النص المفهرس

صفحات 181-200

مع عزمه حال التوبة على أن لا يُعاودَه؛ صار كمن ابتدأ المعصية، ولم
تبطل توبته المُتقدِّمة، والمسألة مبنية على أصل، وهو أن العبدَ إذا تاب من
الذنب ثم عاوده؛ فهل يعود إليه إثمُ الذنب الذي قد كان تاب منه ثم
عاوده؛ بحيث يستحِقُّ العقوبةَ على الآخر والأول إن مات مُصِرّاً، أو أن
ذلك بطل بالكُلِّية فلا يعود إثمُه؟
قالت طائفة: يعود إليه إثمُ الذنب الأول؛ لفساد التوبة وبُطلانها
بالمُعاودة؛ لأن التوبةَ من الذنب بمنزلة الإسلام من الكُفر، والكافر إذا أسلم؛
هدمَ إسلامُه ما قبلَه من إثم الكُفر وتوابعه، فإن ارتد؛ عاد إليه الإثمُ الأول مع
إثم الرِّدَّة؛ كما في الحديث الصَّحيح: ((مَنْ أَحْسنَ في الإسلامِ لَمْ يُؤْاخَذْ بمَا
عمِلَ في الجَاهِلِيَّةِ، ومَنْ أساءَ في الإسْلامِ أُخِذَ بالأوَّلِ والآخِرِ))(١).
قالوا: والتوبة واجبةٌ وجوباً مُضَيَّقاً مدى العمر، فوقتها مُدَّة العُمر؛ إذ
يجب عليه استصحابُ حكمها في مدة عمره، فهي بالنسبة إلى العمر كالإمساك
عن المُفَطِّرات في صوم اليوم، فمَنْ أمسك مُعظمَ النهار ثم أفطر؛ بطل ما تقدَّمه.
قالوا: ويدلُّ على هذا الحديثُ الصَّحِيحُ: ((إنَّ العبدَ لَيعملُ بعَملِ
أَهْلِ الجَنَّةِ حتَّى ما يكونُ بينَهُ وبينها إلا ذِراعٌ، فَيَسْبِقُ علَيهِ الكِتابُ، فيَعملُ
بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ فَيَدخُلُها))(٢).
وهذا أعَمُّ من أن يكون هذا العملُ الثاني كُفراً موجباً للخلود، أو
معصية موجبةً للدخول؛ فإنه لم يقل: فيرتد فيفارق الإسلام، وفي بعض
السُّنن: ((إنَّ العبدَ لَيعمَلُ بطاعةِ الله سِتِينَ سنةً، فإذا كانَ عندَ المَوتِ؛ جارَ في
(١) رواه البخاري (٦٥٢٣)، ومسلم (١٢٠)، من حديث عبدالله بن مسعود بضـ
◌ُه .
(٢) رواه البخاري (٣٠٣٦)، ومسلم (٦٢٤٣)، من حديث عبد الله بن مسعود ر قته.
٨٧

وَصِيَّتِهِ، فدخلَ النَّارَ))(١)، فالخاتمة السيئة أعَمُّ من أن تكون خاتمةً بكفر أو
بمعصية، والأعمال بالخواتيم، وعلى أصلهم: إذا تاب؛ عادت إليه
حسناته، ولم يكن له حكمُ المستأنف لها، بل يقال له: تُبت على ما أسلفت
من خير؛ فإن الحسناتِ التي قد فعلها في الإسلام أعظمُ من الحسنات التي
يعملها الكافرُ في كُفْره، وقال ◌ِّهِ لحَكيم: ((أَسْلَمْتَ على ما أَسْلَفْتَ))(٢)،
وذلك أن الإساءةَ المُتخلِّلةَ بين الطَّاعتين قد ارتفعت بالتوبة، وصارت كأنها
لم تكن، فتلاقت الطائفتان واجتمعتا .
وقالت طائفة: إن ذلك الإثمَ قد ارتفع بالتوبة، وصار بمنزلة مَن لم
يعمل، فكأنه لم يكن، فلا يعود إليه بعد ذلك، وإنما العائدُ إثمُ المُستأنِف،
ولا يشترط في صحة التوبة العصمةُ إلى الممات، قالوا: وليس هذا كالكفر
الذي يُحبط الأعمالَ؛ فإن الكفرَ له شأن آخر؛ ولهذا يُحبط جميعَ الحسنات،
بخلاف الذنب، قالوا: والتوبة من أكبر الحسنات، فلو أبطلها مُعاودةُ الذنب؛
لأبطل غيرَها من الحسنات، وهذا باطلٌ قطعاً مُخالفٌ للمَعْقُول والمَنْقول،
ومُوجَبِ العدل؛ فإن الله لا يظلم مثقالَ ذرَّة، وإن تك حسنةً يضاعِفْها.
قالوا: وقد ذكر الإمام أحمد في ((مسنده)) مرفوعاً إلى النبيِّ وَله: ((إنَّ
اللهَ يُحِبُّ العبدَ المُفَتَّنَ التَّوَّابَ))(٣)، وهو الذي كلَّما فُتن بالذنب تاب منه،
(١) رواه أبو داود (٢٨٦٧)، والترمذي (٢١١٧)، وابن ماجه (٢٧٠٤)، من حديث أبي
هريرة ه. قال الترمذي: حديث حسن صحيح غريب.
(٢) رواه مسلم (١٢٣).
(٣) رواه عبدالله ابن الإمام أحمد في ((المسند)) (١ / ٨٠) عن علي بن أبي طالب حظُه.
وهو حديث ضعيف. انظر: ((المغني عن حمل الأسفار)) للعراقي (٢ / ٩٨٣).
٨٨

