النص المفهرس
صفحات 201-220
(الثَّالُِّ) * قوله: («لله أشد فرحاً): (خط): معناه: أَرْضى بالتوبة وأَقْبلُ لها، والفرحُ المُتعارفُ في نُعوت بني آدم غيرُ جائز على الله، إنما معناه الرِّضا، وكذا الضَّحك والاستبشار، والمُتقدِّمون من أهل الحديث فهموا منها ما وقع الترغيبُ فيه من الأعمال والإخبار عن فضل الله ثّت، وأثبتوا هذه الصفاتِ الله تعالى، ولم يشتغلوا بتفسيرها، مع اعتقادهم أن الله تعالى مُنَزَّةٌ عن صفات المخلوقين، ﴿لَيِّسَ كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١](١). (ط): هذا هو المذهبُ المُحْتاط، وقلَّما يزيغ عنه قدمُ الراسخ، ومن اشتغل بالتفسير والتأويل؛ فله طريقان : أحدهما: أن التشبيه مُركَّب عقلي من غير نظر إلى مُفردات التركيب، بل تؤخذ الزُّبْدةُ والخُلاصة من المجموع، وهي غاية الرِّضا ونهايته، وإنما أُبرز ذلك في صورة التشبيه؛ تقديراً لمعنى الرِّضا في نفس السامع، وتصويراً لمعناه. وثانيهما: تمثيلي، وهو أن يتوهّم للمُشبَّه الحالاتِ التي للمُشَبَّه [به]، وينزله منها ما يناسبه حالةً حالةً؛ بحيث لم يختلَّ منها شيء، فإنك إذا أَمْعَنت النظرَ في التمثيل الآتي في حديث بَسْطِ اليدين ليتوبَ المُسيءُ(٢)؛ حُلَّ لك هذا (١) انظر: ((أعلام الحديث)) للخطابي (٣/ ١١٧٥)، وانظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٥ / ١٤٨٢). (٢) رواه مسلم (٢٧٥٩)، من حديث أبي موسى الأشعري ١٠٧ المُعضِلُ، وانكشف لك الحال(١). (ش): هذا الفرح له شأن لا ينبغي للعبد إهمالُه والإعراضُ عنه، ولا يطَّلع عليه إلا من له معرفة خاصَّة بالله وأسمائه وصفاته، وما يليق بعِزِّه وجلاله. فاعلم أن الله سبحانه اختصَّ نوعَ الإنسان من بين خلقه بأن کرَّمه وفضَّله وخلقه لنفسه، وخلق كل شيء له، وسخر له ما في سماواته وأرضه وما بينهما، حتى ملائكته الذين هم أهل قُرْبه، واستخدمهم له، وجعلهم حفظة له في منامه ويقظته وإقامته، وأنزل إليه وعليه كُتبه ورسله، وأرسل إليه وخاطبه وكلَّمه منه إليه، واتخذ منهم الخليلَ والكليمَ، والأولياء، والخواصَّ، والأَحِبّاء، وجعلهم مَعْدِنَ أسراره، ومَحَلَّ حكمته، وموضع حُبِّه، وخلق لهم الجنةَ والنار، فالثواب والعقاب مدارُه على النوع الإنساني؛ فإنه خلاصة الخلق. فالإنسان ليس كسائر المخلوقات، وقد خلق أباه بيده، ونفخ فيه من رُوحه، وأَسجد له ملائكته، وعلَّمه كل شيء، وأظهر فضله على الملائكة فمن دونهم من جميع المخلوقات، فطرد إبليسَ عن قُربه وأبعده عن بابه؛ إذ لم يسجد له مع الساجدین، واتخذه عدواً له، فالمؤمنون من نوع الإنسان خيرُ البرية على الإطلاق؛ فإنه خلقه ليُتِمَّ نعمتَه عليه، وليَخُصَّه من كرامته بما لم تنله أُمنيته، فاتخذه محبوباً له، وأعدَّ له أفضل ما يُعدُّه مُحبّ غنيٌّ قادر جواد لمحبوبه إذا [قدم] عليه، وعهد إليه عهداً تقدم إليه [فيه] بأوامره ونواهيه. (١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٥ / ١٤٨٣). ١٠٨ وللمحبوب عدو هو أبغضُ خلقه إليه، قد جاهره بالعداوة، واستقطع عبادَه، واتخذ منهم حزباً ظاهروه ووالَوْه على ربهم، يَدْعون إلى سُخطه، ويطعنون في ربوبيته وإلهيته، ويسبُّونه ويؤذون أولياءه بأنواع الأذى، فعرّفه بهذا العدوِّ وطرائقهم وأعمالهم وما لهم، وحذَّره مُوالاتهم. وأخبره في عهده أنه أكرم الأكرمين، وأرحم الراحمين، وأنه قد سبقت رحمتُه غضبه، وأفاض على خلقه النعمة، وكتب على نفسه الرحمة، وأحبُّ ما إليه أن يجود على عباده، ويُوسِعَهم فضلاً، فإذا تعرض عبده ومحبوبه المكرَّم لغضبه، وارتكب مساخِطَه، وأَبِقِ منه، ووالى عدوَّه، وقطع طريقَ نعمه وإحسانه إليه التي هي أحب شيء إليه، وفتح طريق العقوبة والانتقام والغضب؛ فقد استدعى من الجواد الكريم خلافَ ما هو موصوفٌ به من الجُود والإحسان والبِرِّ، وانقلب شارداً راداً لكرامته مائلاً عنه إلى عدوه، مع شدة حاجته