النص المفهرس

صفحات 1001-1020

هكذا أخرجه عبد الرزاق في ((مصنفه)) (٦ / ١٩٤ / ١١٤٦٧) بإسناده
عنه ، ليس فيه التصريح برفعه ولو أنه رفعه ؛ لكان منكراً ؛ لأن مراسيل الحسن
كالريح - كما قال بعض الحفاظ -، ولأنه مخالف للحديث الصحيح :
((لو أن أحدهم يقول حين يأتي أهله : باسم الله ، اللهم ! جنبني الشيطان ، وجنب
الشيطان ما رزقتنا ، ثم قدر بينهما في ذلك أو قضي ولد ؛ لم يضره شيطان أبداً )).
رواه الشيخان وغيرهما من حديث ابن عباس رضي الله عنهما ، وهو مخرج في
((آداب الزفاف))، و ((الإرواء)) (٢٠١٢) وغيرهما .
٦٩٣١ - ( تاركُ الصَّلاة كافرٌ).
منكر. ذكره ابن حبان في (( الثقات)) (٨ / ٢٧) من رواية نوح بن يزيد
الفارسي أبي أحمد الترمذي عن أحمد بن موسى المِربَدي البصري عن حماد
ابن سلمة عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة مرفوعاً .
أورده في ترجمة ( أحمد المربدي ) هذا ، ولم يزد فيها على قوله :
(« لم أر في حديثه شيئاً تنكره القلوب إلا حديثاً واحداً ، روى عن محمد بن
عمرو ... )) .
كذا وقع فيه : ( روى عن محمد بن عمرو) ؛ فيفيد بظاهره أن الضمير يعود
إلى المترجم ، وأنه رواه عن ( محمد بن عمرو ) مباشرة ، وهو خلاف قوله فيه -
أعني : المترجم - قبل أن يسوق الحديث :
(( يروي عن حماد بن سلمة ، روى عنه نوح بن يزيد الفارسي أبو أحمد ساكن
ترمذ )» .
١٠٠١

وكذا في ((ترتيب الثقات)) للهيثمي، وكذلك وقعت الرواية في ((لسان الميزان))
للحافظ ، إلا أنه لم يذكر قوله: ((يروي عن حماد ... )) إلخ.
ويترجح عندي أنه سقط منه أو من الناسخ ، وأن الصواب أنه سقط من قلم
ناسخ ((الثقات)) قوله: بعد ( روى): ((عن حماد))، أو أنه من أوهام المؤلف التي
أشاروا إليها حين تكلموا عن تساهله في ((الثقات)) - كما حققته في مقدمة كتابي
الجديد ((صحيح الموارد ))، وهو تحت الطبع، يسر الله صدوره قريباً إن شاء الله
تعالى (*) .
وهذه الترجمة من تلك الأدلة الكثيرة على تساهله ؛ فإن ( أحمد المربدي )
هذا لم أره عند غيره ! بل إن الراوي عنه ( نوح بن يزيد الفارسي أبو أحمد الترمذي )
لم أعرفه أيضاً ، ولم يترجمه حتى ابن حبان ، وهو في طبقة شيوخه . والله أعلم .
والحديث بلفظ: ((كافر)) قد روي في بعض الأحاديث الأخرى المنكرة،
والآثار الموقوفة الضعيفة ، تجدها في ((ضعيف الترغيب والترهيب)) في آخر (٥ -
كتاب الصلاة ) .
٦٩٣٢ - (كانَ خائُ النُّبوةِ في ظَهْرِ رَسولِ الله ◌َّةِ مثلَ البُنْدُقةِ من
لَّحْمِ، عليه مكتوبٌ : محمّدٌ رسولُ الله ) .
منكر. أخرجه ابن حبان في ((صحيحه)) (٨ / ٧٢ / ٦٢٦٩ - الإحسان):
أخبرنا نصر بن الفتح بن سالم المُرَبَّعي العابد - بسمرقند -: حدثنا رجاء بن
مرجى الحافظ : حدثنا إسحاق بن إبراهيم القاضي - بسمرقند -: حدثنا ابن جريج
عن عطاء عن ابن عمر قال : ... فذكره .
(*) وقد صدر بعد وفاة الشيخ رحمه الله. (الناشر).
١٠٠٢

قلت : وهذا إسناد رجاله ثقات معروفون ؛ غير ( نصر بن الفتح ) هذا ، فهو غير
معروف إلا بهذا الحديث ، ولم يخرج له ابن حبان في (( الصحيح )) غيره ، وهو مما
انتقد عليه؛ فأورده الذهبي في ترجمته من ((الميزان)) وقال (٤ / ٢٥٣):
((وَضَعَ هذا الحديث. قال ابن حبان في ((الأنواع )) في أوائل المجلد الثالث:
أخبرنا نصر بن الفتح ... )) فساقه بإسناده ومتنه . ثم قال :
(( راج هذا على ابن حبان ، واعتقد صحته ، وهو كذب ، وقاضي سمرقند ،
ذكره ابن أبي حاتم ، وما لَيِّنَهُ أحد قط )) .
قلت : بل قال فيه البخاري :
((معروف الحديث )).
ووثقه ابن حبان ، وروى عنه ثقتان آخران : عبدة بن سليمان ، وأحمد بن
منصور المروزي . ( انظر (( تيسير الانتفاع)) ) .
قلت : فالعلة من ( نصر) هذا شيخ ابن حبان ، وقد قعقع عليه الحافظ في
((اللسان)) فقال عقبه (٦ / ١٥٦):
(( ونصر بن الفتح ما ضعفه أحد قط أيضاً ، وهو شیخ ابن حبان ، فمن أين
للمصنف أن هذا الحديث موضوع ؟ ! نعم ؛ هو شاذ لمخالفته الأحاديث الصحيحة
في صفة خاتم النبوة ، وموضع المخالفة منه ذكر الكتابة ، فلعله دخل عليه حديث في
حديث ، انتقل ذهنه من خاتم الكتب إلى خاتم النبوة (١) . والله أعلم)).
** (محمد) سطر، و(رسول)
(١) يشير إلى حديث أنس: ((كان نقش خاتم رسول الله
سطر، و(الله) سطر)). متفق عليه، وهو مخرج في ((مختصر الشمائل)) (٥٨ / ٧٤).
١٠٠٣