فلو كان مُعاودته تُبطل توبته؛ لما كان محبوباً للربِّ، ولکان ذلك أدعى إلى
مَقْتِه.
قالوا: وقد علَّق الله سبحانه قَبولَ التوبة بالاستغفار وعدم الإصرار،
دون عدم المعاودة، فقال: ﴿ وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَحِشَةً أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ
ذَكَرُواْ اللّهَ فَأَسْتَغْفَرُواْلِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّ اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّواْ﴾ [آل عمران:
١٣٥] الآيةَ، والإصرار: عَقْدُ القلب على ارتكاب الذنب متى ظفر به، فهو
الذي یمنعُ مغفرتَهُ.
قالوا: وأما استمرار التوبة: فشرط في صحة كمالها ونفعها، لا شرط
في صحة ما مضى منها، وليس ذلك كصيام اليوم، وعدد ركعات الصلاة؛
فإن تلك عبادةٌ واحدة لا تكون مقبولة إلا بالإتيان بجميع أركانها وأجزائها .
وأما التوبة: فهي عباداتٌ مُتعدِّدة بتعدد الذنوب، فكل ذنب له توبة
مُختصَّة، فإذا أتى بعبادة وترك أخرى؛ لم يكن ما ترك موجباً لبطلان ما فعل
كما تقدم تقريره، بل نظير هذا أن يصوم رمضان ويفطر منه بلا عذر، فهل
يكون ما أفطر منه مُبطلاً لأجر ما صامه؟ بل نظيره من (١) صلى ولم يصم، أو
زکی ولم یحج، انتھی(٢).
واعلم أن المصنف رحمه الله أجمل وأهمل شرطاً آخر أَظنُّه ذكره
الإسنوي أيضاً، وهو عدم الصُّحبة بعده مع الفُسَّاق، [و]شرطاً آخر من
شروط التوبة نبه عليه الإسنوي في ((المُهمّات)) فقال: هو أن يكون ذلك كلُّه
(١) في الأصل: ((ما)).
(٢) انظر: ((مدارج السالكين)) لابن القيم (١ / ٢٧٦).
٨٩

لله تعالى، حتى لو عُوقب على جريمة، فندم وعزم على عدم العود لأجل
ما حل به، أو خوفاً من وقوع مثله؛ لم يَكْفِ؛ كذا ذكره أصحابنا
الأصوليون، ولا بدَّ منه كما أوضحته في ((شرح منهاج الأصول))، ومثَّلوه
بما إذا قتل ولدَه وندم لكونه ولده، وبما إذا بذل الشَّحيحُ ماله في معصية،
وندم لأجل غرامة المال، انتهى.
وقد يقال: اشتراط ذلك معلومٌ في جميع الأعمال، فاكتفى باندارجه
تحت القاعدة الكلية، والله أعلم.
* قوله: ((فإن كانت المعصية حقَّ أدمي؛ فشروطها أربعة: هذه
الثلاثة، وأن ییرأ من حق صاحبها، فإن كانت مالاً أو نحو؛ رَدَّه إلیه»:
(ن): يشترط في توبة معصية [القذف] القولُ، فيقول القاذفُ:
القذف باطل، وأنا نادم عليه، ولا أعود إليه، وكذا شهادة الزور(١).
قال الغزالي: إن كان المتناولُ مالاً تناوله بغصبٍ أو خيانةٍ أو غَبْنٍ في
معاملةٍ بنوعٍ تلبيسٍ؛ كترويجٍ زائفٍ، أو سَتْرِ عيبٍ من المَبيع، أو نقص
أجرة أجير، أو منع أجرته، فكل ذلك يجب أن يُفتِّشَ عنه، لا مِن حَدِّ
بلوغه، بل من مُدة وجوده؛ فإن ما يجب في مال الصبي يجب إخراجه بعد
البلوغ إن كان الولي قَصَّر فيه، فإن لم يفعل؛ كان ظالماً مُطالَباً به؛ إذ
يستوي في الحقوق المالية الصبيُّ والبالغُ، ويحاسب نفسَه على الحَبَّات
والذرَّات من أول يوم حياته إلى يوم توبته، فإذا حصل مجموعُ ما عليه بظنِّ
غالبٍ ونوعٍ من الاجتهاد مُمكنٍ؛ فليكتبه، وليكتب أساميَ أصحاب
(١) انظر: ((روضة الطالبين)) للنووي (١١ / ٢٤٨).
٩٠

المظالم واحداً واحداً، وليطُف في نواحي العالم، وليَطْلُبْهم وَلْيستَحِلَّهم،
أو لیرُدَّ حقَّهم.
وهذه التوبة تشُقُّ على الظَّلَمة وعلى التجار؛ فإنهم لا يقدرون على
طلب المعاملين كلِّهم، ولا على طلب ورثتهم، ولكن على كل واحد منهم
أن يفعل ما قدَر عليه، فإن عجز؛ فلا يبقى له طريقٌ إلا أن يُكثر من
الحسنات حتى تَفيضَ منه يوم القيامة، فتُؤخذ حسناتُه، وتوضع في موازين
أرباب المظالم، ولتكن كثرةُ حسناته بقدر كثرة مظالمه، فإنه [إن] لم تف
بها حسناتُه؛ حُمل من سيئات أرباب المظالم، فيهلِكُ بسيئات غيره.
هذا حكم المظالم الثابتة في ذمته، وأما أموالُه الحاضرة: فليؤد إلى
المالك ما يعرف له مالكاً مُعيَّناً، وما لا يعرف له مالكاً؛ فعليه أن يتصدق
به، فإن اختلط الحرام بالحلال؛ عرَفَ قدرَ الحرام بالاجتهاد، وتصدَّق
بذلك المقدار(١).
(ش): قالت طائفة: إذا أدى ما عليه من المال إلى الوارث؛ فقد
برئ من عُهدته في الآخرة كما برئ منه في الدُّنيا، وقالت طائفة: بل
المطالبةُ لمن ظلمه بأخذه باقيةٌ يوم القيامة، وهو لم يستدرك ظُلامته بأخذ
وارثه؛ فإنه منعه من انتفاعه به طُولَ حياته، ومات ولم ينتفع به، وبنوا على
هذا: أنه لو انتقل حقٌّ من واحد إلى واحد، وتعدد الورثة؛ كانت المطالبة
للجميع؛ لأنه حق كان واجباً عليه دفعه إلى كل واحد منهم عند كونه هو
الوارثَ، وهذا قول طائفة من أصحاب مالك وأحمد، وفَصَّل شيخُنا بين
(١) انظر: ((إحياء علوم الدين)) للغزالي (٤ / ٣٧).
٩١

