النص المفهرس

صفحات 461-480

١٧ - كتاب البيوع والإجارات
(٤٤) باب
(٣٤٣٣) حديث
٤٢
٤٤ - باب في العبد يباع وله مال
٣٤٣٣ - حدثنا أحمد بن حنبل، حدثنا سفيان، عن الزهري، عن سالم،
عن أبيه (١): عن النبي ◌ِّرَ، قال: ((مَنْ بَاعِ عَبْداً وله مال فماله للبائع إلا أن
يشترطه المبتاع(٢)، ومن باع نخلاً مُؤَبَّراً فالثمرة للبائع إِلا أن يشترط
(١) أبوه هو: عبد الله بن عمر بن الخطاب.
(٢) قال الشيخ: في هذا الحديث من الفقه أن العبد لا يملك مالاً بحال، وذلك لأنه جعله في
أرفع أحواله وأقواها في إضافة الملك إليه مملوكاً عليه ماله ومنتزعاً من يده فدل ذلك على
عدم الامتلاك أصلاً، وإلى هذا ذهب أصحاب الرأي والشافعي.
وقال مالك: العبد يملك إذا ملكه صاحبه، وكذا قال أهل الظاهر. وفائدة هذا الخلاف
والموضع الذي تبين أثره فيه مسألتان، أحدهما: هل له أن يتسرى أم لا؟ فمن جعل له ملكاً
أباح له ذلك، ومن لم يره يملك لم يبح له الوطء بملك اليمين. والمسألة الأخرى: أن
يكون في يده نصاب من الماشية فيمر عليه الحول ثم يبيعه سيده ولم يشترط المبتاع ماله،
فإذا عاد إلى السيد هل يلزمه الزكاة فيه أم لا؟ فمن لم يثبت له ملكاً أوجب زكاته على
سيده، ومن جعل للعبد ملكاً أسقط الزكاة عنه لأن ملكه ناقص كملك المكاتب ويستأنف
السيد به الحول.
وممن ذهب إلى ظاهر الحديث في أن ماله للبائع إلا أن يشترطه المبتاع مالك والشافعي
وأحمد وإسحاق. وروي عن الحسن والنخعي أنهما قالا - فيمن باع وليدة قد زينت - أن ما
عليها للمشتري إلا أن يشترط الذي باعها ما عليها.
قال الشيخ: ولا يجوز على مذهب الشافعي أن يكون ماله الذي يشترطه المبتاع إلا معلوماً،
فإن كان مجهولاً لم يجز لأنه غرر وللثمن منه حصة فإذا لم يكن معلوماً جهل الثمن فيه
فبطل البيع.
وإن كان المال الذي في يد العبد شيئاً مما يدخله الربا لم يجز بيعه إلا بما يجوز فيه بيوع
الأشياء التي يدخلها الربا ولا يتم إلا بالتقابض. وإن كان ماله ديناً لم يجز أن يشترى بدين.
وعلى هذا قياس هذا الباب في مذهبه وقوله الجديد، فأما مالك فإنه يجعل ماله تبعاً لرقبته
إذا شرطه المبتاع في الصفقة، وسواء عنده كان المال نقداً أو عرضاً أو ديناً أو كان مال
العبد أكثر من الثمن أو أقل، ويجعل تبعاً للعبد بمنزلة حمل الشاة ولبنها.
وأما قوله: ((من باع نخلاً مؤبراً فالثمرة للبائع إلا أن يشترط المبتاع)) فيه بيان أن التأبير حَدٍّ
في كون الثمرة تبعاً للأصل، فإذا أُبرت تفرد حكمها بنفسها وصارت كالولد بائن الأم فلم
يكن لها تبعاً في البيع إلا أن يقصد بنفسه، وما دام غير مؤبر فهو كبعض أغصان الشجرة
وجريدة النخلة في كونها تبعاً للأصل. والتأبير هو التلقيح وهو أن يؤخذ طلع فحال النخل
فيؤخذ شعب منه فيودع الثمر أول ما ينشف الطلع فيكون لقاحاً بإذن الله تعالى.
٤٦١

١٧ - كتاب البيوع والإجارات
(٤٤ - ٤٥) باب
(٣٤٣٣ - ٣٤٣٦) حديث
المبتاع))(١).
٣٤٣٤ - حدثنا القعنبي، عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر، عن عمر،
عن رسول الله وَله، بقصة العبد(٢).
٣٤٣٤ * - وعن نافع عن ابن عمر عن النبي وَلإر، بقصة النخل(٣).
[قال أبو داود: واختلف الزهري ونافع في أربعة أحاديث هذا أَحدها].
٣٤٣٥ - حدثنا مسدد، حدثنا يحيى عن سفيان، حدثني سلمة بن كهيل،
حدثني مَنْ سمع جابر بن عبد الله يقول: قال رسول الله وَ ل: ((من باع عبداً وله
مال فماله للبائع، إِلا أَن يشترط المبتاع))(٤).
٤٣
٤٥ - باب في التلقي
٣٤٣٦ - حدثنا عبد الله بن مسلمة [القعنبي]، عن مالك، عن نافع، عن
عبد الله بن عمر، أن رسول الله وَّر قال: ((لاَ يَبِغْ بَعْضُكُمْ عَلى بَيْعِ بَعْض(٥)،
وقد اختلف الناس في هذا فقال مالك والشافعي وأحمد بن حنبل: التمر تبع للنخل ما لم
تؤبر فإذا أبر لم يدخل في البيع إلا أن يشترط قولاً بظاهر الحديث.
وقال أصحاب الرأي: التمر للبائع أَبَر أو لم يُؤَبَّر إلا أن يشترط المبتاع كالزرع، وقال ابن
أبي ليلى: التمر للمشتري أَبَّر أو لم يُؤبّر شرط أو لم يشترط لأن التمر من النخل.
(خطابي).
(١) وأخرجه البخاري (١٥١/٣) في المساقاة باب الرجل يكون له ممر إلخ، ومسلم في البيوع
حديث ٨٠ باب من باع نخلاً عليها ثمر، والترمذي في البيوع حديث ١٢٤٤ باب في ابتياع
النخل بعد التأبير، والنسائي في البيوع ٤٦٤٠ باب العبد يباع ويستثني المشتري ماله، وابن
ماجه في التجارات حديث ٢٢١٠ باب من باع نخلاً مؤبراً.
(٢) وأخرجه النسائي موقوفاً. (المنذري) وانظر البخاري (١٥١/٣).
(٣) وأخرجه البخاري، ومسلم في البيوع حديث ١٥٤٣ باب من باع نخلاً عليها تمر، وابن ماجه
حديث ٢٢١٠ في التجارات باب فيمن باع نخلاً مؤبراً.
(٤) في إسناده رجل مجهول.
(٥) [حديث ٣٤٣٦، ٣٤٣٧] قال الشيخ: قوله: ((لا يبع بعضكم على بيع بعض)) هو أن يكون
المتبايعان قد تواجبا الصفقة وهما في المجلس لم يتفرقا وخيارهما باق فيجيء الرجل
فيعرض عليه مثل سلعته أو أجود منها بمثل الثمن أو أرخص منه فيندم المشتري فيفسخ البيع=
٤٦٢