قلت : هذا تعقب لفظي، وخلاف شكلي ؛ فإن قول الذهبي: (( وضع ) ليس
من الضروري أن يفسر بأنه يعني أنه تعمد الوضع ؛ بل هو على وزان الحديث
الصحيح: ((كذب أبو السنابل ))(١) . ولذلك فإني اتبعت هذه السنة مع بعض
الناس تحذيراً - كما يأتي قريباً - وكون الشيخ (نصر بن الفتح ) ما ضعفه أحد لا
يمنع من تخطئته بهذا اللفظ - كما هو ظاهر -، أو بما هو أخف منه ؛ كقول الحافظ
المتقدم: ((شاذ))، أو قولي: ((منكر))، بل إن هذا أولى وألصق بعلم ( المصطلح )؛
فإن ( الشاذ ) فيه : ما رواه الثقة مخالفاً لمن هو أوثق . و( الشيخ) - وإن لم يصرح
أحد بتضعيفه ؛ فكذلك - لم يوثقه غير ابن حبان ، وهو من تساهله الذي نصوا
عليه ، كيف لا ، وهو لا يعرف إلا بهذا الحديث المنكر المخالف للأحاديث الصحيحة ؟!
وإن من الغرائب أن الحافظ وقع في نحو ما أنكره على الذهبي في صدر تعقبه
المتقدم عليه ؛ فإن الهيثمي - شيخ الحافظ - لما عقب على هذا الحديث في ((الموارد))
بقوله ( ص ٥١٤ / ٢٠٩٧ ) :
(( قلت : اختلط على بعض الرواة ( خاتم النبوة ) بالخاتم الذي كان يختم به
الكتب )).
فعلق عليه الحافظ في حاشية الكتاب بقوله :
(( البعض هو (إسحاق )، فهو ضعيف))!
فلقائل أن يعارضه فيقول :
(( ( إسحاق بن إبراهيم القاضي ) ما ضعفه أحد قط أيضاً، وهو شيخ (رجاء
ابن مرجى ) الحافظ ؛ فمن أين له أن هذا الحديث شاذ؟!)).
(١) ((الصحيحة)) (٣٢٧٤).
١٠٠٤

والجواب عنهما كليهما معروف ؛ ألا وهو: المخالفة ، غاية ما في الأمر أن الحافظ
رفض حكم الذهبي عليه بالوضع ، ﴿ ولكل وجهة هو موليها ﴾، والخلاف في
وجهة نظري سهل بعد اتفاقهما على رد الحديث .
وقد أكد الحافظ ذلك في ( فتح الباري )» بعد أن ذكر بعض الأحاديث في
صفة خاتم النبوة - منها حديث جابر بن سمرة بلفظ: (( بيضة الحمامة)) -، قال (٦ /
٥٦٣ ) :
((وأما ما ورد من أنها كانت كأثر محجم ، أو كالشامة السوداء أو الخضراء ، أو
مكتوب عليها: ( محمد رسول الله)، أو ((سِرْ وأنت المنصور)) ، أو نحو ذلك؛ فلم
یثبت منها شيء )) . ثم قال :
« ولا تغتر بما وقع منها في « صحيح ابن حبان ))؛ فإنه غفل حیث صحّح
ذلك . والله أعلم )) .
قلت : ولم تُعْجِبْ هذا النصيحةُ إمَّعةَ ابن حبان وهاويه ! فقد تعقبه في تعليقه
هنا بقوله ( ٦ / ٤٤٦ ) :
(( نقول : إن الحافظ ابن حبان لم يغفل ، وإنما أثبت ما سمع ، وهذا مقتضى
الأمانة ، وبين الخطأ فيما سمع ، وهذا مقتضى العلم وواجب العلماء » !
فأقول : لكنك لم تؤد الأمانة ، ولم تنصح الأمة ، وطعنت في علم حافظ
السنة ، واستصغرت شأنه وعلمه ، وصورته للقراء أنه لا يعرف واجب العلماء!
فاتق الله في نفسك ! ولا تتسرع في نقد جبال العلم بجهلك ، ألا تعلم أن تعقبك
هذا - لولا ما فيه من كذب يأتي بيانه - إنما يصلح فيمن قد ينتقد مؤلفاً من مؤلفي
( المسانيد )؟ كالإمام أحمد مثلاً الذي يسوق الأحاديث بأسانيدها ، وفيها ما
١٠٠٥

