَّهَارِ بِطَاناً؛ أَيْ: مُمْتَلِئَةَ الْبُطُونِ.
(الَّاكِينُ)
* قوله: «لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله)):
(ط): أي: بأن تعلم يقيناً أن لا فاعلَ إلا الله، وأن كل موجود؛ مِن
خَلْقٍ ورزقٍ، وعطاءٍ ومنع، وحياة وموت، وغنىّ وفقر، وغيرِ ذلك ممّا
ينطلق عليه اسمُ الموجود، من الله تعالى، ثم تسعى في الطلب على الوجه
الجميل، يشهد لذلك تشبيهُه بالطير؛ فإنها تغدو خِمَاصاً، ثم تَسرَحُ في
طلب القُوت، فتروح بِطاناً، انتهى(١).
(١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (١٠ / ٣٣٣٥).
٣٩٩

فيه: فضيلة التوكل، وأن من فَوَّض أمرَه إلى الله؛ كفاه ورزقه من
حیث لا يحتسب؛ کما يُشاهد من حال الطُّیورِ .
ولقد أَحسنَ القائلُ:
تُقُلِّبُكَ الأَفْكَارُ جَنباً إلى جَنْبٍ
أَلَا أَيَّها العبدُ الضعيفُ إِلى مَتى
كَأَنَّكَ في دُنياكَ عَبدٌ بلا رَبٌّ
تخافُ انقطاعَ الرِّزْقِ واللهُ ضَامِنٌ
خِمَاصاً وَإِذْ راحَتْ بِطَاناً مِنَ الحَبِّ
تَوَكَّلْ على مَنْ يَرزقُ الطَّيرَ إذ غَدَتْ
وفيه: فضيلةُ الطَّلب والكَسْبِ بالمعروف؛ فإن الطيرَ لا يلازمُ وَكْرَهُ،
بل يروحُ طالباً وكاسباً وساعياً، ويرجع وقد سبق إليه رزقُه.
وفيه: فضيلة ترك الادّخار، ومدحُ الاقتصار على ما يُزجِّي به الوقتَ،
ولا يُحمِّل نفسَه هَمَّ رزق یوم لا يدري أیدرِكُه أم لا؟
قال :
طَرِحْتُ الهَمَّ عَنِّي يا سَعِيدُ
إذا ما كانَ عِنْدِي قُوتُ يَومٍ
فَإِنَّ غَداً لَهُ رِزْقٌ جَدِيدُ
ولَمْ تَخْطُرِ هُمومُ غَدٍ ببَالِي
*
٨٠ - السَّابعُ: عَن أَبِي عِمَارَةَ البَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ◌َ﴾، قال: قالَ
رسولُ اللهِ وَّهُ: (يَا فُلانُ! إذَا أَوَيْتَ إلَى فِرَاشِكَ، فَقُلِ: اللَّهُمَّ
أسْلَمْتُ نَفْسِي إِلَيْكَ، وَوَجَّهْتُ وَجْهِي إلَيْكَ، وَفَوَّضْتُ أَمْرِي
إلَيْكَ، وَأَلْجَأْتُ ظَهْرِي إِلَيْكَ، رَغْبَةً وَرَهْبَةً إِلَيْكَ، لا مَلْجَأَ وَلا مَنْجَى
٤٠٠