إلیه، وعدم استعلائه طرفة عين. فبينا ذلك الحبيبُ مع العدوِّ في طاعته وخدمته، ناسياً لسيده، مُنهمكاً في مُوافقة عدوه؛ إذ تذكَّر بِرَّ سيده وعطْفَه وجودَه وكرمه، وعلم أنه لا بدَّ له منه، وأنه إن لم يَقْدَمْ إليه بنفسه؛ قَدِمَ به عليه على أسوأ الأحوال، ففر إلى سيده من بلد عدوه، وجَدَّ في الهرب إليه حتى وصل إلى بابه، فوضع خده على عتبة بابه، وتوسّد ثرى أعتابه، متذللاً، مُتضرِّعاً، خاشعاً، باكياً، أسِفاً، يتملَّق سيده ويسترحمه ويعتذر إليه، قد ألقى بيده واستسلم له، فعلم سيدُه ما في قلبه، فعاد مكانُ الغضب عليه رِضاً، وأبدله بالعقوبة عفواً، وبالمنع عطاءً، واستدعى بالتوبة من سيده ما هو أهله، وما هو موجبُ أسمائه الحسنى، فکیف یکون فرح سیده به، وقد عاد إليه حبيبه ١٠٩ ووليه طوعاً واختياراً، وراجع ما يحبه سيده منه ويرضاه؟! وهذا موضع الحكاية المشهورة عن بعض العارفين: أنه حصل له إباقٌ عن سيده، فرأى في بعض السكك باباً قد فُتح، وخرج منه صبيٍّ يستغيث ويبكي، وأُمّه خلفه تطرده حتى خرج، فأغلقت الباب في وجهه ودخلت، فوقف الصبي غير بعيد، ثم توقف مفكراً، فلم يجد له مأویّ غیر البيت الذي خرج منه، ولا يُؤويه غيرُ والديه، فرجع مكسورَ القلب حزيناً، فوجد البابَ مُرْتَجاً، فتوسَّدَه ووضع خدَّه على عتبة الباب ونام، وخرجت أُمُّه، فلمَّا رأته على تلك الحال؛ لم تملك أن رمت نفسَها عليه، والتزمته تُقْبِّله وتبكي وتقول: يا ولدي! أين تذهب عني؟ ومَنْ يُؤويك سواي؟ ألم أقل لك: لا تُخالفني، ولا تَحْمِلني بمَعصيتِكَ لي على خلاف ما جُبلتُ عليه من الرحمة لك، والشفقة عليك، وإرادة الخير لك؟ فتأمل قول الأم: لا تحملني بمعصيتك لي على خلاف ما جُبلتُ عليه من الرحمة، وتأمل قولَه ◌َّهُ: (للهُ أَرْحَمُ بعبادِهِ مِنَ الوَالدَةِ بوَلَدِها))(١)، وأين تقع رحمة الوالدة من رحمة الله؟ فهذه نَبَّذةٌ يسيرة تُطلعك على سرِّ فرح الله بتوبة عبده أعظمَ من فرح هذا الواجد لراحلته في الأرض المُهلكة بعد اليأس منها، ووراء هذا ما تجفو عنه العبارةُ، ويَدِقُّ عن إدراكه الأذهانُ. هذا إذا نظرت إلى تعلق الفرح الإلهي بالإحسان والجود، وأما إن لاحظت تعلقه بإلهيته وكونه معبوداً؛ فذلك مشهد أجلُّ من هذا وأعظمُ (١) رواه البخاري (٥٦٥٣)، ومسلم (٢٧٥٤)، من حديث عمر بن الخطاب ١١٠ منه، [وإنما يشهده] خواصُّ المُحبين؛ فإن الله سبحانه خلق الخلق لعبادته الجامعةِ لمحبته والخُضوع له، وهذا هو الحق الذي خلقت به السماوات والأرض، ونفيه هو الباطل، والعبث الذي نَزَّه نفسَه عنه، وهو السُّدی الذي لا يُترك الإنسان عليه، وهو سبحانه لا يعبأ بخلقه شيئاً لولا محبَّتُهم وطاعتُهم له، فإذا خرج العبد عمَّا خُلق له من طاعته وعبوديته؛ فقد خرج من أَحبِّ الأشياء إليه، وعن الغاية التي خلقت لأجلها الخليقةُ؛ إذ لم تُخرج أرضه [البذر] الذي وضع فيها، بل قلبته شوكاً ودَغَلاً، فإذا راجع ما خُلق له، وأُوجد لأجله؛ فقد رجع إلى الغاية التي هي أحب الأشياء إلى خالقه وفاطره، ورجع إلى مقتضى الحكمة التي خلق لأجلها، وخرج عن معنى العبَث والسُّدى والباطل، فاشتدت محبة الربِّ له؛ فإن الله يحب التوابين، وأوجبت هذه المحبةُ فرحاً كأعظم ما يُقدَّر من الفرح. ولو كان في الفرح المشهود في هذا العالم نوع أعظمُ من هذا الذي ذكره النبي ◌ّر؛ لذكره، ولكن لا فرحةَ [أعظم من فرحة] هذا الواجد الفاقد لمادة حياته وبلاغه في سفره بعد إياسه من أسباب الحياة بفقده، وهذا لشدة محبته لتوبة التائب، فمن اشتدت محبتك له وهو غَرْسُك وتربيتُك، فَأَعْرَضَ عنك وأَسَرَه العدو، وعزَّضه لأنواع الهلاك، ثم وجدته على بابك يتملَّقك ويترضاك، ويمرِّغُ خدَّه على ثرى أعتابك؛ فكيف يكون فرحك به؟! هذا ولستَ الذي أوجدْتَه وخلقْتَه وأسبغتَ عليه نعمك! والله رَّ هو الذي أوجد عبده، وأسبغ عليه نعمَه، وهو يحب أن يتمَّها عليه، فيصير