١٧ - كتاب البيوع والإجارات
(٤٥) باب
(٣٤٣٦ - ٣٤٣٧) حديث
ولا تَلَقَّوا السِّلَعَ حتى يُهْبَطَ بها الأسواقُ)» (١).
٣٤٣٧ - حدثنا الربيع بن نافع أبو توبة، حدثنا عبيد الله - يعني ابن عمرو
- برأسي. ست ب - ر - يتون)، من سعيداً. ( يبع بغصحم على بيع
بعض أَن يقول: إِن عندي خيراً منه بعشرة.
فيلحق البائع منه الضرر، فأما ما دام المتبايعان يتساومان ويتراودان البيع ولم يتواجباها بعد
=
فإنه لا يضيق ذلك، وقد (باع رسول الله ◌َّ الحِلْسَ والقدح فيمن يزيده).
وأما النهي عن تلقي السلع قبل ورودها السوق فالمعنى في ذلك كراهة الغبن، ويشبه أن
يكون قد تقدم من عادة أولئك أن يتلقوا الركبان قبل أن يقدموا البلد ويعرفوا سعر السوق
فيخبروهم أن السعر ساقطة والسوق كاسدة والرغبة قليلة حتى يخدعوهم عما في أيديهم
ويبتاعوه منهم بالوكس من الثمن، فنهاهم رسول الله 3# عن ذلك وجعل للبائع الخيار إذا
قدم السوق فوجد الأمر بخلاف ما قالوه.
وقد كره التلقي جماعة من العلماء منهم مالك والأوزاعي والشافعي وأحمد بن حنبل
وإسحاق ولا أعلم أحداً منهم أفسد البيع، غير أن الشافعي أثبت الخيار للبائع قولاً بظاهر
الحديث وأحسبه مذهب أحمد أيضاً، ولم يكره أبو حنيفة التلقي، ولا جعل لصاحب السلعة
الخيار إذا قدم السوق.
وكان أبو سعيد الاصطخري يقول: إنما يكون للبائع الخيار إذا كان المتلقي قد ابتاعه بأقل
من الثمن، فإذا ابتاعه بثمن مثله فلا خيار له.
قال الشيخ: وهذا قول قد خرج على معاني الفقه. (خطابي).
(١) وأخرجه - مطولاً ومختصراً - البخاري في البيوع باب النهي عن تلقي الركبان، ومسلم في
البيوع حديث ١٥١٨ باب تحريم تلقي الجلب، والنسائي في البيوع حديث ٤٥٠٣ باب
التلقي، وابن ماجه في التجارات حديث ٢١٧٩ باب النهي عن تلقي الجلب.
(٢) وأخرجه مسلم في البيوع حديث ١٥١٩ باب تحريم تلقي الجلب، والترمذي في البيوع
حديث ١٢٢١، ١٢٢٣ باب كراهية تلقي البيوع، والنسائي في البيوع حديث ٤٥٠٥ باب
التلقي. وفي رواية للبخاري والنسائي قال: (نهى رسول الله وَّر عن التلقي وأن يبيع حاضر
لبادٍ) وأخرجه البخاري في البيوع باب النهي عن تلقي الركبان، وباب لا يبع على بيع أخيه
ولا يسوم على سوم أخيه حتى يأذن له أو يترك، وباب لا يبع حاضر لباد، وفي الشروط
باب ما لا يجوز من الشروط في النكاح.
٤٦٣
--

١٧ - كتاب البيوع والإجارات
(٤٦ - ٤٧) باب
(٣٤٣٨ - ٣٤٣٩) حديث
٤٤
٤٦ - باب في النهي عن النَّجْشِ
٣٤٣٨ - حدثنا أَحمد بن عمرو بن السرح، حدثنا سفيان، عن الزهري،
عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، قال: قال(١) النبي وَليقول: ((لاَ
تَنَاجَشُوا))(٢).
٤٧ - باب في النهي أن يبيع حاضر لباد
٤٥
٣٤٣٩ - حدثنا محمد بن عُبَيد، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن ابن
طاوس، عن أبيه، عن ابن عباس، قال: نهى رسول الله وَّ أَن يبيع حاضرٌ لبادٍ (٣)،
(١) قال الشيخ: ((النجش)) أن يرى الرجل السلعة تباع فيزيد في ثمنها وهو لا يريد شراءها، وإنما
يريد بذلك ترغيب السُّوَّام فيها ليزيدوا في الثمن، وفيه تغرير للراغب فيها وترك لنصيحته التي
هي مأمور بها، ولم يختلفوا أن البيع لا يفسد عقده بالنجش، ولكن ذهب بعض أهل العلم
إلى أن الناجش إذا فعل ذلك بإذن البائع فللمشتري فيه الخيار. (خطابي).
(٢) وأخرجه البخاري في البيوع باب النهي أن لا يحفل الإبل والغنم والبقر، ومسلم في البيوع
حديث ١٥١٥ باب تحريم بيع الرجل على بيع أخيه وسومه على سومه وتحريمه النجش،
والترمذي في البيوع حديث ١٣٠٤ باب في النجش، والنسائي في البيوع حديث ٤٥١٠ باب
النجش، وابن ماجه في التجارات حديث ٢١٧٤ باب في النهي عن النجش.
(٣) قال الشيخ: قوله: ((لا يبع حاضر لباد)) كلمة تشمل على البيع والشراء يقال: بعت الشيء
بمعنى اشتريت، قال طرفة:
بتاتاً ولم تضرب له وقت موعد
ويأتيك بالأخبار من لم تبع له
أي لم تشتر له متاعاً، يقال: شريت الشيء بمعنى بعته، والكلمتان من الأضداد قال ابن
مفرع الحميري :
من بعد برد كنت هامَةْ
وشريت برداً ليتني
يريد بعت برداً - ويرد غلامه - باعه فندم عليه، وفسر ابن سيرين قوله: ((لا يبع حاضر لباد»
على المعنيين جميعاً، وقال: هي كلمة جامعة لا يبع له شيئاً ولا يشتر له شيئاً ولذلك قال:
(لا يكون له سمسار) لأن السمسار يبيع ويشتري للناس.
ومعنى هذا النهي أن يتربص له سلعته، لا أن يبيعه بسعر اليوم وذلك أن البدوي إذا جلب
سلعته إلى السوق وهو غريب غير مقيم باعها بسعر يومه فينال الناس فيها رفقاً ومنفعة فإذا جاءه
الحضري فقال له: أنا أتربص لك وأبيعها، وحرم الناس ذلك النفع فاتهم ذلك الرفق، وقد قيل
إن ذلك إنما يحرم عليه إذا كان في بلد ضيق الرقعة إذا باع الجالب متاعه اتسع أهلها وارتفقوا
به. فإذا لم يبعه تبين به أثر الضيق عليهم وخيف منه غلاء السعر فيهم، فأما إذا=
٤٦٤

١٧ - كتاب البيوع والإجارات
(٤٧) باب
(٣٤٣٩ - ٣٤٤٢) حديث
فقلت: ما يبيع حاضر لباد؟ قال: لا يكون له سمساراً(١).
٣٤٤٠ - حدثنا زهير بن حرب، أن محمد بن الزبرقان أبا همام حدثهم،
قال زهير: وكان ثقة، عن يونس، عن الحسن، عن أنس بن مالك، أَن النبي وَيه
قال: ((لا يَبِيعُ حاضرٌ لبادٍ وإن كان أَخاه أَو أَباه))(٢) .
قال أبو داود: سمعت حفص بن عمر يقول: حدثنا أَبو هلال، حدثنا
محمد، عن أنس بن مالك، قال: كان يُقال لا يبيع حاضر لباد، وهي كلمة
جامعة لا يبيع له شيئاً ولا يبتاع له شيئاً.
٣٤٤١ - حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا حماد، عن محمد بن
إسحاق، عن سالم المكي، أَن أعرابياً حدثه، أنه قدم بحَلُوبَةٍ له على عهد
رسول الله وَّر، فنزل على طلحة بن عبيد الله، فقال: إِن النبي ◌َّرُ نهى أن يبيع
حاضر لبادٍ، ولكن اذهب إلى السوق فانظر من يبايعك فشاورني حتى آمرك أو
أنهاك.
٣٤٤٢ - حدثنا عبد الله بن محمد النفيلي، حدثنا زهير، حدثنا أَبو الزبير،
عن جابر، قال: قال رسول الله وَّهُ: ((لاَ يَبِيعُ حَاضِرٌ لِبَادَ(٣)، وَذَرُوا النّاس يَرْزُقُ
= كان ابلد واسعاً لا يتضرر به الناس ولا يتبين بذلك عليهم أثره فلا بأس به، والله أعلم.
(خطابي).
(١) وأخرجه البخاري في البيوع باب هل يبيع حاضر لباد بغير أجر، وفي الإجارة باب أجر
السمسرة، ومسلم في البيوع حديث ١٥٢١ باب تحريم بيع الحاضر للبادي، والنسائي في
البيوع حديث ٤٥٠٤ باب التلقي، وابن ماجه في التجارات حديث ٢١٧٧ باب النهي أن يبيع
حاضر لباد.
(٢) وأخرجه النسائي في البيوع حديث ٤٤٩٧ باب بيع الحاضر للبادي، ورجال إسناده ثقات.
(٣) قال الشيخ: في هذا دليل على أن عقد البيع لا يفسد إذا فعل ذلك، ولو كان يقع فاسداً لم
يكن فيه منع من أن يرتفق الناس ويرتزق بعضهم من بعض. وقد كره بيع الحاضر للبادي
أكثر أهل العلم، وكان مجاهد يقول: لا بأس به في هذا الزمان، وإنما كان النهي وقع عنه
في زمان رسول الله (3﴾ .
وكان الحسن البصري يقول: لا تبع للبدوي ولا تشتر له، وذهب بعضهم إلى أن النهي فيه
بمعنى الإرشاد دون الإيجاب، والله أعلم. (خطابي).
٤٦٥