الطائفتين فقال: إن تمكَّن المورِّث من أخذ ماله والمطالبة به، فلم يأخذه
حتى مات؛ صارت المطالبة به للوارث في الآخرة؛ كما هي كذلك في
الدنيا، وإن لم يتمكن من طلبه، بل حال بينه وبينه ظُلماً وعُدواناً؛ فالطلب
له في الآخرة.
وهذا التفصيل من أحسن ما يقال؛ فإن المال إذا استهلَكه ظالمٌ على
المُورِّث وتعذر عليه أخذُه منه؛ صار بمنزلة عبده الذي قتله قاتلٌ، ودارِه
التي أحرقها غيرُه، وطعامهِ وشرابه الذي أكله وشربه غيره، وهذا إنما تلف
على المُورِّث لا على الوارث، فحق المطالبة لمن تلف على ملكه، فينبغي
أن يقال: فإذا كان المال عقاراً أو أرضاً أو أعياناً قائمةً باقية بعد الموت؛
فهي ملك الوارث، يجب على الغاصب دفعُها إليه كل وقت، فإذا لم يدفع
إليه أعيان ماله؛ استُحِقَّ المطالبةُ بها عند الله؛ كما يُستحَقُّ المطالبة بها في
الدنيا، وهذا سؤال قويٌّ لا مَخْلَصَ منه إلا بأن يقال: المطالبة لهما جميعاً؛
كما لو غصب مالاً مشتركاً بين جماعة، وكما لو استولى على وقف مرتب
على بطون؛ كانت المطالبةُ يوم القيامة لجميعهم(١).
* قوله: «فإن کانت حد قذف أو نحوه؛ مگنه منه، أو طلب عفوه،
وإن كانت غيبة؛ استحله منها»:
(الغزالي): مظالم العباد إما في النفوس، أو الأموال، أو الأعراض،
أو القلوب، أعني به: الإيذاءَ المَحْضَ.
أما الأموال: فقد سبق حكمُها، وأما النفوس: فإن جرى عليه قتل
(١) انظر: ((الجواب الكافي)) لابن القيم (ص: ١٠٢).
٩٢

خطأ؛ فتوبته بتسليم الدِّيَةِ، ووصولها إلى المُستحِقِّ؛ إما منه، أو من
عاقلته، وإن كان عمداً مُوجِباً للقصاص؛ فبالقصاص، فإن لم يُعرف؛
فيجب أن يعترف عند ولي الدم، ويُحكِّمُه في رُوحه، فإن شاء؛ عفا عنه،
وإن شاء؛ قتله، ولا يجوز له الإخفاءُ.
وليس هذا كما [لو] زنا، أو شرب، أو سرق، أو قطع [الطريق]، أو
باشر ما يجب فيه حدٌّ لله تعالى؛ فإنه لا يلزمه بالتوبة أن يفضح نفسَه ويَهتِكَ
سِتْرَه، بل عليه أن يتستر بستر الله تعالى، ويقيم حد الله على نفسه بأنواع
المجاهدة، فالعفو في مَحْض حقوق الله تعالى قريبٌ من التائبين النادمين.
فإن رفع أمرَهُ إلى الوالي حتى أقام عليه الحدَّ، فالحدُّ يقع موقعَهُ،
وتكون توبته صحيحةً مقبولةً عند الله تعالى؛ بدليل حديث ماعز والغامدية.
وأما القِصاص وحَدُّ القذف: فلا بُدَّ من تحكيم المُستَحِقِّ.
وأما الجناية على القلوب بمشافهة الناس ما يسوؤهم ويَعيبُهم في
الغَيبة: فليطلب كلَّ من تعرّض له بلسانه، أو آذى قلبه بفعل من أفعاله،
ولْيستحلَّ واحداً واحداً منهم، ومن مات أو غاب؛ فقد فات أمره،
ولا تدارك له إلا بتكثير الحسنات؛ لتؤخذ عوضاً في القيامة، وأما من وجده
وأحلَّه بطِيبة قلب منه: فذلك كفارته، وعليه أن يُعرِّفه قدرَ جنايته وتعرضه
له، فالاستحلال المُبهَم لا يكفي، وربما لو عرف ذلك، وكثرةَ تعدِیه علیه؛
لم تطب نفسُه بالإحلال، وادخر ذلك في القيامة ذخيرةً يأخذ من حسناته،
أو يُحَمِّله من سيئاته(١) .
(١) انظر: ((إحياء علوم الدين)) للغزالي (٦ / ٣٦).
٩٣

