النص المفهرس

صفحات 141-160

قال القاضي: يجوز نَصْبُ (الثلث) الأول ورفعهُ، وأما النصب: فعلى
الإغراء؛ أي: افعل؛ أي: أعط الثلث، وأما الرفع: فعلى أنه فاعل؛ أي:
يكفيك الثلث، أو على أنه مبتدأ وحُذف خبره، أو خبرٌ محذوفُ المبتدأ.
وفي هذا الحديث مراعاة العدل بين الورثة، والوصية.
قال جمهور العلماء: يُستحبُّ النَّقْصُ من التُّلث مطلقاً.
قال أصحابنا وغيرهم: إن كانت الورثةُ أغنياءَ؛ استُحِبَّ أن يوصيَ
بالثُّلث تبرعاً، وإن كانوا فقراءَ؛ استُحِبَّ أن ينقصَ من الثُّلك.
وعن أبي بكر الصديق ظه: أنه أوصى بالخُمُس(١)، وعن علي ◌َظـ
نحوه(٢)، وعن ابن عمر ﴿﴾، وإسحاق: بالرُّبع، وقال آخرون: بالسُّدُس،
وآخرون: بدونه، وآخرون: بالعُشر.
وقال إبراهيم النخعي: كانوا يكرهون الوَصِيَّةَ بمثل نصيب أحد
الورثة(٣).
وروي عن علي وابن عباس وعائشة ◌ّ وغيرهم: أنه يُستحبُّ لمن له
ورثة ومالُهُ قليل تَركُ الوصِيّة(٤).
(ق): شَذَّ بعضُ العلماء وقال: لا يجوز إلا بالرُّبع، لكن لمَّا استكثرَ
(١) رواه البيهقي في ((السنن الكبرى)) (٦ / ٢٧٠).
(٢) رواه البيهقي في ((السنن الكبرى)) (٦ / ٢٧٠).
(٣) رواه ابن أبي شيبة في ((المصنف)) (٣٠٩٣٨).
(٤) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١١ / ٧٦) وانظر: ((المصنف)) لابن أبي شبية
(٣٠٩٤٣)، (٣٠٩٤٥)، (٣٠٩٤٦).
٤٧

النبيُّ وَِّ الثلث؛ قال ابن عباس: [لو أنَّ الناسَ](١) غَضُّوا من الثُّلث إلى
الربع؛ حَضّاً إلى ذلك.
وكل ذلك رِفْقٌ بالورثة، وترجيحٌ لجانبهم على الصَّدقة للأجانب.
قلت: وعلى هذا: فمن حَسُنت نيته فیما یُنفقہ لورثته؛ کان أجرُه في
ذلك أعظمَ من الصدقة، لا سيما إذا كانوا ضِعَافاً(٢).
(ن): وأجمع العلماءُ على أن مَنْ له وارثٌ لا تَنفُذ وصيته بزيادة على
الثلث إلا بإجازته، وأجمعوا على نُفُوذها بإجازته في جميع المال، وأما من
لا وارث له: فمذهبنا ومذهبُ الجمهور: أنه لا تصِحُّ وصيته فيما زاد على
الثلث، وجَوَّزه أبو حنيفة وأصحابه، وإسحاقُ وأحمدُ في إحدى الروايتين
عنه، وروي عن عليٍّ وابن مسعودٍ ـ
وقوله: ((أفأتصدق بثلثي مالي)): يحتمِلُ أنه أراد بالصَّدقة الوصيةَ،
ويحتملُ أنه أراد الصَّدقةَ المُنَجَّةَ، وهما عندنا وعند العُلماء كافَّةً سواءٌ،
لا يَنْفُذ ما زاد على الثُّلث إلا برضا الوارث.
وخالف أهلُ الظاهر فقالوا: للمريض مرضَ الموت أن يتصدَّقَ بكل
ماله، ویتبرعَ به كالصحیح.
و((أن تذر)): بفتح الهمزة وكسرها، روايتان صحيحتان(٣).
(١) ما بين معكوفتين من ((المفهم)) للقرطبي (٤ /٥٤٥).
(٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٤ / ٥٤٥).
(٣) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١١ / ٧٧).
٤٨

(ق): (أَنْ) مع الفعل بتأويل المصدر في موضع رفع بالابتداء،
وخبره (خير)، والمبتدأ وخبره خبر (إنك) تقديره: إنك تَرْكُكَ ورثتَك
أغنياءَ خيرٌ من تركهم فقراء، وقد وهم من كسر الهمزة وجعلها شرطاً؛ إذ
لا جواب له، ویبقی (خیر) لا رافع له(١) .
(ط): إذا صحَّتِ الروايةُ؛ فلا التفات إلى من لم يُجوِّز حذفَ الفاء
من الجملة الاسمية، بل هو دليل عليه.
قال الإمام محمدُ بن مالك في كتاب ((شواهد التوضيح لمشكلات
الجامع الصحيح)): تقديره: إن تركت ورثتك أغنياءَ؛ فهو خيرٌ، فحذف
الفاء والمبتدأ، نظيره قوله وَّه لأُبيِّ بن كعب: ((فَإِن جاءَ صاحبُها، وإلاّ؛
استَمْتِعْ بهَا))(٢)، وذلك مما زعم النَّحْويون أنه مخصوصٌ بالضرورة، وليس
مخصوصاً بها، ومَنْ خَصَّ هذا الحذفَ بالشعر؛ حادَ عن التحقيق، وضَيَّق
حيثُ لا تضييقَ(٣).
(ن): (العالة): الفقراء، و(يتكففون): يسألون الناس في أَكُفُّهم(٤).
(ق): أو يسألون الصدقةَ من أَكُفِّ الناس(٥).
قال الزمخشري في ((الفائق)»: تكفَّف السائلُ: إذا بسط كفَّه للسؤال،
(١) انظر: ((المفهم) للقرطبي (٤ / ٥٤٥).
(٢) رواه البخاري (٢٣٠٥).
(٣) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٧ / ٢٢٥١).
(٤) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١١ / ٧٧).
(٥) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٤ / ٥٤٥).
٤٩