١٧ - كتاب البيوع والإجارات
(٤٧ - ٤٨) باب
(٣٤٤٢ - ٣٤٤٣) حديث
اللَّهُ بَعْضَهُمْ مِنْ بَعْضٍ)) (١).
٤٦
٤٨ - باب من اشترى مُصَرَّاةً فكرهها
٣٤٤٣ - حدثنا عبد الله بن مسلمة، عن مالك، عن أبي الزناد، عن
الأعرج، عن أبي هريرة، أَن رسول اللهِ وَّرَ قال: ((لا تَلَقَّوُا الرُّكْبَانَ لِلبَيْعِ، ولا
يَبِغْ بَعْضُكُمْ على بَيْعِ بعض ولا تُصَرُّوا (٢) الإبل والغنم، فمن ابتاعها بعد ذلك
(١) وأخرجه مسلم في البيوع حديث ١٥٢٢ باب تحريم بيع الحاضر للبادي، والترمذي في البيوع
حديث ١٢٢٣ باب لا يبع حاضر للباد، والنسائي في البيوع حديث ٤٥٠٠ باب بيع الحاضر
للبادي، وابن ماجه في التجارات حديث ٢١٧٦ باب النهي أن يبيع حاضر لباد.
(٢) [حديث ٣٤٤٣، ٣٤٤٤] قال الشيخ: اختلف أهل العلم واللغة في تفسير المصَرَّاة ومن أين
أخذت واشتقت، فقال الشافعي: التصرية: أن تربط أخلاف الناقة والشاة، وتترك من الحلب
اليومين والثلاثة حتى يجتمع لها لبن، فيراه مشتريها كثيراً، ويزيد في ثمنها لما يرى من كثرة
لبنها فإذا حلبها بعد تلك الحلبة حلبة أو اثنتين عرف أن ذلك ليس بلبنها وهذا غرور
للمشتري .
وقال أبو عبيد: (المصراة) الناقة أو البقرة أو الشاة التي قد صري اللبن في ضرعها، يعني
حقن فيه وجمع أياماً فلم يحلب، وأصل التصرية حبس الماء وجمعه، يقال منه: صريت
الماء، ويقال: إنما سميت المصراة كأنها مياه اجتمعت.
قال أبو عبيد: ولو كان من الربط لكان مصرورة، أو مصررة، قال الشيخ: كأنه يريد به رداً
على الشافعي، قال الشيخ: قول أبي عبيد حسن. وقول الشافعي صحيح. والعرِب تصُرُّ
ضروع الحلوبات إذا أرسلتها تسرح، ويسمون ذلك الرباط صراراً، فإذا راحت حُلَّت تلك
الأصرة وحلبت، ومن هذا حديث أبي سعيد الخدري أن رسول الله مل* قال: ((لا يحل
لرجل يؤمن بالله واليوم الآخر أن يَحل صرارة ناقة بغير إذن صاحبها فإنه خاتم أهلها عليها))
ومن هذا قول عنترة: العبد لا يحسن الكرَّ إنما يحسن الحلب والصرّ.
وقال مالك بن نويرة: وكان بنو يربوع جمعوا صدقاتهم ليوجّهوا بها إلى أبي بكر رضي الله
عنه، فمنعهم من ذلك وردًّ على كل رجل منه صدقته، وقال أنا جنة لكم مما تكرهون،
و قال :
مُصَرَّرة أخلافها لم تُجدَّد
وقلت خذوها هذه صدقاتكم
سأجعل نفسي دون ما تجدونه
وأرهنكم يوماً بما قلته يدي
قال الشيخ: وقد يحتمل أن تكون المصراة أصله: المصرورة، أبدل إحدى الراءين ياءً، كقولهم
تقضى البازي، وأصله: تقضض، كرهوا اجتماع ثلاثة أحرف من جنس واحد في كلمة واحدة
فأبدلوا حرفاً منها بحرف آخر ليس من جنسها، قال العجاج: تفَضّى البازي: إذا البازي=
٤٦٦

١٧ - كتاب البيوع والإجارات
(٤٨) باب
(٣٤٤٣) حديث
[الشمس: ١٠] أي:
كسر، ومن هذا الباب قول الله تعالى: ﴿وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّنْهَا
=
أخملها بمنع الخير، وأصله من دسّسها، ومثل هذا الكلام كثير.
وقد اختلف الناس في حكم المصراة فذهب جماعة من الفقهاء إلى أنه يردها ويرد معها صاعاً
من تمر قولاً بظاهر الحديث وهو قول مالك والشافعي والليث بن سعد وأحمد بن حنبل
وإسحاق بن راهويه وأبي عبيد وأبي ثور، وقال ابن أبي ليلى وأبو يوسف: يرد قيمة اللبن،
وقال أبو حنيفة: إذا حلب الشاة فليس له أن يردها ولكن يرجع على البائع بأرشها ويمسكها.
واحتج من ذهب إلى هذا القول بأنه خبر مخالف للأصول لأن فيه تقويم المتلف بغير
النقود، وفيه إبطال رد المثل فيما له مثل، وفيه تقويم القليل والكثير من اللبن بقيمة واحدة
وبمقدار واحد واحتجوا بقوله ويفر: ((الخراج بالضمان)).
قال الشيخ: والأصل أن الحديث إذا ثبت عن رسول الله وَ ل# وجب القول به وصار أصلاً في
نفسه وعلينا قبول الشريعة المبهمة، كما علينا قبول الشريعة المفسرة. والأصول إنما صارت
أصولاً لمجيء الشريعة بها. وخبر المصراة قد جاء به الشرع من طرق جياد أشهرها هذا
الطريق، فالقول فيه واجب وليس تركه لسائر الأصول بأولى من تركها له، على أن تقويم
المتلف بغير النقد موجود في بعض الأصول منها الدية في النفس مائة من الإبل، ومنها الغرَّة
في الجنين. وقد جاء أيضاً تقويم القليل والكثير بالقيمة الواحدة، كأرش الموضحة فإنها ربما
أخذت أكثر من مساحة الرأس فيكون فيها خمس من الإبل، وربما كانت قدر الأنملة فيجب
الخمس من الإبل سواء. وكذلك الدية في الأصابع سواء على الاختلاف مقادير جمالها
ومنفعتها. وجاءت السنة بالتسوية بين دية اللسان والعينين واليدين والرجلين.
وأوجب أصحاب الرأي في الحاجبين وأهداب العينين وفي اللحية: الدية الكاملة، وأين منافع
الحاجبين من اللسان واليدين والرجلين، وقد جعل النبي بعر على من وجبت عليه في إبله
ابنة مخاض وليس عنده إلا ابنة لبون أن يعطي المصدق شاتين أو عشرين درهماً جبراناً
لنقصان ما بين السنين، ومعلوم أن ذلك قد يتفاوت ولا يتعدل في التقويم بكل مكان وكل
زمان. وقد جعلوا أيضاً الحد في المهر عشرة دراهم على تسوية فيه بين الشريفة والوضيعة،
وفي رد الآبق: أربعين درهماً، ولم يفرقوا بين من رده من مسافة ثلاثة أيام وبين من رده من
مسافة شهر، وليس في شيء من هذا سنة ولا خبر عن النبي # فكيف يجوز رد السنة
الثابتة عن النبي 98 من أجل أن بينها وبين بعض السنن مخالفة في بعض أحكامها، وقد
قالوا بخبر الوضوء بالنبيذ وبخبر القهقهة ونقضها الطهارة في الصلاة مع مخالفتها الأصول
وهما خبران ضعيفان عند أهل المعرفة بالحديث.
ثم إن تقويم المتلفات على ضربين، أحدهما: أن تقوم قيمة تعديل، والآخر: أن تقوم قيمة
توقيف، فقيمة التعديل ترتفع وتنخفض على قدر ارتفاع الشيء وانخفاضه، وقيمة التوقيف هو
ما جعل بإزاء الشيء الذي لا يكاد يضبط بمقدار معلوم - واللبن غير معلوم المقدار - وقد =
٤٦٧

