النص المفهرس

صفحات 441-460

(الباب السادس)
(في التقوى)
(الغزالي): هو مصدر الوقاية، يقال: وقى وقاية ووَقْوَى(١)، فأبدلت
عن الواو تاء؛ كما في الؤُكلان والتُّكلان، وهو: تَنْزِيه القلب عن ذَنبٍ لم
يَسبق عنك مثلُه، حتى يجعلَ العبدُ من قُوَّة العَزم على تركها وقايةً بينه وبين
المعاصي .
والتقوى في القرآن تطلق على ثلاثة معانٍ:
أحدها: الخشية، قال الله تعالى: ﴿وَإِذَنِىَ فَاتَّقُونِ﴾ [البقرة: ٤١]، وقال:
﴿ وَأَتَّقُواْ يَوْمًا تُرَجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللّهِ﴾ [البقرة: ٢٨١].
والثاني: بمعنى الطاعة، قال الله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ اتَّقُواْ اللَّهَ
حَقَّ تُقَائِهِ،﴾ [آل عمران: ١٠٢].
والثالث: بمعنى تنزيه القلب عن الذُّنوب، وهذه هي الحقيقة في
التقوى دون الأَوَّلَيْنِ، إلا أن يقال: إن الله يقول: ﴿وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ.
وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَآيِزُونَ﴾ [النور: ٥٢]، ذكر الطاعة والخَشْية ثم ذكر
التقوى، فعَلمتَ أن حقيقةَ التقوى معنىً سوى الطاعة والخَشْية، وهي تنزيهُ
القلب على ما ذكرنا، هذا ما قاله(٢) العلماء.
قلت: أنا وجدت التقوى بمعنى اجتناب فُضول الحلال، وهو ما روي
في الخبر: أنه بَ﴿ قال: ((إِنَّمَا سُمِّي المُثَّقون مُتَّقِينَ؛ لتَرْكِهمْ مَا لا بأسَ بهِ؛
(١) في الأصل: ((وقى)).
(٢) في الأصل: ((ما له)).
٣٤٧

حَذَراً مِمَّا بِه بَأْسٌ))(١).
فأحببت أن أجمعَ بين ما قاله علماؤنا وبين هذا الخبر، فنقول: هي
تَنزِيهُ القلب عن شَرِّ لم يسبق عنك مثله بقوة العَزْم على تَركه، حتى يصيرَ
ذلك وقايةً بينك وبين كُلِّ شَرٍّ.
ثم الشُّرور ضربان: شَرِّ أصلي؛ كالمعاصي المَخْضةِ، وشَرِّ غير أصلي،
وهو ما نُهي عنه تأديباً؛ وهو فُضول الحلال؛ كالمُباحات المأخوذة بالشَّهوات.
فالأُولی: تقوی فرض، ویلزم بترکها عذاب النار.
والثانية: تقوى زَجْرٍ وأدب يلزم بتركها الحَبْسُ والحسابُ واللَّوم
والتَّعْيير(٢).
* [قوله تعالى: ﴿يَتُهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَائِهِ﴾ [آل عمران: ١٠٢]]
روى ابن مَرْدَويه عن عبدالله قال: قال رسولُ اللهِ وَالِ: ((﴿أَثَّقُوا اللَّهَ حَقَّ
تُقَائِ﴾ [آل عمران: ١٠٢]: أَنْ يُطَاعَ فَلا يُعْصَى، ويُشْكَرَ فلا يُكْفَرَ، ويُذْكَرَ فَلا
يُنْسَى)).
وكذا رواه الحاكم في ((مستدركه))(٣) مُصَحِّحاً على شرطهما، والأظهرُ
الأشهر أنه مَوقوفٌ على ابن مسعود(٤).
(١) رواه الثعلبي في ((تفسيره)) (١ / ١٤٣)، ورواه بنحوه الترمذي (٢٤٥١) وقال: حسن
غريب .
(٢) انظر: ((منهاج العابدين)) للغزالي (ص: ٢٧ - ٢٨).
(٣) رواه الحاكم في ((المستدرك)) (٣١٥٩).
(٤) وهو كما قال، أما المرفوع فهو منكر. انظر: ((السلسلة الضعيفة)) (٦٩٠٩).
٣٤٨

ورُوي عن أنس أنه قال: لا يَتَّقِي العبدُ اللهَ حَقَّ تُقَاته حتى يَخْزُنَ من
لسانه(١).
وقد ذهب سعيدُ بن جبير، وأبو العَالية، والربيعُ بن أنس، وقتادةُ،
ومُقاتل بن حَيَّان، وزيد بن أسلمَ، والسُّدِّي، وغيرهم: إلى أن هذه الآيةَ
منسوخةٌ بقوله تعالى: ﴿فَنَّقُواْاللَّهَ مَا أَسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦].
وقال ابن عباس : لم تنسخ، ولكن حقّ تقاته: أن يجاهدوا في
سبيله حَقَّ جهاده، ولا تأخذَهم في الله لومةُ لائم، ويقوموا بالقسط ولو
على أنفسهم وآبائهم وأبنائهم.
(م): جمهور المُحقِّقين على أن القول بالنسخ في هذه الآية باطلٌ؛ لِمَا
روى مُعاذٌ: أنه بَِّ قال: ((حَقُّ الله تعالى على العِبَادِ هو أَنْ يَعبدُوهُ ولا يُشْرِكُوا
به شَيْئًا)(٢)، وهذا مِمَّا لا يجوز أن ينسخ؛ لأنه إباحةٌ لبعض المعاصي، وإذا
كان كذلك؛ صار معنى هذا ومعنى قوله: ﴿فَأَنَّقُواْ اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]
واحداً؛ لأن من اتقى [الله] ما استطاع؛ فقد اتقاه حَقَّ تُقَاتِهِ(٣).
قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَتَّقُواْ اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ [الأحزاب:
٧٠]: أمر عبادَه بتقواه، وأن يعبدوه عبادةَ من يراه، وأن يقولوا قولاً سديداً
لا اعوجاجَ فيه ولا انحرافَ(٤).
(١) رواه ابن أبي شيبة في ((المصنف)) (٣٤٧٥٤).
(٢) رواه البخاري (٢٧٠١).
(٣) انظر: ((تفسير الرازي)) (٣/ ١٤١).
(٤) انظر: ((تفسير ابن كثير)) (١١ / ٢٤٩).
٣٤٩

