النص المفهرس

صفحات 161-180

فالعمدة على رواية الثوري المتقدمة . ولا سيما وقد تابعه أسباط - وهو : ابن نصر
الهمداني -؛ وهو صدوق كثير الخطأ من رجال مسلم ؛ فيستشهد به ، ولكني لم
أجد الآن من أسنده عنه ، ومهما يكن من أمر ؛ فما قاله ابن كثير: إن الوقف
أشبه. هو المختار، وقد أشار إلى ذلك الحافظ في ((الفتح)) (١١ / ٣٢٨).
وأما قول ابن كثير في الإسناد المرفوع :
(( إنه على شرط البخاري )»!
فهو خطأ ؛ لعله سبق قلم منه ؛ وإن سكت علیه الشيخ أحمد شاكر رحمه الله
(٦ / ٦٥ -٦٦)، والصواب أنه على شرط مسلم - كما قال الحاكم - لولا الوقف؛
فإن: ( السدي) - وهو: الكبير، واسمه: إسماعيل بن عبد الرحمن -؛ لم يخرج له
البخاري، على أنه قد ضعف ، وأورده الذهبي في ((المتكلم فيهم بما لا يوجب الرد))،
وقال ( ٦٩ / ٣٦):
((روى له مسلم متابعة، وثقه بعضهم، وقال أبو حاتم: لا يحتج به(١) ، وقال أبو
زرعة: لين)). وقال الحافظ في (( التقريب)):
« صدوق یهم )) .
إذا عرفت ما سلف ؛ فقد تعقب الشيخ أحمد كلام ابن كثير المتقدم بقوله :
(( وهذا تحكّم من شعبة ثم من ابن كثير ، وكلمة يزيد بن هارون التي رواها ابن
أبي حاتم كلمة حكيمة ، وإشارة دقيقة ؛ یرید أن شعبة قد حکی رفعه عن شيخه ،
فهو قد رفعه رواية ؛ وإن وقفه رأياً ، والرفع زيادة من ثقة ؛ فتقبل ، ونحن نأخذ عن
(١) الأصل: ((بقوله))، والتصحيح من ((الجرح والتعديل)) (١٨٥/١/١)، و((المغني)).
١٦١

الراوي روايته ، ولا نتقيد برأيه ، وأما أن غير شعبة رواه موقوفاً؛ فلا يكون علة
للمرفوع ، والرفع زيادة ثقة ؛ كما قلنا )).
قلت: وهذا كلام وجيه من عالم نحرير؛ إلا أن قوله: (( والرفع زيادة من ثقة
فتقبل)) ليس على إطلاقه عند الحفاظ النقاد - كما هو محقق في علم المصطلح -؛
وإن كان الشيخ رحمه الله مال في تعليقه على (( اختصار علوم الحديث)) لابن كثير
( ص ٦٧ - ٦٨ ) أنها مقبولة على الإطلاق ، ولا يخفى على المحققين في هذا العلم
الشريف ما في ذلك من تعطيل نوع هام من علوم الحديث ، وهو ( الحديث الشاذ )
الذي ذكروا في تعريفه قول الإمام الشافعي :
« هو أن يروي الثقة حدیثاً يخالف ما روی الناس ، وليس من ذلك أن يروي ما
لم يروه غيره » .
وعلى هذا قامت كتب ( العلل ) مثل : كتاب ابن أبي حاتم ، وكتاب الدارقطني
وغيرهما من الحفاظ ؛ فكم من أحاديث رواها الثقات أعلوها بمخالفتهم لمن هو أحفظ
أو أوثق أو أكثر عدداً ! وهذا مما لا مناص منه لكل باحث عارف نقاد ، وكأن الشيخ
رحمه الله شعر بهذا في نهاية تعليقه المشار إليه ؛ فختمه بقوله :
(( نعم؛ قد يتبين للناظر المحقق من الأدلة والقرائن القوية أن الزيادة التي زادها
الراوي الثقة زيادة شاذة ؛ أخطأ فيها ، فهذا له حكمه ، وهو من النادر الذي لا تبنى
عليه القواعد )» !
قلت : ولذلك ؛ فإني أقول :
إن زيادة الرفع هنا شاذة غير مقبولة ؛ للأسباب التالية :
١٦٢