لا يصح - ولا یبین - وذلك لأنه لم يلتزم الصحة في كتابه ؛ فلا ينتقد ، بخلاف ابن
حبان الذي التزمها ثم أخل بها في مئات أحاديثه - كهذا وغيره - نعم ؛ كان
يكون مما لا ضير عليه ؛ لو أنه رواه ثم بيِّن عواره - كما يفعل أحياناً -، ولكنه لم
يفعل هنا .
وأما قولك فيه: إنَّه (( بين الخطأ فيما سمع))! فهو كذب ، ولو صدقت ؛ لما جاز
لطالب علم صغير مثلك أن ينتقده ، فكيف ترمي به الحافظ الكبير ؟ ! فاتق الله !
واعرف طبيعة نفسك ، وقدر علمك ولا يحملنك شهوة النقد على التطاول على
الحفاظ والعلماء .
ثم ما بالك أعرضت عن ذكر قول الذهبي في ترجمة ( نصر بن الفتح ) شيخ
ابن حبان ، وكذا قول الحافظ العسقلاني ، ولم تذكر فيها جرحاً ، واكتفيت فيها
بذكر سنة وفاته ، ومن مصدر ليس من كتب الجرح والتعديل ؛ ولذلك أعرضت عن
تسميته - وهو ((الأنساب))؛ فيما يبدولي - وغيّرت فيها تدليساً وتوهيماً! لم
كتمت جرح الحافظين إياه وحكمهما على الحديث بالوضع والشذوذ؟! هل يمكن أن
يفهم أحد من سيئاتك هذه إلا أنك متحيز لابن حبان تحيزاً له قرنان ، وأنه لا
يحملك على ذلك إلا حبك للظهور والمخالفة ، وإن مما يؤكد ذلك أنك أعللت
الحديث بخلافهما فقلت: (( إسناده ضعيف ، ابن جريج قد عنعن ، وهو موصوف
بالتدليس )»!
وأما النكارة التي في متنه فلا أنت سلمت بها ، ولا أنت دفعتها ، وهذا أمر
طبيعي جداً منك ، يمنعنك منه أمران : الجهل ، وبطر الحق ! والله المستعان ، ولا
حول ولا قوة إلا بالله ..
١٠٠٦

٦٩٣٣ - ( يدخلُ الجنةَ رجُلٌ ؛ فلا يبقَى أهلُ دار، ولا أُهْلُ غُرفة إلا
قالُوا: مرْحَباً [ مرْحَباً]، إلينا [إلينا]. فقالَ أبو بكر: يا رسولَ الله ! ما توىّ
على [ هذا ] الرجُلِ في ذلكَ اليوم. قالَ: أجلْ، وأنتَ هو يا أبا بكر!).
منكر. أخرجه ابن حبان في ((صحيحه)) (٢١٧٢ - موارد، ٦٨٢٨ - الإحسان)،
والطبراني في ((المعجم الكبير)) (١١ / ٩٨ / ١١١٦٦) وفي ((الأوسط)) (١ /
١٥٤ / ٤٨١ و٦ / ١٩٤ / ٦١٦٨)، وابن عدي في ((الكامل)) (٣ / ١٧١) من
طريق أحمد بن محمد بن أبي بكر السالمي : حدثنا ابن أبي فديك عن رباح بن
أبي معروف عن قيس بن سعد عن مجاهد عن ابن عباس مرفوعاً . وقال ابن
عدي :
(( وهذا الحديث لا يرويه إلا رباح)) . وقال الطبراني :
« لم يروه عن قیس إلا رباح ، ولا عنه إلا ابن أبي فدیك، تفرد به أحمد بن
محمد بن أبي بكر السالمي » .
قلت: لم أجد له ترجمة فيما لدي من كتب الجرح والتعديل ، ولا في (( ثقات
ابن حبان))! وأما قول الهيثمي في ((المجمع)) (٩ / ٤٦):
(((رواه الطبراني في ((الكبير)) و((الأوسط))، ورجاله رجال الصحيح؛ غير
أحمد بن أبي بكر السالمي ، وهو ثقة)) !
فأظنه من أوهامه ، التبس عليه بغيره . والله أعلم .
ونقله عنه المعلق على ((مجمع البحرين)) (٦ / ٢٢٤) وأقره ! وكذلك فعل
الداراني (٧ / ٧٦) - رغم أنه خرجه في نحو صفحة -؛ فإنه يصدّره بذكر مرتبته
١٠٠٧

- كما هي العادة -، إما جهلاً ، أو توقفاً ، أو رهبة من مخالفة تصحيح ابن حبان
إياه ؛ فإنه قلما یصرح بمخالفته ، فضلاً عن أن يرد علیه - كما يفعل مع غيره -، ولو
كان إمام الأئمة كالبخاري ! فهو عليهم جريء متجاهلاً الحكمة القائلة :
الرأي قبل شجاعة الشجعان هو الأول وهي المحل الثاني !
ألا تراه هنا غض الطرف عن التصريح بمرتبة الحديث أولاً ، ثم عن ترجمة
( رباح بن أبي معروف )؛ لا لأنه من رجال ( الصحيح)، وإنما لأن مرهوبه - إن
صح التعبير - متناقض فيه أشد التناقض ، فلو أنه أخذ في ترجمته ؛ لاستلزم ذلك
ذكر ما قاله فيه من التناقض ، وإلا ؛ لظهر تحیزه إليه وتعصبه له ، ولذلك فقد رأى
من الحكمة العمل بالمثل الشامي : ( الهريبة نصف الشجاعة ) !!
فاعلم ۔ یا أخي ۔۔ أن ( رباحاً) هذا مختلف فيه ؛ فمن أحسن ما قيل فيه :
((صالح)). وأسوؤه وأبينه قول ابن حبان في ((الضعفاء)) (١ / ٣٠٠):
(( كان ممن يخطئ ، ويروي عن الثقات ما لا يتابع عليه . والذي عندي فيه
التنكب عما انفرد به من الحديث ، والاحتجاج بما وافق الثقات من الروايات ، على
أن یحیی وعبد الرحمن تركاه )» .
ثم تناقض فأورده في ((الثقات)) أيضاً (٦ / ٣٠٧) ملخصاً كلامه المتقدم:
(( يخطئ ويهم)) .
لكني أقول : إنه متناقض عندي تأليفاً لا علماً؛ فقد صرح في بعض الرواة
الآخرين الذين وصفهم بالخطأ أنه لا يحتج بهم عند التفرد ؛ بل جعلها قاعدة في
مقدمة ((الضعفاء))، وقد حققت ذلك في مقدمتي لكتابي ((صحيح الموارد))،
١٠٠٨