أو سأل الناس كفاً كفاً من طعام، أو ما يَكُفُّ الجَوْعةَ(١).
* قوله: ((يا رسول الله أخلف بعد أصحابي؟»:
(ن): قال القاضي: معناه: أُخَلَّف بمكة بعد أصحابي، فقاله إما إشفاقاً
من موته بمكة؛ لكونه هاجر منها، وتركها لله تعالى، فخشي أن يقدح ذلك في
هجرته، أو في ثوابه عليها، أو خشي بقاءَه بمكة بعد انصراف النبي ◌َّ
وأصحابه إلى المدينة، وكانوا يكرهون الرجوعَ فيما تركوه لله تعالى.
قال القاضي: قيل: كان حكم الهجرة باقياً بعد الفتح؛ لهذا الحديث.
وقيل: إنما ذلك لمن كان هاجر قبل الفتح، فأما من هاجر بعده:
فلا .
وأما قوله بَّه: ((إنك لن تخلف فتعمل عملاً)): المراد بالتخلُّف طولُ
العمر، والبقاء في الحياة بعد جماعات من أصحابه، وفي هذا الحديث:
فضيلةُ طول العُمر؛ للازدياد من العمل الصالح، والحثُّ على إرادة وجه
الله تعالى بالأعمال.
وقوله : ((لعلك تخلف حتى ينتفع بك أقوام))، وفي بعض النسخ
المصحَّحة: (تنتفع) بزيادة التاء، وهو الأصح.
هذا من المعجزات؛ فإن سعداً عاش حتى فتح العراقُ وغيره، وانتفع
به أقوامٌ في دينهم ودنياهم، وتضرر به الكُفار في دينهم ودنياهم؛ فإنهم
قُتلوا وسُبيت نساؤهم وأولادهم، وغُنمت أموالهم وديارهم، وولي العراق
فاهتدى على يده خلائقُ بإقامة الحق فيهم من كُفّار ونحوهم.
(١) انظر: ((الفائق في غريب الحديث)) للزمخشري (٢ / ٢٤٤).
٥٠

قال القاضي: قيل: لا يُحبِطِ أجرَ هجرة المهاجرين بقاؤه بمكة،
وموته بها؛ إذ كان لضرورة، وإنما يُحبط ما كان بالاختيار.
وقال قوم: موتُ المهاجر بمكة يُحبِطِ هجرةً كيف ما كان.
قال: وقيل: لم تفرض الهجرةُ إلا على أهل مكة خاصَّةً.
وقوله ◌َّفي: ((اللهم! أمض لأصحابي هجرتهم، ولا تردهم على
أعقابهم))، قال القاضي: استدلَّ به بعضُهم على أن بقاء المهاجر بمكةً كيف
كان قادحٌ في هجرته، ولا دليل فيه عندي؛ لأنه دعاء لهم دعاء عاماً.
ومعنى ((أمض لأصحابي هجرتهم))؛ أي: أتمها لهم، ولا تبطلها،
ولا تردَّهم على أعقابهم بترك هجرتهم، ورجوعهم عن مُستقيمٍ أحوالهم
المَرْضِيَّةِ. انتهى(١).
زاد البخاري في ((صحيحه)): ثم وضع رسول الله ربَِّ يدَه على جَبْهتِهِ،
ثم مسح يده على (٢) وجهي وبطني، ثم قال: ((اللّهُمَّ! اشفِ سَعْداً، وأِمَّ له
هجرتَهُ))، فما زلتُ أجِدُ بردَهُ على كَبِدِي فيما يُخَالُ إليَّ حتَّى السَّاعَةَ(٣).
(ق): هذا الدعاء يقتضي أن يبقى عليهم حالُ هجرتهم وأحكامُها،
ويفيد أن استصحاب أحكامها كان واجباً على من هاجر، فيحرم عليه
الرجوعُ إلى وطنه، وتركُ المدينة إلى أن يموت فيها، وإن كان قد ارتفع
حكمُ وجوب أصلها عَمَّن لم يهاجر يوم الفتح حيثُ قال: ((لا هِجْرةَ بعدَ
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١١ / ٧٨).
(٢) في الأصل: ((به وجهي)).
(٣) رواه البخاري (٥٣٣٥).
٥١