مِنْكَ إلاَّ إِلَيْكَ، آمَنْتُ بِكِتَابِكَ الَّذِي أَنْزَلْتَ، وَيِنَبِيِّكَ الَّذِي
أَرْسَلْتَ؛ فَإِنَّكَ إِنْ مِثَ مِنْ لَيْلَتِكَ مِتَّ عَلَى الْفِطْرَةِ، وَإِنْ أَصْبَحْتَ
أَصَبْتَ خَيْراً) متفقٌ عليه.
وفي روايةٍ في ((الصَّحيحين)) عَنِ البَرَاءِ، قال: قال لِي
رسولُ اللهِ وَ﴿: ((إِذَا أَتَيْتَ مَضْجَعَكَ فَتَوَضَّأُ وُضُوءَكَ لِلصَّلاةِ، ثُمَّ
اضْطَجِعْ عَلَى شِقِّكَ الأَيْمَنِ، وَقُلْ - وَذَكَرَ نَحْوَهُ، ثُمَّ قالَ : -
وَاجْعَلْهُنَّ آخِرَ مَا تَقُولُ)).
الشّا
* قوله: ((يا فلان)»:
(ط): هو أُسَيدُ بن حُضَيرٍ.
* قوله: ((أسلمت نفسي إليك)):
(ن): أي: استسلمت وجعلت نفسي مُنقادةً طائعة لحكمك، والنَّفسُ
هنا بمعنى الذات كُلِّها(١).
(ق): أي: سَلَّمْتُها لك؛ إذ لا قُدرةَ لي على تدبيرها، ولا على جَلبٍ
ما ينفعها، ولا على دفع ما يَضرُّها، بل أَمرُها إليك مُسلَّمٌ، تفعل فيها
ما تريد، ولا اعتراضَ على ما تفعل ولا مُعارضةً(٢).
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٧ / ٣٣).
(٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٧ / ٣٨).
٤٠١

* قوله: «ووجهت وجهي إليك»:
(ق): قيل: معنى التوجُّه: القَصْدُ والعملُ الصالح(١).
((وفوضت أمري إليك))؛ أي: تَوكَّلتُ عليك في أمري؛ لتكفيني
هَمَّه، وتتولى صلاحَه، ((وألجأت ظهري إليك))؛ أي: أَسندته إليك؛
لتُقوِّيَه على ما يَنفعُني؛ لأن من استند إلى شيء يَقْوَى به.
(ك): فإن قلت: الرَّهبةُ يستعمل بـ (مِنْ).
قلت: ((إليك)) هو مُتعلِّقٌ بـ ((رغبة))(٢)، وأُعطي للرهبة حُكمها، أو هو
من باب:
مُتَقلِّداً سَيفاً ورُمْحاً
وقولهم :
عَلَفْتُهُ تِبْناً ومَاءَ بَارِداً
وقوله: ((لا ملجأ)): هو بالهمزة، ويجوز التخفيف، ((ولا منجى)):
مقصور، وإعرابه كإعراب عصاً، وفي هذا التركيب خمسةُ أوجه؛ لأنه مثل
(لا حولَ ولا قُوةَ إلا بالله)، والفرقُ بين نَصبه وفتحه بالتنوين، وعند التنوين
تسقطُ الألفُ، ثم إنهما إن كانا مصدرين يتنازعان في ((منك))، وإن كانا
مكانين فلا، إذ اسمُ المكان لا يعمل، وتقديرُه: لا ملجأ منك إلى أحد إلا
إليك، ولا مَنْجى إلا إليك(٣).
(١) المرجع السابق، الموضع نفسه.
(٢) في الأصل: ((بمن)).
(٣) انظر: ((الكواكب الدراري)) للكرماني (٣/ ١٠٧).
٤٠٢

(ط): ((مت على الفطرة))؛ أي: على الدِّين القَويم مِلَّةِ إبراهيم عليه
السلام؛ فإنه أسلم واستسلم، وجاء بقلب سليم.
(ق): أي: على دين الإسلام؛ كما في الحديث الآخر: ((مَنْ كانَ
آخرَ کَلَامِهِ لا إلهَ إلا اللهُ؛ دخلَ الجَنََّ»(١).
فإن قيل: [إذا كان] جزاءُ هذه الكلمات المُقتضية لهذه المعاني؛ من
التَّوحيد، والتَّسليم، والرِّضا، وغير ذلك، [الموتَ عن الفطرة] كـ [ما
يموت] مَن قال: لا إله إلا الله، وإن لم يَخطُر له شيءٌ من تلك الأُمور،
فأين فائدة تلك الكلمات العظيمة (٢)؟
فالجواب: أن كلاً منهما وإن مات على فِطْرَةِ الإسلام؛ فبين الفِطْرَتين
ما بين الحالتين، فِطْرةُ الأُولى: فِطرةُ المُقرَّبين والصِّدِّيقين، وفِطْرةُ الثانيةُ:
فِطرةُ أَصحابِ الیمین(٢).
* وقوله: ((وإن أصبحت أصبت خيراً)؛ أي: صلاحاً في حالك
وزيادة في أجرك وأعمالك.
(ن): أي: حصل لك ثوابُ هذه السُّنن، واهتمامِك بالخير،
ومُتابعتِك أمرَ الله وأمرَ رسوله ◌ََّ(٣).
· قوله ◌َّلفي: ((فتوضأ وضوءك للصلاة»:
(ق): هذا الأمر على جهة الندب؛ لأن النومَ وفاةٌ، وربما يكون
(١) رواه أبو داود (٣١١٦) من حديث معاذ بن جبل ظه. وهو حديث صحيح. انظر:
((صحيح الجامع الصغير)) (٦٤٧٩).
(٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٧/ ٣٩)، وما بين معكوفتين منه.
(٣) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٧ / ٣٣).
٤٠٣