وروى ابن أبي حاتم عن أبي موسى قال: صَلَّى بنا رسولُ اللهِ وَهـ
صلاةَ الظُّهر، فلمَّا انصرفَ؛ أَوْماً إلينا بيده فجلسنا، فقال: ((إنَّ اللهَ أَمَرِنِي
أَنْ آمُرَكُمْ أَن تَّقوا [اللها وتَقُولوا قَولاً سَدِيداً) ثم أتى النساءَ فقال: ((إنَّ الله
أَمَرِنِي أَن آمُرَكُنَّ أَنْ تَّقِينِ اللهَ، وتَقُلْنَ قَولاً سَدِيدا)(١).
* قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ, مَخًْا﴾؛ أي: من كلِّ شيء ضاق
علی الناس، قالہ الربيع بن خُثیم.
قال ابن مسعود ومَسروقٌ: أي: يعلم أن الله إن شاء منع، وإن شاء أعطى.
وقال قتادة: أي: من شُبُهات الأُمور والكَرْب عند الموت(٢).
روى الإمام أحمد عن أبي ذَرِّ ﴿به قال: جعل رسولُ الله ◌ِ لفي يتلو عليَّ
هذه الآيةَ: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَحًا﴾ [الطلاق: ٢] حتى فرغ من الآية، ثم
قال: ((يا أَبا ذَرًّ! لَوْ أَنَّ النَّاسَ كُلَّهُمْ أَخذُوا بِهَا كَفَتْهُم))، فجعل يتلوها
ويُردِّدُها عليَّ حتى نَعَستُ، ثم قال: ((يا أبًا ذَرًّا كَيفَ تَصنعُ إذا أُخْرِجتَ منَ
المَدِينةِ؟)) قلت: إلى السَّعَةِ والدَّعَةِ أَنطلقُ، فأكونُ حمامةً من حمام مكَّةَ،
قال: ((كَيفَ تَصنعُ إذا أُخرِجتَ من مَكَّةَ؟)) قال: قلت: إلى الدَّعَةِ والسَّعَةِ
إلى الشَّامِ والأَرضِ المُقدَّسةِ، قال: ((كَيفَ تَصنعُ إذا أُخرِجتَ منَ الشَّامِ؟»
قلت: إذاً؛ والذي بعثك بالحق؛ أَضَعُ سَيفي على عَاتِقي، قال: ((أَو خيرٌ
من ذلك؟ تَسْمِعُ وتُطِيعُ وإِنْ كانَ عَبداً حَبَشِيًّا)(٣).
(١) رواه ابن أبي حاتم في ((تفسيره)) (١٠ / ٣١٥٨)، ورواه الإمام أحمد في ((المسند))
(٤ / ٣٩١)، وسنده ضعيف كما ذكر محققو المسند.
(٢) انظر هذه الأقوال في ((تفسير ابن كثير)) (١٤ / ٣٢).
(٣) رواه الإمام أحمد في ((المسند)) (٥ / ١٧٨). وإسناده ضعيف كما ذكر محققو ((المسند)).
٣٥٠