وهي تحت التحرير والطبع قريباً إن شاء الله تعالى (*) .
وعليه ؛ فلا منافاة بين الكتابين في الحكم ؛ فهو ضعيف فيهما عند التفرد ،
وهذا معنى قول الحافظ فيه :
« صدوق ، له أوهام )).
وأنا أعتقد أنّه وهم في متن هذا الحديث ، وأتى بمعنى منكر ، وهو قوله :
((وأنت هو يا أبا بكر))! فأين النبي ﴿﴿ه؟! فلعله أراد أن يقول: فأنت منهم أو نحو
ذلك فخانته حافظته ، فقال ما قال ! فقد جاء الحديث عن أبي هريرة بلفظ :
((من أنفق زوجين في سبيل الله ؛ دعاه خزنة الجنة ، كل خزنة باب: أي: فُلْ !
مَلُمَّ !)).
فقال أبو بكر : يا رسول الله ! ذلك الذي لا توی علیه . قال رسول الله
:
((إني لأرجو أن تكون منهم)).
رواه البخاري ومسلم. وهو مخرج في «الصحيحة» (٢٨٧٩).
٦٩٣٤ - ( يا معْشرَ الأنصار! كنتُم في الجاهلية - إذْ لا تعبُدونَ اللهَ -
تحملون الكلِّ ، وتفعلونَ في أَمْوالكم المعروف ، وتفعلونَ إلى ابْنِ السَّبيلِ،
حتّى إذا مَنَّ اللهُ عليكم بالإسلامِ ، ومَنَّ عليكم بنبيِّه ؛ إذا أنتُم تُحصنونَ
أموالَكم!).
منكر. أخرجه الحاكم (٤ / ١٣٣) من طريق علي بن حجر السعدي : ثنا
(*) وقد طبع بعد وفاة الشيخ رحمه الله . (الناشر) .
١٠٠٩

عاصم بن سُوَيد عن محمد بن موسى بن الحارث عن أبيه عن جابر بن عبد الله
رضي الله عنهما ، قال :
أتى رسول الله تَ﴿ بني عمرو بن عوف يوم الأربعاء، فرأى شيئاً لم يكن رآها
قبل ذلك من حصنةٍ على النخيل ، فقال :
((لو أنكم إذا جئتم عيدكم هذا؛ مكثتم حتى تسمعوا من قولي)).
قالوا : نعم بآبائنا أنت يا رسول الله وأمهاتنا . فلما حضروا الجمعة ؛ صلى بهم
رسول الله ﴿ الجمعة ، ثم صلى ركعتين في المسجد ، وکان ینصرف إلى بيته قبل
ذلك اليوم .
ثم استوى ، فاستقبل الناس بوجهه ، فتبعت (!) له الأنصار، أو من كان
منهم ، حتى وفى بهم إليه (!) فقال : ... فذكره وزاد :
((وفيما يأكل ابن آدم أجر ، ويأكل السبع أو الطير أجر)».
فرجع القوم فما منهم أحد إلا هدم من حديقته ثلاثين باباً . وقال :
((صحيح الإسناد))! ورده الذهبي بقوله:
((قلت: عاصم - إمام مسجد قباء -: خرج له النسائي؛ ولكن من شيخه؟!)).
وأقره ابن الملقن في ((مختصره)) (٥ / ٢٦٥٠).
وأخرجه من الوجه المذكور ابن خزيمة في «صحيحه» (٣ / ١٨٢ - ١٨٣)
إلى قوله: (( قبل ذلك اليوم))، دون حديث الترجمة ، لكنه أشار إليه بقوله عقبه :
(( فذكر الحديث ».
١٠١٠