موتاً؛ كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَنَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَلَّتِى لَمْ تَمُتْ فِى
مَنَامِهَاً﴾ الآيةَ [الزمر: ٤٢].
ولمّا كان الموت كذلك؛ نَدَب ◌َّهِ النائِمَ إلى أن يستعدَّ للموت
بالطهارة، والاضطجاع على اليمين، على الهيئة التي يوضع عليها في
قبره(١).
* قوله قي: ((ثم اضطجع على شقك الأيمن)):
(قض): لأن التيمُّنَ في جمهور الأمور محبوبٌ، ولأن المباحثَ
الطُّبيةَ دلت على أن أفضلَ هيئة النوم وأنفعَها أن يبتدئ على اليمين، ثم
ينقلب إلى اليسار(٢).
(ن): في هذا الحدیث ثلاثُ سنن:
إحداها: الوضوء عند إرادة النوم، فإن كان مُتوضّاً كفاه ذلك الوضوء؛
لأن المقصودَ النومُ على طهارة مخافةَ أن يموت في ليلته، وليكون أصدقَ
لرؤياه، وأبعدَ من تَلَغُّب الشيطان به في منامه.
الثانية: على الشِّقِّ الأيمن؛ لأنه نَّهِ كان يُحبُّ التيامنَ، ولأنه أسرعُ
إلى الانتباه.
الثالثة: ذكر الله تعالى؛ ليكون خاتمةَ عمله، انتهى(٣).
* قوله ◌َّه: ((واجعلهن آخر ما تقول))؛ أي: من الكلام المُباح في
(١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٧ / ٣٧).
(٢) انظر: ((تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة)) للبيضاوي (٢ / ٨٨).
(٣) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٧ / ٣٢).
٤٠٤