وروي أيضاً عن عبدالله بن عباس ﴿4﴾ قال: مَنْ أكثر من الاستغفار؛
جعل الله له مِنْ كل هَمِّ فَرَجاً، ومِنْ كُلِّ ضِيقٍ مَخْرجاً، ويرزقه مِنْ حيث
لا يحتسبُ.
وعن ثوبان قال: قال رسولُ الله وَّةِ: ((إِنَّ العَبْدَ لَيُحْرَمُ الرِّزْقَ بالذَّنْبِ
يُصيبُهُ))، رواه النسائي وابن ماجه(١).
وقال محمد بن إسحاق: جاء مالكٌ الأَشْجَعِيُّ إلى رسول الله وَّ فقال
له: أُسِرَ ابنِي عَوفٌ، فقال رسول الله وَّهِ: ((أَرسِلْ إليه: أَنَّ رسولَ الله يَأْمُرك أن
تُكْثِرَ من قول: لا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إِلاَّ باللهِ»، وكانوا قد شَدُّوه بالقِدِّ، فسقط القِدُّ
عنه، فخرجَ فإذا هو بناقة لهم، فركبها وأقبل، فإذا بسَرْحٍ للقوم الذين كانوا قد
شَدُّوه، فصاحَ بهم فأَتبع أَوَّلَها وآخرَها، فلم يفجأ أبويه إلا وهو يُنادي بالباب،
فقال أبوه: عَوْفٌ ورَبٌّ الكعبة، فقالت أمه: واسَوْأتاه، وعوفٌ كيف يقدَمُ؟
لِمَا هو فيه من القِدِّ، فاستبقا البابَ والخادمَ؛ فإذا عَوفٌ قد ملأ الغِناءَ إِيلاً، فقَصَّ
على أبيه أَمْرَه وأَمْرَ الإبل، فقال أبوه: قفا حتى آتيَ رسولَ الله وَّه، فأسألَه
عنها. فأتى رسولَ الله ◌َيرٍ فأخبره بخبر عوف وخبر الإبل، فقال رسول الله يجهله :
((اصنع بها ما أحببت(٢)، وما كُنتَ صَانعاً بمَالِكَ))، ونزل: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل
لَّهُ مَخْرَجً ا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: ٢ -٣]))، رواه ابن أبي حاتم(٣).
(١) رواه ابن ماجه (٤٠٢٢). وهو حديث ضعيف. انظر: ((ضعيف الجامع الصغير))
(١٤٥٢).
(٢) في الأصل: ((احتسبته)).
(٣) رواه ابن أبي حاتم في ((تفسيره)) (١٨٩١١). وهو حديث ضعيف. انظر: ((ضعيف
الترغيب والترهيب)» (٩٧٢).
٣٥١

وعن عِمْرانَ بن حُصَين قال: قال رسول الله وَّهِ: ((مَنْ اِنقطعَ إلى الله
كَفَاهُ اللهِ كُلَّ مُؤْنَةٍ ورَزَقَهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ، ومَنِ انقطعَ إلى الدُّنيا وُكِلَ
إِلَيْهَا»، رواه ابن أبي حاتم أيضاً(١).
وَأَمّا الأحَادِيثُ:
٦٩ - فالأوَّلُ: عَنْ أبي هُرَيْرَةَ ﴾ قال: قِيلَ: يا رسولَ الله!
مَنْ أُكْرَمُ النَّاسِ؟ قال: (أَتْقَاهُمْ). فقَالُوا: لَيْسَ عَنْ هَذَا نَسْأَلُكَ،
قَالَ: ((فَيُوسُفُ نَبَيُّ اللهِ بْنُ نَبَيِّ الله بْنِ نَبَيِّ اللهِ بْنِ خَليلِ اللهِ». قالوا:
لَيْسَ عَنْ هَذَا نَسْأَلُكَ، قال: ((فَعَنْ مَعَادِنِ العَرَبِ تَسْأَلُونِي؟
خِيَارُهُمْ فِي الجَاهِلِيَّةِ خِيَارُهُمْ في الإسْلامِ إِذَا فَقُهُوا)) متفقٌ عليه.
و(فَقُهُوا)) بِضَمِّ القَافِ عَلَى المَشْهُورِ، وَحُكِيَ كَسْرُهَا؛ أَيْ:
عَلِمُوا أَحْكَامَ الشَّرْعِ.
(الأَوْاُ)
* قوله: ((من أكرم الناس)):
(ن): قالوا: يا رسولَ الله مَن السَّيدُ؟ قال: ((يُوسفُ بنُ يعقوبَ بن
إِسحاقَ بنِ إبراهيمَ)) قالوا: فما في أُمتك مِن سَيِّدٍ؟ قال: ((بلَى، مَنْ آتاه اللهُ
(١) رواه ابن أبي حاتم في ((تفسيره)) (١٨٩١٣). وهو حديث ضعيف. انظر: ((السلسلة
الضعيفة)) (٦٨٥٤).
٣٥٢

مَالاً، ورُزِقَ سَمَاحَةً، فَأَدَّى شُكْرَهُ، وقَلَّت شِكَايتُهُ فِي النَّاسِ)).
(ط): يحتمل أن يُرادَ به: أكرمُ عند الله مطلقاً من غير نظر إلى النَّسب
ولو كان عبداً حَبشِيّاً، وأن يُرادَ به الحَسَبُ معَ النَّسَب، وأن يُرادَ به الحَسبُ
فحَسْبُ، وكان سؤالهم عن هذا لقوله وَّهِ: ((فَعَنْ مَعادِنِ العَربِ؟))؛ أي:
عن أُصولهم التي يُنسَبون إليها، فسلك ◌َِّ الأُسلوبَ الحَكيم على ألطف
وجه حيث جمع بين الحَسَبِ والنَّسْبِ وقال: ((إذا فَقُهُوا))(١).
(ن): الكرم كثرة الخير، وقد جمع يوسفُ عليه السلام مكارمَ
الأخلاق مع شَرف النبوة مع شَرف النَّسَب، وكونه نبياً ابن(٢) ثلاثة أنبياء
متناسلين(٣) أحدُهم خليل الله علیه السلام، وانضمّ شرفُ علم الرُّؤيا وتمُّنه
فيه، ورياسةُ الدنيا ومُلكها بالسيرة الجميلة، وحياطةِ الرَّعِيَّة، وعُمومٍ نفعه
إياهم وشفقتِهِ عليهم وإنقاذِه إياهم من تلك السِّنين.
قال العلماء: ولمَّا سئل ◌َّهِ: أيُّ الناس أكرمُ؟ أخبر بأكمل الكرم
وأَعمِّه فقال: ((أتقاهم الله))، ومن كان مُتَّقياً كان كثيرَ الخير، وكثيرَ الفائدة
في الدنيا، وصاحبَ الدَّرجات العُلى في الآخرة، فلمَّا قالوا: ليس عن هذا
نسأل، قال: ((يوسفُ)) الذي جمع خيراتِ الدُّنيا والآخرة وشرفَهما، فلما
قالوا: ليس عن هذا نسأل؟ فَهِمَ أن مُرادَهم قبائلُ العرب، قال: ((خِيارُهم
في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا)).
(١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (١٠ / ٣١٤٤).
(٢) في الأصل: ((بين)).
(٣) في الأصل: ((متراسلين)).
٣٥٣

