النص المفهرس
صفحات 421-440
ولهذا لمَّا عرض جبريل للخليل عليهما السلام، وقد رُمِيَ من المَنجَنيق وهو في الهواء، وقال له: ((ألك حاجة؟))؛ فقال: ((أما إليك فلا))(١). وقوله: ((كتبه الله))؛ أي: قَدَّره، وأثبته في اللَّوح المحفوظ. قال الراغب: يعبر عن الإثبات والتَّقدير والإيجاب والفرض بالكتابة، ووجهُ ذلك: أن الشيءَ يرادُ، ثم يقال، ثم يكتب، فالإرادةُ مَبدأ، والكتابة مُنتهَى، ثم قد يُعبَّرُ عن المراد الذي هو المَبدأُ إذا أريد به توكيدٌ بالكتابة التي هي المُنتهى، قال تعالى: ﴿كَتَبَ اللّهُ لَأَغْلِيَنَ أَنَا وَرُسُلِّ﴾ [المجادلة: ٢١]، وقال: ﴿قُل ◌َّنْ يُصِيبَنَآ إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا﴾ [التوبة: ٥١](٢). ثم زاده تأكيداً بقوله: ((رفعت الأقلام وجفت الصحف)) وفي (الصحيح)): ((جَفَّ القلَمُ بما أَنْتَ لاقٍ)» (٣) كنايةٌ عن جريان القلم بالمقادير وإمضائها، وعدم إمكان تغيرها، وأن القضاءَ الإلهيَّ قد سبق بأعمال بني آدمَ وأحوالِهِم خَيرِها وشَرِّها، وزُبِرَ في اللَّوحِ المَحفوظ، فلا يمكن زيادةٌ فيها ولا نَقَصٌ منها، فكَنَّى عن ذلك بأبلغ لفظه وأَوجَزِه؛ فإنَّ قلمَ الكاتب إذا جَفَّ عن المِداد، أو رفعَهُ عن الصَّحيفة؛ لا يمكنُ الكتابةُ بها، وإذا جَفَّتِ الصَّحيفةُ؛ لا يَنْمَحي ما كُتب فيها . وفي ((صحيح مسلم)) عن عبدالله بن عمر قال: قال رسولُ الله ◌َّةٍ : (١) رواه أبو نعيم في ((حلية الأولياء)) (١/ ١٩ - ٢٠)، وابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) (٦/ ١٨٢). عن مقاتل وسعيد من قولهما، ولا أصل له في المرفوع. انظر: ((السلسلة الضعيفة)» (٢١). (٢) انظر: ((مفردات القرآن)) للراغب (ص: ٤٢٣). (٣) رواه البخاري (٤٧٨٨)، من حديث أبي هريرة حظه . ٣٢٧ (كَتبَ الله مَقاديرَ الخَلائقِ قبلَ أَنْ يخلُقَ السَّماواتِ والأرضَ بخَمسينَ ألفَ سنةٍ، قال: وعَرْشُهُ على المَاءِ))(١). وفي ((سنن الترمذي)) عن عُبادةَ بن الصَّامت قال: قال رسولُ اللهِ إِلَتْ: (إنَّ أوَّلَ ما خلقَ اللهُ القَلَمُ، فقال: اكتُبْ، فقال: مَا أكتبُ؟ فقال: اكتُبٍ القَدَرَ، فكتبَ ما كانَ وما هو كائنٌ إلى الأَبدِ))(٢). * قوله: ((تعرف إلى الله في الرخاء)): (نه): معناه: اجعله يَعرفُك بطاعته، والعملِ فيما أولاك من نعمته؛ فإنه يجازيك عند الشِّدَّة والحاجة إليه في الدُّنيا والآخرة، انتهى(٣). وفي ((سنن الترمذي)) عن أبي هريرة مرفوعاً: ((مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَستجِيبَ اللهُلَهُ فِي الشَّدَائِد؛ فليُكْثرِ الدُّعَاءَ فِي الرَّخَاءِ»(٤). ۔۔۔ ويروى عن سلمانَ الفارسيِّ موقوفاً: إذا كانَ العبدُ دعا في السَّرَّاء، فنزلتِ الضَّرَّاءُ فدعا؛ قالت الملائكة: يا ربِّ؛ هذا صوتٌ معروفٌ قد عرفناه، فَيَشْفَعُونَ (٥). وروى ابن أبي حاتم عن أنس مرفوعاً: ((أن يونُسَ النبيَّ عليه السلامُ (١) رواه مسلم (٢٦٥٣)، من حديث عمرو بن العاص تڅ. (٢) رواه الترمذي (٢١٥٥). وهو حديث صحيح. انظر: ((صحيح الجامع الصغير)) (٢٠١٧). (٣) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (٣/ ٢١٧). (٤) رواه الترمذي (٣٣٨٢). وهو حديث حسن. انظر: ((صحيح الجامع الصغير)) (٦٢٩٠). (٥) رواه ابن أبي شيبة في ((المصنف)) (٢٩٤٨٠). ٣٢٨ حينَ بدا له أن يدعوَ بهذه الكلمات وهو في بَطْنِ الحُوتِ: ﴿لَّ إِلَهَ إِلَّ أَنْتَ سُبْحَنَكَ إِنِّ كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٧]، فَأَقبلتِ الدَّعوةُ تَحُفُّ بِالعَرشِ، فقالت الملائكةُ: يا ربِّ؛ صَوتٌ ضعيفٌ مَعْروفٌ من بلادٍ غريبة، فقال: أما تَعرِفُونَ ذاك؟ قالوا: يا ربِّ؛ ومَنْ هو؟ قال: عَبْدِي يونُسُ، قالوا: عبدُكَ يونسُ الذي لم يزل نرفع له عملاً مُتَقَبَّلاً ودعوةً مُجابةً؟ قالوا: يا ربِّ؛ أَوَلا ترحمُ ما كان يَصنعُه في الرَّخاء فُتُنجِيَهُ منَ البَلاء؟ قال: بلى، فأتى الحُوتُ، فطَرحَه في العَراءِ))(١). (ط): أراد بقوله: ((لن يغلب عسر يسرين)): أن التعريفَ في ﴿اَلْعُسْرِ﴾ الثاني في قوله تعالى للعَهْدِ، والتنكير في ﴿يُتْرًا﴾ للنوع، فيكون العسر واحداً، واليسر اثنين، فالعسر ما كانوا عليه من متاعب الدنيا ومَشاقُّها، واليسرُ في الدنيا: الفَتْحُ والنصر على الأعداء، وفي العُقْبِى: الفوزُ بالحسنى، انتهى(٢). أنشد بعضُ الأدباء: ألا [يا] أَيُّهَا المَرءُ الذِي الهَمُّ به بَرَّحْ فَفكِّرْ في (أَلَمْ نَشْرَخْ) إذا اشتَدَّ بكَ الأَمْرُ فَفَكِّرْ فيهِ ثُمَّ افرَحْ فَعُسرٌ بَينَ يُسرَينِ * ٦٣ - الرّابعُ: عَنْ أَنَسٍ ﴿هِ، قالَ: إنَّكُمْ لَتَعْمَلُونَ أَعْمَالاَ هِيَ (١) رواه ابن أبي حاتم في ((تفسيره)) (١٨٢٨١). وفي إسناده يزيد الرقاشي، وهو ضعيف. (٢) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (١٠ / ٣٣٣٨). ٣٢٩ أَدَقُّ فِي أَعْيُنِكُمْ مِنَ الشَّعْرِ، كُنَّا نَعُدُّهَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ◌َ﴿ مِنَ المُوبِقَاتِ. رواه البخاري. وقال: ((المُوبِقَاتُ)): المُهْلِكَاتُ. ٦٤ - الخَامِسُ: عَنْ أبي هُرَيْرَةَ عُه، عن النبيِّ وَ﴿ قال: ((إنَّ الله تَعَالَى يَغَارُ، وَغَيْرَةُ الله تعالى: أنْ يَأْتِيَ المَرْءُ مَا حَرَّمَ الله عَلَيْه» متفقٌ عَلَيْه. وَ«الغَيْرَةُ) بفتحِ الغين، وَأَصْلُهَا: الأنفَةُ . * قوله: ((هي أدق في أعينكم من الشعر))؛ أي: تعملون أعمالاً وتحسبونه هيناً، وتظنونه من الصَّغائر، وكنا نَعدُّها من المُوبقات التي هيّ عند الله عظيمٌ. (ط): هذا عبارةٌ عن تَدقيق النَّظر في العمل، وإِمْعَانه فيه؛ أي: تعملون أعمالاً وتَحسِبُون أنكم تُحسِنُون صنعاً، وليس كذلك في الحقيقة (١). (ن): الغَيْرةَ في حقنا: الأَنَفَةُ، وأما في حق الله تعالى: فَسَّره في هذا الحديث بقوله: ((أن يأتي المرء ما حرم الله عليه))؛ أي: أن غيرتَه مَنْعُهُ وتَحرِیمُه(٢). (١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (١١ / ٣٣٨٨). (٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٧ / ٧٧). ٣٣٠ ٦٥ - السَّادِسُ: عَنْ أبي هُرَيْرَةَ ﴿ه: أنَّهُ سَمِعَ النَّبِيِّ وَهِ يَقُولُ: (إنَّ ثَلاثَةَ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ: أَبْرَصَ، وَأَقْرَعَ، وَأَعْمَى، أَرَادَ اللهُ أَنْ بَيْتَلِيَهُمْ، فَبَعَثَ إلَيْهِمْ مَلَكاً، فَتَى الأَبْرَصَ فَقَالَ: أَيُّ شَيْءٍ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: لَوْنٌ حسنٌ، وَجِلْدٌ حَسَنٌ، وَيَذْهَبُ عَنِّ الَّذِي قَدْ قَذِرَتِي النَّاسُ فَمَسَحَهُ فَذَهَبَ عَنْهُ قَذَرُهُ، وَأُعْطِيَ لَوْناً حَسَناً. قَالَ: فَأَيُّ المَالِ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: الإبلُ - أَوْ قَالَ: البَقَرُ، شَكَّ الرَّاوِي .