الأول : أن شعبة الذي روى الرفع عن شيخه ( السدي ) ، لو أنه شك صراحة
في الرفع ؛ لكان ذلك من دواعي التوقف في قبول الرفع ، فكيف وهو يقول: (( وأنا
لا أرفعه))؟! فينبغي على الباحث المحقق أن يقف قليلاً، ويتساءل عن السبب
الذي حمل شعبة عليه ؛ فإن مما لا يشك فيه عارف بفضل شعبة وإمامته في هذا
العلم أنه ما كان ليقول ذلك ؛ لولا أنه بدا له شيء من الشك في رفع شيخه
للحديث؛ فأوقفه هو من عنده؛ خشية أن يقول على رسول الله ثم﴿ه ما لم يقل ،
ولعل من ذلك الضعف الذي في شيخه - كما سبق الإشارة إليه -.
الثاني : لو أن شعبة لم يوقفه ، وروى الحديث عن شيخه مرفوعاً على الجادة ،
ثم خالفه سفيان الثوري فأوقفه - كما تقدم -؛ لكان الوقف هو الراجح ؛ لأن سفيان
أحفظ من شعبة اتفاقاً ، وباعتراف شعبة نفسه ، فكيف وقد أوقفه أسباط بن نصر
أيضاً ؟ فكيف وقد جزم به شعبة ؟!
الثالث : مخالفة الرفع لعموم الأحاديث القاطعة بأنه لا مؤاخذة على الهم
٤: (( إن الله تجاوز
بالسيئة ؛ وإنما على العمل بها ، وهي كثيرة معروفة ؛ منها قوله
عن أمتي ما حدثت به أنفسها ، ما لم تتكلم أو تعمل به )) .
متفق عليه، وهو مخرج في ((الإرواء)) (٢٠٦٢).
ولذلك اختار الإمام الطبري في تفسير الآية أن المراد بها المعصية ؛ فقال بعد أن
ساق الأقوال في تفسيرها ، ومنها حديث ابن مسعود مرفوعاً وموقوفاً :
((فتأويل الكلام : ومن يرد في المسجد الحرام بأن يميل بظلم ، فيعصي الله فيه ؛
نذقه يوم القيامة من عذاب موجع له )» .
فقوله: ((فيعصي الله فيه)) .. فيه إشارة قوية إلى عدم اعتداده بالمرفوع من
١٦٣

الحديث ؛ فهو موافق لتصريح ابن كثير المتقدم بأن وقفه أشبه . وهذا هو الذي بدا
لي في هذا التخريج . والله ولي التوفيق ، وهو الهادي إلى أقوم طريق .
٦٥٧٢ - ( لَوددتُ أنّها في قَلْبِ كلِّ إنسانٍ من أمّتي . يعني: ﴿ يس﴾،
وفي رواية : ﴿ تبارك الذي بيده الملك ﴾ ) .
ضعيف . أخرجه البزار (٢ / ٨٧ / ٢٣٠٥): حدثنا سلمة بن شبيب : ثنا
إبراهيم بن الحكم بن أبان عن أبيه عن عكرمة عن ابن عباس قال : قال
النبي : :... فذكره بالرواية الأولى .
وأخرجه الطبراني في ((المعجم الكبير)) (١١ / ٢٤١ / ١١٦١٦): حدثنا
محمد بن الحسين بن عجلان : ثنا سلمة بن شبيب بالرواية الأخرى .
وقال البزار :
(( لا نعلمه يروى إلا عن ابن عباس بهذا الإسناد ، و ( إبراهيم ) لم يتابع على
أحاديثه ، على أنه قد حدث عنه أهل العلم )) .
قلت: قال الذهبي في (( المغني)) :
(( تركوه ، وقلَّ مَنْ مشّاه على ضعفه » .
قلت : وقد توبع من مثله ؛ فقال حفص بن عمر العدني : حدثني الحكم بن
أبان بالرواية الثانية .
أخرجه الحاكم ( ١ / ٥٦٥)، وقال :
((إسناد صحيح ))! ورده الذهبي بقوله :
١٦٤