ومعناه: أن أصحاب المُروءات ومكارم الأخلاق في الجاهلية إذا
أسلموا وفَقُهوا؛ فهُم خيار الناس.
قال القاضي: قد تضمَّنت هذه الأجوبةُ الثلاثة [أن] الكرمَ كلَّه،
عُمومَه وخُصوصَه، ومُجملَه ومُعَيَّنْهُ، إنما هو بالدِّين؛ من التقوى والنبوة
والإعراق فيها، والإسلام مع الفقه.
ومعنى ((معادن العرب»: أصولها .
و((فقهوا)) بضم القاف على المشهور، وحُكي كسرها؛ أي: صاروا
فُقهاءَ عالمين بالأحكام الشرعية الفقهية.
و((يوسف) بضم السين وكسرها وفتحها مع الهمز وتركه، فهي سِتَّة
أوجُه(١).
(ق): قوله: (أتقاهم) منتزع من قوله تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَ مَكُرْ عِندَ اللَّهِ
أَنْقَنَكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣]، أجابهم بجواب كُلِّي، ثم نزل إلى ما يقابلُه، وهو
الخُصوص بمُعيَّن، ثم تبين له أن سؤالَهم عن العرب، فأجاب: أن من
اجتمع له شرفُ الآباء، ومكارمُ الأخلاق، وصنائعُ المعروف، مع شرف
دين الإسلام والتفقه فيه؛ فهو أَحَقُّ بهذا الاسم، فهذا نوعٌ من الأنواع
المتوسطة بين الجِنْسِ الأَعمِّ والنَّوعِ الأَخَصِّ.
وفي الحديث: ما يدل على شَرف الفقه في الدِّين، وأن العالمَ يجوز
له أن يُجيبَ بحسب ما يظهر له، ولا يلزمه أن يَستفصِلَ السائلَ عن تعيين
الاحتمالات، إلا أن يخافَ على السائل غلطاً أو سُوءَ فهم، فَيستفصِلُه.
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٥ / ١٣٤).
٣٥٤

وفيه: الردُّ على من قال: إن إخوةَ يوسفَ كانوا أنبياءَ؛ إذ لو كانوا
كذلك لشاركوا يوسفَ في ذلك المعنى.
و(المَعدِنُ): مُشتقٍّ من عَدَنَ؛ أي: أقام، والعَدْنُ: الإقامة، ولمَّا
كانت أُصولُ قبائل العرب ثابتة؛ سُمِّيت مَعادنَ(١).
(ط): إنما جعلت مَعادِنَ؛ لما فيها من الاستعدادات المُتفاوتة؛ فمنها
ما هي قابلة لفَيْضِ الله تعالى على مراتب المعادن، و[منها] معادن [غير] قابلة
لها .
وقوله: ((إذا فقهوا)) [جملة] مُبينة للتفاوت بعد حصول تلك الاستعدادات
فيها، أراد به: أن التفاوتَ في الجاهلية بحسب الإنسان، وشرف الآباء، وکرم
الأصل، وفي الإسلام: بحسب العلم والحكمة، فالشرف الأول مَوْروتٌ،
والثاني مُکتسبٌ.
فإن قلت: ما فائدةُ التقييد بقوله: ((إذا فقهوا))؛ لأن كلَّ من أسلم
وكان شريفاً في الجاهلية؛ فهو خَيرٌ من الذي لم يكن [له] شرفٌ فيها،
سواء فَقُه أو لم يَفْقَه؟
قلت: ليس كذلك؛ فإن الإيمان يرفع التفاوتَ المُعتبرَ في الجاهلية،
فإذا تَحلَّى الرجلُ بالعلم والحِكمة؛ استجلَب النسبَ الأصليَّ، فيجتمعُ
شرفُ النسب مع شرف الحَسَب؛ انظر إلى تلك المَنْقَبَةِ السَّنِيَّة كيف رَدَّ
يُمنها وبركتُها ما رفعه الإسلامُ من الشَّرف المَوروث؟!
ونِعْمَ ما قال الأحنفُ: كلُّ عِزِّ لم يُوطَّدْ بعلم؛ فإلى ذُلِّ ما يصيرُ.
(١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٦ / ٢٢٧).
٣٥٥