مُظْهراً لنعمه، قابلاً لها، شاكراً لها، مُحباً لوليها، مُطيعاً ١١١ له، عابداً له، مُعادیاً لعدوًّه، مُبغضاً له، فتنضاف محبتُه لعبادته وطاعته إلى محبته لعداوة عدوه، فتشتد المحبة [منه] سبحانه مع حصول محبوبه، وهذا حقيقة الفرح. وفي صفة النبي ◌َّ في بعض الكتب المتقدمة: (عبدي الذي سُرَّت به نفسي)، وهذا لكمال محبته له جعله مما تُسَُ به نفسُه. وليس في إثبات هذه الصفة محذورٌ البتةَ؛ فإنه فرحٌ ليس كمثله شيء، وحكمه حكم رضاه، ومحبته، وإرادته [وسائر صفاته، فالبابُ واحد، لا تمثيلَ ولا تعطيل، وليس ما يُلزِمُ به المعطِّلُ المثبتَ إلا ظلمٌ محضٌ وتناقضٌ وتلاعب، فإن هذا لو كان لازماً لَلَزْمَ رحمتَه وإرادتَه](١)، ومشيئته، وسمعَه، وبصره، وعلمه، وسائر صفاته، فكيف جاء هذا اللزوم. لهذه الصفة دون الأخرى؟ وهل يجد ذو عقل إلى الفرق سبيلاً؟ فلم يبق إلا التعطيل المطلق، أو الإثبات المطلق لكل ما ورد به النص، والتناقض لا يرضاه المُخلصون(٢). * قوله: «سقط على بعيره)): (نه): أي: يعثر على موضعه ويقع عليه؛ كما يسقط الطائر على وَكْره، ومنه المثل: (على الخَبير سَقَطْتَ)؛ أي: على العارف به وقعت(٣). (ن): وقع في جميع نسخ مسلم: ((إذا استيقظ على بعيره))، واتفقت (١) من ((مدارج السالكين)) لابن القيم (١/ ٢١٦ - ٢١٧). (٢) انظر: ((مدارج السالكين)) لابن القيم (١ / ٢١٠) فما بعدها. (٣) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (٢ / ٣٧٨). ١١٢ عليه الرِّوايةُ، وقال بعضهم: هو وهَمٌ، وصوابه: (إذا سقط على بعيره) كما رواه البخاري؛ أي: وقع عليه وصادفه من غير قصد، وقال القاضي: جاء في الحديث الآخر عن ابن مسعود: ((فوضَعَ رأسَهُ على سَاعِدِهِ ليمُوتَ، فاستيقظَ وعندَهُ راحِلَتُه)(١). وفي رواية للبخاري: ((فنامَ نَوْمةً، فوضعَ رأسَهُ؛ فإذا راحِلَتُّه عندَهُ))(٢)، وهذا يصحح رواية: (استيقظ)، لكن وجهُ الكلام وسياقُه يدلُّ على سَقطٍ(٣). (مظ): (قائمة) حال؛ أي: إذا الرجل حاضر بتلك الراحلة حالَ كونها قائمةً عنده بلا طلب (٤). (ش): وفي الحديث من قواعد العلم: أن اللفظ الذي يجري على لسان العبد خطأً من فرح شديد، أو غيظٍ شديد ونحوه، لا يُؤاخذ به؛ ولهذا لم يُكْفَر هذا بقوله: (أَنْت عَبْدي وأنا ربُّك)، ومعلوم أن تأثير الغضب في عدم القصد يصل إلى هذا الحال، أو أعظمَ منها، فلا ينبغي مُؤاخذة الغضبان بما صدر منه في حال شدة غضبه من نحو هذا الكلام، ولا يقع طلاقه بذلك، ولا رِدَّتُه، وقد نصَّ أحمدُ [على تفسير الإغلاق في](٥) قوله ◌َّ: ((لا طَلاقَ في إِغْلاقٍ))(٦) بأنه (١) رواه مسلم (٢٧٤٤). (٢) رواه البخاري (٥٩٤٩)، من حديث عبد الله بن مسعود (٣) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٧ / ٦٣). (٤) انظر: ((المفاتيح في شرح المصابيح)) للمظهري (٣ / ١٨٠). (٥) من ((مدارج السالكين)) لابن القيم (١ / ٢٠٩). (٦) رواه ابن ماجه (٢٠٤٦)، والحاكم في ((المستدرك)) (٢٨٠٢)، من حديث عائشة رضي الله عنها. وهو حديث حسن. انظر: ((صحيح الجامع الصغير)) (٧٥٢٥). ١١٣ الغضبُ، وفسَّرَه غيره بالجنون والإكراه، وهو يَعُم هذا كلَّه، وهو من الغَلَقِ؛ لانغلاق قصد المتکلم علیه، وکأنه لم ینفتح قلبه لمعنی ما أراده(١). ٠ ١٦ - وعَنْ أبي مُوسى عَبْدِ اللهِ بنِ قَيْسٍ الأَشْعَرِيِّ ﴾، عن النَّبِيِّ ◌َّه قال: ((إِنَّ اللهَ تَعَالى يَبْسُطُ يَدَهُ بِاللَّيْلِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ النَّهَارِ، ويَبْسُطُ يَدَهُ بالنَّهَارِ لِيُوبَ مُسِيءُ اللَّيْلِ، حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِها)) رواه مسلم. ٤ * قوله ويخرجه: ((إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار ... )) إلى آخره: (ن): معناه: يقبل التوبة من المسلمين ليلاً ونهاراً حتى تَطلُعُ الشمسُ من مغربها، ولا يختص قَبولها بوقت، فبَسْط اليد