النص المفهرس
صفحات 241-260
بجميع ماله؛ فإنه كان صابراً راضياً.
وقوله: ((من مالي)) لا ينافي قوله: ((ما أملك غيرهما))؛ فإن المُرادَ
به: من الثياب ونحوها ممَّا يُخْلَعُ ويليق بالبشير، وكان ماله الأرضَ
والعَقارَ(١).
(ق): هذا البعض الذي أمره بإمساكه هو الأكثرُ، والمُتصدّقُ به هو
الأقَلُّ؛ كما قال في حديث سَعْد: ((الثُّلثُ والثُّلُثُ كَثِيرٌ))(٢).
(ن): وفيه دليلٌ على جواز تَخصيص اليمين بالنية، فإذا حلف: لا مالَ
له، ونوى نوعاً؛ لم يَحْنَثْ بنوع آخر، أو: لا يأكل، ونوى تمراً؛ لم يَحْنَثْ
بالخبز.
وقوله: ((أبلاه في صدق الحديث))؛ أي: أنعم عليه، والبلاءُ والإبلاء
يكون في الخير والشرِّ، لكن إذا أُطلق كان للشرِّ غالباً، فإذا أُريد الخَيرُ قُيِّدَ
كما قَيَّده هنا، فقال: ((أحسن مما أبلاني)) .
و «کذباً) بإسكان الذال وكسرها.
وقوله: ((أن لا أكون كذبته)» : هكذا هو في جميع نسخ ((مسلم))، وكثير
من روايات ((البخاري))(٣)، ولفظة: (لا) في (أن لا أكون كذبته) زائدةٌ،
ومعناه: أن أكون كَذَبْتُه؛ كقوله تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ ﴾ [الأعراف: ١٢].
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٧ / ٩٦ - ٩٧).
(٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٧/ ١٠٣)، والحديث رواه البخاري (٢٥٩١)، ومسلم
(١٦٢٨).
(٣) انظر: ((صحيح البخاري)) (٤١٥٦، ٤٣٩٦).
١٤٧
وقوله: ((فأهلك)) هو بكسر اللام على الفصيح المشهور، وحُكي
فتحها، وهو شاذٌ ضعيف.
و ((إرجاؤه أمرنا))؛ أي: تأخيره.
واعلم أن في حديث كعب هذا فوائدَ كثيرةً:
منها : إباحةُ الغَنيمة لهذه الأمة؛ لقوله: ((يريدون عِيَر قريش)).
ومنها: فضيلةُ أهل بدرٍ وأهل العَقَبة .
ومنها: جواز الحَلِف من غير استحلاف في غير الدَّعوى عند القاضي.
ومنها: استحبابُ الثَّوْريةِ لأمير الجيش؛ لئلا يسبقَهُ الجَواسيسُ
ونحوُهم بالتحذير، إلا إذا كانت سَفْرتُهم بعيدةً.
ومنها: التأسُّفُ على ما فات من الخير، وتمنيه لو كان فعله؛ لقوله:،
«یا لیتني فعلت)».
ومنها: رَدُّ غيبة المسلم؛ لقوله: ((بئس ما قلت)).
ومنها: فضيلة الصدق وملازمته، وإن كان فيه مَشقَّةٌ؛ فإن عاقبتَه
خیٌ.
ومنها: صلاة القادم من سفرٍ ركعتين في مسجد مَحلَّتهِ أولَ قدُومه
قبل كل شيء.
ومنها: أنه إن كان مشهوراً يقصِدُه الناس للسَّلام أن يقعد لهم في
مجلس بارز هَيِّنِ الوصول إليه.
ومنها: الحكم بالظاهر، والله يتولَّى السَّرائرَ، وقَبولُ مَعاذير المنافقين
ما لم يترتب على ذلك المفسدةُ.
١٤٨
ومنها: استحبابُ هِجْران أهل البِدَعِ والمَعاصي الظاهرة، وتركُ
السَّلام عليهم، ومقاطعتُهم؛ تحقيراً لهم وزَجْراً.
ومنها: استحبابُ بكائه على نفسه إذا وقعت منه معصيتُهُ.
ومنها: أن مُسارقةَ النظر في الصلاة لا يبطلها .
ومنها: أن السَّلامَ يُسمَّى كلاماً، فمن حلف: لا يُكلُّم إنساناً، فسلم
عليه، أو رَدَّ؛ حَنِثَ.
ومنها: وجوبُ إيثار طاعة الله ورسوله بَّهَ على مَودَّةِ الصَّديق والقريب
وغيرها.
ومنها: أنه إذا حلف: لا يُكلِّم إنساناً، فتكلم ولم يَقصِدْ كلامَهُ، بل
قصد غيرَه، فسمع المحلوفُ عليه؛ لم يَحْنَثِ الحالفُ؛ لقوله: ((الله
ورسوله أعلم)) (١)؛ فإنه مَحمولٌ على أنه لم يقصد كلامَهُ.
ومنها: جوازُ إحراقٍ ورقةٍ فيها ذكرُ الله تعالى لمصلحة؛ كما فعل
الصحابة بالمَصاحف غير المُصحف الذي أجمعت الصحابةُ عليه؛ لأن كعباً
أحرق الورقة، وفيها: (ولم يَجْعَلْكَ اللهُ بدار ◌َوَان).
ومنها: إخفاءُ ما يخشى من إظهاره مفسدةً، وإتلافُه.