وقال آخر :
بِمُخْتَسَبٍ إلَّ بآخَرَ مُكتَسَبْ
وما الشَّرفُ المَوْرُوثُ لا دَرَّ دَرُّهُ
مِنَ المُثْمِراتِ اعتدَّهُ الناسُ فِي الحَطَبْ
إذا العُودُ لم يُثْمِرْ وإنْ كانَ شُعْبةً
روي: أن فَزاريّاً شكا إلى عمر بن الخطاب ◌َّه من لَطْمَةٍ لطمها جَبَلةُ
بن الأَيهم، فأمر بالقِصاص، فقال جَبَلةُ: أتقتصُّ منِّي وأنا مَلِك وهو
سُوقَةٌ؟! فقال: شمَلك وإياه الإسلامُ، فما تَفَضُلُه إلا بالعاقبة(١).
٧٠ - الثَّانِي: عَنْ أبي سَعيدِ الخُدْرِيِّ ◌َ﴿ه، عن النبي ◌َّه
قال: ((إنَّ الدُّنْيَا حُلْوَةٌ خَضِرَةٌ، وَإِنَّ الله مُسْتَخْلِفُكُمْ فِهَا، فَيَنْظُرَ
كَيْفَ تَعْمَلُونَ، فَاتَّقُوا الدُّنْيَا، واتَّقُوا النِّسَاءَ، فَإِنَّ أوَّلَ فِتْنَةٍ بَنِي
إِسْرَائيلَ كَانَتْ في النِّسَاءِ» رواه مسلم.
(الثانى)
* قوله : ((إن الدنيا خضرة حلوة)»:
(ن): یحتمل أن يراد به شيئان :
أحدهما: حُسنها للنفوس ونضارتُها ولَذَّاتها، كالفاكهة الخَضِرة
الحُلوة؛ فإن النُّفوسَ تطلبها طلباً حثيثاً(٢)، فكذا الدنيا.
(١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٢ / ٦٦١).
(٢) في هامش الأصل: ((حثيثاً؛ أي: سريعاً)).
٣٥٦

والثاني: سرعةُ فَنائها كالشيء الأخضر في هذين الوصفين، انتهى.
قيل: إن حلاوةَ المَطْعَم مع خُضْرة المَنظر قلَّما تجتمع في مطعومٍ
واحد، فإذا اجتمعا؛ كان الغايةَ في رغبة النفس إليه.
وصف النبيُّ وَ﴿ نِعمَ الدنيا بكونها خضرة؛ أي: العين تلتذ بالنظر
إليه، حلوة؛ أي: النفس تشتهيه.
قال الترمذيُّ الحَكيم: الخضراء من الشجر كالآس ونحوه تدومُ خُضرته
في الصَّيف والشِّتاء، وكذلك المالُ منفعتُها دائمةٌ؛ لأنه ثَمَنُ الأشياء، فإذا جاء
المال قُضيت الحوائجُ والمُنى، فهي خَضِرَةٌ، وحُلِّيت في النفوس؛ لأن
الشَّهواتِ والمُنی بها تنال.
* قوله: ((إن الله مستخلفكم فيها))؛ أي: يجعلكم خلفاً من القَرْن الذين
من قبلكم(١).
(ق): فإنها لم تَصِلْ إلی قوم إلا بعد ذهاب آخرين .
((فينظر كيف تعملون))؛ أي: يُبصر أعمالكم، فيُجازي كلَّ بعمله.
قال العلماء: ليس معناه: يبتليكم ليعلم ما لم يعلم؛ فإنه قد عَلِمَ كلَّ
ذلك فيما لم يَزَلْ، قبل أن يبرأَ البَرِيَّة ويخلُقَ الخَلِيقَةَ، بل المعنى: أنه راءٍ ما
تصنعون، فيجازيكم عليه، وهذا كقوله تعالى: ﴿عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ
عَدُوَكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِىِ الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ ﴾ [الأعراف:
١٢٩].
وهذا تهديد؛ يعني: أن الله تعالى خلق الدُّنيا طَيِّبة حُلْوةً ناعمة،
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٧ / ٥٥).
٣٥٧

واستخلفكم بعد الذاهبين، وأَمرَكم ونهاكُم، وهو على الرَّصْدِ لِمَا تفعلون.
(مظ): ((فاتقوا الدنيا))؛ أي: احذروا(١) من الاغترار بما في الدنيا،
فإنه في وَشْكِ الزَّوال، وسُرعةِ الانتقال، واحذروا أن تميلوا إلى النِّساء،
وتقبلوا قولَهُنَّ في الإقبال على الدنيا؛ فإنهن ناقصاتُ عقل، لا خيرَ في
کلامهن غالباً(٢).
(ق): فِتنتهُنَّ على الرجال أشدُّ كلِّ فتنة، والمِحْنةُ بهن أعظم كلٌّ
محنة؛ لأن النفوسَ مَجبولةٌ على المَيْل إليهن، مع نقص عُقولهن، وفساد
آرائهنَّ، ومَنْ ملك قیادَهُ سَفيهٌ ناقصٌ؛ فجَدُّهْ نَاكِصٌ(٣).
(ن): يدخل في النساء الزوجاتُ وغيرُهن، وأكثرهن فتنةً الزوجاتُ؛
لدوام فِتْنَتِهِنَّ، وابتلاء أكثر الناس بهِنَّ(٤).
(مظ): وأول فتنة بني إسرائيل: أن رجلاً منهم اسمُه عَامِيلُ(٥) طلب
منه ابنُ أخيه - وقيل: ابنُ عمه - أن يُزوِّجَه ابنتَه، فلم يزوجها منه، فقتله
لِيَنكِحَ بنتَه، وقيل: ليَنكِحَ زوجتَه، وهو الذي نزلت قصةُ البقرة فيه، والله
أعلم بصحته، انتھی(٦).
(١) في الأصل: ((اتقوا الدنيا؛ أي: اتقوا الدنيا؛ أي: احذروا)).
(٢) انظر: ((المفاتيح في شرح المصابيح)) للمظهري (٤ / ١١).
(٣) انظر: (المفهم)) للقرطبي (٧/ ٣١٣).
(٤) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٧ / ٥٥).
(٥) في الأصل: ((عابيل)).
(٦) انظر: ((المفاتيح في شرح المصابيح)) للمظهري (٤ / ١١).
٣٥٨