- فَأُعْطِيَ نَاقَةً عُشَرَاءَ، فَقَالَ: بَارَكَ اللهُ لَكَ فِيهَا . فَأَتَى الأَفْرَعَ فَقَالَ: أَيُّ شَيْءٍ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قال: شَعْرٌ حَسَنٌ، وَيَذْهَبُ عَنِّي هَذَا الذِي قَذِرِنِي النَّاسُ، فَمَسَحَهُ فَذَهَبَ عَنْهُ، وَأُعْطِيَ شَعْراً حَسَناً. قال: فَأيُّ المَالِ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: البَقَرُّ، فَأُعْطِيَ بَقَرَةً حَامِلاً، وقَالَ: بَارَكَ اللهُ لَكَ فِيهَا . فَأَتَى الأَعْمَى، فَقَالَ: أَيُّ شَيْءٍ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قال: أَنْ يَرُدَّ اللهُ إِلَيَّ بَصَرِي فَأُبْصِرَ النَّاسَ، فَمَسَحَهُ فَرَدَّ اللهُ إِلَيْهِ بَصَرَهُ. قال: فَأَيُّ المَالِ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قال: الغَتَمُ، فَأُعْطِيَ شَاةً وَالِداً. فَأَنْتُجَ هَذَانٍ، وَوَلَّدَ هَذَا، فَكَانَ لَهَذَا وَادٍ مِنَ الإِبِلِ، وَلَهَذَا وَادٍ مِنَ البَقَرِ، وَلِهَذَا وَادٍ مِنَ الغَنَمِ. ثُمَّ إِنَّهُ أَتَى الأَبْرَصَ في صُورَتِهِ وَهَيْئَتِهِ، فَقَالَ: رَجُلٌ مِسْكِينٌ قَدِ انْقَطَعَتْ بِ الحِبَالُ فِي سَفَرِي، فَلا بَلاغَ لِي الْيَوْمَ إلاَّ بِاللهِ ثُمَّ ٣٣١ بِكَ، أَسْأَلُكَ بِالَّذِي أَعْطَاكَ اللَّوْنَ الحَسَنَ والجِلْدَ الحَسَنَ وَالمَالَ، بَعِيراً أَتَبَلَّغُ بِهِ فِي سَفَري، فقالَ: الحُقُوقُ كَثِيرَةٌ. فقالَ: كَأَنِّي أَعْرِفُكَ، أَلَمْ تَكُنْ أَبْرَصَ يَقْذَرُكَ النَّاسُ، فَقِيراً فَأَعْطَاكَ الله؟ فقالَ: إنَّما وَرِثْتُ هَذَا المالَ كَابِراً عَنْ كابِرِ، فقالَ: إِنْ كُنْتَ كَاذِباً، فَصَيَّرَكَ اللهُ إلَى مَا كُنْتَ. وَأَتَى الأَقْرَعَ فِي صُورِهِ وَهَيْئَتِهِ، فقالَ لَهُ مِثْلَ مَا قَالَ لِهَذَا، وَرَدَّ عَلَيْهِ مِثْلَ مَا رَدَّ هَذَا، قالَ: إِنْ كُنْتَ كَاذِباً، فَصَيْرَكَ اللهُ إلَى مَا كُنْتَ. وَأَتَى الأَعْمَى فِي صُورِهِ وَهَيْثَتِهِ، فقالَ: رَجُلٌ مِسْكِينٌ وابْنُ سَبِيلِ انْقَطَّعَتْ بِيَ الِبَالُ فِي سَفَرِي، فَلا بَلاغَ لِيَ اليَوْمَ إلاَّ بالله ثُمَّ بِكَ، أَسْأَلُكَ بِالَّذِي رَدَّ عَلَيْكَ بَصَرَكَ شَاةً أَبَّغُ بِهَا فِي سَفَرِي. فقالَ: قَدْ كُنْتُ أَعْمَى فَرَدَّ اللهُ إِلَيَّ بَصَرِي، فَخُذْ ما شِئْتَ، وَدَعْ مَا شِئْتَ، فَوَاللهِ لا أَجْهَدُكَ اليَوْمَ بِشَيْءٍ أَخَذْتَهُ للهِ وَكَ، فقالَ: أَمْسِكْ مالَكَ، فإنَّمَا ابْتُلِيتُمْ، فَقَدْ رَضِيَ اللهُ عنكَ، وَسَخِطَ عَلَى صَاحِبَيْكَ)) متفقٌ عليه. (وَالنَّقَةُ العُشَرَاءُ) بِضِمِّ العينِ وفتحِ الشينِ وبالمدِّ: هِيَ الحامِلُ. قولُهُ: (أَنْتُجَ)، وفي روايةٍ: ((فَنَتَجَ))، معْنَاهُ: تَوَلِّی نِتَاجَهَا، وَالنَّاتِجُ لِلنَّقَةِ كَالقَابِلَةِ لِلْمَرْأَةِ. ٣٣٢ وقولُهُ: ((وَلَّدَ هذا)) هُوَ بِتَشْدِيدِ اللَّمِ؛ أَيْ: تَوَلَّى وِلادَتَهَا، وهُوَ بِمَعْنَى نَتَج في النَّاقَةِ. فالمُوَلِّدُ، والناتِجُ، والقَابِلَةُ بِمَعْنِىّ؛ لَكِنْ هَذَا لِلْحَيَوانِ، وذاكَ لِغَيْرِهِ. وقولُهُ: ((انْقَطَعَتْ بي الحِبالُ)) هُوَ بالحاءِ المهملة والباءِ الموحدة: أي الأسْبَابُ. وقولهُ: ((لا أجْهَدُكَ)) معنَاهُ: لا أشَقُّ عليْكَ فِي رَدِّ شَيْءٍ تَأْخُذُهُ أَوْ تَطْلُبُهُ مِنْ مَالِي. وفي رواية البخاري: ((لا أَحْمَدُكَ)) بالحاءِ المهملةِ والميم، ومعناهُ: لا أحْمَدُكَ بِتَرْكِ شَيْءٍ تَحتاجُ إلَيْهِ، كما قالُوا: لَيْسَ على طُولِ الحياةِ نَدَمٌّ؛ أَيْ: عَلَى فَوَاتٍ طُولِهَا. (السَّادِسُ) ،١١٧. * قوله: ((يبتليهم)) : (ن): في