ومنها: جواز خدمة المرأة زوجَها برضاها، وذلك جائزٌ بالإجماع.
ومنها: الكِناياتُ في ألفاظ الاستمتاع بالنِّساء ونحوها.
ومنها: الورعُ والاحتياط بمجانبة ما يخاف منه الوقوعَ في مَنْهيٍّ عنه؛
(١) في الأصل: ((والله أعلم))، والصواب المثبت.
١٤٩
لأن كعباً لم يستأذن في خدمة امرأته.
ومنها: استحبابُ اجتماع الناس عند إمامهم وكبيرهم في الأمور
المُهِمَّة من بِشارةٍ ومَشورة وغيرها.
ومنها: استحبابُ المُصافحة عند التَّلاقي، وهو سُنَّةٌ بلا خلاف.
ومنها: استحبابُ سُرور الإمام وكبير القوم بما يَسُرُّ أصحابَه.
ومنها: أنه يُستحبُّ لمن حصلت له نعمةٌ ظاهرةٌ، أو اندفعت عنه
كُرْبةٌ ظاهرة، أن يتصدَّقَ بشيء صالحٍ من ماله شُكراً لله على إحسانه.
وذكر أصحابنا: أنه يستحبُّ سُجودُ الشُّكر والصدقةُ جميعاً، وقد
اجتمعا في هذا الحديث.
ومنها: أنه يُستحبُّ لمن خاف أن لا يصبرَ على الإضافة أن لا يتصدَّقُ
بجميع ماله، بل ذلك مكروهٌ له.
ومنها: أنه يُستحبُّ لمن تاب بسبب من الخير أن يحافظَ على ذلك
السبب؛ فهو أبلغُ في تعظيم حُرُمات الله تعالى؛ كما فعل كَعبٌ في
الصِّدْقِ، انتهى(١).
قال ابن إسحاق: فأقام رسولُ اللهِ وَّ بِتُبُوكَ بضعَ عشرة ليلةً لم
يتجاوزها، ثم انصرف قافلاً إلى المدينة.
عن ابن عباس رضيها: قوله تعالى: ﴿وَءَآخَرُونَ اعْتَرَفُواْ بِذُنُوبِهِمْ خَطُواْعَمَلًا
صَلِحًاوَءَاخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ الآيَةَ [التوبة: ١٠٢]، قال: كانوا عشرة
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٧ / ٩٧).
١٥٠
رَهْط تخلَّفوا عن رسول الله ◌ِ ◌ّهِ في غزوة تبُوكَ، فلمَّا حضر رجوعُه؛ أوثق
سبعةٌ منهم أنفسَهم بسِوار المسجد، فلمَّا مرَّ بهم رسولُ الله ◌ِِّ؛ قال: ((مَنْ
هَؤُلاء؟)) قالوا: أبو لُبابة وأصحابُه، تخلَّفوا عنك حتَّى تُطْلِقَهُم وتَعْذِرَهُم.
قال: ((وأنا أُقْسِمُ بالله لا أُطْلِقُهُم حتَّى يكونَ اللهُلَّ هو الذي يُطلِقُهم،
رَغِبُوا عَنِّي وتخلَّفوا عنِ الغَزْو معَ المُسلِمِينَ)).
فلما أن بلغهم ذلك؛ قالوا: نحن لا نُطلِقُ أَنفُسَنا حتَّى يكونَ اللهُ هو
الذي يُطلِقُنا، فأنزل الله ◌َّ: ﴿ وَءَآخَرُونَ أَعْتَرَفُواْبِذُنُوبِهِمْ﴾ الآيَةَ.
و(عسى) من الله واجبة، فلما نزلت أرسل إليهم رسولُ اللهِ وَله
فأطلقهم وعذَرهم، فجاءوا بأموالهم فقالوا(١): يا رسولَ الله! خذ أموالَنَا
فتصدَّقْ بها علينا واستغفر لنا، فقال: ((ما أُمِرتُ أَن آخُذَ أَموالَكُمْ)).
فأنزل الله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَلِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكْبِهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾
الآيةَ [التوبة: ١٠٣] إلى قوله: ﴿وَءَاخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِاللَّهِ ﴾ [التوبة: ١٠٦]، وهم
الذين لم يربطوا أنفسَهم بالسَّواري، فأُرجئوا حتى نزل قوله تعالى: ﴿لَّقَد
تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيّ﴾ إلى قوله: ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُواْ﴾ [التوبة: ١١٧ -
١١٨] (٢) .
قال ابن كثير الحافظُ: وقد كان المُخلَّفون عن غزوة تبوك أربعةً
أقسام: مأمورون، مأجورون؛ كعليٍّ بن أبي طالب، ومحمد بن سلَمة،
(١) في الأصل: ((فقال)).
(٢) رواه ابن جرير الطبري في ((تفسيره)) (١١ / ١٢).
١٥١
وابن أُمُّ مَكتوم، ومَعْذُورون، وهم الضعفاءُ والمَرضى، والمُقِلُّون(١)، وهم
البَكّاؤون، وعُصاةٌ مذنبون، وهم الثلاثة؛ وأبو لُبابةَ وأصحابُه، وآخرون
مَلُومون مَذْمومون، وهم المنافقون(٢).