الفَتْحِ))(١)، وقال: ((إنَّ الهجرةَ قد مَضَتْ لأَهْلِها))(٢).
وقال الآخرون: إنَّ وجوبَ الهجرة ووجوبَ استدامة حُكمها قد
ارتفع يوم الفتح، وإنما أقاموا بالمدينة؛ لنصرته بالۋ، ولأخذ شريعته،
وللكون معه؛ اغتناماً لبركته، ثم لما مات؛ فمنهم من أقام بالمدينة،
وأكثرُهم ارتحل عنها، واستوطن الشامَ قومٌ منهم، وآخرون العراقَ،
وآخرون مصرَ، وللأولين أن يَنْفصلوا عن هذا بأن يقولوا: إنما استوطنوا
تلك الأمصار؛ للجهاد وفتح البلاد، وإظهار الدين، ونَشْر العلم حتى
أنفدوا في ذلك أعمارهم، ولم يقضوا من ذلك أَوْطارَهُم(٣).
قوله ريرافي: ((لكن البائس سعد بن خولة» :
(ن): (البائس): هو الذي عليه أثر البُؤس، وهو الفقر والقِلَّة.
قيل: إنه لم يهاجر من مكة(٤) حتى مات بها، قاله عيسى بن دينار،
وذكر البخاريُّ: أنه هاجر وشهد بدراً، ثم انصرف إلى مكة ومات بها(٥).
قال ابنُ هشام: إنه هاجر إلى الحبشة الهجرةَ الثانية، وشهد بدراً
وغيرها، وتُوفِّي بمكة في حَجَّة الوداع سنة عشر، وقيل: توفي بها سنة سبع
في الهُدْنة، وخرج مُختاراً من المدينة إلى مكة، فعلى هذا وعلى قول عيسى
(١) رواه البخاري (٢٦٣١)، ومسلم (١٣٥٣)، من حديث ابن عباس ظـ
(٢) رواه البخاري (٢٨٠٢)، ومسلم (١٨٦٣)، من حديث مجاشع بن مسعود ـ
(٣) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٤ / ٥٤٧).
(٤) في الأصل: ((بمكة)).
(٥) انظر: ((صحيح البخاري)) (٣٧٧٠).
٥٢

ابن دينار: سببُ بؤسه سقوطُ هجرته؛ لرجوعه مُختاراً، أو موته بها، وعلى
قول الآخرین: سببُ بؤسه موتُه بمکة على أيّ حال کان وإن لم یکن باختياره؛
لما فاته من الأجر والثواب الكامل بالموت في دار هجرته(١).
* قوله: ((يرثي له رسول الله ي الخير أن مات بمكة»:
(ن): هذا من كلام الراوي: أنه ◌َّ كان يتوجَّع له، ویَرِقُّ عليه؛ لكونه
مات بمكة، واختلفوا في هذا القائل، فقيل: هو سعدُ بن أبي وَقَّاص، وقيل:
إنه من کلام الزُهري.
في هذا الحديث: استحبابُ عيادة المريض، وأنها مُستحَبَّة للإمام
کاستحبابھا لآحاد الناس.
وفيه: جواز ذكر المريض ما يجده لغرض صحيح؛ من مُداواة، أو
دعاءِ صالح، أو وصية، أو استفتاءٍ عن حاله، ونحو ذلك، وإنما يُكره من
ذلك ما كان على سبيل السُّخط أو نحوه؛ فإنه قادح في أجر مرضه.
وفيه: دليلٌ على إباحة جمع المال؛ لأن قوله: ((وأنا ذو مال))
لا يُستعمل في العُرف إلا لمال کثیر.
وفيه: الحَثُّ على صلة الأرحام، والإحسان إلى الأقارب، والشفقة
على الورثة، وأن صلةَ القريب الأقرب والإحسانَ إليه أفضلُ من الأبعد،
واستدل به بعضُهم على ترجيح الغِنى على الفقر.
وفيه: استحبابُ الإنفاق في وجوه الخير؛ لقوله: ((إلا أُجرت بها)).
وفيه: أن الأعمال بالنيات، وأنه إنما يُثاب على ما عمل بنية.
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١١ / ٧٩).
٥٣

وفيه: أن الإنفاق على العِیال یُثاب عليه إذا قصد به وجه الله تعالى.
وفيه: أن المباحَ إذا قصد به وجه الله تعالى؛ صار طاعةً، ويثاب عليه،
وقد نبه وَ ﴿ على هذا بقوله: ((حتَّى اللُّقْمةَ تجعلُها فِي فِي امرَأْتِكَ))؛ لأن زوجة
الإنسان هي من أخصِّ حُظوظه الدنيوية، وشهواته ومَلاذِّه المُباحة، وإذا وضع
اللُّقمةَ في فيها؛ فإنما يكون ذلك في العادة عند الملاعبة والملاطفة والتلذُّذ
بالمُباح، فهذه الحالة أبعدُ الأشياء عن الطاعة وأمور الآخرة، ومع هذا
فأخبر ◌َّ﴿ أنه إذا قصد بهذه اللقمة وجهَ الله تعالى؛ جعل الله له الأجرَ بذلك،
فغيرُ هذه الحالة أولى بحُصول الأجر إذا أراد به وجه الله تعالى.
ويتضمن ذلك أن الإنسان إذا فعل شيئاً أصلُه على الإباحة، وقصد به
وجهَ الله تعالى؛ يثاب عليه؛ كالأكل بنية التَقَوِّي لطاعة، والنَّوم للاستراحة؛
ليقوم إلى العبادة نشيطاً، والاستمتاع بزوجته وجاريته؛ ليَكُفَّ نفسَه وبصرَه
ونحوَهما عن الحرام، وليقضيَ حقَّها، وليُحَصِّل ولداً صالحاً، وهذا معنى
قوله ◌َّهِ: ((وفي بُضْعِ أَحدِكُم صَدقةٌ) (١).
(ك): تمثيله وَل﴿ باللقمة مبالغةٌ في تحقيق هذه الطاعة التي ذكرناها؛
لأنه إذا ثبت الأجر في لقمة الزوجة غير مضطرة، مع ما فيها من حظوظ
النفس؛ فكيف بمن أطعم محتاجاً، أو فعل من العبادات الدينية ما مَشقّتهُ
فوق مشقة اللقمة، الذي هو من الحقارة بالمحل الأدنى؟!(٢)
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١١ / ٧٦ - ٧٨)، والحديث رواه مسلم (١٠٠٦)،
من حديث أبي ذر نظُله .
(٢) انظر: ((الكواكب الدراري)) للكرماني (١ / ٢١٦).
٥٤