بعض النسخ: ((يُبليهم)) بإسقاط المثناة من فوق، ومعناهما الاختبار. ((قذرني))؛ أي: كرهني، يقال: قذِرتُ الشيءَ أقذَرُه: إذا كرهتَه واجتنبته . وقوله: ((فذهب قذره وأعطي لوناً حسناً): قدِّم هنا ذهاب القذَر على إعطاء الحُسن على الترتيب في الوجود؛ لأن عطاء الحُسن مسبوقٌ بذهاب القذَر، وقدِّم الحُسنُ ثَمَّ على ذهاب القذَر - يعني: قولَ الأبرص: (لونٌ ٣٣٣ حسن، وجلدٌ حسن، ويذهبُ عني الذي قد قَذِرني الناس))، وكذلك في قول الأقرع - لأن الحُسنَ هو المقصودُ بالذات، والأهمُّ بالطلب، ولأنه إذا جاء الحُسن ذهب القذَر لا مَحالةَ، بخلاف [ما] إذا ذهب القذرُ، فقد يتخلف عنه الحُسن، ولهذا عقب الذَّهابَ بالحُسن في الثاني. و((عشراء)): بالضم وفتح الشين وبالمد: التي أتى على حَمْلها عشرة أشهر، ثم اتُّسِعَ فيه فقيل لكل حامل: عُشراء(١). (ق): وكانت أنفسَ أموال العرب؛ لقرب ولادتها، ورجاءٍ لبنها. وقال ابن جني: هي التي أتى عليها بعد وَضْعِها عشرةُ أشهر. وفي ((الصحاح)): العِشارُ بالكسر جمع عُشَراء، وهي الناقة التي أتت عليها من يوم أُرسل عليها الفَحْلُ عشرةُ أشهر، وزال عنها اسمُ المَخاض،! ثم لا يزال اسمُها كذلك حتى تضعَ وبعدَما تضعُ أيضاً(٢). (ن): ((والداً)؛ أي: وَضعت ولدَها وهو معها(٣). (ط): هي التي عُرف منها كثرةُ الولد (٤). (ك): الجوهري: شاةٌ والد؛ أي: حامل، قال: والشاة من الغنم يُذكَّر ويُؤنَّث، يقال: فلانٌ كثير الشَّاة، وهو [في] معنى الجمع(٥). (١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٨ / ٩٨). (٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٧ / ١١٧). (٣) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٨ / ٩٨). (٤) انظر: ((شرح المشكاة) للطيبي (٥ / ١٥٣٤). (٥) انظر: ((الكواكب الدراري)) للكرماني (١٤ / ٩٦). ٣٣٤ (ن): ((فأنتج هذان)) هكذا الرواية (فأنتج) رُباعيٌّ، وهو لغة قليلة الاستعمال، والمشهور الثلاثي، ومِمَّن حكى اللغتين الأخفشُ، ومعناه: تولَّى الولادةَ، وهي النَّتْجُ والإنتاجُ، و(ولَّد): بتشديد اللام؛ أي: نَتَج، والنَّاتجُ للإبل، والمُولِّد للغنم وغيرِها هو كالقَابلةِ للنساء (١). (ط): ((في صورته))؛ أي: أن الملَك جاء في صورته التي جاء الأبرصَ أول مرة(٢). (ن): ((الحبال)) بالحاء المهملة، وهي الأسباب، وقيل: الطُرق، وفي بعض نسخ البخاري بالجيم(٣). (ق): هي بالحاء المهملة جمعُ حَبْل، وهي المُستطيل من الرَّمل، وقيل: هي الأسباب التي يُتوصَّل بها إلى البلاغ، وهذا أوقَعُ التفسیرین، والجيم فيه بُعدُ (٤). (ط): الباء في ((انقطعت بي)) للتعدية و(البلاغ): الكفاية، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ فِي هَذَا لَبَلَغَا لِّقَوْمٍ عَبِدِينَ ﴾ [الأنبياء: ١٠٦]، والباء في ((بالله)) متصل بـ ((بلاغ))؛ أي: ليس لي ما أَبلُغُ به [غرضي] إلا بالله، و(ثم) في قوله: ((ثم بك)) للمرتبة في التنزّل، لا للتَّرقِّي. وهذا وأمثالُه من الملائكة معاريضُ في الكلام، لا إخبارٌ؛ كما في (١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٨ / ٩٨). (٢) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٥/ ١٥٣٤). (٣) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٨ / ٩٩). (٤) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٧ / ١١٨). ٣٣٥ قول إبراهيم: ﴿هَذَا رَبِِّ﴾ [الأنعام: ٧٦]، و﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات: ٨٩] و(هي أختي))، وقولِ الملائكة لداود: ﴿إِنَّ هَذَآ أَخِى لَهُ تِسْعٌ وَسْعُونَ نَعْجَةٌ ﴾ [ص: ٢٣]. والباء في قوله: ((بالذي)) للقَسَم والاستعطاف؛ أي: أسألك بحَقِّ الذي، أو مُتوسِّلاً بالذي، و((بعيراً) مفعول لـ ((أسألك))(١). (ن): ((كابراً عن كابر)) ورثته عن آبائي الذين ورثوه من أجدادي، الذين ورثوه من آبائهم كبيراً عن كبير في العِزِّ والشَّرف والثَّروة (٢). (ط): (كابراً) حال، يقال: هو كُبْرُ قومه: أَكبرُهم في السِّنِّ والرِّئاسة، أو في النَّسب، قال الشاعر: وَرِثُوا المِكَارِمَ كَابِراً عَنْ كَابٍ كالرُّمحِ أُنْبُوباً علَى أُنْبوبٍ(٣) (ق): حمله بخله على نسيان مِنَّة الله تعالى، وعلى جَحْد نِعَمهِ، وعلى الكذب، ثم أورثه ذلك سُخْطَ الله الدائمَ، وكلُّ ذلك بشُؤْمِ البُخْلِ، واعتَبِرْ بحال الأعمى لمَّا اعترف بنعمة الله تعالى وشَكرهُ عليها، وسمَحت نفسُه بها؛ ثبتها الله عليه، وشكرَ فعله، ورضي عنه، فحصل على الرُّتَب الفاخرة، وجُمِعت له نِعمُ الدُّنيا والآخرة، انتهى(٤). والعجب أن الملَك جاء الأقرعَ والأبرصَ على صورته وهيئته التي جاءهما أول مَرَّة، وشكيا إليه البرصَ والقَرَعَ وقَذْرَهُما، فدعا لهما، وعلما (١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٥/ ١٥٣٥). (٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٨ / ٩٩). (٣) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٥ / ١٥٣٥). (٤) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٧ / ١١٩). ٣٣٦ استجابةَ دعائه، وكونهً هو الذي أعطاهما الناقةَ والبقرةَ ودعا لهما بالبركة، فحملهما البخلُ على الوقاحةِ والمُجاهرة بالكذب، وخَلْع جِلْبابِ الحياء معَ المُحسن صورةً، ومُجازاةِ الحَسَنة بالسَّيئةِ. * قوله: ((إن كنت كاذباً فصيرك الله إلى ما كنت)) : (ك): فإن قلت: لمَ أدخل الفاء على الجزاء وهو فعل ماض؟ قلت: هو دعاء(١). (ط): هذا الشرط ليس على الحقيقة؛ لأن الملَك لم يَشُكَّ في كذبه، بل هو مثل قول القائل إذا تَسوَّفَ في عَمالته: إن كنتُ عملتُ فأعطني حَقِّي، فعلى هذا: تصييرُه على ما كان [عليه] مقطوعٌ حصوله (٢). * قوله: «لا أجهدك اليوم»: (ن): هكذا هو في رواية الجمهور: ((أجهدك)) بالجيم والهاء، معناه: لا أَشُقُّ عليك بردِّ شيء تأخذه من مالي، والجُهد: المَشقَّةُ. وفي رواية ابن مَاهانَ: ((أحمدك)) بالحاء والميم، معناه: لا أحمدك بترك شيء تحتاج إليه، أو تريده، فتكون لفظة الترك محذوفةً مُرادةً؛ كما قال الشاعر : لَيسَ على طُولِ الحَيَاةِ نَدَمْ أي: [ليس] على [فوات] طول الحياة ندم(٣). (١) انظر: ((الكواكب الدراري)) للكرماني (١٤ / ٩٦). (٢) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٥ / ١٥٣٥). (٣) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٨ / ١٠٠). ٣٣٧ (ك): في بعض النسخ: ((لأَحْمَدُك)) من الحمد، وباللام. وفي بعضها: ((لا أُحَمِّدُكَ)) بـ (لا) النَّفْبِيَّةِ، ولعله من قولهم: فلانٌ يتحمَّدُ عليَّ؛ أي: يَمتَنُّ، يقال: مَنْ أنفق مالَه على نفسه؛ فلا يَتحمَّدْ به على الناس. و((رُضِي عنك)) بلفظ المجهول، وكان هو خيرَ الثلاثة، ولا شك أن مِزاجَه كان أقربَ إلى السلامة من مِزاجهما؛ لأن البرصَ مرضٌ لا يَحْصُلُ إلا من فساد المِزاج، وخَلَلٍ في الطبيعة، وكذلك ذهابُ الشعر أيضاً، بخلاف العَمى؛ فإنه لا يستلزم فسادَه، وقد يكون من أمر خارجي. فيه: الحَثُّ على الرِّفق بالضُّعفاء، وإكرامهم، وتبليغهم