٢٢ - وَعَنْ أبي نُجَيْدٍ - بضَمِّ الُّونِ وفتحِ الچِيم - عِمْرَانَ بْنِ
الحُصَيْنِ الخُزَاعِيِّ عَ﴾: أنَّ امْرَأَةً مِنْ جُهَيْنَةَ أَتَتْ رَسُولَ اللهِوَّو
وَهِيَ حُبْلَى مِنَ الزِّنَاَ، فقالَتْ: يا رَسُولَ اللهِ! أَصَبْتُ حَدّاً فَأَقِمْهُ
عَلَيَّ، فَدَعا نَبِيُّ اللهِلَّهِ وَلِيَّهَا، فقالَ: ((أَحْسِنْ إِلَيْهَا، فإذَا وَضَعَتْ
فَائِنِي))، فَفَعَلَ، فَأَمَرَ بِهَا نَبِيُّ اللهِنَّهِ، فَشُدَّتْ عَلَيْهَا ثِيَابُهَا، ثمَّ
أمَرَ بِهَا فَرُجِمَتْ، ثُمَّ صَلَّى عَلَيْهَا. فقالَ لَهُ عُمَرُ: تُصَلِّي عَلَيْهَا يا
رَسُولَ اللهِ وَقَدْ زَنَتْ؟ قالَ: ((لَقَدْ تابَتْ تَوْبَةً لَو قُسِمَتْ بَيْنَ سَبْعِينَ
مِنْ أهْلِ المدينَةِ لَوَسِعَتْهُمْ، وَهَلْ وَجَدْتَ أَفْضَلَ مِنْ أنْ جَادَتْ
بنَفْسِهَا للهِ ځ؟!)) رواه مسلم.
(الَشِيرُ)
قولها: ((أصبت حداً فأقمه علي» :
(ن): إنما لم تستر على نفسها وتتوب، فيكونَ كافياً في سقوط
(١) في الأصل: ((المعلون)).
(٢) انظر: ((البداية والنهاية)) لابن كثير (٥ / ٢٧).
١٥٢
الإثم؛ لأن بالحَدِّ تُتَيقَّن البراءةُ من الذنب، والطهارةُ عنه، بحيث لا يتطرّق
إليه احتمالٌ.
وأما التوبة: فيخاف أن لا تكونَ نَصوحاً، وأن يُخَلَّ بشيء من
شُروطها (١).
* وقوله إيلاف: «أحسن إليها):
(ن): هذا الإحسان له سببان:
أحدهما: الخوفُ من أقاربها أن تحملَهم الغَيْرةُ ولُحُوق العار بهم أن
يؤذوها، فأوصى بالإحسان تحذيراً لهم من ذلك.
الثاني: أمر به رحمة بها إذا تابت، وحَرَّض على الإحسان لمَا في
النفوس من النُّفْرةِ من مثلها، وإسماعها(٢) الكلامَ المُؤذي، ونحو ذلك،
فنهى عن هذا كُلِّه.
وفي الحديث: دليلٌ على أنه لا تُرجَم الحُبْلى حتى تضعَ، سواء كان
حَمْلُها من زنَى أو غيره، وهذا مُجْمِعٌ عليه؛ لئلا يُقتلَ جنينُها، وكذا لو كان
حَدُّها الجلدَ وهي حامل؛ لم تُجلد بالإجماع حتى تضع.
ولا تُرجم الحاملُ الزانية بعد وضعها أيضاً حتى تسقيَ ولدها اللًِّا(٣)،
ويستغني عنها بلبن غيرها، فإن لم تجد أرضعته حتى تفطِمَه، ثم رُجمت،
هذا مذهبُ الشَّافعيِّ وأحمد وإسحاق، والمشهورُ من مذهب مالك.
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١١ / ١٩٩).
(٢) في هامش الأصل: ((لعله: مثله وإسماع)).
(٣) في الأصل: ((النساء)).
١٥٣
يدل عليه ما في ((صحيح مسلم)): فلمَّا وضعت الغامِدَّةُ؛ قال
رسول الله وَّهُ: ((إذاً؛ لا نَرَجُمُها ونَدَعُ ولدَها صَغيراً ليسَ له مَنْ يُرضِعُهُ))،
فقام رجلٌ من الأنصار فقال: إليَّ رَضاعُه يا رسولَ الله، قال: فرجَمَها(١).
وفي رواية له: فلمَّا ولدت أتته بالصبيِّ في خِرْقةٍ، قالت: هذا قد
وَلَدْتُه، قال: ((اذهَبِي فَأرْضِعِيهِ حتَّى تَفْطِميهِ))، فلمَّا فطمَتْه أتته بالصبيِّ في
يده كِسْرة خُبْز، فقالت: هذا يا نبيَّ الله قد فَطَمْتُه، وقد أكلَ الطَّعامَ، فدفعَ
الصبيَّ إلى رجُلٍ منَ المُسلمينَ، ثم أَمر بها فحُفِر لها إلى صَدرها، وأمر
الناسَ فرجَمُوها (٢).
ومذهب أبي حنيفة، ورواية عن مالك: أنها إذا وَضعت رُجمت،
ولا يُنتظر حصولُ مُرضعة .
وفيه: استحبابُ جمع أثوابها عليها وشَدِّها؛ بحيث لا تنكشف في
تقلُّبها وتکژُّر اضطرابها .
واتّفق العلماءُ على أنها لا تُرجم إلا قاعدةً، وأما الرجلُ: فجمهورُهم
على أنه يُرجم قائماً. وقال مالك: قاعداً. وقيل: يَتخيَّر الإمامُ بينهما.