(ن): أما الغِيبة: فإن لم تبلغ المُغتاب؛ فرأيت في ((فتاوى الحنَّاطي)):
أنه يكفي الندم والاستغفار، وإن بلغته؛ فيأتي المغتابَ ويستحلُّ منه، فإن
تعذَّر بموته، أو تعسّر لغَيبته البعيدة؛ استغفر الله له، ولا اعتبار بتحليل
الورثة (١).
قال الغزالي: فإن كان في جملة جنايته ما لو ذكره المَجْنُّ عليه، أو
عرفه لتأذى بمعرفته؛ كزناه مع جاريته أو أهله، أو نسبته باللِّسان إلى عيب
من خفایا عیوبه یعُم أذاه مهما شَوَّفَهُ به؛ فقد انسد عليه طريق الاستحلال،
فليس له إلا أن يستحلَّ مُبهِما، ثم تبقى له مظلمة فليجبرها بالحسنات؛ كما
يجبرُ به مَظلمة الميت أو الغائب، وأما الذكر والتعريف: فهو سيئة جديدة
يجب الاستحلال منها، ومهما ذكر جنايتَه وعَرَّف المجنيَّ عليه فلم تسمح
نفسه بالإحلال؛ بقيت المظلمة، فإن هذا حقُّه، فعليه أن يتلطف به،
ويسعى في مُهماته وأغراضه، فإن الإنسان عبدُ الإحسان، وكلُّ من نفر
بسيئة مال بحسنة، وإن أبى إلا الإصرار فيكون تلطُّفهُ واعتذاره إليه من
جملة حسناته التي يمكن أن يجبرَ بها في القيامة جنايتُه.
ولیکن قدر سعيه في فرحه وسرور قلبه کقدر سَعْیهِ في إيذائه، حتى
إذا قاوم أحدُهما الآخرَ، أو زاد عليه؛ أخِذ ذلك منه عوضاً في القيامة بحكم
الله فيه؛ كمن أتلف في الدنيا مالاً فجاءه بمثله، فامتنع مَنْ هو له عن
القَبول، أو عن الإبراء؛ فإن الحاكم يحكم عليه بالقبض منه شاء أم أبى،
فكذلك يحكم في صعيد القيامة أحكم الحاكمين وأعدل المُفْسطينَ.
(١) انظر: ((روضة الطالبين)) للنووي (١١ / ٢٤٧).
٩٤

وفي المتفق عليه من ((الصحيحين)) عن أبي سعيد الخدري: أن نبي الله وَّل
قال: ((كانَ فيمَنْ كانَ قبلَكُمْ رَجُلٌ قتلَ تِسْعةً وتِسْعينَ نَفْساً) الحديثَ(١).
فبهذا تعرف أنه لا خلاص إلا برُجحان ميزان الحسنات ولو بمثقال
ذرَّة، فلا بُدَّ للتائب من تكثير الحسنات(٢).
* قوله: ((ويجب أن يتوب من جميع الذنوب، فإن تاب من بعضها؛
صَخَّت توبته عند أهل الحق من ذلك الذنب)» :
قال الغزالي: قيل: إن التوبة عن بعض الذنوب دون بعض لا يصحُّ،
وقال قائلون: يصح، ولفظة الصحة في هذا المقام مُجمل، بل نقول لمن
قال: (لا يصحُّ): إن عنيت به أن تركه بعض الذنوب لا يفيد أصلاً، بل
وجودُه كعدمه؛ فما أعظم خطأك؛ فإنا نعلم أن كثرة الذنوب سببٌ لكثرة
العقاب، وقلَتَها سببٌ لقلَّته.
ونقول لمن قال: (يصح): إن أردت أن التوبة عن بعض الذنوب
توجب قَبولاً يوصل إلى النجاة والفوز؛ فهذا أيضاً خطأ، بل النجاة والفوز
بترك الجميع، هذا حكم الظاهر، ولسنا نتكلم في خفايا أسرار عفو الله.
وإن قال من ذهب إلى أنها لا تصح: إني أردت أن التوبةَ عبارةٌ عن
الندم، وإنما يندم على السرقة مثلاً لكونها معصية، ويستحيل أن يندم عليها
دون الزنا إن كان توجّعه لأجل المعصية؛ فإن العلة شاملة لهما؛ إذ من
يتوجع على قتل ولده بالسيف يتوجعُ على قتله بالسكِّين؛ لأن توجُّعَه
(١) رواه البخاري (٣٢٨٣)، ومسلم (٢٧٦٦).
(٢) انظر: ((إحياء علوم الدين)) للغزالي (٤ / ٣٨).
٩٥

لفوات محبوبه سواء كان بالسيف أو بالسكين، فكذلك [توجُّع] العبد
بفوات محبوبه، وذلك بالمعصية سواء كان بالسرقة أو بالزِّنا، وكيف يتوجع
على البعض [دون البعض]؟! فالندم حالة يوجبها العلمُ بكون المعصية
مفوتةً للمحبوب من حيث إنه معصية، فلا يتصور أن تكون بعض المعاصي
دون بعض، ولو جاز هذا؛ لجاز أن يتوب من شرب الخمر من أحد الدَّنَين
دون الآخر، فإن استحال ذلك من [حيث إن] المعصية في الخمرين
واحدة، وإنما الدِّنانُ ظروف؛ فكذلك أعيان المعاصي آلاتٌ للمعصية،
والمعصية من حيث مخالفةُ الأمر واحدة.
فإذاً؛ معنى عدم الصحة: أن الله وعد التائبين رتبة، وتلك الرتبة
لا تنال إلا بالندم، ولا يتصور [الندم] على بعض المتماثلات دون البعض.
وهذا كلام يستنطق المنصفَ بتفصيل فنقول: التوبة عن بعض
الذنوب لا تخلو: إما أن [تكون عن] الكبائر دون الصغائر، أو عن الصغائر
دون الكبائر، أو عن كبيرة دون كبيرة.
[الأول]: فأما التوبة عن الكبائر دون الصغائر: [فأمر] ممكن؛ إذ يعلم
أن الكبائر أعظم عند الله تعالى، وأجلب لسخط الله ومَقته، والصغائر أقرب
إلى تطرق العفو إليها، فلا يستحيل أن يتوب عن الأعظم ويندم عليه؛ کالذي
يجني على أهل المَلِك وحُرَمه، ويجني على دابته، فيكون خائفاً من الجناية
على الأهل، مستحقراً للجناية على الدابة، فالندم بحسب استعظام الذنب،
واعتقاد كونه مُبعداً عن الله تعالى.
وهذا ممكنٌ وجودُه في الشرع، فقد كثر التائبون في الأعصار [الخالية]،
٩٦