ما يطلبون بما يمكن، والحذر من كَسْرِ قُلوبهم واحتقارهم، وفيه التحدُّث بنعمة الله وذَهُ جحدها، انتهى(١). روى صاحب ((الكنز الخفي)) حديثاً مرفوعاً: ((إذا سألَ سائلٌ؛ فلا تقطَعُوا عليه مَسْألتَهُ حَتَّى يفرُغَ، ثم رُدُّوا عليه بوَقارٍ ولِينٍ؛ بِبَذْلٍ يَسيرٍ، أو برَدِّ جَميلٍ؛ فإنَّه يأتيكُم مَنْ ليسَ بِنْسٍ ولا جَانٌّ، ينظرُ كيفَ صَنِعُكُمْ فيمَا خَوَّلَكُم [الله تعالى])). ويُستفاد من هذا سُنَّةُ الله في رَبَط الأسباب بالمُسبَّبَات؛ فإنه لمَّا كانت القَسوة والغِلْظَة والجَفاء ملازمةً(٢) للفَدَّادين أهلِ البقر والإبل؛ سيق إلى الأَبرصِ والأَفرع الإبلُ والبقرُ، ولمَّا كانت السَّكينة والُّؤَدَّةُ والوقار في أهل (١) انظر: ((الكواكب الدراري)) للكرماني (١٤ / ٩٦). (٢) في الأصل: ((ملازم)). ٣٣٨ الغنم؛ سيق إلى الشاكر الغَثَمُ. ٦٦ - السَّابعُ: عَنْ أبي يَعْلَى شَدَّادِ بن أَوْسٍ ظه، عن النبي ◌َّل قال: ((الكَيِّس مَنْ دَنَ نَفْسَهُ وَعَمِلَ لِمَا بَعْدَ المَوْتِ، وَالعَاجِزُ مَنْ أَتْبَعَ نَفْسَهُ هَوَاهَا وَتَمَنَّى عَلَى الله)) رواه التِّرْمِذِيُّ، وقال: حديثٌ حَسَنٌ. قال التِّرْمذيُّ وَغَيْرُهُ مِنَ العُلَمَاءِ: مَعْنَى ((دَانَ نَفْسَه)): حَاسَبَهَا. * قوله ◌َّ: ((الكيس من دان نفسه)) قال القرطبي في ((التذكرة)): دان؛ أي: حاسب، وقال أبو عبيد: أي: أذلَّها واستعبدها، يقال: دِنْتُه أَدِينُهُ: إذا أَذللته، فيُذِلُّ نفسَه في عبادة الله عملاً يُعِدُّه لِما بعد الموت، وللقاء الله تعالى، وكذلك يُحاسِب نفسَه على ما فَرَّط من عمره، ويَستعِدُّ العاقبة أمره بصالح عمله، والتَّنصُّلِ من سالف زَلَلِهِ، وذكرِ الله تعالى وطاعتِهِ في جميع أحواله. والعاجز ضد الكَيِّس، وهو المُقصِّر في الأمور، فهو مع تقصيره في طاعة رَبِّه، واتِّباع شهوات نفسه، يَتمنَّى على الله أن يغفرَ له، وهذا هو الاغترارُ؛ فإن الله تعالى أمره ونهاه. وقال الحسن: إن أقواماً ألهتهم الأمانيُّ حتى خرجوا من الدنيا وما لهم ٣٣٩ حسنة، ويقول أحدهم: إني أُحسن الظَنَّ بربي، وكذب، ولو أحسنَ الظنَّ؛ لأحسن العملَ، وتلا قوله تعالى: ﴿وَذَلِكُمْ ظَتُّكُ الَّذِى ظَنَنْتُم بِرَبَّكُمْ أَرْدَنَّكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَسِرِينَ ﴾[فصلت: ٢٣]. وقال سعيد بن جُبير: الغِرَّةُ بالله: أن يتمادى الرَّجل في المعصية، ويتمنى على الله المغفرةَ. وقال بَقِيَّةُ بن الوليد: كتب أبو عُمير الصُّوريُّ(١) إلى بعض إخوانه: أما بعدُ: فإنك أصبحت تَأْمَلُ الدُّنيا بطُول عُمرك، وتتمنَّى على الله الأمانيَّ بسُوء فعلك، وإنما تضربُ حديداً بارداً، والسلام، انتهى(٢). قال شارح ((شهاب الخير)): يحتمل أن يكون (دان) بمعنى أقرض، يقال: دِنْتُ الرجلَ أَدِينُه؛ أي: أقرضته، فالمعنى: الكَيِّسُ مَنْ أقرض نفسَه، شيئاً ليوم فاقته؛ يعني: أعطى مسكيناً، أو آسى فقيراً، أو آثر مستحقاً على نفسه ببعض فُضول أموال. وقيل: دان بمعنى حاسب، ويوم الدِّين يومُ الحساب، فمَن حاسب نفسه؛ کان أدنی إلی ارتداعه وانزجاره. وروي: أن بعضهم حاسب يوماً نفسَه فقال: عمري ستون سنة، قد كتب علي منذ خمس وأربعين سنة، ولو كنت أعصي الله في كل يوم من ذلك معصيةً واحدة؛ لكان كذا وكذا، فكيف وما من يوم إلا (٣) أكتسب من الخطايا (١) في الأصل: ((الصوفي))، انظر: ((الجرح والتعديل)) لابن أبي حاتم (٢ / ٣٠٠). (٢) انظر: ((التذكرة في أحوال الموتى