١٧ - كتاب البيوع والإجارات
(٤٨) باب
(٣٤٤٣) حديث
يقل مرة ويكثر أخرى، ويختلط باللبن الذي يحدث في ملك المشتري ولا يتميز منه، وإذا
۔
صار مجهولاً لا يضبط وكان لا يؤمن وقوع التنازع فيه بين البائع والمشتري، وردت الشريعة
فيه بتوقيف معلوم يفصل فيه بين المتبايعين ويكفيهما مؤنة الاجتهاد ويقطع به مادة النزاع كما
وردت في الجنين إذا كانت بمنزلة المصراة في معنى الجهالة. وأما خبر (الخراج بالضمان)
فمخرجه مخرج العموم، وخبر المصراة إنما جاء خاصاً في حكم بعينه، والخاص يقضي
على العام. ولو جاء الخبران معاً مقترنين في الذكر لصح الترتيب فيهما ولاستقام الكلام ولم
يتناقض عند تركيب أحدهما على الآخر، فكذلك إذا جاءا منفصلين غير مقترنين لأن
مصدرهما عن قول من تجب طاعته ولا تجوز مخالفته.
قال الشيخ: وقد أخذ كل واحد من أبي حنيفة ومالك بطرف من الحديث وترك الطرف
الآخر، فقال أبو حنيفة: لا خيار أكثر من ثلاث، واحتج بهذا الحديث ولم يقل برد الصاع.
وقال مالك: يرد الصاع ولم يأخذ بالتوقيف في خيار الثلاث، وصار إلى أن يرد متى وقف
على العيب كان ذلك قبل الثلاث أو بعدها، فكان أصح المذاهب قول من استعمل الحديث
على وجهه وقال بجملة ما فيه.
وفي الحديث دليل على أنه لا يجوز بيع شاة لبون بلبن ولا بشاة لبون، وذلك لأنه قد جعل
للبن المصراة قسطاً من الثمن إذا كان كالشيء المودع في الشاة المقدور على استخراجه، فإذا
باع لبوناً بلبون قد باع لبناً بلبن غير متساويين فأما بيع سمسم بسمسم فجائز، وإن كان العلم
قد يحيط بأن في كل واحد منهما دهناً، إلا أنه غير مقدور على استخراجه كما كان مقدوراً
على استخراج اللبن مع بقاء العين بهيئته فصار تبعاً للبيع.
قال الشيخ: ويدخل في هذا كل مصراة من الإبل والغنم والبقر والآدميات، فلو اشترى رجل
جارية ذات لبن لترضع ولده فوجدها مصراة كان هذا حكمها سواء لا فرق بينها وبين غيرها
من الحيوان في هذا المعنى.
وقد اختلف الناس في مدة الخيار المشروط في البيع، فقال أبو حنيفة: لا يجوز أكثر من ثلاث
وهو قول الشافعي، وقال ابن أبي ليلى وأبو يوسف ومحمد: قليله وكثيره جائز، وقال مالك:
هو على قدر الحاجة إليه فخيار الثوب يوم ويومان، وفي الحيوان أسبوع ونحوه، وفي الدور
شهر وشهران، وفي الضيعة سنة ونحوها. وفي قوله: ((لا سمراء)» دليل على أنه لا يلزمه أن
يعطيه غير التمر، وذهب بعضهم إلى أن كل إنسان يعطي من قوته، فمن كان قوته التمر أعطى
صاعاً من تمر، ومن كان قوته الشعير أعطى صاعاً من شعير، ومن كان قوته السمراء - وهي
الحنطة - أعطى صاعاً منها، وهذا خلاف ظاهر الحديث، إلا أن أبا داود قد روى في هذا
الحديث - من طريق جميع بن عمير عن ابن عمر - أن رسول الله وَّر قال: ((من باع محفلة
فهو بالخيار ثلاثة أيام، فإن ردّها ردّ معها مثل أو مثلي لبنها قمحاً، وليس إسناده بذاك.
((والمحفّلة)): هي المصراة، وسميت محفلة لحفول اللبن واجتماعه في ضرعها. (خطابي).
٤٦٨

١٧ - كتاب البيوع والإجارات
(٤٨ - ٤٩) باب
(٣٤٤٣ - ٣٤٤٧) حديث
فهو بخير النَّظَرِيْنِ بعد أَن يَحْلُبَها: فإن رضيها أَمسكها، وإن سَخِطَها رَدَّها وصاعاً
(١)
من تمر)) (١).
٣٤٤٤ - حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا حماد، عن أيوب وهشام
وحبيب، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة، أَن النبي وَلّ قال: ((من اشترى
شَاةً مُصَرَّاةً فهو بالخيار ثلاثة أيام، إِن شاء ردها وصاعاً من طعام لا سمراء)) (٢).
٣٤٤٥ - حدثنا عبد الله بن مخلد التميمي، حدثنا المكي - يعني ابن إبراهيم
- حدثنا ابن جريج، حدثني زياد، أن ثابتاً مولى عبد الرحمن بن زيدٍ أَخبره، أَنه
سمع أبا هريرة يقول: قال رسول الله وَّهَ: ((من اشترى غَنَماً مُصَرَّاةً احْتَلَبَها: فإن
رضيها أَمسكها، وإِن سخطها ففي حلبتها صاع من تمر)) (٣).
٣٤٤٦ - حدثنا أبو كامل، حدثنا عبد الواحد، حدثنا صدقة بن سعيد، عن
جُميع بن عُمَير التّيمي، قال: سمعت عبد الله بن عمر يقول: قال
رسول الله وَله: ((من ابتاع مُحَفَّلَةً فهو بالخيار ثلاثة أيام، فإن رَدَّها رَدَّ معها مثل
أَوْ مِثْلَيْ لَبَنِها قَمْحاً)) (٤).
٤٧
٤٩ - باب في النهي عن الُحكْرَةِ
٣٤٤٧ - حدثنا وهب بن بقية، أَخبرنا خالد، عن عمرو بن يحيى، عن
محمد بن عمرو بن عطاء، عن سعيد بن المسيب، عن مَعْمَر بن أَبي معمر
أَحَدٍ بني عدي بن كعب، قال: قال رسول الله وَّ: ((لا يَخْتَكِزْ إلا خَاطِىءٌ))(٥)
(١) وأخرجه البخاري (٩٢/٣) في البيوع باب النهي للبائع أن لا يحفل الإبل إلخ، ومسلم في
البيوع حديث ١٥٢٤ باب حكم بيع المصراة.
(٢) وأخرجه مسلم في البيوع حديث ١٥٢٥ باب حكم بيع المصراة، والترمذي في البيوع حديث
١٢٥٢ باب في المصراة، والنسائي في البيوع حديث ٤٤٩٤ باب النهي عن المصراة إلخ،
وابن ماجه في التجارات حديث ٢٢٣٩ باب بيع المصراة.
(٣) وأخرجه مسلم في البيوع حديث ١٥٢٤ باب حكم بيع المصراة.
(٤) وأخرجه ابن ماجه في التجارات حديث ٢٢٤٠ باب بيع المصراة. قال الخطابي: وإسناده
ليس بذاك. وقال المنذري: والأمر كما قال.
(٥) قال الشيخ: قوله: (ومعمر كان يحتكر) يدل على أن المحظور فيه نوع دون نوع، ولا يجوز=
٤٦٩

١٧ - كتاب البيوع والإجارات
(٤٩) باب
(٣٤٤٧ - ٣٤٤٨) حديث
فقلت لسعيد: فإنك تحتكر، قال: ومعمر كان يحتكر (١).
قال أبو داود: وسألت أحمد ما الحكرة؟ قال: ما فيه عيش الناس.
قال أبو داود: قال الأوزاعي: المحتكر مَنْ يعترض السوق.
٣٤٤٨ - حدثنا محمد بن يحيى بن فياض، حدثنا أبي، / ح/، وحدثنا ابن
المثنى، حدثنا يحيى بن الفياض، حدثنا همام، عن قتادة، قال: ليس في التمر
حكرةٌ، قال ابن المثنى: قال: عن الحسن، فقلنا له: لا تقل عن الحسن.
قال أبو داود: هذا الحديث عندنا باطل.
قال أبو داود: كان سعيد بن المسيب يحتكر النَّوَى والخَبَطَ والبزر،
وسمعت أَحمد بن يونس يقول: سألت سفيان عن كَبْس القَتْ، فقال: كانوا
يكرهون الحكرة، وسألت أبا بكر بن عياش، فقال: اكبسه.
على سعيد بن المسيب في علمه وفضله أن يروي عن النبي # حديثاً ثم يخالفه كفاحاً،
=
وهو على الصحابي أقل جوازاً وأبعد إمكاناً.
وقد اختلف الناس في الاحتكار، فكرهه مالك والثوري في الطعام وغيره من السلع، وقال
مالك: يمنع من احتكار الكتان والصوف والزيت وكل شيء أضر بالسوق، إلا أنه قال:
ليست الفواكه من الحكرة.
وقال أحمد بن حنبل: ليس الاحتكار إلا في الطعام خاصة لأنه قوت الناس، وقال: إنما
يكون الاحتكار في مثل مكة والمدينة والثغور، وفرق بينهما وبين بغداد والبصرة. وقال: إن
السفن تخترقها، وقال أحمد: إذا دخل الطعام من ضيعته فحبسه فليس بحكرة، وقال الحسن
والأوزاعي: من جلب طعاماً من بلد إلى بلد فحبسه ينتظر زيادة السعر فليس بمحتكر، وإنما
المحتكر من اعترض سوق المسلمين.
وقال الشيخ: واحتكار معمر وابن المسيب متأول على مثل هذا الوجه الذي ذهب إليه
أحمد بن حنبل، وإنما هذا الحديث جاء باللفظ العام والمراد منه معنى خاص، وقد روي
عن ابن المسيب أنه كان يحتكر الزيت. (خطابي).
(١) وأخرجه مسلم في المساقاة حديث ١٦٠٥ باب تحريم الاحتكار في الأقوات، والترمذي في
البيوع حديث ١٢٦٧ باب ما جاء في الاحتكار، وابن ماجه في التجارات حديث ٢١٥٤ باب
الحكرة والجلب.
٤٧٠