استعارةٌ في قبول التوبة . قال المازَرِيُّ: وذلك لأن العرب إذا رضي أحدُهم الشيء؛ بسط يده لقبوله، وإذا كرهه؛ قبضها عنه، فخوطبوا بأمر حِسّيٍّ يفهمونه، وهو مجاز(٢). (تو): بَسْطُ اليد عبارةٌ عن التوسُّع في الجُود، والتنزُّه عن المنع عند (١) انظر: ((مدارج السالكين)) لابن القيم (١ / ٢٠٩). (٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٧ / ٧٦). ١١٤ اقتضاء الحكمة، ومنه: الباسط(١)، وفي الحديث تنبيهٌ على سَعة رحمة الله، وكثرة تجاوزه عن الذُّنوب. (نه): معناه: يَكُفُّها لأجله، يتقاضى منه التوبةَ؛ ليقبلها منه(٢). (ق): هذا الحديث أُجري مُجْرى المثل الذي يُفهم منه دوامُ قَبول التوبة، وهو ينزل عن مقتضى الغني القوي القاهر إلى مقتضى الرؤوف اللطيف الغافر، وهو نحو قوله تعالى: ﴿مَّن ذَا الَّذِى يُفْرِضُ اَللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ [البقرة: ٢٤٥]، وقوله: ((مَنْ يُقْرِضُ غيرَ عَدِيمٍ ولا ظَلُوم))(٣)، فمِنْ لطيف لطفه: أنه خاطبنا مخاطبةَ الآخذ لنفسه المحتاج، ومن عجيب کرمه : أنه استقرض منا مالَه استقراضَ مَن احتاج، فنسأله بعظمته وجلاله، وبحق محمد وآله، أن يعاملنا بعفوه ولطفه وإفضاله(٤). ١٧ - وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴿ه قال: قالَ رسولُ اللهِ: ((مَنْ تَابَ قَبْلَ أَنْ تَطْلَعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِها، تَابَ الله عَلَيْه)) رواه مسلم . (١) وجماهير السلف على إثبات العين واليد والوجه والقدم وجميع ما ورد في القرآن وصحيح السنة النبوية من صفات للباري سبحانه وتعالى، من غير تمثيل ولا تأويل ولا تعطیل ولا تشبيه، بل نسلِّم بها كما جاءت، ونؤمن بها كما وردت، ﴿لَیْس كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ﴾ [الشورى: ١١]. (٢) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (٥ / ١٩٦). (٣) رواه مسلم (٧٥٨ / ١٧١)، من حديث أبي هريرة تضُته. (٤) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٧ / ١٠٦). ١١٥ ١٨ - وعَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَبْدِاللهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ عن النَّبِيِّ وَِّ قال: ((إنَّ الله ◌َّ يَقْبَلُ تَوْبَةَ العَبْدِ مَا لَمْ يُغَرْغِرْ)) رواه الترمذي، وقال: حديثٌ حسنٌ. (الْإِمَايُ وَالسَّادِيُ) * قوله : ((من تاب قبل طلوع الشمس من مغربها)): (ق): يعني: أن التوبة تصح وتُقُبل دائماً إلى الوقت الذي تطلُع فيه الشمس من حيث تغرُب، فإذا كان ذلك؛ طُبع على كل قلبٍ، وهذا معنى قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَأْتِى بَعْضُ ءَايَتِ رَبِّكَ لَا يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَتُهَا لَمْ تَكُنْ ءَامَنَتْ مِن قَبْلُ﴾ [الأنعام: ١٥٨]، وسبب ذلك: أنه أولُ قيام الساعة، فإذا شُوهد ذلك، وعُوين؛ حصل الإيمان الضروري، وارتفع الإيمان بالغيب الذي هو المُكلَّف به(١). (مظ): قالوا: التوبة بعد طلوع الشمس من المغرب لا تقبل إلى يوم القيامة . وقال بعضهم: هذا مخصوصٌ بمن شاهد طُلوعَها، والمُختار: أن من شاهد ذلك، أو وُلد بعد ذلك وسَمع من جماعة حصل له يقينٌ بقولهم؛ لا تقبل توبته وإيمانه، ومن لم ير ولم يسمع؛ قُبُل إيمانُهُ وتوبتُه(٢). (ن): ومعنى ((تاب الله عليه)): قَبِلَ توبته، ورضي بها، وللتوبة شرط (١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٧ / ١٠٥). (٢) انظر: ((المفاتيح في شرح المصابيح)) للمظهري (١٧٩/٣). ١١٦ آخر، وهو: أن يتوب قبل الغَرْغَرة؛ كما جاء في الحديث الصحيح(١). * قوله: ((ما لم يغرغر)) : (نه): (الغرغرة): أن يُجعل المشروبُ في الفم، ويُردَّد إلى أصل الحلق، فلا يبلع، فالمعنى: ما لم تبلغ روحُه حلقومَه، فيكون بمنزلة الشيء الذي يَتغرغر به المريضُ(٢). (قض): المعنى: أن توبة