ولم يكن واحد منهم معصوماً، فلا تستدعي التوبة العصمةَ، والطبيب قد
يُحذر المريضَ العسلَ تحذيراً شديداً، ويحذره السُّكَّرَ تحذيراً أخفَّ منه،
فيتوب المريض بقوله عن العسل دون السُّكَّر، فهذا غير مُحال وجودُه، وإن
أكلهما جمیعاً بحکم شهوته؛ ندم على أكل العسل دون السُّكَّر.
الثاني: أن يتوب عن بعض الكبائر دون البعض: وهذا أيضاً ممكن؛
لاعتقاده أن بعض الكبائر أشدُّ من بعض وأغلظ عند الله تعالى؛ كالذي
يتوب عن القتل والنَّهْب والظلم ومظالم العباد لعلمه بأن ديوان العباد
لا يترك، وما بينه وبين الله تعالى يتسارع العفو إليه.
وهذا أيضاً ممكن، وكذلك قد یتوب عن الخمر دون الزنا؛ إذ يتضح
[له] أن الخمر مفتاح كل شر.
الثالث: أن يتوب عن صغيرة أو صغائرَ وهو مُصرٍّ على كبيرة، وهو
يعلم أنها كبيرة، كالذي يتوب عن الغيبة، أو النظر إلى غير مُحرَّم، أو
ما يجري مجراه، وهو مُصِرٌّ على شرب الخمر، وهو أيضاً ممكنٌ، ووجه
إمكانه أنه ما [من] مؤمن إلا وهو خائفٌ على معاصيه، ونادم على فعله
ندماً إما ضعيفاً أو قوياً، ولكن تكون لذَّة نفسه في تلك المعصية أقوى من
تألم قلبه في الخوف منها لأسباب توجب ضعف الخوف؛ من الجهل
والغفلة، وأسباب توجب قوة الشهوة، فيكون الندم موجوداً، ولكن
لا يكون مليئاً بتحريك العزم، ولا قوياً عليه، وإن سلم عن شهوة أقوى
منه؛ بأن لم يعارضه إلا ما هو أضعف؛ قهر الخوفُ الشهوةَ وغلبها وأوجب
ذلك ترك المعصية .
٩٧

وقد تشتد ضراوة الفاسق بالخمر، فلا يقدر على الصبر عنه، وتكون
له ضراوةٌ مّا بالغيبة وثَلْب الناس والنظر إلى غير المُحرَّم، وخوفُه من الله قد
بلغ مبلغاً يقمَعُ هذه الشهوةَ الضعيفةَ دون القويَّة، فيوجب غلبةُ جُند الخوف
انبعاثَ العزم للترك.
بل يقول هذا الفاسق في نفسه: إنْ قهرني الشيطانُ بواسطة غلبة الشهوة
في بعض المعاصي؛ فلا ينبغي أن أخلعَ العِذارَ وأرخِيَ العِنانَ بالكلية، بل
أُجاهده في بعض المعاصي، فعساني أغلبهُ، فيكون قهري له في البعض كفارةً
لبعض ذنوبي، ولو لم يُتصوَّر هذا؛ لما تُصوِّر من الفاسق أن يصومَ ويصلّيَ،
ولقيل له: إن كانت صلاتك لغير الله؛ فلا تصح، وإن كانت لله؛ فاترك الفسق
[لله]، وهذا مُحال، بل يقول: لله عليَّ أمران، ولي على المخالفة فيهما
عقوبتان، وأنا مَليٌ في أحدهما بقهر الشيطان، عاجزٌ عنه في الآخرة، فأنا
أقهره، فيما أقدِرُ عليه، وأرجو بمجاهدتي فيه أن يُكفََّ عنِّي ما عجزت عنه
لفَرْط شهوتي، وكيف لا يُتصوَّرُ هذا وهو حال كل مسلم؟! إذ لا مُسلمَ إلا
وهو جامعٌ بین طاعة الله تعالی ومعصيته، ولا سبب له إلا هذا.
وإذا فُهِمَ هذا؛ فُهِم أن غلبة الخوف للشهوة في بعض الذنوب ممكنٌ
وجودُها، والخوف إذا كان من فعل ماض أورث الندمَ، والندمُ يُورِث العزمَ،
وقد قال وَّهِ: ((النَّدمُ تَوبَةٌ) (١)، ولم يَشترط الندمَ على كل ذنب، وقال الَّ:
(التَّئبُ منَ الذَّنْبِ كَمَنْ لا ذَنْبَ لَهُ))(٢) ولم يقل: التائب من الذنوب كلها.
(١) تقدم تخريجه.
(٢) رواه ابن ماجه (٤٢٥٠) من حديث عبد الله بن مسعود ته. وهو حديث حسن
بشواهده. انظر: ((السلسلة الضعيفة)) (٦٥٢٦).
٩٨