١٧ - كتاب البيوع والإجارات
(٥٠ - ٥١) باب
(٣٤٤٩ - ٣٤٥١) حديث
٤٨
٥٠ - باب في كسر الدراهم
٣٤٤٩ - حدثنا أحمد بن حنبل، حدثنا معتمر، قال: سمعت محمد بن
فضاء يحدث عن أبيه، عن علقمة بن عبد الله، عن أبيه، قال: نهى
رسول الله ◌َّ أن تُكْسَرَ سكَةُ (١) المسلمين الجائزة(٢) بينهم إلا من بأس (٣).
٥١ - باب في التسعير
٤٩
٣٤٥٠ - حدثنا محمد بن عثمان الدمشقي، أن سليمان بن بلال حدثهم،
قال: حدثني العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة، أَن رجلاً جاء
فقال: يا رسول الله، سَعِز، فقال: ((بل أدعو)) ثم جاءه رجل، فقال: يا
رسول الله، سَعُرْ، فقال: ((بل الله يخفض ويرفع، وإني لأرجو أن ألقى الله وليس
لأحد عندي مَظْلِمَة)».
٣٤٥١ - حدثنا عثمان بن أبي شيبة، حدثنا عفان، حدثنا حماد بن سلمة،
أخبرنا ثابت، عن أنس [بن مالك] وقتادة وحميد، عن أنس، قال الناس: يا
رسول الله غَلا السِّعْرُ فَسَعِزْ لنا، فقال رسول الله بَّةِ: ((إِن الله هُوَ المُسَعِرُ القابِضُ
الباسِطُ الرازق، وإني لأرجو أن ألقى الله وليس أحد منكم يُطالبني بمظلمة في دم
(١) قال الشيخ: أصل (السكة) الحديدة التي يطبع عليها الدراهم، والنهي إنما وقع عن كسر
الدراهم المضروبة على السكة.
وقد اختلف الناس في المعنى الذي من أجله وقع النهي عنه، فذهب بعضهم إلى أنه كره لما
فيه من ذكر اسم الله سبحانه وتعالى، وذهب بعضهم إلى أنه كره من أجل الوضيعة وفيه
تضييع للمال، وبلغني عن أبي العباس بن شريح [في النسخة المطبوع معها المنذري (سريج)
بالسين] أنه قال: كانوا يقرضون الدراهم ويأخذون أطرافها فنهوا عنه. وحدثني إسماعيل بن
أسيد قال: سمعت إسحاق بن إبراهيم يقول: سمعت أبا داود يقول: سألت أحمد بن حنبل
- أو سئل حضري سائل - [هكذا بالأصل، ولعله: أو سأله بحضرتي سائل] ومعي درهم
صحيح فقلت أكسره له فقال: لا. وزعم بعض أهل العلم أنه كره قطعها وكسرها من أجل
التدنيق وقال الحسن: لعن الله الدانق وأول من أحدث الدائق. (خطابي).
(٢) الجائزة بينهم: أي النافعة في معاملاتهم.
(٣) وأخرجه ابن ماجه في التجارات حديث ٢٢٦٣ باب النهي عن كسر الدراهم والدنانير.
٤٧١

١٧ - كتاب البيوع والإجارات
(٥١ - ٥٣) باب
(٣٤٥١ - ٣٤٥٤) حديث
ولا مال)» (١) .
٥٠
٥٢ - باب النهي عن الغش
٣٤٥٢ حدثنا أحمد [بن محمد] بن حنبل، حدثنا سفيان بن عيينة، عن
العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة، أَن رسول الله وَّر مر برجل يبيع طعاماً، فسأله
((كيف تبيع))؟ فأخبره، فأوحيَ إِليه أَنْ أدخل يدك فيه، فأدخل يده فيه، فإذا هو
مبلول؛ فقال(٢) رسول الله وَل: ((لَيْسَ منَّا مَنْ غَشْ))(٣).
٣٤٥٣ - حدثنا الحسن بن الصباح، عن علي، عن يحيى، قال: كان
سفيان يكره هذا التفسير ليس منا: ليس مثلنا.
٥١
٥٣ - باب في خيار المتبايعين
٣٤٥٤ - حدثنا عبد الله بن مسلمة، عن مالك، عن نافع، عن عبد الله بن
عمر، أَن رسول الله وَّل قال: ((المتبايعان(٤) كل واحد منهما بالخيار على صاحبه
(١) وأخرجه الترمذي في البيوع حديث ١٣١٤ باب التسعير، وابن ماجه في التجارات حديث
٢٢٠٠ باب من كره أن يسعر. وقال الترمذي: [حديث حسن صحيح].
(٢) قال الشيخ: قوله: ((ليس منا من غش)) معناه: ليس على سيرتنا ومذهبنا، يريد أن من غش
أخاه وترك مناصحته فإنه قد ترك اتباعي والتمسك بسنتي.
وقد ذهب بعضهم إلى أنه أراد بذلك نفيه عن دين الإسلام، وليس هذا التأويل بصحيح،
وإنما وجهه ما ذكرت لك، وهذا كما يقول الرجل لصاحبه: (أنا منك وإليك) يريد بذلك
المتابعة والموافقة. ويشهد بذلك قوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَبِعَنِىِ فَإِنَّهُ مِنِّ وَمَنْ عَصَانِى فَإِنَّكَ غَفُورٌ
زَّحِيمٌ﴾ [إبراهيم: ٣٦] (خطابي).
(٣) وأخرجه - بنحوه - مسلم في الإيمان حديث ١٧٤، والترمذي في البيوع حديث ١٣١٥ باب
كراهية الغش، وابن ماجه في التجارات حديث ٢٢٢٤ باب النهي عن الغش.
(٤) قال الشيخ: اختلف الناس في التفرق الذي يصح بوجوده البيع، فقالت طائفة: هو التفرق
بالأبدان، وإليه ذهب عبد الله بن عمر بن الخطاب وأبو برزة الأسلمي، رضي الله عنهم، وبه
قال شريح وسعيد بن المسيب والحسن البصري وعطاء بن أبي رباح والزهري وهو قول
الأوزاعي والشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق وأبي عبيد وأبي ثور.
وقال النخعي وأصحاب الرأي: إذا تعاقدا صح البيع، وإليه ذهب مالك.
٤٧٢
=
(١)