ولا أستبعد أن يكون ساقه في مكان آخر من (( صحيحه )) في بعض أجزائه
التي لم تطبع بعد . وقال في الباب الذي ترجم به عن القدر المذكور منه :
((إن صح الخبر؛ فإني لا أقف على سماع موسى بن الحارث من جابر بن عبد الله )).
ومن طريق ابن خزيمة أخرجه ابن حبان في ((صحيحه)) (٥٨١ - موارد)،
وهذا مما يؤكد تساهله أكثر من شيخه في التصحيح والتوثيق ، فإن هذا قد غمز في
صحته - کما رأیت دون ابن حبان - ؛ فإنه ساقه في « صحيحه » (٢٤٧٥ /
الإحسان ) محتجاً به ! وذكر ( محمد بن موسى بن الحارث ) - وهو التيمي - وأباه
في كتابه ((الثقات)) (٥ / ٤٠٥ و٧ / ٣٩٧)، ولم يذكر في ترجمتيهما شيئاًيدل
على حالهما أكثر مما جاء في هذا الإسناد! على وهم وقع له في ترجمة ( الأب ):
( موسى بن الحارث)؛ فإنه قرن مع ابنه ( محمد بن موسى ) راوياً آخر هو ( عاصم
ابن سويد الأنصاري )! وهذا إنما روى عن الابن وليس عن الأب كما سبق .
وعلى كل حال ؛ فهما مجهولان لا يعرفان ، إلا بهذا الإسناد . ومن تراجم
الذهبي في («الميزان »:
(( محمد بن موسى الرواسي ، عن أبيه ، ومحمد بن أبي موسى ، عن القاسم
ابن مخيمرة - مجهولان» .
فقال الحافظ في ((اللسان)) (٥ / ٣٩٩) :
((وفي (( ثقات ابن حبان)): ( محمد بن موسى بن الحارث ) عن أبيه ، وعنه
( عاصم بن سويد الأنصاري ). فيحتمل أن يكون الأول)).
والحديث أخرجه البيهقي في ((شعب الإيمان)) (٣ / ٢٦٥ - ٢٦٦ / ٣٥٠٠)
من طريق الحجبي - وهو : عبد الله بن عبد الوهاب -: نا عاصم بن سويد بن زيد
١٠١١

ابن جارية الأنصاري به بتمامه ؛ إلا أنه وقع في إسناده تحريف كثير، وكذا في
متنه ، ولا فائدة تذكر من بيانه .
إذا عرفت ما تقدم من البيان والتحقيق ؛ فمن الجناية على هذا العلم الشريف ،
والتعالي على العارفين به ، والتشبع بما لم يعط ما صنعه الأخ حسين الداراني في
طبعته لكتاب ((موارد الظمآن))؛ فإنه قلب اسم الابن والأب في إسناد الحديث
فجعله هكذا: ( موسى بن محمد بن الحارث ) ، ثم قال (٢ / ٣٠٦):
(( لقد انقلب هذا الاسم في النسختين ( يعني: من الموارد )، وفي ((صحيح
ابن خزيمة)) وفي ((المستدرك)) فجاء: ((محمد بن موسى)). والصواب ما أثبتناه
وهو: موسى ابن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي . ( كذا ). وجاز هذا القلب
على الحافظ ابن خزيمة - وعلى تلميذه ابن حبان أيضاً - فقال: ((فإني لا أقف على
سماع موسى بن الحارث في جابر بن عبد الله )) . وعلى الحافظ الذهبي إذ قال :
((عاصم - إمام مسجد قباء -: خرج له النسائي؛ ولكن من شيخه؟!)).
ولم يتنبه لذلك أيضاً الأستاذ الشيخ محمد ناصر الدين الألباني ؛ فقد نقل
عنه الدكتور مصطفى الأعظمي قوله : ((عاصم بن سويد فيه جهالة ، ومحمد بن
موسى بن الحارث التيمي [وأبوه ](١): لم أعرفهما)). وانظر التعليق التالي)).
قلت : لم يذكر فيه ما يناسب المقام سوى ضعف ( موسى بن محمد ) وباقي
رجاله ثقات .
(١) هذه الزيادة من نسختي من ((صحيح ابن خزيمة)) الظاهر أنها سقطت من الطابع وقوله:
« نقل عنه الدكتور ... )) غير دقيق ، وتعمية للمصدر أخشى أن يكون مقصوداً، وهو على كل حال من
أخطائه أو عجمته ؛ لأنه من تعليقي على ((الصحيح ))، بطلب من الدكتور، والداراني يعلم ذلك من
المقدمة ( ص ٦) فمن شاء ؛ راجع ؛ ليتبين ما تفعل المعاصرة ، نسأل الله السلامة.
١٠١٢

وجواباً عليه أقول :
كنت أتمنى - والله - أن يكون الأخ الداراني قد تنبه لشيء غفل عنه أولئك
الحفاظ الذين سماهم وغيرهم ممن لم يذكر كالحافظ البيهقي والعسقلاني لتعقبه
عليه انطلاقاً من الحكمة القائلة ( كم ترك الأول للآخر ) ، ولكن هيهات لمثله أن
يمكنه ذلك ، وهو في هذا العلم لا يزال قزماً كما تدل على ذلك كثرة أخطائه
وأوهامه التي تيسر لي بيان الكثير منها ، وما لنا نذهب بعيداً، وهذا هو المثال بين
أيدينا! لقد غَفَّل كل أولئك الحفاظ ، واستصوب تغيير إسناد ما رووا ، بمجرد
الدعوى التي لا يعجز عنها أجهل الناس ؛ بل إنه خالف أدباً من آداب رواية
الحديث التي نصوا عليها في ( النوع السادس والعشرون في صفة رواية الحديث )
من ((علم المصطلح))، وهو: أن الواجب المحافظة على الأصل مع بيان التصحيح
بحاشية الكتاب ، إلا إذا كان الخطأ واضحاً ليس هناك شبهة في أنه خطأ))(١).
قلت: وكيف يمكن أن يتصور العقلاء وضوح خطأ ما ادعاه هذا الرجل على
أولئك الحفاظ وهو لم يدل على ذلك بشبه دليل ، الأمر الذي يقول الشاعر:
والدعاوى ما لم تقيموا عليها بينات أبناؤها أدعياء
نعم ، إني لأظن أن الذي حمله على ذلك هو إعجابه برأيه ، وغروره بنفسه ،
وتخيله ما رآه في ترجمة ( عاصم بن سويد ) أنه روى عن ( موسى بن محمد)،
وهذا من ضيق عطنه ، وقلة معرفته بهذا الفن ، فقد يروي الراوي عن جمع من
شيوخه متفقين في الاسم واسم الأب، وفي ذلك ألّف الخطيب كتابه (( المتفق
:
(١) انظر ((الباعث الحثيث شرح اختصار الحدیث)) للشيخ أحمد شاكر رحمه الله تعالى (ص
١٦٤ / صبيح وأولاده ) .
١٠١٣