(( قلت : حفص واه )) .
والحديث أورده السيوطي في ((الدر)) (٥ / ٢٥٦) من رواية البزار بالرواية
الأولى و(٦ / ٢٤٦) من رواية عبد بن حميد في ((مسنده)) والطبراني والحاكم
وابن مردويه بالرواية الأخرى .
ولم يذكر منهما ابن كثير إلا هذه . وقال (٣ / ٣٩٥):
(( هذا حديث غريب ، وإبراهيم ضعيف)).
وكذلك فعل الهيثمي في ((المجمع)) خلافاً لقاعدته؛ فقال ( ٧ / ١٢٧):
((رواه الطبراني، وفيه إبراهيم بن الحكم بن أبان وهو ضعيف)).
فلم يتعرض لذكر رواية البزار ألبتة ، لا هنا ، ولا في تفسير سورة ( يس﴾!
فقد فاتته ؛ ولذلك لم يعلق الشيخ حبيب الأعظمي على ((كشف الأستار))
بشيء؛ لأنه لم يجد كلام الهيثمي عليه لينقله ، وذلك مبلغ تحقيقه المزعوم !
وقد يلاحظ القراء معي أن البزار تفرد بذكر سورة ( يس ﴾ مكان سورة
﴿ تبارك﴾؛ دون سائر الحفاظ الذين خرجوه ، فأخشى أن يكون ذلك من أوهامه
التي أشاروا إليها في ترجمته ، ومن أولئك الحفاظ عبد بن حميد - كما تقدم في
تخريج السيوطي -، فقال ابن حميد في ((مسنده)) (١ / ٥٢٥ / ٦٠١): حدثنا
إبراهیم ابن الحكم به ، وزاد في أوله :
أن ابن عباس قال لرجل : ألا أطرفك بحديث تفرح به؟ قال الرجل : بلى يا
ابن عباس ! رحمك الله ، قال :
اقرأ: ﴿تبارك الذي بيده الملك﴾، واحفظها، وعلمها أهلك وجميع ولدك،
١٦٥

وصبيان بنيك ، وجيرانك ؛ فإنها المنجية ، وهي المجادلة التي تجادل وتخاصم يوم
القيامة عند ربها لقارئها ، وتطلب له إلى ربها أن ينجيه من النار إذ كانت في
جوفه، وينجي الله بها صاحبها من عذاب القبر. قال إبراهيم: قال أبي ... (فذكر
الحديث ) .
ولاحظوا أيضاً أن مدار رواية البزار على شيخه ( سلمة بن شبيب ) - وهو ثقة
من شيوخ مسلم -، وتابعه عنه شيخ الطبراني ( محمد بن الحسين بن عجلان )؛
لكن خالفه في تسمية السورة - كما رأيت ، وهو ثقة أيضاً؛ كما قال الخطيب في
ترجمته في (( التاريخ)) (٢ / ٢٢٧) -، فروايته أرجح؛ لموافقتها لرواية الآخرين .
و(عجلان) ... جده الأعلى؛ فإنه: ( محمد بن الحسين بن إبراهيم بن زياد
ابن عجلان أبو شيخ الأصبهاني ) ، هكذا ساق نسبه الخطيب ، وكذا أبو نعيم في
(«أخبار أصبهان)) (٢ / ٢٢٧)، وذكرا أن وفاته كانت سنة ( ست وثمانين
ومئتين)، ووقعت في كتاب ((شيوخ الطبراني)) للشيخ الفاضل صاحبنا حماد
الأنصاري (٢٧٧ / ٥٣٨) سنة (٢٧٦) هكذا بالرقم .. فيصحح، كما فاته توثيق
الخطيب .. فيستدرك ؛ لأنه مهم .
٦٥٧٣ - (كان سليمانُ نبيُّ الله إذا صلّى؛ رأى شجرةٌ نابتةً بين
يديه ، فيقولُ لها : ما اسمُك؟ فتقولُ: كذا - فيقولُ: لأي شيءٍ أنتِ؟ فإن
كانتْ تُغرسُ ؛ غُرِسَتْ ، وإن كانت لِدواءٍ ؛ كُتبتْ .
فبينما هو يصلِّي ذات يوم ؛ إذْ رأى شجرةً بين يديه ، فقال لها : ما
اسمُك؟ قالت: ( الخرنوب ) ، قَال: لأي شيءٍ أنتِ؟ قالت : لخرابِ هذا
البيتِ . فقال سليمانُ: اللهمَ ! عَمِّ على الجنّ موتي، حتّى يعلمَ الإنسُ
١٦٦