١٧ - كتاب البيوع والإجارات
(٥٣) باب
(٣٤٥٤) حديث
قال الشيخ: وظاهر الحديث يشهد لمن ذهب إلى أن التفرق هو تفرق البدن وعلى هذا فسره
=
ابن عمر وهو راوي الخبر، وكان إذا بايع رجلاً فأراد أن يستحق الصفقة مشى خطوات حتى
يفارقه، وكذلك تأوله أبو برزة في شأن الفرس الذي باعه الرجل من صاحبه وهما في
المنزل، وقد ذكر القصة في هذا الباب أبو داود [برقم ٣٤٥٧].
قال الشيخ: وعلى هذا وجدنا أمر الناس في عرف اللغة وظاهر الكلام إذا قيل تفرق الناس
كان المفهوم منه التمييز بالأبدان، وإنما يعقل ما عداه من التفرق في الرأي والكلام بقيد
وصلة.
وحكى أبو عمر الزاهد: أن أبا موسى النحوي سأل أبا العباس أحمد بن يحيى: هل بين
[يتفرقان] و [يفترقان] فرق؟ قال: نعم. أخبرنا ابن الأعرابي عن المفضل، قال: يفترقان
بالكلام، ويتفرقان بالأبدان.
قال الشيخ: ولو كان تأويل الحديث على الوجه الذي صار إليه النخعي لخلا الحديث عن
الفائدة وسقط معناه، وذلك أن العلم محيط بأن المشتري ما لم يوجد منه قبول البيع فهو
بالخيار، وكذلك البائع خياره ثابت في ملكه قبل أن يعقد البيع، وهذا من العلم العام الذي
قد استقر بيانه، من باب أن الناس مخلّون وأملاكهم لا يكرهون على إخراجها من أيديهم
ولا يملك عليهم إلا بطيب أنفسهم، والخبر الخاص إنما يروى في الحكم الخاص، وثبت
أن المتبايعين هما المتعاقدان. والبيع من الأسماء المشتقة من أفعال الفاعلين وهي لا تقع
حقيقة إلا بعد حصول الفعل منهم، كقولك: زانٍ وسارق وإذا كان كذلك فقد صح أن
المتبايعين هما المتعاقدان، وإذا كان كذلك فليس بعد العقد تفرق إلا التمييز بالأبدان.
ويشهد لصحة هذا الباب: قوله: ((إلا بيع الخيار)) ومعناه أن يخبره قبل التفرق وهما بعد في
المجلس، فيقول له: اختر. وبيان ذلك في رواية أيوب عن نافع. وهو قول: ((إلا أن يقول
لصاحبه اخترا.
وقد تأول بعضهم: ((إلا بيع الخيار)) على معنى خيار الشرط، وهذا تأويل فاسد، وذلك أن
الاستثناء من الإثبات نفي، ومن النفي إثبات، والأول إثبات الخيار فلا يجوز أن يكون ما
استثنى منه أيضاً إثباتاً مثله، على أن قوله: (إلا أن يقول أحدهما لصاحبه: اختر)) يقيد ما
قاله هذا القائل ويهدمه .
واحتج بعض من ذهب إلى أن التفرق هو تفرق البدن، بأن المتبايعين إنما يجتمعان بالإيجاب
والقبول، لأنهما كانا قبل ذلك متفرقين فلا يجوز أن يحصلا مفترقين بنفس الشيء الذي به
وقع اجتماعهما عليه.
وأما مالك: فإن أكثر شيء سمعت أصحابه يحتجون به في رد الحديث: هو أنه قال: ليس
العمل عليه عندنا وليس للتفرق حد محدود يعلم.
قال الشيخ: وليس هذا بحجة، أما قوله: ليس العمل عليه عندنا، فإنما هو كأنه قال: أنا أرد=
٤٧٣

١٧ - كتاب البيوع والإجارات
(٥٣) باب
(٣٤٥٤ - ٣٤٥٦) حديث
ما لم يفترقا، إلا بيع الخيار)) (١) .
٣٤٥٥ - حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا حماد، عن أيوب، عن نافع،
عن ابن عمر، عن النبي وَلّر، بمعناه، قال: ((أو يقول أحدهما لصاحبه: اخْتَرْ)).
٣٤٥٦ - حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا الليث، عن ابن عجلان، عن
عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، أن رسول الله مَليم
قال: ((المُتَبايعانِ بالخيار ما لم يفترقا، إِلا أَن تكون صَفقة خيار(٢)، ولا يحل له
= هذا الحديث ولا أعمل به، فيقال له: الحديث حجة، فلم رددته؟ ولمَ لمْ تعمل به؟ وقد
قال الشافعي: رحم الله مالكاً. لست أدري من اتهم في إسناد هذا الحديث، اتهم نفسه أو
نافعاً؟ وأُعظِمُ أن أقول: اتهم ابن عمر، فأما قوله: ليس للتفرق حد يعلم، فليس الأمر على
ما توهمه، والأصل في هذا ونظائره أن يرجع إلى عادة الناس وعرفهم، ويعتبر حال المكان
الذي هما فيه مجتمعان، فإذا كانا في بيت فإن التفرق إنما يقع بخروج أحدهما منه، ولو
كانا في دار واسعة فانتقل أحدهما عن مجلسه إلى بيت أو صُفّة أو نحو ذلك فإنه قد فارق
صاحبه، وإن كانا في سوق أو على حانوت فهو بأن يولي عن صاحبه ويخطو خطوات
ونحوها، وهذا كالعرف الجاري والعادة المعلومة في التقابض وهو يختلف في الأشياء، فمنها
ما يكون التقابض فيه بأن يجعل الشيء في يده، ومنها ما يكون بالتخلية بينه وبين المبيع،
وكذلك الأمر في الحرز الذي يتعلق به وجوب قطع اليد، فإن منه ما يكون بالإغلاق
والإقفال، ومنه ما يكون بيتاً وحجاباً، ومنها ما يكون بالشرائح ونحوها، وكل منها حرز
على حسب ما جرت به العادة، والعرف أمر لا ينكره مالك، بل يقول به وربما ترقى في
استعماله إلى أشياء لا يقول بها غيره، وذلك من مذهبه معروف فكيف صار إلى تركه في
أحق المواضع به حتى يترك له الحديث الصحيح والله يغفر لنا وله، وإن كان ابن أبي ذئب
يستعظم هذا الصنيع من مالك وكان يتوعده بأمر لا أحب أن أحكيه والقصة في ذلك عنه
مشهورة. (خطابي).
(١) [حديث ٣٤٥٤، ٣٤٥٥] وأخرجه البخاري (٨٣/٣) في البيوع باب كم يجوز الخيار،
ومسلم في البيوع حديث ١٥٣١ باب ثبوت خيار المجلس للمتبايعين، والنسائي في البيوع
حديث ٤٤٧٠ باب وجوب الخيار للمتبايعين، والترمذي في البيوع حديث ١٢٤٥، وابن
ماجه في التجارات حديث ٢١٨١ باب البيعان بالخيار ما لم يفترقا.
(٢) قال الشيخ: وهذا قد يحتج به من يرى أن التفرق إنما هو بالكلام، قال: وذلك أنه لو كان
له الخيار في فسخ البيع لما احتاج إلى أن يستقيله.
قال الشيخ: هذا الكلام وإن خرج بلفظ الاستقالة فمعناه الفسخ، وذلك أنه قد علقه
بمفارقته، والاستقالة قبل المفارقة وبعدها سواء، لا تأثير لعدم التفرق بالأبدان فيها، والمعنى=
٤٧٤

١٧ - كتاب البيوع والإجارات
(٥٣) باب
(٣٤٥٦ - ٣٤٥٩) حديث
أَن يفارق صاحبه خشيةَ أَن يستقيله))(١).
٣٤٥٧ - حدثنا مسدد، حدثنا حماد، عن جميل بن مرة، عن أَبي
الوَضيء (٢)، قال: غزونا غَزْوَة لنا، فنزلنا منزلاً، فباع صاحب لنا فرساً بغلام، ثم
أقاما بقية يومهما وليلتهما، فلما أَصبحا من الغد حضر الرحيل فقام إلى فرسه
يُسرِجه فندم، فأتى الرجل وأَخذه بالبيع، فأبى الرجل أن يدفعه إِليه، فقال: بيني
وبينك أَبو برزة صاحب النبي بَل9، فأتيا أبا برزة في ناحية العسكر، فقالا له هذه
القصة، فقال: أَترضيان أَن أَقضي بينكما بقضاء رسول الله وَله؟ قال
رسول الله وَله: ((البَيِّعَانِ بالخيار ما لم يتفرقا)) قال هشام بن حسان: حدث
جميل (٣) أنه قال: ما أَراكما افترقتما (٤).
٣٤٥٨ - حدثنا محمد بن حاتم الجرْجَرَائي، قال: مروان الفزاري أَخبرنا،
عن يحيى بن أيوب، قال: كان أَبو زُرْعَةَ إِذا بايع رجلاً خَيَّرَهُ، قال: ثم يقول:
خيرني، ويقول: سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول الله وَّةَ: ((لا يفترقَنَّ اثنان
إِلا عَنْ تراضٍ» (٥).
٣٤٥٩ - حدثنا أبو الوليد الطيالسي، حدثنا شعبة، عن قتادة، عن أَبي
الخليل، عن عبد الله بن الحارث، عن حكيم بن حزام، أَن رسول الله وَلّ قال:
((البيعان بالخيار ما لم يفترقا، فإن صَدَقا وبيَّنا بُورك لهما في بيعهما، وإِن كتما
= أنه لا يحل أن يفارقه خشية أن يختار فسخ البيع فيكون ذلك بمنزلة الاستقالة، والدليل على
ذلك ما تقدم من الأخبار، والله أعلم. (خطابي).
(١) وأخرجه الترمذي في البيوع حديث ١٢٤٧ باب في البيعان بالخيار ما لم يفترقا، والنسائي في
البيوع حديث ٤٤٨٨ باب وجوب الخيار للمتبايعين قبل افتراقهما بأبدانهما، وحسنه الترمذي
وصححه ابن خزيمة .
(٢) أبو الوضيء: اسمه: عَبَّاد بن نُسَيب. (منذري).
(٣) يعني ابن مرة.
(٤) وأخرجه ابن ماجه في التجارات حديث ٢١٨٢ باب البيعان بالخيار ما لم يفترقا. وقال
المنذري: ورجال إسناده ثقات ..
(٥) وأخرجه الترمذي في البيوع حديث ١٢٤٨ ولم يذكر قصة أبي زرعة. وقال: [هذا حديث
غريب].
٤٧٥