وفيه: دلالةٌ للشافعي وموافقيه: أن الإمامَ وأهلَ الفَضْلِ يُصلُّون على
المَرجوم، والفُسَّاق، والمقتولين في الحُدود والمحاربة، كما يُصلِّي عليه
غيرُهم، وكرهها مالك وأحمدُ للإمام ولأهل الفضل دون باقي الناس.
وقال الزهري: لا يصلي أحدٌ على المَرجوم وقاتلٍ نفسه .
(١) رواه مسلم (١٦٩٥)، من حديث بريدة صـ
(٢) رواه مسلم (١٦٩٥ / ٢٣)، من حديث بريدة نظر اته .
١٥٤
وقال قتادة: لا يُصلَّى على ولد الزِّنا، انتهى(١).
ولعل تخصيصَ أهل المدينة بالذِّكر، وهم الذين يُتلى عليهم آياتُ
الله، وفيهم رسولُهُ الكريمُ وَّهِ، إشارةٌ على أن مَعاصيَهم أشنعُ وأفظعُ،
فالتوبةُ التي تسع الجَمَّ الغَفيرَ والخَلْقَ الكثير من عُصاتِهِم تكون توبةً
عظيمةً، ولهذا أكدها بقوله: ((وهل وجدتْ)) بسكون التاء؛ أي: هذه المرأة
«توبةً أفضلَ من أَنْ جادت بنفسها لله)).
وهذه الجُهَنِيةُ هي الغَامِدَّةُ التي سَبَّها خالد بن الوليد، فقال رسولُ الله ◌ٍِّ:
((مَهْلاً يا خالدُ، والذي نَفْسي بيدِه لقد تابَتْ تَوبةً لو تابهَا صَاحبُ مُكْسٍ لِغُفِرَ
لَهُ))(٢).
فعظّم أمرَ توبتها باعتبارٍ آخرَ؛ لأن المُكْسَ من أقبح المعاصي المُوبقات؛
لكثرة مطالبات الناس وظُلاماتهم، وأخذِ أموال الناس بغير حقها، وصَرْفِها في
غير وجهها، فتوبةٌ تأتي على هذه المَظالم العظيمة التي لا تَصِحُّ إلا بالخروج
من حقوق العباد حَقِيقٌ بأن تُعَدَّ عظيمةً.
ولما رُجِمَ ماعزُ بن مالك؛ قال رسولُ الله ◌َّهِ: ((اسْتَغْفِروا لمَاعِزِ))،
وقال: ((لَقَدْ تَابَ توبةً لو قُسِّمَتْ بِينَ أُمَّةٍ لَوَسِعَتْهُم)) رواه مسلم(٣).
وفي (سنن أبي داود)): أنه ◌َّ قال في ماعز: ((والذي نَفْسِي بيده إنَّ
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١١ / ٢٠٥).
(٢) رواه مسلم (١٦٩٥ / ٢٣)، من حديث بريدة ضـ
(٣) رواه مسلم (١٦٩٥)، من حديث بريدة ﴿﴿ه.
١٥٥
الآنَ في أنهارِ الجَنَّةِ يَنْغَمِسُ فِيهَا))(١).
وفي حديث آخر: ((لهَوُ أَطْيبُ عندَ الله مِنْ رِيحِ المِسْكِ))(٢).
٢٣ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﴾: أَنَّ رَسُولَ اللهِعَلِ قالَ: ((لَوْ أَنَّ
لابْنِ آدَمَ وَادِياً مِنْ ذَهَبٍ، أَحَبَّ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَادِيَانٍ، وَلَنْ يَمْلأَ فَاهُ
إلَّ التّرابُ، وَيَتُوبُ اللهُ عَلَى مَنْ تَابَ)) متفقٌ عليه.
(الجَادِي عَنْشَرِ)
* قوله {يا: ((وليس يملأ فاه إلا التراب)»، ورواية لمسلم: ((ولا يملأ
جوف ابن آدم إلا التراب»:
(ن): معناه: أنه لا يزال حريصاً على الدنيا حتى يموتَ ويمتلىءَ
جوفُه من تراب قبره، وهذا الحديث خرج على حُكم غالب بني آدم في
الحِرْصِ على الدُّنيا.
ويؤيده قوله: ((ويتوب الله على من تاب))، وهو مُتعلِّقٌ بما قبله، ومعناه:
إن الله تعالى يقبل التوبةَ من الحِرْص المَذموم وغيره من المذمومات.
(١) رواه أبو داود (٤٤٥٨)، من حديث أبي هريرة رضيته. وإسناده ضعيف. انظر: ((السلسلة
الضعيفة)) (٢٩٥٧).
(٢) رواه أبو داود (٤٤٣٥)، من حديث اللجلاج العامري ضه. وإسناده حسن. انظر:
«صحيح سنن أبي داود)).
١٥٦
وفيه: ذُّ الحرص على الدنيا، وحُبِّ المُكاثرة بها، والرغبة فيها(١).
(ط): معناه: أن بني آدم مَجْبُولون على حُبِّ المال، والسَّعْي في
طلبه، إلا من وُفِّق لإزالة هذه الجِبِلَّةِ عن نفسه، وقليلٌ ما هُم، فوضع:
((ويتوب الله على من تاب)) موضِعَهُ؛ إشعاراً بأن هذه الجِبِلَّةَ المَركوزةَ فيه
مذمومةٌ، جارية مَجْرى الذنب، وأن إزالتَها مُمكنةٌ، لكن بتوفيق الله.