والآخرة)) للقرطبي (ص: ١٢٨). (٣) في الأصل: ((وقد)) مكان ((إلا))، والصواب المثبت. ٣٤٠ ما لا يُحصيه إلا الله؟! وكيف لم أكتسب وخَطَراتي وحركاتي وسَكَناتي ولَمَحاتي كلُّها خطايا وذنوب؟! فوا ويلاه، ثم وا وَيْلاه، ثم شهَق شَهْقةً كانت فيها روحُه، فسُمِعَ هاتفٌ يقول: يا لكِ رَكْضَةً(١) إلى الفردوس الأعلى! و(العجز): التأخرُ عن الشَّيء، وحصولُه عند عَجُزِه؛ أي: مُؤخَّرِهِ، و(العاجز): مَنْ لا يقدر على ما يصح أن يكون قادراً عليه، و(الهوى): ما تهواه النفس وتريده، وهو مَيْل النفس إلى الشَّهوة. وقيل: سُمِّي بذلك؛ لأنه يَهْوي بصاحبه في الدُّنيا إلى كل داهية، وفي الآخرة إلى الهاوية. قيل: على العاقل أن لا يكونَ طاغياً إلا في ثلاث: تَزَوُّدٍ لمَعادٍ، ومَرَمَّةٍ لمَعاشٍ، ولَذَّةٍ في غير مُحرَّم، وعلى العاقل أن يكون بصيراً بزمانه، مُقبلاً على شأنه، حافظاً للسانه. ٦٧ - الثَّامِنُ: عَنْ أبي هُرَيْرَةََ﴿ه قال: قال رَسُولُ اللهِ وَّةِ: (مِنْ حُسْنِ إِسْلام المَرْءِ تَرْكُهُ مَا لا يَعْنِيهِ)) حديثٌ حسنٌ رواه التِّرْمذيُّ وَغَيْرُهُ. (الثَّافُِ) (ن): هذا أحدُ الأحاديث التي عليها مَدارُ الإسلام، وقد سبق بيانُهُ (١) في هامش الأصل: ((الركض: تحريك الرجل)). ٣٤١ في أول الكتاب(١). (نه): ((تركه ما لا يعنيه))؛ أي: لا يَهُمُّه، يقال: عُنِيتُ بحاجته أُعنى بها، فأنا بها مَعنِيٌّ، وعَنَيْتُ به فأنا عَانٍ، والأول أكثر؛ أي: اهتَمَمْتُ بها واشتغلتُ، انتهى(٢). و(مِنْ) في قوله: ((من حسن إسلام المرء)) تَبْعِيضيةٌ. (ط): وعلى أن تكون تبعيضيةً إشارةٌ إلى قوله وَّهِ: ((الإِحْسانُ أَنْ تَعْبُدَ اللهَ كأنَّكَ تَراهُ)) (٣) بعد ذكر الإيمان والإسلام، وأنت تعلم أن التحلية [مسبوقة بالتخلية]، فالترك بَعْضٌ من الإحسان، فيكون إشارةً إلى الانسلاخ عما يشغله عن الله تعالی، انتهى (٤). قال الإمام الغزالي: وحدٌّ ما لا يعنيك من الكلام: أن تتكلم بكل ما لو سکثَّ عنه لم تآثم، ولم تتضرّر في حال ومآل. مثاله: أن تجلس مع قوم فتحكيَّ معهم أسفارَك، وما رأيتَ فيها من جبال وأنهار، وما وقع لك من الوقائع، وما استحسنْتُه من الأطعمة والثياب، وما تعجَّبت منه [من] مشايخ البلاد ووقائعهم، فهذه أمور لو سكتَّ عنها لم تأثم ولم تتضرَّر، وإذا بالغت في الاجتهاد حتى لم تمتزج بحكايتك زيادة ونقصان، ولا تزكية نفس من حيث التفاخرُ بمُشاهدة (١) انظر: ((شرح مسلم) للنووي (١١ / ٢٧). (٢) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (٣١٤/٣). (٣) رواه البخاري (٥٠) من حديث عمر بن الخطاب نظا فته. (٤) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (١٠ / ٣١٢٤). ٣٤٢ الأحوال العظيمة، والاغتيابُ لشخص، ولا مَذمَّةٌ لشيءٍ مِمَّا خلقه الله؛ فأنت مع ذلك كلِّه (١) مُضيِّحٌ زمانك، وأَنَّى تسلمُ من الآفات التي ذكرناها؟! ومن جملته: أن تسأل غيرَك عَمَّا لا يعنيك فأنت بالسؤال مَضيِّعٌ وقتك، وقد ألجأت صاحبك بالجواب أيضاً إلى التضييع، هذا إذا كان الشيء مما لا يتطرّقُ إلى السؤال عنه آفةٌ، وأكثر الأسئلة فيها آفاتٌ، فإذا لم يكن فيها ضررٌ وهَتْكُ سَتْر وتوريطٌ في رياء وكذب؛ فهو ممَّا لا يعني، وترگُه من حسن الإسلام، فهذا حَدُّه. وأما سببه الباعث عليه: فالحرصُ على معرفة ما لا حاجة به إليه، والمُباسطة بالكلام على سبيل التودُّد، أو تَزْجيةُ الوقت بحكايات أحوال لا فائدة فيها . وعلاج ذلك کله: أن يعلم أن الموت بین یدیه، وأنه