(ق): في قوله: ((إنك لن تنفق نفقة ... )) إلى آخره: أن الأجر في
النفقات لا يحصل إلا بقصد القربة وإن كانت واجبةً، واستفيد من مفهومه: أن
من لم يَقصِد القُربةَ؛ لم يُؤجر .
وقوله: ((حتى اللقمة)): يجوز فيه الحركات الثلاث؛ كقوله: (أكلتُ
السَّمكةَ حتى رأسها)، وروايتنا النَّصبُ لا غير، ويفهم من هذا: أن من يطعم
ولده لذائذَ الأطعمة ولطيفها؛ ليؤدي شهوته، ویمنعه من التشوُّق لما يراه بید
الغير، ويُرِقَّ طبعَه، فَيَحْسُن فهمُه، ويقوى حفظُه، إلى غير ذلك؛ يُثاب عليه
إذا صحَّت فيها نية القُرب.
وفيه: التنبيه على الفوائد التي تحصُل بسبب المال؛ فإنه إن مات؛
◌ُثيب على ترك ورثته أغنياءَ من حيث إنه وصل رَحمَهم، وأعانهم بماله على
طاعة الله، وإن لم يمت؛ حصل له أجرُ النفقات الواجبة والمندوب إليها.
ويخرج من هذا الحديث: أن كسب المال وصرفَه على هذه الوجوه
أفضلُ من ترك الكسب، أو الخروج عنه جملة واحدة، وكلُّ هذا إذا كان
الكسبُ من الحلال الخَلِيِّ من الشُّبهات الذي يتعذّر الوصولُ إليه في هذه
الأوقات(١).
(خط): فيه دليل على كراهة نقل الموتى [من] بلد إلى بلد، ولو كان
جائزاً لأَمَرَ بنقله إلى دار مُهَاجَرِهِ(٢) .
(ن): قال القاضي: وقد رُوي في هذا الحديث: أن النبيِ وَّ خَلَّف
(١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٤ /٥٤٥ - ٥٤٧).
(٢) انظر: ((أعلام الحديث)) للخطابي (١ / ٣٣٢).
٥٥

على سعد بن أبي وَقَّاصٍ رَجُلاً وقال له: ((إنْ تُوفِّيَ بمكَّةَ؛ فلا تَدْفِنْهُ بِهَا))(١).
٧ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ صِخْرٍ ﴿﴾، قَالَ: قَالَ
رسولُ الله ◌َّهِ: ((إنَّ اللهَ لا يَنْظُرُ إِلَى أَجْسَامِكُمْ، وَلا إلَى صُوَرِكُمْ،
وَلَكِنْ يَنْظُرُ إلى قُلُوبِكُمْ وَأَعْمَالِكُمْ)) رواه مسلم.
النَشَّا
* قوله مي: ((إن الله لا ينظر إلى صوركم)):
(نه): معنى النظر: هو الاختيارُ والرَّحمة والعَطْفُ؛ لأن النظر في
الشاهد دليلُ المَحبَّة، وترك النظر دليلُ البُغْض والكَراهِيَة، وميلُ الناس إلى
الصور المُعْجِبة، والأموال الفائقة، والله يتقدَّسُ عن شبَهِ المخلوقين،
فجُعل نظره إلى ما هو السِّرُّ واللُّبُّ، وهو القلب والعمل، والنظرُ يقع على
الأجسام والمَعاني، فما كان بالأبصار؛ فهو للأجسام، وما كان بالبصائر؛
كان للمعاني(٢).
(ق): نظرُ الله سبحانه: هو رؤيته للموجودات، واطّلاعُه عليها لا يختص
موجوداً دون موجود، بل يَعُمُّ جميعَ الأشياء؛ إذ لا يخفى عليه شيء في
الأرض ولا في السماء.
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١١ / ٨٠)، والحديث رواه عبد الرزاق في ((مصنفه))
(٦٧٢٩).
(٢) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (٥ / ٧٦).
٥٦