ونحوه قولُه تعالى: ﴿وَمَن يُوقَ شُعَّ نَفْسِهِ، فَأُوْلَكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾
[الحشر: ٩]، أضاف الشُّخَّ إلى النفس دلالةً على أنها غريزةٌ فيها، وبيَّن إزالته
بقوله: ﴿يُوقَ﴾، ورَتّب عليه قولَه: ﴿فَأُوْلَكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾.
وفي ذكر بني آدم تلويحٌ إلى أنه مخلوقٌ من التراب، وفي طبعه اليَيَسُ
والقَبْضُ، فيمكن إزالته بأن يُمطر الله عليه سحائبَ توفيقه، فيُمرَ الخِلالَ
الزكية، والخِصالَ المَرْضِيَّةَ، فمَنْ لم يتداركه التوفيقُ، وتركه وحرصَهُ؛ لم
يزدد إلا حرصاً وتهالكاً على جمع المال.
وموقعُ قوله: ((ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب)) موقعُ التذييل
والتقرير للكلام السابق، ولذلك أعاد ذكر بني آدم، ونِيطَ به حكمٌ أشملُ
وأعَمُّ، كأنه قيل: ولا يُشْبِعُ مَنْ خُلق من التراب إلا الترابُ.
وموقعُ: ((ويتوب الله على من تاب)) موقعُ الرجوع؛ يعني: إن ذلك
لَعسيرٌ صَعْبٌ، ولكن يسيرٌ على من يَسَّره الله عليه، فحَقيقٌ أن لا يكون هذا
من كلام البشر، بل من كلام خالق القِوى والقُدَر (٢).
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٧ / ١٣٩).
(٢) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (١٠ / ٣٣٢٢).
١٥٧
(ك): فإن قلت: وقع في رواية: (جوف بني آدم)(١)، وفي رواية:
(عين بني آدم)(٢)، وفي رواية: (فاه)(٣).
قلت: ليس المقصودُ منه الحقيقةَ؛ بقرينة عدم الانحصار على التراب؛
إذ يملؤه غيره أيضاً، بل هو كِنايةٌ عن الموت؛ لأنه مستلزم للامتلاء، فكأنه
قال: لا يشبع من الدنيا حتى يموت، فالغرضُ من العبارات كلِّها واحدٌ ليس
فيها إلا التَّقْنُّنُ في الكلام، انتهى (٤).
وفي ((مسند الإمام أحمد))، و((سنن البيهقي)) في حديث أبي واقدٍ
اللَّيْئِيِّ قال: كان رسولُ اللهِ وَّه إذا أُوحِي إليه أتيناه يُعلِّمُنا مِمَّا أُوحي إليه،
فجئت ذات يوم، فقال: ((إنَّ اللهَ تعالى يقولُ: إنَّا أنزلنا المالَ لِإِقَامِ الصَّلاةِ
وإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، ولو أَنَّ لابنِ آدمَ وادياً منَ الذَّهبِ؛ لأحَبَّ أن يكونَ إليه ثانٍ ٤
ولو كانَ لهُ ثانٍ؛ لأَحَبَّ أن يكونَ إلَيهِما ثالثاً، ولا يَملأُ جوفَ ابنِ آدمَ إلا
التُرابُ، ويَتوبُ اللهُ على مَنْ تَابَ)) (٥).
وروى الطبرانيُّ عن أبي موسى الأَشْعريِّ قال: نزلت سُورةٌ نحو (براءة)،
ثم رُفعت وحُفِظ منها: ((إنَّ اللهَ تعالى يُؤيِّدُ هذا الدِّينَ بأَقْوامٍ لا خَلاقَ
(١) رواه مسلم (١٠٤٨)، من حديث أنس ظ
(٢) رواه البخاري (٦٠٧٣)، من حديث ابن عباس ظـ
(٣) رواه البخاري (٦٠٧٥)، من حديث أنس څ.
(٤) انظر: ((الكواكب الدراري)) للكرماني (٢٢ / ٢٠٧).
(٥) رواه الإمام أحمد في ((المسند)) (٥/ ٢١٨)، والبيهقي في ((شعب الإيمان)) (١٠٢٧٧).
وهو حديث صحيح. انظر: ((صحيح الجامع الصغير)) (١٧٨١).
١٥٨
لَهُم، ولو أنَّ لابنِ آدمَ وادِيَيْنِ من مالٍ لتَمَنَّى وادياً ثالثاً، ولا يَملأُ ... »
الحديثَ(١).
قال بعضُ الحكماء: من عجيب أمر الإنسان: أنه إذا نُودي بدوامٍ
البقاء في أيام الذُّنيا؛ لم يكن في قِوى خِلْقَتِهِ الحِرْصُ على الجمع أكثرَ ممَّا
قد استعمله مع قِصَر مُدَّة التمتُّع، وتوقُّع الزوال.
وأنشد بعضُهم :
على الدُّنيا كأنَّك لا تَموتُ
أَراكَ يزيدُكَ الإثراءُ حِرْصاً
إِلِيهَا قُلْتَ حَسْبِي قَدْ رَضِيتُ
فَهَلْ لكَ غَايةٌ إنْ صِرْتَ يَوماً
قال بعضُهم: رأيت تاجراً في مالٍ كثير في بعض المَفَازات قُطع عليه
الطريق، وطُعن في بطنه طَعْنة أخرجت أمعاءَه، فهو يحشوها تراباً، فقلت:
ماذا تصنع؟ فقال: أملؤها بالتراب حتى تشبعَ، ومات حزيناً سَلِيباً.