والمفترق)»، وفيه أقسام، وزاد عليه الحافظ ابن الصلاح في (( النوع الرابع والخمسون))
من ((مقدمته)) أنواعاً أخرى ، وضرب لها بعض الأمثلة منها القسم الثاني ، وفيه
اثنان كلاهما في عصر واحد ، وكلاهما يروي عنه الحاكم ! وأغرب منه ما ذكره عن
شعبة أنه روى عن سبعة كلهم أبو حمزة ، فراجعه ؛ إن شئت مع شرح الحافظ
العراقي عليه ( ص ٣٥٨، ٣٦٤ - حلب) .
وختاماً أقول :
لقد جهل الرجل هذه الحقيقة العلمية ، واغتر بما عنده من نتف من العلم ،
فظن جهله علماً ، فوقع في الغفلة التي رمى بها غيره ، ولو أنه كان على سلامة من
الغرور وحب الظهور؛ لتحفظ في حكمه على الأقل ، ولم يتعرض لغيره بذكر ،
ولقال : أرى كذا، أو يحتمل عندي كذا وكذا ، ولم يحرف الإسناد . ولكن صدق
من قال :
ومهما تكن عند امرئ من خليقة وإن خالها تخفى على الناس تعلم
والله المستعان ، ولا حول ولا قوة إلا بالله .
٦٩٣٥ - ( يا عائشةُ! إذا طبخْت قدْراً؛ فَأَكثرُوا فيها من الدُّبَّاءِ ، فإنَّه
يشدُّ قُلْبَ الحزِينِ ).
ضعيف . رواه أبو بكر الشافعي في (( الفوائد)) (٩٩ / ١) حدثنا محمد بن
إبراهيم الأنماطي(١) : نا صالح بن علي النوفلي : ثنا عبد الله بن محمد بن قدامة :
نا ابن المبارك عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة مرفوعاً . حدثني ابن ياسين :
(١) بغدادي من الحفاظ، جرح، وفي ((تاريخ بغداد)) (١ / ٣٨٨) أنه من كبار أصحاب يحيى
ابن معين وحفاظ الحديث .
١٠١٤

حدثني عبد الرحمن بن واقد أبو مسلم الواقدي (١) : نا يحيى بن عقبة عن هشام
ابن عروة وقال ابن ياسين : حدثني جعفر بن محمد الخباز: نا عمار بن نصر أبو
ياسر: نا بقية بن الوليد عن يعقوب بن يوسف بن صدقة عن هشام بن عروة
جميعاً قالا : عن أبيه عن عائشة مرفوعاً . وهذا اللفظ للواقدي .
قلت : ( عبد الله بن محمد بن قدامة ) کذا وقع في الأصل ، وقوله : ( ابن
قدامة ) : غريب ، ولعله وجه في نسبه ؛ فقد قيل فيه غير ذلك ، وهو: عبد الله بن
محمد بن علي بن نفيل أبو جعفر ، النفيلي الحراني ، وهو ثقة من شيوخ أبي داود ،
وأكثر عنه، وهو مترجم في (( الإكمال )) ، مرموزاً له بأنه روى عنه البخاري
والأربعة ، لكنه حينما سرد أسماء الرواة عنه؛ لم يذكر فيهم الإمام البخاري ، وذكر
فيهم ( صالح بن علي النوفلي ) المذكور هنا ، وبروايته عنه ، وبرواية هذا عن الإمام
( ابن المبارك ) .
وأما ( عبد الله بن محمد بن قدامة ) : فلم أعثر له على ترجمة فيما لدي من
المصادر .
وقال الحافظ العراقي في ((تخريج الإحياء)) (٢ / ٣٧١):
((رويناه في ((فوائد)) أبي بكر الشافعي من حديثها، ولا يصح)).
وسقط من طبعة ( دار المعرفة - بيروت) قوله: ((من حديثها ولا يصح))،
والاستدراك من (( شرح الإحياء)).
وله طريق أخرى عند الشافعي - كما ترى - من رواية ( يحيى بن عقبة ) -
وهو: ( ابن أبي العيزار ) -: قال أبو حاتم :
(١) صدوق يغلط. ((تقريب)).
١٠١٥