وبهذه المعاني تبين أن التوبة عن بعض الدِّنان غيرُ ممكن؛ لأنها
متماثلة في حق الشهوة، وفي حق التعرض لسخط الله تعالى .
نعم؛ يجوز أن يتوب عن الخمر دون النبيذ لتفاوتهما في اقتضاء
السُّخط، ويتوب عن الكثير دون القليل؛ لأن لكثرة المعصية تأثيراً في كثرة
العقوبة، فيساعد الشهوة في القدر الذي يعجِزُ عنه، ويترك بعض شهوته لله
تعالى؛ كالمريض الذي حذره الطبيبُ الفاكهةَ؛ فإنه قد يتناول قليلها، لكن
لا یستکثر منها .
وقد حصل من هذا أنه لا يمكن أن يتوبَ عن شيء ولا يتوبَ عن
مثله، بل لا بد وأن يكون ما تاب عنه مخالفاً لما بقي عليه؛ إما في شدة
المعصية، وإما في غلبة الشهوة، وإذا حصل هذا التفاوت في اعتقاد
التائب؛ تُصوِّر اختلافُ حاله في الخوف والندم، فيتصوَّر اختلافُ حاله في
الترك، فندمه على ذلك الذنب ووفاؤه بعزمه على الترك يُلحقه بمن [لم]
يُذنب، وإن لم يكن أطاع الله في جميع الأوامر والنواهي(١).
* قوله: ((وقد تظاهرت دلائل الكتاب والسنة وإجماع الأمة على
وجوب التوبة، قال الله تعالى: ﴿وَتُوبُواْإِلَى اللّهِ جميعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ
تُفْلِحُونَ﴾ [النور: ٣١]))؛ أي: توبوا إلى الله من التقصير الواقع في أمره
ونهيه، وظاهر الأمر للوجوب، فيجب التوبة على جميع المؤمنين.
(الكشاف): أوامر الله ونواهيه في كل باب لا يكاد العبد الضعيف
يقدر على مراعاتها، وإن ضبط نفسه واجتهد، ولا يخلو من تقصير يقع
(١) انظر: ((إحياء علوم الدين)) للغزالي (٤ / ٣٩).
٩٩

منه؛ فلذلك وصَّى المؤمنين جميعاً بالتوبة والاستغفار، وبتأميل الفلاح إذا
تابوا واستغفروا، وقال بعض العلماء: إن من أذنب ذنباً، ثم تاب عنه،
يلزمه كلما تذكَّرِه أن يُجدِّد عنه التوبةَ؛ لأنه لا يلزمه أن يستمر على ندمه
وعزمه إلى أن يلقى ربه، وسبق الخلاف في هذه المسألة قريباً(١).
(م): معنى (لعل) راجع إلى العباد، كقوله: ﴿لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾
[طه: ٤٤]؛ أي: اذهبا أنتما على رجائكما وطمعكما في إيمانه، ثم الله
تعالى عالم بما يؤول إليه أمرُه، وقيل: (لعل) بمعنى : كَيْ (٢).
(الكشاف): (لعل) للإطماع، والكريمُ إذا أطمع؛ فعل ما يُطْمِعُ فيه
لا مَحالة، فجرى إطماعُه مَجْرى وعده المَخْتوم؛ فلهذا قيل: (لعل) في
كلام الله تعالی بمعنی کيْ(٣).
٤٠٠
(الثعلبي): (المفلحون): الناجون والفائزون، فازوا بالجنة ونجَوا من
النار، ويكون الفلاح بمعنى البقاء؛ أي: الباقون في النعيم المُقيم (٤)، وأصل
الفَلْحِ: القطع والشَّقُّ، ومنه سُمِّي الزَّراعُ فلاَّحاً؛ لأنه يشُق الأرضَ، وفي
المَثَل: الحديدُ بالحديد يُفْلَح، فهم المقطوعُ لهم بخير الدنيا والآخرة.
* قوله: (([وقال] تعالى: ﴿أَسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ﴾ [هود: ٣])) :
(م): الفرق بين هاتين المرتبتين من وجوه :
(١) انظر: ((الكشاف)) للزمخشري (٣/ ٢٣٨).
(٢) انظر: ((تفسير الرازي)) (٢ / ٩٢).
(٣) انظر: ((الكشاف)) للزمخشري (١ / ١٢٣).
(٤) انظر: ((تفسير الثعلبي)) (١ / ١٤٩).
١٠٠

الأول: معنى (استغفروا): اطلبوا المغفرةَ من ربكم لذنوبكم، ثم
[بيَّن] الشيء الذي يطلب به ذلك وهو التوبة، فقال: ﴿ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ﴾؛ لأن
الداعيَ إلى التوبة والمُحرّضَ عليه هو الاستغفار، وهذا يدل على أنه
لا سبيل إلى طلب المغفرة من عند الله إلا بإظهار التوبة، والأمر في الحقيقة
كذلك؛ لأن المُذنبَ مُعرِضٌ عن طريق الحق، والمُعرض المُتمادي في
التباعد ما لم يرجع عن ذلك الإعراض لا يُمكنه التوجُّه إلى المطلوب،
والمقصودُ بالذات هو التوجُّه إلى المطلوب، إلا أن ذلك لا يمكن إلا
بالإعراض عما يضادُّه، فيثبت أن الاستغفار مطلوب بالذات، والتوبة
مطلوبة؛ لكونها من مُتَمِّمات الاستغفار، وما كان أخيراً في الحصول كان
أولاً في الطلب؛ فلهذا السبب قدم ذكرَ الاستغفار على التوبة.
الثاني: استغفروا من سالف الذنوب، ثم توبوا من أُنْفِ الذنوب.
الثالث: استغفروا من الشِّرك والمعاصي، ثم توبوا من الأعمال
الباطلة.
الرابع: الاستغفار: طلب من الله لإزالة ما [لا] ينبغي، والتوبة سعيٌ
من الإنسان في إزالة ما لا ينبغي، فقدم الاستغفار ليدلَّ على أنه ينبغي للعبد
أن لا يطلبَ التوبةَ إلا من مولاه؛ فإنه هو الذي یقدر علی تحصیله، ثم ذكر
التوبة؛ لأنها عمل يأتي به الإنسان، ويتوسل به إلى دفع المكروه،
والاستعانة بفضل الله مُقدَّمةٌ على الاستعانة بسعي النفس(١) .
* قوله: (([وقال] تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ تُوبُواْ إِلَى اللَّهِ تَّوْبَةٌ
(١) انظر: ((تفسير الرازي)) (١٧ / ١٤٥).
١٠١