٢٤ - وَعَنْ أبي هُرَيْرَةَ ◌َ﴿هُ: أَنَّ رَسُولَ اللهِنَّهِ قالَ: ((يَضْحَكُ
اللهُ سُبْحَانَةٌ وَتَعَالَى إِلَى رَجُلَيْنِ يَقْتُلُ أَحَدُهُمَا الآخَرَ يَدْخُلانِ الجَنَّةَ،
يُقَاتِلُ هَذَا فِي سَبِيل اللهِ فَيُقْتَلُ، ثُمَّ يَتُوبُ اللهُ عَلَى القَاتِلِ فَيُسْلِمُ،
فَيُسْتَشْهَدُ)) متفقٌ عليه.
(١) ورواه أبو عبيد في ((فضائل القرآن)) (٢/ ١٤٣)، والطحاوي في ((شرح مشكل الآثار))
(٥/ ٢٧٤). قال الحافظ العراقي في ((المغني عن حمل الأسفار)) (٢ / ٨٩٤): وفيه
علي بن زيد متكلّم فيه.
١٥٩
(الثَّانِي عَشَِّ)
* قوله وَّ: ((يضحك الله إلى رجلين)): قال القاضي: المراد [الرضا]
بفعلهما والثوابُ عليه، وحَمْدُ فعلهما ومحبَّته، وتلقِّي رسل الله لهما بذلك؛
لأن الضحك من أحدنا إنما يكون عند موافقته ما يرضاه وسُروره له، وبِرِّه(١)
لمن يلقاه.
قال: ويحتمل أن يكون المرادُ هنا: ضحكَ ملائكة الله الذين يُوجِّههم
القبض رُوحه، وإدخاله الجنة؛ كما يقال: قتل السُّلطانُ فلاناً: إذا أمر بقتله(٢).
(ط): عَدَّى (يضحك) بـ (إلى)؛ لتضمينه معنى الانبساط والإقبال،
يقال: ضَحِكتُ إلى فلان: إذا توجَّهتُ إليه بوجه طلقٍ وأنت عنه راضٍ(٣).
(ش): ليس في إثبات صفة الضَّحك له سبحانه إذا أتى عبدُه من
العُبودية بأعظم ما يُحبه مَحْذورٌ؛ إذ هذا ضحكٌ ليس كمثله شيء، وحكمُه
حكمُ رضاه ومَحبَّتَهِ وإرادته، وسائر صفاته، فالباب بابٌ واحدٌ لا تمثيلَ
ولا تعطيلَ(٤).
وقد تقدم في الحديث الثالث في (باب التوبة) زيادةُ بيان لهذا، والله أعلم.
(١) في الأصل: ((ويراه)).
(٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٣ / ٣٦).
(٣) انظر: ((شرح المشكاة) للطيبي (٨ / ٢٦٣٦).
(٤) انظر: ((مدارج السالكين)) لابن القيم (١/ ٢١٦). وهذا الذي عليه السَّلف، وقد
نَّه عليه الإمام ابن القيم وقبله شيخ الإسلام - رحمهما الله - كثيراً في كتبهما،
ونقل الشارح هنا نبذاً من كلام ابن القيم وفي مواطن عدة من كتابه هذا.
١٦٠
٣- باب
الصَّبْرِ
· قال الله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَصْبِرُ واْ وَصَابِرُوا﴾ [آل
عمران: ٢٠٠].
* وقال تعالى: ﴿وَلَنَبْلُؤَنَّكُمْ بِشَىْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ
اُلْأَمْوَلِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَتِّ وَبَشِّرِ الصَّبِينَ﴾ [البقرة: ١٥٥].
* وقال تعالى: ﴿إِنَّمَايُوَنَى الصَّبِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: ١٠].
* وقال تعالى: ﴿ وَلَمَنْ صَبَّرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾
[الشورى: ٤٣].
* وقال تعالى: ﴿أُسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلَوةَّ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَِّرِينَ﴾
[البقرة: ١٥٣].
* وقال تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ اَلْمُجَهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّبِينَ﴾
[محمد: ٣١].
والآياتُ في الأمرْ بالصَّبْرِ وبَيَانِ فَضْلِهِ كَثِيرَةٌ مَعْرُوفَةٌ .
١٦١
(الباب الثالث)
(في الصبر)
(غب): (الصبر): الإمساك في ضيق، صَبَرْتُ الدابَّةَ: حبستُها بلا
عَلَفٍ، والصبر: حبس النفس على ما يقتضيه العقل أو الشرع، فربَّما خُولف
بين أسمائه بحسب اختلاف مواقعه، فإن كان حبسَ النفس لمصيبة؛ سُمِّي
صبراً لا غير، ويضادُّه الجَزَعُ، وإن كان في مُحاربة؛ سُمِّي شجاعةً، ويضادُّه
الجُبْنُ، وإن كان في نائبة مُضْجِرة؛ سُمِّي رَحْبَ الصَّدر، ويضادُّه الضَّجَرُّ،
وإن كان في إمساك الكلام؛ سُمِّي كِتْماناً، وضدُّه الإفشاءُ(١).