لا شَكَّ أن في بني إسرائيل كان فِتَنٌ جَمَّةٌ، وأولُ فتنة بني إسرائيل كان
فتنةَ يوسفَ مع امرأة العزيز؛ لأن إسرائيلَ هو يعقوبُ عليه السلام،
ويوسُفُ ابنه، ففتنته معها أول فتنة بني إسرائيل في النساء، وهذه فتنة
عظيمة ثابتة بالنصِّ، ولم يذكر الأَخْباريون لأولاد يعقوبَ [فتنة] غيرِه في
النساء، وأما قِصَّةُ البقرة: فكانت في زمن موسى صلوات الله عليه.
٧١ - الثَّالِثُ: عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﴿: أَنَّ: التَّبِيِلَّهِ كَانَ يَقُولُ:
(اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الهُدَى وَالتُّقَى، وَالعَفَافَ وَالغِنَى)) رواه مسلم.
(الثَّالِثُ)
* قوله: ((الھدی)» :
(ق): يعني: إلى الصِّراط المُستقيم، وهو صِراطُ الذين أنعمَ الله عليهم(١).
قوله: ((والتقى)) حاصله: امتثال أوامر الله، واجتناب نواهيه.
(ن): ((العفاف)): هو التنزُّهُ عَمَّا لا يُياح، والكَفُّ عنه، والغِنِى غِنَی
النفس، والاستغناءُ عن الناس، وعَمَّا في أيديهم(٢).
(ط): أطلق الهدى والتقى ليتناول كُلَّ ما ينبغي أن يُهتدى إليه من أمر
المَعاش والمَعاد ومكارم الأخلاق، وكلَّ ما يجب أن يُتَّقى عنه من الشِّرك
(١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٧ /٤٩).
(٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٧ / ٤١).
٣٥٩

والمَعاصي ورَذائل الأخلاق، وطلبُ العفافَ والغِنى تخصيصٌ بعد التَّعميم(١).
٧٢ - الرَّابعُ: عَنْ أَبِي طَرِيفٍ عَدِيٍّ بْنِ حَاتِمِ الطَّائِّ
قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِوَ﴿ يَقُولُ: ((مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ، ثُمَّ
رَأَى أَنْقَى اللهِ مِنْهَا، فَلْيَأْتِ التَّقْوَى)) رواه مسلم.
* [قوله: ((من حلف على يمين))]
(نه): ((الحلف)): هو اليمين، وأصله: العَقْدُ بالعَزْم والنية، فخالف
بين اللفظين؛ أي: ((حلف))، و((على يمين))؛ تأكيداً لعَقْدِه، وإعلاماً أن لغوَ
اليمين لا ينعقد(٢).
(ط): أقول: يؤيد هذا الوجهَ ما رواه النسائيُّ عن أبي موسى قال:
قال رسولُ الله ◌َّهِ: ((مَا عَلَى الأَرْضِ يَمِينٌ أَخْلِفُ عليهَا فَأرى غيرَها خَيْراً
مِنْها إِلاَّ أَتَيْتُهُ))(٣)؛ فإنه لا يدل إلا على التأكيد؛ لأن (أحلف عليها) صفةٌ
مُؤكِّدة لـ (يمين)؛ نَحْوُ: أَمسِ الدَّابرُ لا يعودُ؛ أي: مَنْ حلفَ على حَلِفٍ ؛
کقول المتنبي :
أَرَقٌ على أَرَقٍ ومِثْلِيَ يَأْرَقُ
(١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٦ / ١٩٢٤).
(٢) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (١ / ٤٢٥).
(٣) رواه النسائي (٣٧٧٩). وهو حديث صحيح. انظر: ((صحيح الجامع الصغير))
(٥٦٤٠).
٣٦٠