((يفتعل الحديث ، وهو مما لا يفرح بحديثه)).
وعلى ذلك ؛ فقد بقي الحديث على الضعف الذي صرح به الحافظ العراقي .
أملى هذا التخريج المؤلف على ابنته ( أم عبد الله ) في ١٧ رمضان ١٤١٨ هـ
في مرضه الشديد الذي يرجو الله تبارك وتعالى أن يعافيه معافاة تامة ، ويعود إلى
أحسن ما كان عليه من نشاطه العلمي السابق ، فإن وجد في هذا الإملاء خطأ
علمي ؛ فلا غرابة في ذلك ، فالأمر كما قال عليه السلام: ((كل بني آدم خطاء ... ))،
فكيف والمملي في مرضه الشديد ، والله عز وجل يقول: ﴿ ليس على الأعمى
حرج ولا على الأعرج حرج ولا على المريض حرج ... ﴾.
٦٩٣٦ - ( ما أَلهاكَ عنْ ذِكْرِ اللهِ تعالى ؛ فهو مَيْسِر ).
باطل لا أصل له . حتى ولا في الأحاديث الموضوعة ، وهو من الأحاديث
الكثيرة التي سوّد بها الشيخ عبد الغني بن إسماعيل النابلسي الصوفي دون أن
يعزوها إلى مصدر من كتب السنة - ، ولو كانت تروي ما هب ودب من الأحاديث
الموضوعة والمنكرة -؛يؤيد بها في كتابه «إيضاح الدلالات في سماع الآلات))
إباحة سماع آلات الطرب مهما تعددت أنواعها واختلفت أصواتها ؛ إذا كانت النية
طيبة ! وقد كرر ذلك في غير ما موضع من كتابه المذكور ، ومن أجمعها قوله ( ص
١٣٠ إلى ص ١٣٣) :
(( أما حكم الله تعالى في هذه المسألة - التي هي مسألة سماع الآلات المطربات
بالنغمات الطيبات - مطلقاً على مقتضى ما قدمناه من الأقسام ، فإن اقترنت هذه
الآلات ، وهذا السماع المذكور بأنواعه بالخمر أو الزنى أو اللواط أو دواعي ذلك - من
المس بشهوة والتقبيل أو النظر بشهوة لغير الزوجة والأمة ، أو لم يكن شيء من ذلك
١٠١٦

في المجلس ؛ بل كان في المقصد والنية الشهوات المحرمة ، بأن تصور في نفسه شيئاً
من ذلك واستحسن أن يكون موجوداً في المجلس -؛ فهذا السماع حرام حينئذٍ على
كل من سمعه بعينه بحقه هو في نفسه باعتبار قصده هو ونيته ؛ لأنه داع في حقه
إلى الوقوع)). ثم قال :
(( هذا مقدار ما يحرم من سماع الآلات المطربة والنغمات الطيبة ؛ لما يترتب
على ذلك من الوقوع في المخرمات العينية ، لا لعين ذلك السماع في نفسه .
وأما المباح في ذلك فهو إذا كان المجلس خالياً من الخمر والزنى واللواط ، والمس
بشهوة ، والتقبيل والنظر بشهوة لغير الزوجة والأمة ، وكان لذلك السامع قصد حسن
ونية صالحة وباطن نظيف طاهر من الهجوم على الشهوات المحرمة - كشهوة الزنى أو
اللواط أو شرب الخمر أو شيء من المسكرات أو المخدرات -، وكان قادراً على ضبط
قلبه وحفظ خاطره ، من أن يخطر فيه شيء مما حرمه الله عليه ، وإذا خطر؛ يقدر
على دفعه من قلبه ، وغسل خاطره منه في الحال ، ولا يضره تكرر وقوع ذلك في
القلب بعد أن يكون مراقباً للامتناع من قبوله ؛ فإنه يجوزله أن يسمع هذا السماع
المذكور حينئذ بأنواعه كلها ، ولا يحرم عليه شيء من ذلك ، ولا يكره له ما دام
موصوفاً بما ذكرناه؛ لأنه طاهر نظيف حينئذٍ في ظاهره وباطنه ، فلا يوقعه السماع
المذكور في شيء مما نهى الله تعالى عنه ؛ فهو مباح له ، وإن لم يكن من أهل المعرفة
بالله تعالی وبتجلیاته ، بأن کان عامیاً جاهلاً غافلاً ، أو كان عالماً محجوباً بعلمه عن
شهود معلومه .
وأما إذا كان من أهل المعرفة والشهود - فلا تخلو الأرض منهم في كل زمان
ومكان إلى يوم القيامة ، وإن أنكرته أهل الغفلة ؛ لا نطماس البصائر وفقد اليقين -؛
من القلوب - فیصیر السماع المذکور حينئذٍ في حقه مستحباً ، مندوباً إلیه یئاب
١٠١٧

عليه ؛ لاستفادته منه الحقائق الإلهية ، والمعارف الربانية ، وفهمه به للمعاني
التوحيدية ، والإشارات الربانية)).
قلت : وهو شديد التحريف لنصوص الكتاب والسنة وأقوال السلف ، والفقهاء
القائلين بتحريم آلات الطرب ؛ دون التفصيل الذي ذهب إليه ، وهو فيه مقلد للشيخ
محمد الغزالي ، وقد رد عليه العلماء رداً قضوا على هذه الضلالة ، كما تراه مبسوطاً
في كتابي المسمى بـ ((تحريم آلات الطرب)) أو ((الرد بالوحيين وأقوال أئمتنا على
ابن حزم ومقلديه المبيحين للمعازف والغنا وعلى الصوفيين الذين اتخذوه قربة وديناً »
( ص ١٥٨ - ١٧٨).
ولقد اغتر بهذه الرسالة - وما فيها من تحريف النصوص - كثير من مشايخ
الطرق وغيرهم ؛ الذين يضربون على الدفوف ، وربما على الناي في حلقات ذكرهم ؛
بل لقد كان منهم الشيخ محمد الغزالي المعاصر الذي توفي قريباً؛ فإنه كان يستمع
لأغاني (أم كلثوم ) و(فيروز)، لكن بنية حسنة ــ كما بينت ذلك في كتابي
المذکور ( ص ١٧٧ - ١٧٨ ) _!
ومثله ذلك الطالب الذي كنت ذكرت قصته في المصدر المذكور آنفاً ( ص
١٧٦ - ١٧٧) وخلاصتها أنه كان يستمع إلى أغاني ( أم كلثوم) وهو يسبح الله
تعالى! (زعم ) ، فلما أنكرت عليه جمعه بين التسبيح المشروع والاستماع للغناء
الممنوع عند الفقهاء ؛ أجاب بأنه :
(( يتذكر غناء الحور العين)) !
ولقد ساءني جداً أن أَحدَ من اشتهر في هذه الأيام أنه من خطباء السلفيين
في دمشق - وهو المدعو: ( أحمد راتب حموش ) - قام بتحقيق كتاب النابلسي
١٠١٨