(ش): الصبر: حبس النفس عن الجزَع والتَّسخُّطِ، وحبسُ اللِّسان
عن الشَّكوى، وحبسُ الجوارح عن التَّشويش، وهو على ثلاثة أنواع:
صبرٌ على طاعة الله، وصبرٌ عن معصية الله، وصبرٌ على امتحان اللهُّ
والثالث: صبرٌ على ما لا كَسْبَ للعبد فيه.
والصبر على أداء الطاعات أكملُ من الصبر على اجتناب المُحرَّمات
وأفضل؛ فإنَّ مصلحةَ فعلِ الطاعة أحبُّ إلى الشارع من مصلحة ترك المعصية.
ولشيخ الإسلام أبي العَبّاس أحمدَ بن عبد الحليم ابن تيمية الحَرَّانِيِّ
رحمه الله مُصنَّفٌ في هذا، قَرَّره بنحو من عشرين وجهاً.
قال الإمام أحمدُ: ذكرَ اللهُ الصبرَ في القرآن في نَحْوٍ من تسعين
موضعاً، وهو واجبٌ بإجماع الأُمة، وهو نصفُ الإيمان؛ فإن الإيمانَ
نصفان: نصفٌ صبر، ونصفٌ شُكر(٢).
(١) انظر: ((مفردات القرآن)) للراغب (ص: ٢٧٣).
(٢) انظر: ((مدارج السالكين)) لابن القيم (١٢ / ١٥٢، ١٥٦).
١٦٢
، قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ﴾ [آل
عمران: ٢٠٠]: قال الحسن: أُمروا أن يصبروا على دينهم الذي ارتضاه الله
لهم، وهو الإسلام، فلا يدعوه لسَرَّاء ولا ضَرَّاء، ولا لشدة ولا رخاءٍ،
حتى يموتوا مسلمين، وأن يصابروا الأعداء الذين يَملُّون دينَهم(١).
وأما المُرابطة: فهي المُداومة في مكان العِبادة والثَّبات، وقيل:
المراد: انتظار الصَّلاةِ بعد الصَّلاة.
وفي ((صحيح مسلم)) عن أبي هريرة قال: قال رسولُ الله ◌َّةٍ:
(ألا أَدُلُّكُم [على] ما يَمْحُو اللهُ بِهِ الخَطايا، ويرفعُ بهِ الدَّرَجَاتِ؟ إسْباغُ
الوُضوءِ على المَكارِهِ، وكثرةُ الخُطا إلى المَساجدِ، وانتظارُ الصَّلاةِ بَعْدَ
الصَّلاةِ، فَذَلِكُمُ الرِّباطُ، فَذَلِكُمُ الرِّباطُ، فَذَلِكُمُ الرِّباطُ))(٢).
ورواه ابن مَرْدَويه عن يزيدَ بن عبد الرحمن قال: أقبل عليَّ أبو هُريرةَ
يوماً فقال: أَتدري يا بنَ أخي فيما أُنزلت هذه الآيةُ: ﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ
أَصْبِرُ واْوَ صَابِرُواْ وَرَابِطُواْ﴾ [آل عمران: ٢٠٠]؟ قلت: لا، قال: إنه لم يكن في
زمان النبيِّينَ﴿ عدوٌّ يرابطونَ فيه، ولكنها نزلت في قومٍ يَعْمُرُون المساجدَ،
يُصَلُّونَ الصَّلواتِ في مَواقيتها، ثم يذكرون الله فيها، فعليهم أُنزلت:
﴿أَصْبِرُواْ﴾؛ أي: على الصَّلوات الخَمْس، ﴿وَصَابِرُواْ ﴾ أنفُسَكم وهواكم،
﴿وَرَابِطُواْ﴾ في مَساجِدِكُمْ، ﴿وَأَثَّقُواْ اللَّهَ﴾ فيما عليكم ﴿لَعَلَّكُمْ
(١) رواه ابن جرير الطبري في ((تفسيره)) (٤/ ٢٢٠ - ٢٢١)، وفيه مكان ((وأن يصابروا
الأعداء)): ((وأمرهم أن يصابروا الكفار وأن يرابطوا المشركين)).
(٢) رواه مسلم (٢٥١).
١٦٣
تُفْلِحُونَ﴾، وهكذا رواه الحاكم في ((المستدرك))(١).
وقيل: المراد بالمُرابطة هنا: مُرابطةُ الغَزْو في نُحور العَدُوِّ، وحِفظُ
تُغور الإسلام وصيانتُها عن دخول الأعداء إلى حَوْزَةِ بلاد المسلمين.
وقد وردت الأخبارُ بالتَّرغيب في ذلك، وكثرة الثَّواب فيه :
ففي ((صحيح البخاري)) عن سهل بن سعد ه: أن رسول الله وَله
قال: ((رِباطُ يَومٍ في سبيلِ الله خَيْرٌ مِنَ الدُّنيا وما عَلَيْهَا))(٢).
وفي ((صحيح مسلم)) عن سلمان: [عن] رسول الله وَليل أنه قال:
((رِيَاطُ يَوم ولَيلةٍ خَيرٌ من صِيامِ شَهرٍ وقيامِهِ، وإِنْ ماتَ جرى عليهِ الذي كان
يعمَلُه، وأُجْرِيَ عليهِ رزقُهُ، وأَمِنَ الفَتَّانَ» (٣).
ورواه أحمدُ، ولفظه: ((ويَأْمَنُ فِتْنَ القَبْرِ))(٤).