العبد المُذنب مقبولةٌ ما لم يحضره الموتُ، فإذا احتُضر لم ينفعه؛ كما قال تعالى: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْثُ قَالَ إِنِّ تُبْتُ اُلْتَنَ ﴾ [النساء: ١٨]، وذلك لأن من شرط التوبة العزمَ على ترك الذنب المَتُوب عنه، وعدمَ المعاودة، وذلك إنما يتحقَّقُ مع تمكُّن التائب منه، وبقاء آوان الاختيار(٣). (مظ): هذا الخلاف في التوبة من الذنوب، أما لو استَحَلَّ من مظلمة؛ صَحَّ تحليلُه، وكذا لو أوصى بشيء، أو نصبَ وليّاً على أطفاله، أو على خير؛ صَحَّت وصيتُه، ومن لطف الله أنه جعل نزعَ الرُّوح عن القلب واللسان آخراً؛ ليكون لسانه ذاكراً، وليتوب ولیرضى. قال ابن عباس: تُقبل التوبة ما لم يُعاين ملكَ الموت (٤)؛ يعني: ما لم يتيقن الموتَ، فإذا تيقنه؛ بأن رأى ملَكَ الموت، أو أحس بخروج الرُّوح (١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٧ / ٢٥). (٢) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (٣/ ٣٦٠). (٣) انظر: ((تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة)) للبيضاوي (٢ / ٧٦). (٤) رواه الطبري في ((تفسيره)) (٤/ ٣٠٠). ١١٧ من بعض أعضائه؛ لا تُقبل توبته، وهذا مثل طلوع الشمس من مغربها(١). ١٩ - وَعَنْ زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ، قَالَ: أَتَيْتُ صَفْوَانَ بْنَ عَسَّالٍ أَسْأَلُهُ عَنِ المَسْحِ عَلَى الخُفَّيِنْ، فَقَالَ: مَا جَاءَ بِكَ يَا زِرُّ؟ فَقُلْتُ: ابْتِغَاءُ العِلْمِ، فقالَ: إِنَّ المَلائِكَةَ تَضَعُ أَجْنِحَتَهَا لِطَالِبِ العِلْمِ رِضاً بِمَا يَطْلُبُ، فَقُلْتُ: إنَّه قَدْ حَكَّ فِي صَدْرِي المَسْحُ عَلَى الخُفَّيْنِ بَعْدَ الغَائِطِ والبَوْلِ، وَكُنْتَ امْرَّأَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ نَّهِ، فَجِئْتُ أَسْأَلُكَ: هَلْ سَمِعْتَهُ يَذْكُرُ في ذلِكَ شَيْئاً؟ قَالَ: نَعَمْ، كَانَ يَأْمُرِنَاَ إِذَا كُنَّا سَفْراً - أوْ مُسَافِرِينَ - أَنْ لا نَنْزِعَ خِفَافَنَا ثَلاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهنَّ، إِلَّ مِنْ جَنَابَةٍ، لَكِنْ مِنْ غَائِطٍ وَبَوْلٍ وَنَوْمٍ. فَقُلْتُ: هَلْ سَمِعْتَهُ يَذْكُر في الهَوَى شَيْئاً؟ قَالَ: نَعَمْ كُنَّا مَعَ رسولِ اللهِ لَّهِ فِي سَفَرٍ، فَبَيْنَا نَحْنُ عِنْدَهُ إِذْ نَادَاهُ أَعْرَابِيٌّ بصَوْتٍ لَهُ جَهْوَرِيٍّ: يَا مُحَمَّدُ! فَأَجَابَهُ رسولُ اللهِ وَِّ نَحْواً مِنْ صَوْتِهِ: ((هَاؤُمُ))، فَقُلْتُ لَهُ: وَيُحَكَ اغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ؛ فَإِنَّكَ عِنْدَ النَّبِيِّ نَّهِ، وقَدْ نُهِيتَ عَنْ هَذَا! فقالَ: وَاللهِ لا أَغْضُضُ. قَالَ الأَعْرَابِيُّ: المَرْءُ يُحِبُّ القَوْمَ وَلَمَّا يَلْحَقْ بِهِمْ؟ قَالَ النَّبِيُّ ◌َهُ: ((المَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ بَوْمَ القِيَامَةِ))، فَمَا زَالَ يُحَدِّثُنَا حَتَّى ذَكَرَ بَاباً مِنَ المَغْرِبِ مَسِيرَةُ عَرْضِهِ - أَوْ يَسِيرُ (١) انظر: ((المفاتيح في شرح المصابيح)) للمظهري (٣/ ١٨٧ - ١٨٨). ١١٨ الرَّاكِبُ فِي عَرْضِهِ - أَرْبَعِينَ أَوْ سَبْعِينَ عَاماً. قَالَ سُفْيَانُ أَحَدُ الرُّوَاةِ. قِبَلَ الشَّامِ. ((خَلَقَهُ اللهُ تَعَالَى يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ مَفْتُوحاً لِلنَّوْبَةِ لا يُغْلَقُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْهُ)) رواه الترمذي وغیرُه، وقال: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. التسَّا * قوله رقيق: ((إن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم)): (نه): (حَكَّ في صدري)؛ أي: أثَّر فيه ورسخ، يقال: ما يَحيك كلامُك في فلان؛ أي: ما يُؤْثِّرِ، وقد تكرر في الحديث، ومنه: ((الإِثْمُ ما حَاكَ في النَّفْسِ))(١). (ط): (سَفْراً): جمع