هذا ، وليس فيه شيء من التحقيق سوى النقل ؛ بل مر على كل تحريفات المؤلف
ودعاويه الباطلة، وتحقيره للفقهاء المخالفين لهواه، فيكثر من وصفهم بـ ((الفقهاء
الجهلة))؛ في الوقت الذي كتم النقول الصحيحة عن الأئمة في تحريم آلات الطرب
إلا الدف ،ــ كما تراه مفصلاً في كتابي المشار إليه آنفاً -، فقال ( حموش ) في آخر
مقدمته لكتاب النابلسي ( ص ١٢ ) :
(( وسواء اتفقنا مع المؤلف في الرأي أم خالفناه ؛ فإن في عرضه الوافي للحجج
والأدلة والبراهين ما ينير لنا السبيل ، ويجعل كلاً منا يعتمد رأياً يعتقده ، ويميز فيه
بين الغث والسمين )» !
وهذا كلام هش .. إنما هو غثاء كغثاء السيل ، لا غَناء فيه ؛ فمن الذي يستطيع
أن يميز بين الحجج الواهية والأدلة القوية ليتبين بها السبيل ، ولا أعتقد أن سلفياً
- مهما كانت سويته العلمية منحطة - يسمح لنفسه أن يميع الحق الجلي الواضح
بمثل هذه العبارة ، وظني أن كاتبها إنما علق على هذا الكتاب قبل أن يتعرف على
الدعوة السلفية ، وإلا؛ كيف يقبل هذا الكاتب من المؤلف تحقيره للفقهاء - كما
سبقت الإشارة إليه ؟! وفيهم إبراهيم بن محمد الحنفي المتوفي سنة ٩٥٦ هـ، وهو
من كبار محققي علماء الحنفية ، ومن كتبه ((الرهص والوقص لمستحل الرقص))،
ولا بد أن الشيخ النابلسي الحنفي (!) كان قد وقف على هذا الكتاب ؛لأنه كان
متقدماً على النابلسي بأكثر من قرن - كما يتبين ذلك من تاريخ وفاتيههما -،
و((الرهص)) هذا في الحقيقة من أحسن ما ألف في الرد على هؤلاء الصوفية
الأَكلة الرِّقَصَة من عالم فاضل مشهور بمؤلفاته ، ومنها كتابه (( منية المصلي)) وهو من
أحسن كتب الحنفية المختصرة ؛ لأنه يذكر فيه أدلة المسائل من الكتاب والسنة ، فهو
في هذا مثل ((منار السبيل)) في كتب الحنابلة الذي كنت خرجت أحاديثه قديماً
١٠١٩

في كتابي المشهور ((إرواء الغليل)).
أمليته على ابني ( عبد المصور) - وهذا خطه - ضحوة يوم السبت السابع من
ذي الحجة سنة ألف وأربع مئة وثمانية عشرة ، وأنا لا أزال شاكياً من مرضي الذي
كان قد ابتلاني الله به في شهر رمضان المبارك ، وإن كنت أشعر بأني أحسن حالاً
من ذي قبل ، وأرجو من الله المزيد من الصحة والعافية ، إنه خير مسؤول .
٦٩٣٧ - ( دَخَلَ عمرُ رضي الله تعالى عنه علَى النَّبيِّ :﴿ وعندَه
جَوارٍ يَضربْنَ بالدُّفوفِ ، فَأَسكتهنّ لدخوله قائلاً: هو لا يحبُّ الباطل ).
باطل لا أصل له . هذا من الأحاديث المنكرة التي ذكرها الشيخ النابلسي في
كتابه السابق الذكر مقلِّداً فيه لغيره من شيوخ الصوفية ؛ مستدلاً به على إباحة
آلات الطرب على اختلاف ألوانها؛ - كما تقدم بيانه -. انظر ((إيضاح الدلالات))
( ص ٥٦ ) .
وإنما روي مدحه عليه السلام المذكور لعمر في قصة أخرى ؛ حينما أنشد
الأسود بن سريع النبيَّ صلى الله عليه وآله وسلم شيئاً من الشعر ، ودخل عليه
عمر؛ فقال النبي ټ﴾﴾ للأسود :
((اسكُتْ))، فعل ذلك ثلاث مرات . فقال الأسود : مَن هذا الذي سكَّتني له ؟
قال :
((هذا رجل لا يحب الباطل ؛ هذا عمر بن الخطاب)).
رواه جمع بإسنادين عن الأسود بن سريع يقوّي أحدهما الآخر ، وهو مخرّج في
((الصحيحة)) ( ٣١٧٩).
١٠٢٠