(م): هذه الآية مُشتملةٌ على جميع الآداب؛ وذلك [لأن أحوالَ](٥)
الإنسان قسمان: [منها] ما يتعلق به وحدَه، ومنها ما يكون مُشتركاً بينه وبين
غيره.
فالقسمُ الأول: لا بدَّ فيه من الصبر، والثاني: لا بدَّ فيه من المُصابرة.
(١) رواه الحاكم في ((المستدرك)) (٣١٧٧)، وانظر: ((الدر المنثور)) للسيوطي (٢ / ٤١٧).
(٢) رواه البخاري (٢٧٣٥).
(٣) رواه مسلم (١٩١٣).
(٤) رواه الإمام أحمد في ((المسند)) (٦/ ٢٠)، من حديث فضالة بن عبيد
وانظر: ((تفسير ابن كثير)) (٣/ ٣١٤).
(٥) في الأصل: ((وذلك لأحوال)).
١٦٤
أما الصبر: فيندرج تحته أنواع:
أولها: الصبر على مَشقّة النظر والاستدلال في معرفة التَّوحيد والعَدْل
والنبوة والمَعاد، وعلى مَشقّة الجواب عن شُبُهات المُخالفين.
ثانيها: أن يصبرَ على أداء الواجبات والمَندُوبات.
ثالثها: أن يصبرَ على مَشقَّة الاحتراز عن المَنْهيات.
رابعها: الصبر على شدائد الدنيا وآفاتها، من المَرض والفَقْر والقَحْط
والخَوف.
فقوله: ﴿أَصْبِرُوا﴾ يدخل تحته هذه الأقسام، وتحت كل واحد من
هذه الأقسام الثلاثة أنواعٌ لا نهايةَ لها .
وأما المصابرة: فهي عبارة عن تَحمُّل المَكاره الواقعة بينه وبين الغير،
ويدخل فيه تَحمُّلُ الأخلاق الرَّدِيَّة من أهل البيت، ومن الجيران، ومن
الأقارب، ويدخل فيه تركُ الانتقام مِمَّن أساء إليك، والإيثارُ على الغير، والعفوُ
عَمَّن ظلمك، والأمرُ بالمعروف، والنَّهيُ عن المُنكر، والجهادُ، والمُصابرة مع
المُبْطلين بحَلِّ شُكوكھم.
واعلم أن الإنسان وإن تكلَّف الصبرَ والمُصابرةَ إلا أن فيه أخلاقاً
ذَميمةَ تحملُه على أضدادها، فما لم يشتغل الإنسان طُولَ عمره بمجاهدتها
وقَهْرِها؛ لا يمكنه الإتيانُ بالصبر والمُصابرة، ولهذا قال: ﴿وَرَابِطُواْ﴾.
ولما كانت هذه المُجاهدةُ فعلاً من الأفعال؛ فلا بُدَّ للإنسان في كل
فعل يفعله من غرض ودَاعيةٍ؛ وجبَ أن يكون للإنسان في هذه المُجاهدة
غرضٌ وباعثٌ، وذلك هو تقوى الله لنيل الفلاح(١).
(١) انظر: ((تفسير الرازي)) (٩/ ١٢٦).
١٦٥
* قوله تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَىْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ﴾ [البقرة: ١٥٥]:
أخبر سبحانه أنه يبتلي عباده؛ أي: يَخْتَبرهم ويمتحنهم، فتارةً بالسَّرَّاء،
وتارة بالضَّرَّاء.
وقوله: ﴿بِشَىْءٍ﴾؛ أي: بقليل من ذلك، ﴿وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَلِ﴾؛
أي: ذهاب بعضها، ﴿وَالْأَنفُسِ﴾ كموت الأصحاب والأقارب والأحباب،
﴿وَالثَّمَزَنِ﴾ ؛ أي: لا تُغِلُّ الحدائقُ والمزارع كعادتها، كما قيل: كانت
بعضُ النَّخيل لا تثمر غير واحدة، وكلُّ هذا وأمثالُهُ مِمَّا يختبر الله عبادَه،
فمن صبر أثابه.
ولهذا قال: ﴿وَبَشِّرِ الصَّبِينَ﴾، ثم وصفهم بقوله: ﴿ الَّذِينَ إِذَا أَصَبَتْهُم
مُصِيبَةٌ﴾ الآيَةَ [البقرة: ١٥٦]؛ أي: تَسلَّوا بقولهم هذا عَمَّا أصابهم؛ فإنهم
عبيدُه وراجعون إليه، وأخبر تعالى عَمَّا أعطاهم على ذلك فقال: ﴿أُوْلَكَ
عَلَيْهِمْ صَلَوَتٌ مِّن رَّبِّهِمْ﴾؛ أي: ثناء من الله عليهم، ﴿وَرَحْمَةٌ﴾؛ أي: أَمَنَّةٌ
من العذاب(١).
(م): قال القفال: هذا يتعلق بقوله: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُواْ اسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ
وَالصَّلَوَةَ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّبِينَ﴾ [البقرة: ١٥٣]؛ فإنا نبلوكم بالخوف، وبكذا.
والحكمة في تقديم تعريف هذا الابتلاء وجوه:
أحدها: ليُوطُّنوا أنفسَهُم على الصبر عليها إذا وردت؛ ليكون أبعدَ
لهم من الجَزَع.
(١) انظر: ((تفسير ابن كثير)) (٢ / ١٢٩).
١٦٦