١٧ - كتاب البيوع والإجارات
(٥٣ - ٥٥) باب
(٣٤٥٩ - ٣٤٦١) حديث
وكذبا محقت البركة من بيعهما)(١) .
قال أبو داود: وكذلك رواه سعيد بن أبي عروبة وحماد، وأَما همام فقال:
«حتی یتفرقا أو يختارا» ثلاث مرار.
٥٢
٥٤ - باب في فضل الإقالة
٣٤٦٠ .- حدثنا يحيى بن معين، حدثنا حفص، عن الأعمش، عن أبي
صالح، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله وَّ: (مَنْ أَقال مسلماً أَقال الله
عَثْرِتَهُ))(٢) .
٥٣
٥٥ - باب فيمن باع بيعتين في بيعة
٣٤٦١ - حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، عن يحيى بن زكريا، عن محمد بن
عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، قال: قال النبي ◌َّر: ((من باع بَيْعَتيْن في
بيعةٍ فله أوكَسُهُما أو الربا)(٣) .
(١) وأخرجه البخاري في البيوع باب إذا بين البيعان ولم يكتما، ونصحا. وباب ما يمحق الكذب
والكتمان في البيع، وباب البيعان بالخيار ما لم يفترقا إلخ، ومسلم في البيوع حديث ١٥٣٢
باب الصدق في البيع، والترمذي في البيوع حديث ١٢٤٦ باب البيعان بالخيار ما لم يفترقا،
والنسائي في البيوع حديث ٤٤٦٢ باب ما يجب على التجار.
(٢) وأخرجه ابن ماجه في التجارات حديث ٢١٩٩ باب الإقالة.
(٣) قال الشيخ - رحمه الله - لا أعلم أحداً من الفقهاء قال بظاهر هذا الحديث أو صحح البيع
بأوكس الثمنين، إلا شيء يحكى عن الأوزاعي وهو مذهب فاسد، وذلك لما تتضمنه هذه
العقدة من الغرر والجهل، وإنما المشهور من طريق محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي
هريرة عن النبي ◌َّر: (أنه نهى عن بيعتين في بيعة) حدثنا الأصم، قال: حدثنا الربيع قال:
حدثنا الشافعي، قال: حدثنا الدراوردي عن محمد بن عمرو. وحدثونا عن محمد بن إدريس
الحنظلي، حدثنا الأنصاري عن محمد بن عمرو، فأما رواية يحيى بن زكريا عن محمد بن
عمرو على الوجه الذي ذكره أبو داود، فيشبه أن يكون ذلك في حكومة في شيء بعينه،
كأنه أسلفه ديناراً في قفيزين إلى شهر فلما حل الأجل وطالبه بالبر، قال له: بعني القفيز
الذي لك علي بقفيزين إلى شهر، فهذا بيع ثاني قد دخل على البيع الأول فصار بيعتين في
بيعة، فيردان إلى أوكسهما وهو الأصل، فإن تبايعا المبيع الثاني قبل أن يتقابضا الأول كانا
مربیین.
=
٤٧٦

١٧ - كتاب البيوع والإجارات
(٥٦) باب
(٣٤٦٢) حديث
٥٤
٥٦ - باب [في] النهي عن العِينة
٣٤٦٢ - حدثنا سليمان بن داود المهري، أخبرنا ابن وهب، أخبرني
خَيْوة بن شريح، /ح/، وحدثنا جعفر بن مسافر التنيسي، حدثنا عبد الله بن
يحيى البرلسي، حدثنا حَيْوة بن شريح، عن إِسحاق أبي عبد الرحمن، قال
سليمان: عن أبي عبد الرحمن الخراساني، أن عطاء الخراساني حدثه، أَن نافعاً
حدثه، عن ابن عمر، قال: سمعت رسول الله وَلّ يقول: ((إِذا تبايعتم بالعِينَةِ(١)
وأخذتم أذنابَ البقرِ، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد، سلط الله عليكم ذُلاً لا
ینزعه حتى ترجعوا إلى دينكم)).
قال أبو داود: الإِخبار لجعفر، وهذا لفظه.
قال الشيخ: وتفسير ما نهى عنه من بيعتين في بيعة على وجهين، أحدهما: أن يقول بعتك
=
هذا الثوب نقداً بعشرة ونسيئة بخمسة عشر، فهذا لا يجوز لأنه لا يدري أيهما الثمن الذي
يختاره منهما فيقع به العقد وإذا جهل الثمن بطل البيع.
والوجه الآخر: أن يقول: بعتك هذا العبد بعشرين ديناراً على أن تبيعني جاريتك بعشرة
دنانير، فهذا أيضاً فاسد لأنه جعل ثمن العبد عشرين ديناراً وشرط عليه أن يبيعه جاريته
بعشرة دنانير، وذلك لا يلزمه، وإذا لم يلزمه سقط بعض الثمن، وإذا سقط بعضه صار
الباقي مجهولاً .
ومن هذا الباب أن يقول: بعتك هذا الثوب بدينارين على أن تعطيني بهما دراهم صرف
عشرين أو ثلاثين بدينار، فأما إذا باعه شيئين بثمن واحد، كدار وثوب، أو عبد وثوب فهذا
جائز وليس من باب البيعتين بالبيعة الواحدة، وإنما هي صفقة واحدة جمعت شيئين بثمن
معلوم وعقد البيعتين في بيعة واحدة على الوجهين اللذين ذكرناهما عند أكثر الفقهاء فاسد.
وحكي عن طاووس أنه قال: لا بأس أن يقول له هذا الثوب نقداً بعشرة، وإلى شهر بخمسة
عشر فيذهب به إلى أحدهما. وقال الحكم وحماد: لا بأس به ما لم يفترقا.
وقال الأوزاعي: لا بأس بذلك ولكن لا يفارقه حتى يُبأنَّه بأحد المعنيين، فقيل له: فإنه
ذهب بالسلعة على ذينك الشرطين، فقال: هي بأقل الثمنين إلى أبعد الأجلين.
قال الشيخ: هذا ما لا يشك في فساده، فأما إذا باته على أحد الأمرين في مجلس العقد فهو
صحيح لا خلف فيه وذكر ما سواه لغو لا اعتبار به. (خطابي).
(١) العينة - بالكسر - السلف، والمراد أن يبيع شيئاً من غيره بثمن مؤجل، ويسلم إلى المشتري
ثم يشتريه قبل قبض الثمن بثمن أقل مما باع به وينقده الثمن.
٤٧٧