ثم قد جاء في الشرع بمعنى رحمته للمنظور إليه، وبمعنى قَبول
أعماله ومجازاته عليها، وهذا هو النظر الذي يَخُصُّ بعضَ الأشياء، ويُنفى
عن بعضها؛ كما قال: ﴿ إِنَّالَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَنِهِمْ ثَمَنَّا قَلِيلًا أُوْلَئِكَ لَا
خَلَقَ لَهُمْ فِ آلْآَخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَ يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ
وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِمٌ﴾ [آل عمران: ٧٧].
فمعنى: ((لا ينظر الله إلى صوركم))؛ أي: لا يُتيبكم عليها، ولا يُقرِّبكم
منه ذلك؛ كما قال: ﴿ وَمَآ أَمْوَلُكُمْ وَلَا أَوْلَدُكُمْ بِأَلَّتِى تُقَرِّيْكُرْ عِندَنَا زُلْفَى إِلَّا مَنْ
ءَامَنَ﴾ [سبأ: ٣٧] الآيةَ(١).
ويُستفاد من هذا الحديث فوائد:
أحدها: صرفُ الهمَّة، والاعتناء بأحوال القلب وصفاته بتحقيق علومه،
وتصحيح مقاصده وعزومه، وتطهيره من مذموم الصفات، واتصافه بمَحْمُودها؛
فإنه لمَّا كان القلب هو محلّ نظر الله تعالى؛ فحَقٌّ على العالِمِ أن يُقدِّر اطِّلاعَ الله
على قلبه، ويفتشَ عن صفات قلبه وأحوالها؛ لئلا يذَرَ في قلبه وصفاً مذموماً
يَمْقُته الله تعالی بسببه.
(١) مذهب السلف إثبات العين للباري سبحانه وتعالى، وأنها صفة له سبحانه، لحديث
البخاري ومسلم وغيرهما حين ذكر الدجال عند النبي ◌َّه فقال: ((إن الله لا يخفى
عليكم، إن الله ليس بأعور))، وأشار بيده إلى عينه، الحديث. قال القرطبي: قال
العلماء منهم البيهقي: وفي هذا نفي نقص العور عن الله تعالى، وإثبات العين له
صفة، وعرفنا بقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ﴾ أنها ليست بحدقة، وأن الوجه
لیس بصورة وأنها صفة ذات، انتهى .
فنثبت أن الله سبحانه وتعالى عيناً، ولا نعرف ماهيتها ولا كيفيتها .
وانظر للاستزادة: ((أقاويل الثقات)) للشيخ مرعي الحنبلي (ص: ١٤٨).
٥٧

الثانية: أن الاعتناء بإصلاح القلب مُقدَّمٌ على الأعمال بالجوارح؛ لأن
أعمالَ القلوب هي المُصحِّحةُ للأعمال الظاهرة؛ إذ لا يَصِحُّ عملٌ شرعيٌّ إلا
من مؤمن عالم بمن كَلَّفه، مُخلِصٍ له فيما يعمله، ثم لا يكمُّل ذلك إلا بمراقبة
الحق فيه، وهو الذي عَبَّر عنه بالإحسان حيث قال: ((أَنْ تَعْبُدَ اللهَ كَأَنَّكَ تَراهُ)(١).
وقال وَّه: ((إنَّ في الجَسدِ مُضْغةً إذا صلَحَتْ صلَحَ الجَسدُ كلُّ))
الحدیثَ(٢).
الثالثة: لما كانت القلوبُ هي المُصحِّحةَ للأعمال الظاهرة، وأعمال
القلب غَيْبٌ عنا؛ فلا يُقطع بمُغَيَّب أحد؛ لما يرى عليه من صورة أعمال
الطاعة أو المخالفة، فلعل مَنْ يحافظ على الأعمال الظاهرة يعلمُ الله من
قلبه وصفاً مذموماً لا يصِحُّ معه تلك الأعمالُ ولعل من رأينا منه تفريطاً أو
معصية يعلم الله من قلبه وصفاً محموداً يغفر له بسببه، فالأعمال أماراتٌ
ظنية، لا أدلة قطعية .
ويترتب عليه عدمُ الغُلوِّ في تعظيم من رأينا عليه أفعالاً صالحةً،
وعدمُ الاحتقار لمسلم رأينا عليه أفعالاً سيئة، بل يُحتقر ويُذَمُّ تلك الحالةُ
السيئة، لا تلك الذات المُسيئةُ، فتدبر هذا؛ فإنه نظر دقيق(٣)، انتهى.
ويستفاد منه فائدة رابعة، وهي: أن الاعتناء بتزيين الظواهر ليس من
شأن أهل البصائر، قال تعالى في المنافقين: ﴿وَإِذَا رَأَنْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمّ
(١) رواه البخاري (٥٠) من حديث أبي هريرة له، ورواه مسلم (٨) من حديث عمر
ابن الخطاب ټڅته .
(٢) رواه البخاري (٥٢)، ومسلم (١٥٩٩)، من حديث النعمان بن بشير ظ ته.
(٣) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٦ / ٥٣٧ _ ٥٣٩).
٥٨

وَإِن يَقُولُواْ تَسْمَعْ لِقَوْلِمْ﴾ [المنافقون: ٤]، وفي الحديث: ((يُرى الرَّجُلِ العَظِيمُ
السَّمِينُ لا يَزِنُ عندَ الله جناحَ بَعُوضةٍ)(١) .
وقيل: نِعْمَ مَصَادُ المَرء للشَّهادة اللِّحيةُ الضَّخمةُ والسَّجَّادةُ.
٨ - وَعَنْ أبي مُوسَى عَبْدِ اللهِ بْنِ قَيْسِ الأَشْعَرِيِّ ◌َ﴾، قَالَ:
سُئِلَ رسولُ الله ◌َّهِ عَنِ الرَّجُلِ يُقَاتِلُ شَجَاعَةً، ويُقَاتِلُ حَمِيَّةً وَيُقَاتِلُ
رِيَاءً، أَيُّ ذلِكَ فِي سَبِيلِ اللهِ؟ فَقَالَ رسولُ اللهِوَِّ: ((مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ
كَلِمَةُ اللهِ هِيَ العُلْيَا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللهِ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
(الثَّافُِ))
* قوله: ((الرجل يقاتل شجاعة))؛ أي: أنه متصف بهذا الخُلق، فهو
في وقت له متابع لهواه، يحب مُبارزةَ الأبطال، وتلبية دعوة نزال، بشجاعته
◌ُحاکي شجاعةَ الأسد وغيره من الحيوانات؛ کما کان حال ذلك الرجل
الفاجر الذي قاتل مع المسلمين قتالاً شديداً، فقال النبيُّ وٍَّ: ((إنَّهُ من أَهلِ
النَّارِ)) فكاد بعضُ المُسلمينَ أن يرتابَ، فلم يَصبرْ على الجِراح؛ وقتل
نفسَهُ(٢)، فهذا الفاجر كان قتاله شجاعة.
(ن): (الحمية): هي الأنفة والغيرة والمحاماة عن العشيرة(٣).
(١) رواه البخاري (٤٤٥٢)، ومسلم (٢٧٨٥)، من حديث أبي هريرة
(٢) رواه البخاري (٢٨٩٧)، ومسلم (١١١)، من حديث أبي هريرة ضه.
(٣) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٣ / ٤٩).
٥٩