سافر؛ كـ: تَجْر جمع تاجر، وصَحْب جمع صاحب، و[(لكن من غائط)](٢)، حقُّ (لكن) أن يخالف ما بعدها لما قبلها نفياً وإثباتاً، مُحقَّقاً أو مُؤَوَّلاً، فالمعنى: أمرنا رسول الله وَ أَن ننزعَ خِفَافَنَا في الجنابة، لكن لا ننزع ثلاثةَ أيام ولياليَهُن من بول أو غائط أو غيرهما إذا كنا سَفْراً، فعلى هذا: لا يلزم رَدُّ هذه الرواية على ما ذهب إليه الشيخ التُّورِبِشْتِيُّ؛ لأن هذا ميل إلى المعنى دون اللفظ. قال ابن جِنِّي في قوله تعالى: (وما يُخْدَعُونَ إلا أَنفُسَهُمْ) على قراءة (١) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (١ / ٤٧٠)، والحديث رواه مسلم (٢٥٥٣)، من حديث النواس بن سمعان ظ ◌ُته . (٢) من ((شرح المشكاة)) للطيبي (٣/ ٨٤٤). ١١٩ عبد السلام بن شداد: هذا من أشد مذاهب العربية؛ وذلك أنه موضعٌ يَملِكُ فيه المعنى عِنانَ الكلام، فيأخذه إليه ويُصَرِّفُه بحسَبٍ ما يُؤثِّرُه(١). (مظ): فإن قيل: لِم لا يجوز المسح على الخُفِّ للمغتسل، ويجوز للمتوضئء؟ قلنا: لأن الجنابة يقلُّ وقوعُها، فلا يكون في نزع الخف مَشقّةٌ، بخلاف سائر الأحداث(٢). (تو): هذا الحديث أحسنُ ما روي في التوقيت، مع ما فيه من الحُجَّة القائمة على الفرقة الزَّائغة عن القول بمسح الخُفّ، وهو قولُ الصحابي: (كان رسولُ الله ◌ِّهِ يأمرُنا)، ولفظ الأمر فيه من أقوى الحُجج وأَقومِ الدَّلائل على أنه الحَقُّ الأَبْلَجُ(٣)، والسُّنةُ القائمة. قوله: ((إذ ناداه أعرابي)): (ك): (العرب): هم الجيل المعروف من الناس، والنسبة إليهم عربي، وهم أهل الأمصار، والأعرابُ منهم سكان البادية خاصة، والنسبة إليها: أعرابي؛ لأنه لا واحد له، وليس الأعراب جمعاً للعرب (٤). (نه): ((بصوت له جَهْوَري))؛ أي: شديد عالٍ، والواو زائدة، وهو منسوب إلى جھْوَرَ بصوته، يقال : جھر وجَهْوَر. (١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٣/ ٨٤٤). (٢) انظر: ((المفاتيح في شرح المصابيح)) للمظهري (١ / ٤٤٦). (٣) في هامش الأصل: ((أبلجُ الوجه؛ أي مُشرقُ الوجه ومُسْفِرُه)). (٤) انظر: ((الكواكب الدراري)) للكرماني (٢ / ٤). ١٢٠ و[(هاؤم) أصله] (١) هاك؛ أي: خذ، فحذفت الكاف، وعُوِّضت منها المَدَّة والهمزة، يقال للواحد: هاءٍ، وللاثنين: هاؤُمَا، وللجمع: هاؤمُ، انتھی(٢). وأما قول الأعرابي: (يا محمد)، وقوله: (والله! لا أغضض): فيحتمل أنه كان من المُحبين، والمُحِبُّ يسامَح بما لا يسامَحُ به غيره؛ كما سُومح نُعَيْمانُ لمحبته لله ولرسوله، يدل على ذلك سؤالُه عن المحبة، وملاطفتُه ◌َيه به یإجابته نحواً من صوته. ثم اطَّلِعْ بعد ذلك على كلام حسنٍ للشيخ التِّرمذي الحکیم، قال: كان هذا السائل فيما أَحسِبُ من المُشتاقين، ألا ترى أنه لم يذكر من عُذَّته شيئاً من أعمال البرِّ، وإنما ذكر الذي كان بين يدي قلبه؟ فأجابه: ((أَنْتَ معَ مَنْ أَحْبَبْتَ))(٣)، والمُوحِّدون كلُّهم يُحبون الله، ولكن ذاك حب إيمان لا يقلق، ولا يَجِيشُ(٤) به الصدر؛ لأن الغالبَ علیه نفسُه ودنياه وشهواته، إنما يقلقه ذاك ويَجِيشُ به صدرُه إذا فات شيءٌ من شهواته ونهَمَاته من دار الدنيا، فذاك إنما يُعِدُّ للساعة حسناتِه وأعمالَ بِرِّه يرجو بها الثوابَ من الله تعالى، حتى إذا ورد القيامة؛ حصلت سرائرُه، فإن وُجد صادقاً؛ أكرم وأُثيب على قدره، وإن وُجد كاذباً؛ رمي به في وجهه كالثوب الخَلَق. وهذا السائل قد كانت الأشياء كلَّها تلاشت عن قلبه في جنب معبوده، (١) ما بين معكوفتين زيادة يقتضيها النص. (٢) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (١/ ٣٢١، ٥/ ٢٣٦). (٣) رواه البخاري (٣٤٨٥)، ومسلم (٢٦٣٩)، من حديث أنس ظ (٤) في الأصل: ((يخشى)). ١٢١ فلحُبه إياه جَيَشانٌ وغَليانٌ في صدره، فكان ذلك عُدَّتَه؛ فلذلك قال: ((أَنْتَ مَعَ مَنْ أَحْبَيتَ))، وصاحب هذه القصة أشدُّهم اجتهاداً، وأخلصُهم