نَّصُوحًا﴾ [التحريم: ٨]))؛ أي: توبة صادقة جازمة تمحو ما قبلها من السيئات،
وتلُمُّ شَعْتَ التائب وتجمعه، وتكُفُّه عمَّا كان يتعاطاه من الدناءة.
روي عن عمر بن الخطاب، وعبدالله بن مسعود، وأُبيِّ بن كعب: أن
التوبة النَّصوحَ: هي أن يتوب من الذنب ولا يعودَ فيه (١)، وروى أحمدُ عن
ابن مسعود مرفوعاً، والموقوفُ أصحُّ [قال: قال رسول الله وَّهِ: ((الثَّوبةُ منَ
الذَّنْبِ: أَنْ يتوبَ مِنْهُ، ثمَّ لا يَعودَ فيهِ)(٢)](٣) وروى ابن أبي حاتم عن زِرِّ بن
حُبيش، عن أبي بن كعب قال: قيل لنا أشياء تكون في آخر هذه الأُمة عند
اقتراب الساعة :
منها: نكاح الرجل امرأته وأمتَه في دُبرها، وذلك ممَّا حرَّم الله
ورسولُه، ويَمقُت الله علیه ورسولُه.
ومنها: نكاح المرأةِ المرأةَ، وذلك ممَّا حرَّم الله ورسولُه، ويَمقُت الله
علیه ورسولُه.
وليس لهؤلاء صلاةٌ ما أقاموا على هذا إلى أن يتوبوا إلى الله توبة
نصوحاً.
قال زِرٍّ: فقلت لأُبي بن كعب: فما التوبة النَّصوح؟ فقال: سألت عن
ذلك رسولَ اللهَوَّه فقال: ((هُو النَّدمُ على الذَّنبِ حينَ يَفْرُطُ مِنكَ، فتستَغْفِرُ اللهَ
بندامَتِكَ عندَ الحَاضرِ، ثمَّ لا تعود فيه أبداً»(٤).
(١) انظر: ((تفسير الطبري)) (٢٨/ ١٦٧).
(٢) رواه الإمام أحمد في ((المسند)) (١ / ٤٤٦).
(٣) ما بين معكوفتين من ((تفسير ابن كثير)) (١٤ / ٦١).
(٤) انظر: ((تفسير ابن كثير)) (١٤ / ٦١ - ٦٢).
١٠٢

وروى ابن أبي حاتم عن أبي عمرو بن العَلاء قال: سمعت الحسنَ
يقول: التوبة النصوحُ: أن تُبغضَ الذنبَ كما أحببته، وتستغفر منه إذا
ذکر ته(١).
وهل من شرط التوبة النَّصوحِ الاستمرارُ على عدم العود حتى الممات،
أم يكفي العزمُ على أن لا يعود في تكفير الماضي؛ بحيث لو وقع منه ذلك
الذنبُ بعد ذلك؛ لا يكون ضارّاً في تكفير ما تقدم؛ لعموم قوله ◌َّهِ: ((الثَّوبةٌ
تَجُبُّ مَا قَبْلَها)»؟
وللأول أن يحتجَّ بما ثبت في ((الصحيح)): ((مَنْ أَحسنَ في الإسلامِ؛
لم يُؤاخَذْ بما عَمِلَ في الجَاهليَّةِ، ومَنْ أساءَ في الإسلامِ؛ أُخِذَ بالأَّلِ
والآخِرِ))(٢)، فإذا كان هذا في الإسلام الذي هو أقوى من التوبة؛ فالتوبة
بطريق الأَوْلى (٣).
(حس): (نصوحاً)؛ أي: توبة ذاتَ نُصْح تنصحُ صاحبَها بترك العود
إلی ما تاب منه.
قال عمرُ وأُبيِّ ومعاذٌ ◌ّ: التوبة النصوح: أن يتوبَ ثم لا يعود؛ كما
لا يعود اللَّبِنُ إلى الضَّرْعِ.
وقال الحسن: هي أن يكون العبد نادماً على ما مضى، مُجْمِعاً على
أن لا يعود فيه.
(١) المرجع السابق (١٤ / ٦٢).
(٢) تقدم تخريجه.
(٣) انظر: ((تفسير ابن كثير)) (١٤ / ٦٢).
١٠٣