مسؤولٌ عن کل كلمة، وأن أنفاسَه رأسُ ماله، وأن لسانه شبكةٌ يقدر على أن يقتنصَ بها الحُورَ العِينَ، فلا ينبغي أن يستبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير؛ لأنه لو صرفَ زمانَ الكلام إلى الفكر؛ ربما انفتح له من نفحات رحمة الله تعالى ما یعُم جدواه، ولو هلل الله وسبحه وذكره کان خیراً له. فكم من كلمة يُبنى بها قصرٌ في الجنة، ومن قدَرَ على أن يأخذَ كنزاً من الكنوز، فأخذ بدله مَدَرَةً لا ينتفع بها؛ كان خاسراً خسراناً مبيناً . هذا علاجُه من حيث العلمُ، فأما من حيث العملُ: فالعُزلة، وأن (١) في الأصل: ((بالسؤال)). ٣٤٣ يضع حَجَرةً في فيهِ، وأن يُلزِمَ نفسَهُ السكوتَ عن بعض ما يعنيه؛ ليتعوَّدَ اللِّسانُ تركَ ما لا يعنيه، وضبط هذا على غير المُعتزل شديدٌ جداً، انتهى(١). قال يونس بن عبد الأعلى: إنَّ نفسي ذَلَّت لي بصيام اليوم البعيدِ الطَّرَفين، الشَّديد الحَرِّ، ولم تذِلَّ لي بترك ما لا يعنيني. وأنشد الأديبُ الفاضلُ أبو عمر عثمانُ بن محمَّد بن لقاني لنفسه بخُوارِزمَ: وتَجْمعُ المَالَ وتَقْنِيهِ لِمْ تَرفعُ القَصْرَ وَتَيْنِيهِ تَسْعَى لِمَنْ أَصْبحتَ تُعْلِیهِ مَا أَنْتَ تَسْعَى لكَ بَلْ إِنَّمَا يَوماً وذَا المَالُ تُخَلِّيهِ مَهْلاً فهَذا القَصْرُ تُخْلِيهِ إِلَيكَ سَيفاً فَهْوَ يُمِضِيِهِ والمَوتُ قد جَرَّدَ عَنْ غِمْدِهِ عندَ خُروجِ الرُّوحِ مِنْ فِيهِ وقَدْ تَرى كُلَّ امْرِىءٍ نَدِماً عَمِلتُ يوماً طَاعةً فيهِ يَقولُ لِمْ ضَيَّعتُ عُمْرِي فمَا بِوَجْهِ إِعْلَامٍ وَتَنْبِيهِ واسمَعْ حَديثاً قالَهُ المُصْطَفى مُجْتَنِباً ما ليسَ يَعْنِيهِ مِنْ حُسْنِ إِسْلامِ امْرِىءٌ تَرْكُهُ ٦٨ - التَّاسعُ: عَنْ عُمَرَ لَهِ، عَنِ النَّبِيِّ وَِّ قال: ((لا يُسْأَلُ الرَّجُلُ فِيمَ ضَرَبَ امْرَأَتَهُ» رواه أبو داودَ وغيرُه. (١) انظر: ((إحياء علوم الدين)) للغزالي (٣/ ١١٢). ٣٤٤ (التَُّ) * قوله زي: ((لا يسأل الرجل فيم ضرب امرأته))؛ إذ غالب ما يجري بين المرء وزوجه مِمَّا لا ينبغي أن يُتَحَدَّثَ به، أو يُكْرِهِ، أو يَحْرُم، أو يُسْتَحْیَی منه، فربّما كان سببُ الضرب ما يَستَخْيي من ذكره، فإن ذكره تأذى به، وإن سكت كان مُستحقراً للسائل، وإن احتال للجواب بتَوْريةٍ أو نحوه؛ افتقر إلى استعمال الفكر والتأمُّل، وربما كان به عِيٌّ، ولم يُمكنه ذلك، وإن لم يَصدُق في الجواب؛ وقع في الكذب. وإن كان سببُ الضرب ممَّا يحرم ذكره أو يُكره؛ فالسُّؤال عنه أَقبحُ وأفظعُ، وكلُّ ذلك سببُه السؤال عَمَّا لا يَعنيه. ٣٤٥ ٦-باب في التقوى * قال الله تعالى: ﴿َأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَتَّقُواْ اللَّهَ حَقَّ تُقَائِهِ﴾ [آل عمران: ١٠٢]. ! * وقال تعالى: ﴿فَفَقُواْ اللَّهَ مَا أَسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]، وهذه الآية مبينة للمراد من الأولى. وقال الله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَتَّقُواْ اللَّهَ وَقُولُواْ قَوْلًا سَدِيدًا﴾ [الأحزاب: ٧٠]. وَالآيات في الأمر بالتقوى كثيرة معلومة. * وقال تعالى: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ, مَخْرَجً ا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبْ ﴾ [الطلاق: ٢ -٣]. وقال تعالى: ﴿إِن تَنَّقُواْ اللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ اُلْعَظِيمِ﴾ [الأنفال: ٢٩]. والآيات في الباب كثيرة معلومة. ٣٤٦