قلباً، وأظهرُهم إيماناً، وأبعدُهم من كل رِيبةٍ وريّبٍ، وهذا السائلُ كان رجلاً من أهل البادية، وكم من بدَويٍّ من رجال الله وخاصَّتِهِ لا يُعرف ولا يُؤْبَه له(١). (ن): فيه: فضيلةُ حُبِّ الله ورسوله والصَّالحين وأهل الخير الأحیاءِ والأموات، ومن أفضل محبة الله ورسوله امتثالُ أمرهما واجتنابُ نَهَيْهما والتأذُّبُ بالآداب الشرعية، ولا يشترط في الانتفاع بمحبة الصَّالحين أن يعملَ عملَهم؛ إذ لو عَمِله لكان منهم ومثلَهم، وقد صُرِّح بهذا. ((ولما يلحق بهم)) قال أهل اللغة: (لما) لنفي الماضي المستمر، فتدل على نفيه في الماضي وفي الحال، بخلاف (لم) فإنها تدل على الماضي فقط، ثم إنه لا يلزم من كونه معهم أن تكون منزلته وجزاؤه مثلَهمْ من کل وجه(٢). (خط): ألحقه ◌َّهُ بحُسْن النية من غير زيادة عمل بأصحاب الأعمال الصالحة(٣)، انتهى. * وقوله: ((باباً من المغرب)): يحتمل أن يكون إبرازاً للمعقول في صورة المحسوس، ويكون مجازاً؛ أي: إن هذا الباب واسع جداً جداً، مفتوح على العُصاة ليلاً ونهاراً، وفي جميع الأزمنة، وكونه بالمغرب إشارةٌ إلى أنها لا تُغلق إلا إذا طلعت الشمسُ منه. (١) انظر: ((نوادر الأصول)) للحكيم الترمذي (٢ / ١٤٤). (٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٦ / ١٨٦). (٣) انظر: ((أعلام الحديث)) للخطابي (٣/ ١١٥٩). ١٢٢ قال بعض الأئمة في قوله: ((يسير الراكبُ في عَرْضه أربعين عاماً أو سبعين عاماً): يحتمل أن يكون المراد مدةً أعمار بني آدم، ومُهْلَتَهُم للتوبة، وسَيْرَهم في هذه الدار علی مَعَادِهم. ٢٠ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ سَعْدِ بْنِ مالكِ بْنِ سِنَانِ الخُدْرِيِّ ه: أَنَّ نَبِيَّ الله ◌َ﴿ قال: «كَانَ فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ رَجُلٌ قَلَ تِسْعَةً وتِسْعِينَ نَفْساً، فَسَأَلَ عَن أَعْلَمٍ أَهْلِ الأَرْضِ، فَدُلَّ عَلَى رَاهِبٍ، فَأَتَاهُ فَقالَ: إِنَّهُ قَتَلَ تِسْعَةً وتِسْعِينَ نَفْساً، فَهَلْ لَهُ مِنْ تَوْبَةٍ؟ فقالَ: لاَ، فَقَتَلَهُ، فَكَمَّلَ بِهِ مِئَةً، ثُمَّ سَأَلَ عَنْ أَعلَمِ أهْلِ الأَرْضِ، فَدُلَّ عَلَى رَجُلٍ عَالِمٍ، فقالَ: إِنَّهُ قَلَ مِئَةَ نَفْسٍ، فَهَلْ لَهُ مِنْ تَوْبَةِ؟ فقالَ: نَعَمْ، وَمَنْ يَحُولُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ التَّوْبَةِ؟ انْطَلِقْ إلَى أَرْضٍ كَذَا وَكَذَا، فَإِنَّ بِهَا أُنَاساً يَعْبُدُونَ الله تعالى، فَاعْبُدِ اللهَ مَعَهُمْ، وَلا تَرْجِعْ إلَى أَرْضِكَ؛ فَإِنَّهَا أَرْضُ سُوءٍ، فَانْطَلَقَ، حَتَّى إِذَا نَصَفَ الطَّرِيقَ، أَتَاهُ المَوْتُ، فاخْتَصَمَتْ فيهِ مَلائِكَةُ الرَّحْمَةِ ومَلائِكَةُ العَذَابِ، فقالَتْ مَلائِكَةُ الرَّحْمَةِ: جَاءَ تَائِباً مُقْبِلاً بِقَلْبِهِ إلَى اللهِ تعالى، وقالَتْ مَلائِكَةُ العَذَابِ: إِنَّهُ لَمْ يَعْمَلْ خَيْراً قَطُّ، فَأَنَاهُمْ مَلَكٌ فِي صُورَةٍ آدَمِيٌّ، فَجَعَلُوهُ بَيْنَهُمْ - أَيْ: حَكَماً - فقالَ: قِسُوا ما بيْنَ الأَرْضَيْنِ، فَإِلَى أَتَّتِهِمَا كَانَ أَدْنَى فَهْو لَهُ، فَقَاسُوا فَوَجَدُوهُ أَدْنَى إِلَى الأَرْضِ الَّتِي أَرَادَ، فَقَبَضَتْهُ مَلائِكَةُ الرَّحْمَة)». متفقٌ عليه. ١٢٣ وفي روايةٍ في الصحيح: ((فَكَانَ إِلَى القَرْيَةِ الصَّالِحَةِ أَقْرَبَ بِشِبْرٍ، فَجُعِلَ مِنْ أَهْلِهَا)). وفي رواية في الصحيح: ((فَأَوْحَى اللهُ تَعَالَى إِلَى هَذِهِ أَنْ تَبَّاعَدِي، وإلَى هَذِهِ أَنْ تَقَرَّبِي، وقَالَ: قِيسُوا مَابَيْنَهُمَا، فَوَجَدُوهُ إِلَى هَذِهِ أَقْرَبَ بِشِبْرٍ فَغُفِرَ لَهُ». وفي روايةٍ : ((فَنَأَى بِصَدْرِهِ نَحْوَهَا». (الثَافُِ) (ق): قول الراهب: إنه لا توبة له، دليلٌ على قلة علمه وفطنته؛ حيث لم يُصِبْ وجهَ الفُتيا، ولا سلك طريق التحرُّز على نفسه، فمَنْ صار القتلُ لهُ عادةً، وصار مثلَ الأسد الذي لا يُبالي بمَنْ يفترسُه، فكان حقه أن يداریَه، لكنه أعان على نفسه؛ فإنه لمّا آيسه من التوبة؛ قتله بحكم سَبُعيته ويَأْسِه من رحمة الله، ولما لطَف الله به؛ بقي في نفسه البحثُ عن توبته إلى أن ساقه الله إلى هذا العالم فقال: ومَنْ يحول بينه وبينها؟! مُفتياً ومُنكراً على من ينفيها . ثم إنه أحاله على ما ينفعه، وهو مفارقته لأرضه التي كانت غلبت عليه عادةُ أهلها الفاسدةُ، ولقومه الذي كانوا يُعينونه على ذلك ويَحْمُلُونه. وبهذا يُعلم فضل العلم على العبادة؛ فإن الأول غلبت عليه الرَّهبانيةُ فأفتى بغير علم، فهلَك وأهلك، والثانيَ كان مُشتغلاً بالعلم، فؤُقِّق للحق، فأحياه الله في نفسه، وأحيا به(١). (١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٧ /٨٩ -٩٠). ١٢٤ (ن): مذهب أهل السنة وإجماعُهم على صِحَّة توبة القاتل عمداً، ولم يخالف أحد منهم إلا ابنُ عباس ◌َ﴾، وأما ما نقل عن بعض السلف خلافَ هذا: فمرادُ قائله الزَّجرُ [عن سبب](١) التوبة، لا أن يعتقد بطلان توبته، وهذا الحديث ظاهر فيه، وهو وإن كان شرعاً لمن قبلنا وفي الاحتجاج به خلافٌ؛ فليس هذا موضعَ الخلاف، وإنما موضعه إذا لم يَرِد شرعُنا بموافقته وتقريره، فإن ورد؛ كان شرعاً لنا بلا شك، وهذا قد ورد شرعُنا به، وهو قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا ءَاخَرَ وَلَا يَفْتُلُونَ النَّفْسَ﴾ إلى قوله: ﴿إِلَّا مَن تَابَ﴾ [الفرقان: ٦٨ - ٧٠]. وأما قوله تعالى: ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنَا مُتَعَمِّدًا فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّهُ خَلِدًا فِيهَا﴾ [النساء: ٩٣]، فالصواب في معناها: أن جزاءه [جهنم]، وقد يُجازى به، وقد يُجازى بغيره، وقد لا يُجازى، بل يُعفى عنه، فإن قَتَلَ عمداً مستحلاً له بغير حق ولا تأويل؛ فهو كافر مرتد يُخلَّد في جهنم بالإجماع، وإن اعتقد تحريمَه؛ فهو فاسقٌ عاصٍ مُرتكبٌ كبيرةٌ جزاؤُها جهنم خالداً فيها، لكن بفضل الله تعالى ثَمَّ أخبر أنه لا يخلد [من مات] موحداً فيها، وقد يُعفى عنه فلا يدخل (٣) النار أصلاً (٤). (مظ): في الحديث إشكالٌ، وهو أن حقوق بني آدم لا تُسقطها التوبة، بل توبتها أداؤها إلى مُستحقِّها، أو الاستحلالُ منها. (١) من ((شرح مسلم)) للنووي (١٧ / ٨٢). (٢) في الأصل: ((خالدين)). (٣) في الأصل: ((يخلد)). (٤) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٧ / ٨٢). ١٢٥ والجواب: أن المراد من قَبول توبته أن الله تعالى لا يطردُه من بابه، ولا يُضيِّع شيئاً من طاعاته التي عملها قبل القتل وبعده، بل يثيبه، وما عليه من حقوق الآدميين فهو في مشيئة الله: إن شاء يرضي بکرمه خُصماءَه، وإن شاء آخذه بحقوقها(١) . * قوله: ((ولا ترجع إلى أرضك)»: (ن): فيه استحبابُ مفارقة التائب المواضعَ التي أصاب بها الذنوب، والأَخْدَانَ المُساعدين له على ذلك، ومقاطَعَتِهِم ما داموا على حالهم، وأن يستبدل بهم صُخْبةَ أهل الخير والصلاح، وتتأكد بذلك توبته. و ((نصف الطريق)) بتخفيف الصاد: بلغ نصفَها(٢). (ط): ((أتاه الموت))؛ أي: أماراته وسَكَراتُه، انتهى(٣)؛ إذ مخاصمةٍ الملکین کان عند معالجته سكراتِ الموت؛ أيُّهما یقبضُ روحه؟ ويدل عليه آخرُ الحديث: ((فقبضته ملائكةُ الرحمة». (ن): ((فناء بصدره))؛ أي: نهض، ويجوز تقديمُ الهمزة على الألف(٤). (ق): قوله: ((ملائكة الرحمة: إنه جاء تائباً مقبلاً بقلبه) نصٌّ صريحٌ في أن الله تعالى أطلع ملائكة الرحمة على ما في قلبه من صِحَّة قصده إلى (١) انظر: ((المفاتيح في شرح المصابيح)) للمظهري (٣/ ١٧٥). (٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٧ / ٨٣). (٣) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٦ / ١٨٤٠). (٤) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٧ / ٨٤). ١٢٦