١٧ - كتاب البيوع والإجارات
(٥٧) باب
(٣٤٦٣) حديث
٥٧ - باب في السلف
٣٤٦٣ - حدثنا عبد الله بن محمد النفيلي، حدثنا سفيان، عن ابن أبي
نجيح، عن عبيد الله بن كثير، عن أَبي المنهال، عن ابن عباس، قال: قدم
رسول الله ﴿ المدينة وهم يُسْلِفون(١) في التمر السنة والسنتين والثلاثة، فقال
رسول الله ◌َّ: ((من أَسلف في تمرٍ فليسلِفْ في كَيْلٍ معلوم ووَزْنٍ معلوم إِلى
أَجل معلوم))(٢).
(١) قال الشيخ: في هذا الحديث بيان أن السلف يجب أن يكون معلوماً بالأمر الذي يضبط، ولا
يختلف وأنه مهما كان مجهولاً بطل.
وفيه دليل على أنه قد يجوز السلم إلى سنة في الشيء الذي لا وجود له في أيام السنة إذا
كان موجوداً في الغالب وقت محل الأجل، وذلك أن التمر اسم للرطب واليابس في قول
أكثر أهل العلم وعند بعض أهل اللغة اسم للرطب لا غير، وعلى هذا ما جاء من النهي عن
بيع التمر بالتمر وعلى الوجهين معاً، فقد أجاز السلم فيه السنة والسنتين والثلاث إذا كان قد
وجدهم يفعلون ذلك فلم ينكره عليهم فكان تقريره ذلك إذناً لهم فيه وإجازة لهم، ومعلوم
أن الرطب لا يوجد في وقت معلوم من السنة وهو معدوم في أكثر أيام السنة.
وفيه أن السلم جائز وزناً في الشيء الذي أصله الكيل لأنه عم ولم يخص، فقال: ((في كيل
معلوم أو وزن معلوم)) فخيره بين الأمرين فإذا صار الشيء المسلم فيه معلوماً بأحدهما جاز
فيه السلم.
وفيه أن الآجال المجهولة كالحصاد وإلى العطاء وإلى قدوم الحاج يبطل السلم وإنها لا تجوز
إلا أن تكون معلومة بالأمر الذي لا يختلف كالسنين والشهور والأيام المعلومة.
وقد يحتج بهذا الحديث من لا يجيز السلم حالاً، وهو مذهب أبي حنيفة ومالك قالوا:
وذلك لقوله إلى أجل معلوم فشرط الأجل كما شرط الكيل والوزن.
وقال الشافعي: إذا جاز أجلاً فهو حالاً أجود ومن الغرر أبعد، وليس ذكر الأجل عنده
بمعنى الشرط وإنما هو أن يكون إلى أجل معلوم غير مجهول إذا كان مؤجلاً، كما ليس ذكر
الكيل والوزن شرطاً وإنما هو أن يكون معلوم الكيل والوزن إذا كان مكيلاً أو موزوناً، ألست
ترى أن السلم في المزروع جائز بالزرع وليس بمكيل ولا موزون، فعلمت أنه إنما أراد
الحصر له بما يضبط بمثله حتى يخرج من حد الجهالة ويسلم من الغرر ولو كان ذكر الكيل
والوزن شرطاً في جواز السلم لم يجز إلا في مكيل أو موزون فكذلك الأجل، والله أعلم.
(خطابي).
(٢) وأخرجه البخاري في السلم باب السلم في كيل معلوم، ومسلم في المساقاة حديث ١٦٠٤،
والترمذي في البيوع حديث ١٣١١ باب في السلف في الطعام والتمر، والنسائي في البيوع=
٤٧٨

١٧ - كتاب البيوع والإجارات
(٥٧ - ٥٨) باب
(٣٤٦٤ - ٣٤٦٧) حديث
٣٤٦٤ - حدثنا حفص بن عمر، حدثنا شعبة، /ح/، وحدثنا ابن كثير،
أَخبرنا شعبة، أَخبرني محمد أَو عبد الله بن مُجَالد، قال: اختلف عبد الله بن
شداد وأَبو بُزْدة في السلف، فبعثونِي إِلى ابن أبي أوفى، فسألته، فقال: إِنْ كنا
نُسْلف على عهد رسول الله وَليل وأبي بكر وعمر، في الحنطة والشعير والتمر
والزبيب - زاد ابن كثير: إِلى قوم ما هو عندهم - ثم اتفقا: وسألت ابن أبْزَى
فقال مثل ذلك(١) .
٣٤٦٥ - حدثنا محمد بن بشار، حدثنا يحيى وابن مهدي، قالا: حدثنا
شعبة، عن عبد الله بن أبي المجالد، وقال عبد الرحمن: عن [ابن] أبي
المجالد، بهذا الحديث، قال: عند قوم ما هو عندهم.
قال أبو داود: الصواب ابن أبي المجالد، وشعبة أَخطأ فيه.
٣٤٦٦ - حدثنا محمد بن المصفى، حدثنا أبو المغيرة، حدثنا
عبد الملك بن أبي غَنِيَّةَ، حدثني أبو إسحاق، عن عبد الله بن أبي أوفى
الأسلمي، قال: غزونا مع رسول الله وَلّ الشام، فكان يأتينا أَنباط(٢) من أنباط
الشام فنُسْلفهم في البُرّ والزيت سعراً معلوماً وأجلاً معلوماً، فقيل له: ممن له
ذلك؟ قال: ما كنا نسألهم.
٥٦
٥٨ - باب في السلم في ثمرة بعيقها
٣٤٦٧ - حدثنا محمد بن كثير، أَخبرنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن رجل
نَجْراني، عن ابن عمر، أَن رجلاً أسلف رجلاً في نخل، فلم تخرج تلك السنة
شيئاً، فاختصما إِلى النبي وَلّر، فقال: ((بِمَ تستحل ماله؟ ازدُذ عليه ماله)) ثم قال:
حديث ٤٦٢٠ باب السلف في الثمار، وابن ماجه في التجارات حديث ٤٤٨٠ باب السلف
=
في كيل معلوم.
(١) وأخرجه البخاري في السلم باب السلم في وزن معلوم، وابن ماجه في التجارات حديث
٢٢٨٢ باب السلف في كيل معلوم.
(٢) الأنباط - جمع نبط - وهم قوم معروفون أصلهم قوم من العرب دخلوا في العجم، واختلطت
أنسابهم وفسدت ألسنتهم، سموا بذلك لأنهم كانوا يعرفون إنباط الماء: أي استخراجه،
لأنهم كانوا يعالجون الفلاحة، وقيل: هم نصارى الشام.
٤٧٩

١٧ - كتاب البيوع والإجارات
(٥٨ - ٦٠) باب
(٣٤٦٧ - ٣٤٦٩) حديث
(لا تسلفوا في النخل حتى يبدوَ صلاحه))(١).
٥٧
٥٩ - باب السلف [لا] يُحَوَّل
٣٤٦٨ - حدثنا محمد بن عيسى، حدثنا أَبو بدر، عن زياد بن خيثمة، عن
سعد - يعني الطائي - عن عطية بن سعد، عن أبي سعيد الخدري، قال: قال
رسول الله ◌َ﴾(٢): ((من أسلف في شيء فلا يصرفه إلى غيره))(٣).
٦٠ - باب في وضع الجائحة
٥٨
٣٤٦٩ - حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا الليث، عن بكير، عن عياض بن
عبد الله، عن أبي سعيد الخدري، أنه قال: أصيب رجل في عهد رسول الله مَليل
في ثمارٍ ابتاعها (٤)، فكثر دينه، فقال رسول الله (وَ لقال: ((تصدقوا عليه)) فتصدق
(١) في إسناده مجهول.
(٢) قال الشيخ: إذا أسلف ديناراً في قفيز حنطة إلى شهر فحل الأجل فأعوزه البر فإن أبا حنيفة
يذهب إلى أنه لا يجوز له أن يبيعه عوضاً بالدينار، ولكن يرجع برأس المال عليه قولاً
بعموم الخبر وظاهره. وعند الشافعي يجوز له أن يشتري عرضاً بالدينار إذا تقابلا السلم
وقبضه قبل التفرق لئلا يكون دينارين، فأما الإقالة فلا تجوز وهو معنى النهي عن صرف
السلف إلى غيره عنده. (خطابي).
(٣) وأخرجه ابن ماجه في التجارات حديث ٢٢٨٣ باب من أسلم شيئاً فلا يصرفه، وقال
المنذري: وعطية بن سعد لا يحتج بحديثه.
(٤) قال الشيخ: قد تقدم الكلام في بيان اختلاف الناس في وضع الجوائح. وأما هذا الحديث
فليس فيه ذكر الجائحة، وقد يحتمل أن يكون إنما أصيب في تلك الثمار بعدما جذّها وأواها
الجرين، فطرقها لص أو جرفها سيل أو باعها فافتأت الغريم بحقه، وكل هذه الوجوه قد
يصح رجوع إضافة المصيبة فيها إلى الثمار التي كان ابتاعها، وإذا كان كذلك لم يجب
الحكم بذهاب حق رب المال.
وليس في الحديث أنه أمر أرباب الأموال أن يضعوا عنه شيئاً من أثمان الثمار ثلثاً أو أقل منه
أو أكثر، إنما أقر الناس أن يعينوه ليقضي حقوقهم فلما أبدع بهم أمرهم بالكف عنه إلى
الميسرة، وهذا حكم كل مفلس أحاط به الدين وليس له مال. (خطابي) قال في النهاية :
أبدعت الناقة إذا انقطعت عن السير بكلال، أو ضلع، كأنه جعل انقطاعها عما كانت مستمرة
عليه إبداعاً.
٤٨٠