المعنى: مَنْ حلف يميناً جَزْماً لا لغواً، ثم بدا له أمرٌ آخَرُ إمضاؤُه
أفضلُ من إبْرار يمينه؛ فليأتِ ذلك الأمرَ، ويُكَفِّرْ عن يمينه (١).
(ن): إن كان الحِنْثُ خيراً يُستحبُّ له الحِنْثُ، ويلزمه الكَفَّارةُ، وهذا
متفق عليه، وأجمعوا على أنه لا يجب الكَفَّارةُ قبل الحِنْث، وعلى أنه يجوز
تأخيرها على الحِنْثِ، وعلى أنه لا يجوز تقديمُها قبل اليمين، واختلفوا في
جوازها بعد اليمين، وقبل الحِنْث، فجوَّزها مالكٌ والأَوزاعيُّ والثَّورِيُّ
والشَّافعيُّ، وأربعةَ عشرَ صحابياً، وجماعاتٌ من التابعين، وهو قولُ
جماهير العُلماء، لكن قالوا: يستحبُّ كونُها بعد الحِنْثِ.
واستثنى الشافعيُّ التكفيرَ بالصَّوم فقال: لا يجوز قبل الحِنْث؛ لأنه
عبادةٌ بدَنِيَّةٌ، فلا يجوز تقديمُها على وقتها؛ كالصَّلاة، وصَوم رمضان، وأما
التكفير بالمال: فيجوزُ تقديمُه؛ كما يجوز تعجيلُ الزكاة.
واستثنى بعض أصحابنا حِنْثَ المَعصية فقال: لا يجوز تقدیمُ کفارته؛
لأن فيه إعانةً على المعصية، والجمهورُ على أنها كغير المعصية.
وقال أبو حنيفة وأَشهبُ المالكيُّ: لا يجوز تقديمُ الكَفَّارة على
الحِنْث بكُلِّ حال، دليلُ الجمهور: ظواهرُ الأحاديث، والقياسُ على
تعجيل الزكاة (٢).
٧٣ - الخَامِسُ: عَنْ أبي أَمَامَةَ صُدَيِّ بْنِ عَجْلانَ البَاهِلِيِّ
se
(١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٨ /٢٤٣٩).
(٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١١ / ١٠٨).
٣٦١

قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَ﴿ يَخْطُبُ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ، فَقَالَ: ((اتَّقُوا
اللهَ وَصَلُّوا خَمْسَكُمْ، وَصُومُوا شَهْرَكُمْ، وَأَدُّوا زَكَاةَ أَمْوَالِكُمْ،
وَأَطِيعُوا أُمَرَاءَكُمْ، تَدْخُلُوا جَنَّةَ ربِّكُمْ) رواه التُّرْمذيُّ في آخر كتَابٍ :
الصَّلاةِ، وَقال: حديثٌ حسنٌ صحيح.
* قوله ہلہ: «صلُّوا خمسكم)):
(ط): إنما أضاف الصلاة [والصوم، والزكاة]، والطاعة إليهم؛
ليقابل العملَ بالثواب في قوله: ((جنة ربكم))، ولينعقد البيعُ بين الرَّبِّ
والعَبْدِ في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ أُشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَهُم
بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةٌ﴾ [التوبة: ١١١].
فإن قلت: لِمَ صَرَّح بالمضاف في قوله تعالى: ((زكاة أموالكم)،
وأضمر في قوله: ((خمسكم)؛ أي: صَلَواتِكم، وأبهم في قوله: ((شهركم))؛
أي : رمضانكم؟
قلت: للدلالة على أن الإنفاقَ من المال أمرٌ أَشقُّ وأَصعبُ على
النفس؛ أي: أنفقوا ممَّا تُحبونه وما هو شَقِيقةُ أنفسكم، ومنه قوله تعالى:
﴿وَلَا تُؤْتُواْالسُّفَهَاءَ أَمْوَلَكُمْ﴾ [النساء: ٥]، والخِطابُ للأولياء، وأضاف الأموالَ
إليهم لأنها من جنس ما يقيم به الناس مَعايشَهُم؛ أي: لا تُؤْتوا السُّفهاءَ
ما تقومون بها، وتَتَعَيَّشون منها (١).
(١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٣/ ٨٧٠).
٣٦٢

فی الیقین والتوكل
، قال الله تعالى: ﴿وَلَمَّارَءَا الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُواْ هَذَا مَا وَعَدَنَا اللهُ
وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَهُ وَرَسُولُهُ، وَمَا زَادَهُمْإِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٢٢].
* وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ
فَأَخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ () فَأَنْقَلَبُواْ
بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوْءٌ وَأَنَّبَعُواْ رِضْوَنَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ
عَظِيمٍ﴾ [آل عمران: ١٧٣ - ١٧٤].
* وقال تعالى: ﴿ وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِىِ لَا يَمُوتُ ﴾ [الفرقان: ٥٨].
* وقال تعالى: ﴿وَعَلَى اَللَّهِ فَلْيَتَوَ كَلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [إبراهيم: ١١].
* وقال تعالى: ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اَللَّهِ ﴾ [آل عمران: ١٥٩].
والآيات في الأمر بالتَّوكُّلِ كثيرةٌ معلومةٌ .
* وقال تعالى: ﴿وَمَن يَتَوَّكَّلْ عَلَى اَللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُوَ﴾ [الطلاق: ٣]؛
أيْ: كَافِهِ .
* وَقال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ
٣٦٣

قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ ءَايَتُهُ زَادَتْهُمْ إِيَمَنَا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَّكَّلُونَ﴾
[الأنفال: ٢].
وَالآيات في فَضْلِ التَّوَكُّلِ كَثِيرَةٌ مَعْروفةٌ .
(الباب السابع)
(في اليقين والتوكل)
(غب): (اليقين) من صفة العلم، فوق المعرفة والدِّراية وأخواتها،
يقال: علمُ يقين، ولا يقال: معرفةُ يقين، وهو سُكون الفَهْم مع ثبات
الحُكم (١).
(نه): يقال: تَوَّل بالأمر: إذا ضَمِنَ القيامَ به، ووَكَلْتُ أمري إلى
فلان؛ أي: ألجأته إلى فلان واعتمدت(٢) فيه عليه، ووَكَّل فلان فلاناً: إذا
استكفاه أمرَه؛ ثِقةً بكِفَايته، أو عَجْزاً عن القيام بأمر نفسه.
والوكيل: هو القيِّمُ الكَفِيل بأرزاق العِباد، وحقيقته: أنه يَستقِلُّ بأمر
المَوکول إليه(٣).
(ق): (التوكُّل) لغةً: هو إظهارُ العَجْز عن أمرٍ مّا، والاعتمادُ فيه على
الغَيْرِ، والاسم: التُّكْلان، ويقال: وَكَّلته بأمر كذا توكيلاً، والاسمُ: الوكالةُ
بكسر الواو وفتحها (٤).
(١) انظر: ((مفردات القرآن)) للراغب (ص: ٥٥٢).
(٢) بياض في الأصل بين (فلان) و(فيه).
(٣) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (٥/ ٢٢٠).
(٤) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (١ / ٤٦٧).
٣٦٤

(ن): اختلفت عبارات العُلماء من الخَلَف والسَّلَف في حقيقة التوكل،
فحكى الإمامُ أبو جعفر الطَّريُّ وغيرُه عن طائفةٍ من السَّلَف أنهم قالوا:
لا يَستحِقُّ اسمَ التوكُّل إلا مَن لم يُخالط قلبَه خوفُ غير الله؛ من سَبُعٍ أو
عَدوٍّ، حتى يترك السَّعيَ في طلب الرِّزق؛ ثقةً بضمان الله له رزقَهُ، واحتجوا
بما جاء في ذلك من الآثار.
وقالت طائفة: حَدُّه الثقةُ بالله، والإيقانُ بأن قضاءَه نافِذٌ، واتِّبَاعُ سُنَّةِ
نبيِّهِ وَّرَ في السَّعي فيما لا بدَّ منه؛ من المَطْعَمِ والمَشْرَب، والتحرُّزِ من
العدو؛ كما فعله الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم.
قال القاضي عياض: وهذا المذهبُ هو اختيارُ الطَّبريِّ وعامَّة
الفقهاءِ، والأول مذهبُ بعض المُتصوِّفة، وأصحابِ علم القُلوب
والإشارات.
وذهب المُحقِّقون منهم إلى نحو مذهب الجُمهور، لكن لا يصح
عندهم اسمُ التوكُّل معَ الالتفاتِ والُّمأنينة إلى الأسباب، بل فِعلُ الأسبابِ
سُنَّة الله وحِكمتُه، والثِّقةُ بأنه لا يجلِبُ نَفْعاً ولا يدفع ضَرَّاً، والكُلُّ من الله
تعالى وحدَه، هذا كلام القاضي.
وقال الإمام الأُستاذ أبو القاسم القُشَيريُّ: اعلم أن التوكُّلَ محلُّه
القلب، وأما الحركة بالظاهر: فلا تنافي التوكُّلَ بالقلب بعدما تحقق العبدُ
أن [الثقة] من قبل الله تعالى، فإن تعسَّر(١) شيءٌ؛ فبتقديره، وإن تيسَّر
شيء؛ فبتیسیره.
(١) في الأصل: ((تقدر)).
٣٦٥

وقال سهلُ بن عبد الله التُّسْتَرِيُّ: التوكُّل: الاسترسالُ مع الله تعالى
علی ما یرید.
وقال أبو عثمان الحِيريُّ: التوُّل: الاكتفاءُ بالله تعالى مع الاعتماد
عليه .
وقيل: أن يستوي الإكثارُ والتقلُّلُ، انتهى (١).
قال الإمام الغزالي: للتوكل درجاتٌ :
الأولى: أن يكون حالُه في الثِّقة بكفالة الله وعنايته كحَالهِ في الثِّقة
بوَكيلٍ علم مُنتهى هدايته وقُوَّته وفَصاحته وشَفَقتهِ .
الثانية: أن يكون حالُه مع الله كحال الطّفل في حَقِّ أُمِّه؛ فإنه لا يعرف
غيرَها، ولا يعتمد إلا إياها، وأول خاطر يخطر على قلبه أُمُّه، وأول السابق
٠,٠
إلى لسانه إذا فَزِع من شيء.
والفرق بين هذا وبين الأول: أن هذا قد فَنِي في توكله عن توكله؛ إذ
ليس يلتفت قلبه إلى التوكل وحقيقته، بل إلى المُتوكَّل عليه فقط، وأما
الأولُ: فله شُعورٌ بالتوكل وتوكُّلُه بالتكلُّف والكَسْبِ.
الثالثة: أن يكون بين يدي الله مثلَ المَيْتِ بين يدي الغاسل، وهذا
يفارق الصبيَّ؛ إذ هو يفزَعُ إلى أُمِّه، بل مثال هذا [مثال] صبي علم أنه وإن
لم يَزْعَقْ بأُمِّه؛ فالأُمُّ تَطلُبُه، وإن لم يسألها اللبنَ؛ فالأم تُفاتِحُه وتَسقيه .
وهذا مقامٌ في التوكل يثمر تركَ الدُّعاء والسُّؤالِ منه؛ ثقة بكرمه
وعِنايته، وأنه يعطي ابتداءً أفضلَ ممَّا يُسألُ.
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٣/ ٩١).
٣٦٦