مصالح الدنيا أو ما (١) والاه؛ لأن الذكر باللسان مُستحبٌّ مرغَّبٌ فيه في عامة
الأحوال خصوصاً عند النوم.
روى ابن السُّنِّي عن أبي أمامة قال: سمعت النبيَّ وَّرُ يقول: (مَنْ
أَوى إِلَى فِراشِه طَاهِراً، وذكرَ اللهَ حَتَّى يُدرِكَهُ النُّعَاسُ؛ لَم يَتَقَلَّبْ سَاعةٌ منَ
اللَّيْلِ يسألُ اللهَ فِيهَا خَيْراً مِنْ خَيرِ الدُّنيا والآخِرَة إلاَّ أعطاهُ إِيَّاهُ)(٢).
وروى ابنُ حِبَّان والبزَّارُ عن عليٍّ قال: آخرُ كلام فارقتُ عليه
رسولَ اللهِ وَّهِ أَنْ قلتُ: أيُّ الأَعمالِ أحبُّ إلى الله؟ قال: ((أَن تَموتَ
ولِسَانُكَ رَطْبٌ مِنْ ذِكْرِ اللهِ)(٣).
فإن أُمر بالسكوت بعد هذه الأذكار؛ ربما أُرِّقَ ساعةً، ويفوتُه فضيلةُ
الذكر اللِّساني، ويحتمل أن يراعيَ لفظَ الحديث، ولا يتكلم بعدها، ويلازم
قلبُه المُراقبةَ والتفكِّرَ فيما بين يديه، وهذا روحُ الذكر ولُّه.
٨١ - الثَّامِنُ: عَنْ أَبِي بَكْرِ الصِّدِّيق ◌َظُهِ عبدِالله بنِ عثمانَ بنِ
عامِرِ بنِ عُمَرَ بْنِ كَعْبٍ بْنِ سَعْدِ بْن تَنَّمِ بْنِ مُرَّةَ بْنِ كَعْبٍ بْنِ لُؤَيِّ بْنِ
غَالِبِ القُرَشِيِّ التَّيْمِيِّ ◌َهِ - وَهُوَ وَأَبُوهُ وَأَمُّهُ صَحَابَةٌ حُبه - قال:
(١) في الأصل: ((إما والاه)).
(٢) رواه ابن السني في ((عمل اليوم والليلة)) (٧١٩). وهو حديث ضعيف. انظر: ((تخريج
أحاديث المشكاة)) (١٢٥٠).
(٣) رواه ابن حبان في ((صحيحه)) (٨١٨) بنحوه، من حديث معاذ نظُه. وهو حديث
حسن صحيح. انظر: ((صحيح الترغيب والترهيب)) (١٤٩٢).
٤٠٥

نَظَرْتُ إِلَى أَقْدَامِ المُشرِكِينَ وَنَحْنُ فِي الغَارِ وَهُمْ عَلَى رُؤُوسِنَا،
فقلتُ: يا رسولَ الله! لَوْ أَنَّ أَحَدَهُمْ نَظَرَ تَحْتَ قَدَمَيْهِ لِأَبْصَرَناً.
فقالَ: ((مَا ظَنُّكَ يَا أَبَا بَكْرٍ بِاثْتَيْنِ اللهُ ثَالِثُهُمَا؟)) متفقٌ عليه.
(الثَّاصُِ)
* قول الصديق: ((نظرت إلى أقدام المشركين)):
(ق): كان قِصَّته: أن المشركين اجتمعوا لقتل رسول الله وَّي، وبيَّوه في
داره، فأمر علياً أن يَرقُدَ في فراشه، وقال: ((إنَّهُم لَنْ يَضُرُّوكَ))، فخرج عليهم
رسول الله ێۇ وهم على بابه، فأخذ الله أبصارهم عنه ولم يَرَوْه، ووضع على
رأس كل واحد منهم تُراباً، وانصرف عنهم خارجاً إلى غار ثور، فاختفى
فيه، فأقاموا كذلك حتى أخبرهم مُخْبِرٌ أنه قد خرج عليهم، وأنه وضع على
رؤوسهم الترابَ، فمدُّوا أيديَهم على رؤوسهم، فوجدوا الترابَ، فدخلوا
الدارَ فوجدوا علياً على الفِراش، فلم يَتعرَّضوا له، ثم خرجوا في كل وجه
يطلبون النبيَّ وََّ، ويَقتصُّونَ أَثْرَهُ بقائف كان معروفاً عندهم، إلى أن وصلوا
إلى الغار، فوجدوه قد نسجت عليه العنكبوتُ من حينه، وفَرَّخ فيه الحَمَامُ
بقدرة الله تعالى، فلما رأوا ذلك؛ قالوا: إن هذا الغارَ ما دخله أَحدٌ، ثم صَعِدُوا
إلى أعلى الغار، فحينئذ رأى أبو بكر أقدامَهم، فقال بلسان مقاله مُفصِحاً عن
ضعف حاله: إِنْ نظر أحدُهم إلى قدميه أبصرنا، فأجابه مَن تدَّی فدنا بما
يُذهِبُ عنه الخوفَ والضَّنى بقوله: ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة: ٤٠]؛
أي: بالحِفْظ والسَّلامة والصَّوْن والكرامة.
ثم إن النبيَّ نَّ أقام في الغار ثلاثةَ أيام، ثم تَجهَّزَ وهاجر إلى
٤٠٦