وفي رواية لمسلم: (الرَّجلُ يُقاتل [حَمِيّةً])(١):
(الراغب): حَمِي النهار، وأَحْمَيتُ الحديدةَ إحماء، وحُمَيًّا الكأس:
ثورتُها وحرارتها، وعُبِّر عن القوة الغَضَبيّة إذا ثارت وكثرت بالحَمِيّة(٢).
وفي رواية لمسلم: (الرَّجل يُقاتل للمَغْنمِ، والرَّجلُ يُقاتلُ ليُذكَر، والرّجلُ
يقاتلُ ليُرى مكانُهُ) (٣)، وفي رواية: (الرَّجلُ يُقاتلُ غضَباً، ويقاتلُ حَمِيَّةٌ)(٤).
وفي رواية في ((صحيح البخاري)): جاء رجل فقال: يا رسول الله؛
ما القتالُ في سبيل الله؛ فإن أحدنا يقاتل غضباً، ويقاتل حمية؟ فقال: ((مَنْ
قاتلَ لتكُون كلمةُ الله هيَ العُليا؛ فهوَ في سبيلِ الله))(٥).
(ك): (الغضب): حالة تحصل عند غليان دم القلب؛ لإرادة الانتقام،
و(الحَمِيّة): هي المحافظة على الحُرَم، والأول: الإشارةُ إلى مقتضى القُوَّة
الغَضبية، والثاني: إلى مقتضى القوة الشَّهوانية، والأول لأجل دفع المَضرَّة،
والثاني لأجل جَلْب المنفعةِ(٦).
(ط): (كلمة الله): عبارة عن دين الحق؛ لأن الله تعالى دعا إليه،
وأمر الناس بالاعتصام به؛ كما قيل لعيسى عليه السلام: كلمة الله، و(هي)
ضمير فصل، والخبر (العليا)، فأفاد الاختصاصَ؛ أي: لم يقاتل لغرض
(١) رواه مسلم (١٩٠٤ / ١٥٠).
(٢) انظر: ((مفردات القرآن)) للراغب (ص: ١٣٢).
(٣) رواه مسلم (١٩٠٤ / ١٤٩).
(٤) رواه مسلم (١٩٠٤ / ١٥١).
(٥) رواه البخاري (١٢٣).
(٦) انظر: ((الكواكب الدراري)) للكرماني (٢ / ١٤٧).
٦٠

من الأغراض إلا لإظهار الدين(١).
(ق): (كلمة الله): دين الإسلام، وأصله: أن الإسلام ظهر بكلام الله
تعالى الذي أُظهر على لسان رسوله ◌َّه، ويفهم منه: اشتراطُ الإخلاص في
الجهاد، وكذلك في جميع العبادات؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَآ أُمِرُ وَّا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللهَ
مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة: ٥].
والإخلاص لا يتأتى إلا بأن يكون الباعثُ على عملها قصدَ التقرُّب
إلى الله تعالى، فأما إذا كان الباعثُ عليها غيرَ ذلك من أغراض الدنيا؛ فلا
تکون عبادةً، بل معصية.
فأما لو انبعث لتلك العبادة بمجموع الباعثَيَّنِ؛ باعث الدنيا (٢)،
وباعث الدين، فإن كان باعث الدنيا أقوى، أو مُساوياً؛ لَحِقٍ بالقسم الأول
في الحكم بإبطال ذلك العمل؛ لما في الحديث حكايةً عن الله تعالى: ((مَنْ
عَمِلَ عَمَلاً أَشرِكَ مَعي فيه غَيرِي؛ تَرَكتُهُ وشِرْكَهُ))(٣).
فأما لو كان باعثُ الدين أقوى: فقد حكم المُحاسبيُّ بإبطال ذلك
العمل؛ تمسُّكاً بهذا الحديث، وبما في معناه، وخالفه في ذلك الجمهور،
وقالوا بصِحَّة ذلك العمل.
ويُستدل على هذا بقوله بَّهَ: ((إِنَّ مِنْ خَيرِ مَعاشِ النَّاسِ لهم رجُلاً
مُمسِكاً فرسَهُ في سَبيلِ الله)) الحديثَ(٤)، فجعل الجهادَ ممَّا يصح أن يُتّخذ
(١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٨ / ٢٦٤١).
(٢) في الأصل: ((الراغب)).
(٣) رواه مسلم (٢٩٨٥)، من حديث أبي هريرة ظُه.
(٤) رواه مسلم (١٨٨٩)، من حديث أبي هريرة تظ قته.
٦١

للمَعاش، ومن ضرورة ذلك أن يكون مقصوداً، لكن لما كان باعثُ الدِّين
على الجهاد هو الأقوى والأغلبَ؛ كان ذلك الغرض مُلْغيّ، فيكون معفواً
عنه؛ كما إذا توضأ قاصداً رفعَ الحدث والتبرُّدَ، فأما لو انفرد باعث الدين
بالعمل، ثم عرَض باعثُ الدُّنيا في أثناء العمل؛ فَأَوْلى بالصحة (١).
(ن): فيه: أن الأعمال إنما تُحسب بالنيات الصَّالحة، وأن الفضلَ الذي
ورد في المُجاهدين مُختصٌّ لمن قاتل لتكون كلمة الله هي العليا، انتهى(٢).
قال ابن أبي جمرة الأزدي في ((شرحه على صحيح البخاري)): وفيه:
أن من حاول الجهاد الأكبر وهو جهاد النفس، فينبغي أن تكون مجاهدةً لأن
تكون كلمة الله هي العليا، فأما مجاهدة الجُهَّال لخرق العادة والكرامات:
فتلك داخلة تحت قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ﴾ [الحج: ١١]،
وفيه: تقديم العلم على العمل(٣).
(ك): فإن قلت: السؤال عن ماهية القتال، والجوابُ ليس عنها، بل
عن المُقاتل.
قلت: فيه الجواب وزيادة، أو أن القتال بمعنى اسم الفاعل؛ أي:
المُقاتل؛ بقرينة لفظ: ((فإنَّ أحدَنا)).
فإن قلت: فمن قاتل لطلب ثواب الآخرة، أو لطلب رضاء الله، فهل
في سبيل الله قتاله؟
(١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٣/ ٧٤٢ - ٧٤٣).
(٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٣ / ٤٩).
(٣) انظر: ((بهجة النفوس)) لابن أبي جمرة (١ / ١٤٩، ١٥١).
٦٢

قلت: نعم؛ لأن طلب إعلاء الكلمة، وطلبَ الثواب والرضا، كلُّها
متلازمة .
وحاصلُ الجواب: أن القتالَ في سبيل الله قتال مَنْشؤُه القوّة العقلية
لا القوة الغضبية أو الشَّهوانية، وانحصار القوّة الحيوانية في الثلاث مذكور
في موضعه.
قال ابن بَطَّال: جوابُ النبي ◌َّ بغير لفظ سؤاله - والله أعلم - من أجل
أن الغضبَ والحَمِيَّةَ قد يكونان الله تعالى، وهو كلام مُشترك، فجاوبه النبي ◌َّ
بالمعنى لا باللفظ الذي سأله السائل؛ إرادةَ إفهامه، وخشيةَ التباس الجواب
عليه لو قَسَّم له وُجوهَ الغضب والحَمِيَّة، وهذا من جوامع الكلم الذي
أُوتِيه ◌ِێ(١).
٩ - وَعَنْ أَبِي بَكْرَةَ نُقَبْعِ بْنِ الحَارِثِ الثَّقَفِيِّ ﴿: أَنَّ النَّبِيَّل ◌َه
قال: ((إذا التَّقَى المُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا، فَالقَائِلُ وَالمَقْتُولُ فِي النَّارِ)»،
قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! هَذَا القَاتِلُ، فَمَا بَالُ المَقْتُولِ؟ قَالَ: ((إنَهُ كَانَ
حَرِيصاً عَلَى قَتْلِ صَاحِبِهِ)) مُتَّفَقٌ عليه.
(التَِّى)
* قوله : ((إذا التقى المسلمان بسيفهما؛ فالقاتل والمقتول في
النار)) :
(١) انظر: ((الكواكب الدراري)) للكرماني (٢ / ١٤٧).
٦٣

(ن): هذا محمولٌ على من لا تأويلَ له، ويكون قتالهما عَصَبيةً ونحوَها،
ثم كونه في النار معناه: مُستَحِقٌّ لها ویجازى بذلك، وقد يعفو الله تعالی عنه،
هذا مذهبُ أهل السُّنة.
الر ليست بداخلة في هذا
واعلم أن الدماء التي جرت بين الصحابة ذ
الوعيد، ومذهب أهل السنة والحقِّ إحسانُ الظَّنُّ بهم، والإمساكُ عمَّا شجر
بينهم، وتأويلُ قتالهم، وأنهم مُجتهدون مُتأوّلون لم يقصدوا معصيةً،
ولا مَحْضَ الدُّنيا، بل اعتقد كلُّ فريق أنه المُحِقِ، ومخالفهُ باغٍ، فوجب
عليه قتالُه؛ ليرجع إلى أمر الله، وكان بعضُهم مُصيباً، وبعضهم مُخطئاً
معذوراً في الخطأ؛ لأنه بالاجتهاد، والمُجتهدُ إذا أخطأ لا إثمَ عليه.
وكان عليٌّ ◌َُّّه هو المُحِقَّ المُصِيبَ في تلك الحروب، وكانت القضايا
مُشتبِهِةً، حتى إن جماعة من الصحابة تَحيَّروا فيها، فاعتزلوا الطَّائفتين، ولم
يقاتلوا، ولو تَيَّقنوا الصَّوابَ؛ لم يتأخروا عن مساعدته رَ﴾(١)، انتهى.
قال ابن أبي جمرة الأَزديُّ: ((إذا التقى المسلمان)) عامٌ مَخصوصٌ؛ إذ
قد يلتقيان بغير قصد، أو على اختلاف تأويل؛ كما شجر بين الصحابة،
والفريقان مَشهودٌ لهما بالجنة، وقد يكون التقاؤهما لتعلُّم الحرب، وقد
يكون أحدهما يدفع عن نفسه، والآخر طالبٌ له بالظلم، فيتناول الوعيدُ
الظالمَ وحده، ولهذا وجوهٌ عديدة، فظهر أن هذا العُموم مَخصوصٌ بأن
يكون كلُّ واحد منهما قاصداً لقتل صاحبه ظُلماً وعُدوانا بغير تأويل
ولا شُبهةٍ ولا حقٍّ.
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٨ / ١١).
٦٤