وقال الكلبي: أن يستغفر باللسان، ويندمَ بالقلب، ويمسك بالبدن،
يجمعها أربعةُ أشياء: الاستغفارُ باللسان، والإقلاعُ بالأبدان، وإضمارُ ترك
العود بالجَنان، ومهاجرةُ مُسيءِ الإخوان(١).
(الكشاف): عن السُّدِّي: لا تصح التوبةُ إلا بنصيحة النفس والمؤمنين؛
لأن من صَحَّت توبته أحبَّ أن يكونَ الناسُ مثلَه، وقيل: (نصوحاً) من نصاحة
الثوب؛ أي: توبة تَرفُو خروقَك في دينك، وتَرُّ خَلَلك، وقيل: خالصة؛ من
قولهم: عسل ناصح: إذا خلَص من الشَّمع، ويجوز أن يُراد: توبة تنصح
الناسَ؛ أي: تدعوهم إلى مثلها؛ لظهور أثرها في صاحبها، واستعماله الجِدَّ
والعزيمةَ في العمل على مقتضياتها .
وقرئ: (نُصوحاً) بالضم، وهو مصدرُ نَصَحَ، والنُّصح والنُّصوح؛
كالشُّكر والشُّكور، والكُفر والكُفور؛ أي: ذاتَ نُصوح، أو تنصح نصوحاً،
أو توبوا لنصح أنفسكم، على أنه مفعول له(٢).
و(فَعُول) من أبنية المبالغة يقع على الذكر والأنثى، فكأن الإنسان
بالغ في نصح نفسه بها .
١٣ - وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَعَه، قال: سَمِعْتُ رسول الله لَّه
يَقُولُ: ((واللهِ! إِنِّي لأَسْتَغْفِرُ اللهَ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ في اليَوْمِ أَكْثَرَ مِنْ سَبْعِين
(١) انظر: ((معالم التنزيل)) للبغوي (٤ / ٣٦٧).
(٢) انظر: ((الكشاف)) للزمخشري (٤ / ٥٧٤).
١٠٤

مرَّةً» رواه البخاري.
١٤ - وعَن الأَغَرِّ بْنِ يَسَارِ المُزَنِيِّ﴿هِ، قالَ: قالَ رسولُ اللهِّى :
(يا أَيُّهَا النَّاسُ! تُوبُوا إلى اللهِ واسْتَغْفِرُوهُ؛ فإِنِّي أَتُوبُ في الْيَوْمِ مِئَّةً
مَرَّةٍ» رواه مسلم.
(الأَوْاُ وَالثَّانِى)
* قوله وَي: ((والله؛ إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من
سبعين مرة))، وفي رواية: ((وإني أتوب إليه في اليوم مائة مرة)) :
(ق): هذا يدل على استدامة التوبة؛ لأنه من حُصول الذنب على
يقين، ومن الخروج عن عقوبته على شَكّ، فحقُّ التائب أن يجعل [ذنبَه]
نُصْبَ عينيه، وينوح دائماً عليه، حتى يتحقق أنه قد غُفر له ذنبُه، ولا يتحقَّقُ
أمثالنا ذلك إلا بلقاء الله .
فواجبٌ عليه ملازمةُ الخوف من الله، والرجوعُ إلیه بالندم على ما فعل،
وبالعزم على أن لا يعودَ، وبالإقلاع عنه، ثم لو قدَّرنا أنه تحقق أن قد غُفر له
ذلك الذنبُ؛ تعيّنت عليه وظيفة الشكر؛ كما قال ◌َّهِ: ((أَفلا أَكونُ عَبْداً
شَكُوراً؟))(١) .
وإنما أخبر النبيُّ وَِّ بأنه يكرِّر توبتَهُ في كلِّ يوم مع كونه مغفوراً له؛
ليُلْحِقَ به غيرُه نفسَهُ بطريق الأَوْلى، وكذلك القولُ في الاستغفار والتوبة
(١) رواه البخاري (١٠٧٨)، ومسلم (٢٨١٩)، من حديث المغيرة بن شعبة منه
١٠٥

يقتضي شيئاً يُتاب منه، إلا أن ذلك ينقسم بحسب حال من صدر منه ذلك
الشيءُ، فتوبة العَوامٌّ من السيئات، وتوبة الخَواصِّ من الغَفَلات، وتوبة
خواصِّ الخَواصِّ من الالتفات إلى الحسنات، هكذا قاله بعضُ أرباب
القلوب، وهو كلام حسَنٌّ في نفسه، بالغٌ في فَنِّه(١).
وأما سببُ توبته وَّر واستغفاره: فسيأتي في آخر الكتاب في (باب
الاستغفار).
١٥ - وعَنْ أَبِي حَمْزَةَ أَنَسِ بنِ مَالِكِ الأَنْصَارِيِّ خَادِمِ
رسولِ اللهِهَ﴾ه، قالَ: قالَ رسولُ الله ◌َّهِ: ((لَلَهُ أَفْرَحُ بِتَوْبَةِ
عَبْدِهِ مِنْ أَحَدِكُمْ سَقَطَ عَلَى بَعِيرِهِ وَقَدْ أَضَلَّهُ في أَرْضٍ فَلاةٍ» متفقٌ
عليه .
وفي رواية لمُسْلمٍ: ((لَلَهُ أَشَدُّ فَرَحاً بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ حِينَ يَتُوبُ
إِلَيْهِ مِنْ أَحَدِكُمْ كَانَ عَلَى رَاحِلَتِهِ بِأَرْضٍ فَلَاةٍ، فَانْفَلَتَتْ مِنْهُ وعَلَيْهَا
طَعَامُهُ وشَرَابُهُ، فَأَيِسَ مِنْهَا، فَأَتَى شَجَرَةَ، فَاضْطَجَعَ في ظِلَّهَا،
وقَدْ أَيِسَ مِنْ رَاحِلَتِهِ، فَبَيْنَمَا هُوَ كَذلكَ، إِذْ هُوَ بها قَائِمَةً عِنْدَهُ،
فَأَخَذَ بِخِطَامِهَا، ثُمَّ قَالَ مِنْ شِدَّةِ الفَرَحِ: اللَّهُمَّ أنْتَ عَبْدِي وأنا
رَبُّكَ، أَخْطَأَ مِنْ شِدَّةِ الفَرَحِ».
(١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٧ / ٢٨).
١٠٦