وفيه دليلٌ لأهل السنَّة في أنهم لا يُكَفِّرون أحداً من أهل القبلة بذنب؛
إذ سُمِّيا مُسلمَيْن مع ارتكاب هذا الذَّنْبِ العظيم.
وقوله: ((بسيفيهما)) خرج مخرج الغالب من عُدَّة القتال، وهو السّيف،
وكلُّ من تلاقى بأي نوع من السلاح المعتدة للقتل بهذه النية يتناولُه الحديثُ.
وفيه: أن بعض عصابة هذه الأمة يدخلون النار(١).
* قوله قلق: «إنه كان حريصاً على قتل صاحبه):
(ن): فيه دليل للمذهب الصَّحيح الذي عليه الجُمهور: أن من نوى
المعصيةَ وأَصرَّ على النية يكون آئماً وإن لم يفعلها ولا تَكلَّم بها (٢).
(ق): لا يقال: هذه المؤاخذة إنما كانت لأنه قد عمل بما استقرَّ في
قلبه من حمل السِّلاح عليه، لا بمُجرَّد حِرْص القلب؛ لأنا نقول: هذا
فاسدٌ؛ لأنه ◌َِّ نَصَّ على ما وقعت به المُؤاخذةُ، وأعرض عن غيره فقال:
((إنه كان حريصاً على قتل صاحبه))، فلو كان حملُ السلاح هو العِلَّةَ
للمؤاخذة؛ لنبّه عليه ولم يَنُصَّ على غيره؛ لأن ذلك خلافُ البيان الواجب
عليه عند الحاجة(٣) .
(ك): ((هذا القاتل)) مبتدأ وخبر؛ أي: هذا يَستحِقُّ النارَ لأنه قاتل،
والمقتول لِمَ يَستحِقُّ وهو مظلومٌ؟
فإن قلت: قالوا في قوله تعالى: ﴿وَعَلَيْهَا مَا أَكْتَسَبَتْ﴾ [البقرة: ٢٨٦]: اختيار
(١) انظر: ((بهجة النفوس)) لابن أبي جمرة (١ / ٥٦).
(٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٨ / ١٢).
(٣) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (١ / ٣٤١).
٦٥

باب الافتعال؛ للإشعار بأنه لا بد في الشر من الاعتمال والمعالجة، بخلاف
الخير؛ فإنه بالنية المجردة يثاب عليه، فما وجهُ [كون] المقتول بمُجرَّد القَصد
في النار، وقال ◌َّهِ: ((إِنَّ اللهَ تَجاوزَ لأُمتِي ما حَدَّثت بهِ أَنفُسَها ما لم يَتكلَّمُوا
أو يَعْمَلُوا بِهِ»(١)، وفي الحديث الآخر: ((إذا هَمَّ عَبدِي بسيّةٍ؛ فلا تَكْتُبوها
عَلَيهِ»(٢).
قلتُ: مَنْ عزم على المعصية بقلبه، ووطَّنَ نفسَهُ عليها، آثمٌ في اعتقاده
وعزمه؛ ولهذا جاء بلفظ (الحرص) فيما نحن فيه، ويُحمل ما وقع في هذه
الظواهر وأمثالها على أن ذلك فيما لم يُوطِّن نفسَه عليها، وإنما مَرَّ ذلك بفكره
من غير استقرار، ويسمى هذا هَمّاً، ويفرق بين الهَمِّ والعَزم، وأن هذا العزم
يُكتب سيئةً، فإذا عملها؛ كُتبت معصية ثانية.
فإن قلت: فلم أدخل الحرصَ على القتل وهو صغيرةٌ في سِلْك القتل
وهو کبیرةٌ؟
قلت: أدخلهما في سلك واحد في مُجرَّد كونهما في النار فقط، وإن
تفاوتا صِغَراً وكِبَراً وغيرَ ذلك في النار(٣).
١٠ - وَعَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ◌َ ◌ُه قال: قال رسولِ الله ◌ِوَّهُ: ((صَلاَةُ
الرَّجُلِ فِي جَمَاعَةٍ تَزِيدُ عَلَى صَلاَتِهِ في سُوقِهِ وبَيْتِهِ بِضْعاً وَعِشْرِينَ
(١) رواه البخاري (٤٩٦٨)، ومسلم (١٢٧)، من حديث أبي هريرة ضـ
له .
(٢) رواه البخاري (٧٠٦٢)، ومسلم (١٢٨)، من حديث أبي هريرة رح لته .
(٣) انظر: ((الكواكب الدراري)) للكرماني (١ / ١٤٣).
٦٦