أنّ الجنّ لا يعلمونَ الغيب. فنَحَتَها عصاً، فتوكأَ عليها حَوْلاً مَيْتاً ، والجنُّ
تعملُ ، فأكلتها الأرَضَةُ؛ فسقَطَ ، ( فَتبينت الأنسُ أنّ الجنّ لو كان
يعلمون الغيبَ ما لبثُوا حَولاً في العذابِ المهينِ ). وكان ابن عباس
يقرأها كذلك . قال : فشكرت الجنّ للأرضة؛ فكانتْ تأتيها بالماء ).
ضعيف. أخرجه ابن جرير الطبري في (( التفسير)) (٢٢ / ٥١) والحاكم (٤/
١٩٧ و٤٠٢)، والبزار (٣ /١٠٦ / ٢٣٥٥)، والطبراني في ((المعجم الكبير)) (١١ /
٤٥١ - ٤٥٢) من طريق إبراهيم بن طهمان عن عطاء بن السائب عن سعيد بن
جبير عن ابن عباس عن النبي ◌َ ه قال :... فذكره . وقال الحاكم في الموضعين :
((صحيح الإسناد )) . ووافقه الذهبي .
وأما ابن كثير فقال في (( التفسير)) (٣ / ٥٢٩) :
(( حديث مرفوع غريب ، وفي صحته نظر)) .
قلت : وعلته : ( عطاء بن السائب ) ؛ فإنه كان اختلط ، وإبراهيم بن طهمان
لم يذكر في جملة الذين سمعوا منه قبل الاختلاط . ثم قال ابن كثير:
(( وهكذا رواه ابن أبي حاتم من حديث إبراهيم بن طهمان به . ورفْعُه فيه غرابة
ونكارة ، والأقرب أن يكون موقوفاً ، وعطاء بن أبي مسلم الخراساني ( كذا؛ ولعله
سبق قلم ، أو خطأ من الناسخ ) ؛ له غرابات ، وفي بعض حديثه نكارة )).
قلت : والوقف الذي استغربه ابن كثير هو الصحيح عن ابن عباس ؛ فقد جاء
عن ثقتين آخرين عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عنه .
أحدهما : جرير - وهو : ابن عبد الحميد - عنه مختصراً ، وليس فيه قراءة ابن
١٦٧

عباس للآية .
أخرجه الحاكم (٢ / ٤٢٣)، وقال :
((صحيح الإسناد )) . ووافقه الذهبي . وهو كما قالا ؛ إن كان جرير سمعه منه
قبل الاختلاط .
والآخر : سفيان بن عيينة عن عطاء به .
أخرجه البزار (٢٣٥٦) : حدثنا أحمد بن أبان : ثنا سفيان بن عيينة ...
قلت : وهذا إسناد صحيح ؛ فقد ذكروا في ترجمة ( عطاء ) أن ابن عيينة سمع
منه قبل الاختلاط وبعده ؛ ولكنه اتقاه في الاختلاط واعتزله ، ولذلك قال أحمد :
(( سماعه منه مقارب)).
وإن مما يرجح الوقف أن عطاء بن السائب قد تابعه على وقفه سلمة بن كهيل
عن سعيد بن جبير عن ابن عباس به ؛ دون الآية أيضاً .
أخرجه الحسين المروزي في زياداته على ((زهد ابن المبارك)) ( ص ٣٧٨ /
١٠٧٢ ) .
قلت : وإسناده جيد ، رجاله ثقات رجال مسلم ؛ غير عبد الجبار بن عباس
الهمداني ؛ وهو صدوق .
وكذلك رواه أسباط عن السدي - في خبر ذكره - عن أبي مالك وعن أبي
صالح عن ابن عباس، وعن مرة الهمداني عن ابن مسعود ، وعن أناس من
أصحاب رسول الله ﴿ قال : ... فذكره .
١٦٨

قلت : وأسباط - هو ابن نصر الهمداني ، وهو - ؛ صدوق كثير الخطأ ، یغرب
- كما في ((التقريب)) .. وحديثه ليس صريحاً في الرفع ؛ بل إن ظاهره الوقف .
والله سبحانه وتعالى أعلم .
ومع عدم ثبوت القراءة المذكورة في الحديث عن ابن عباس ، لا مرفوعاً ولا
موقوفاً ؛ فهي مع ذلك مخالفة لنصها المتواتر في المصحف : ﴿ فلما خَرَّ تبينت الجن
أن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين﴾. [ سبأ: ١٤].
ولذلك جزم بعض المحققين من علماء التفسير بشذوذها ؛ مثل : أبي حيان
التوحيدي (٧ / ٢٦٨ )، والآلوسي (٢٢ / ١٢٣ ) ، وابن کثیر - وقد سبق كلامه -،
وخالف الإمام القرطبي؛ فقال في ((تفسيره )) (١٤ / ٢٧٩) بصحتها !
وفي الختام : لا بد لي من التنبيه على خطأين اثنين :
أحدهما: أن ناسخ أو طابع (( كشف الأستار)) ساق الآية في حديث ابن
عباس بنصها الوارد في المصحف ؛ إلا في الكلمة الأولى منها: ( فتبينت)،
وصوابها : ﴿ فلما خَرَّ تبينت ﴾ وهذا خطأ ، وفي اعتقادي أن الذي حمله على
ذلك إنما هو ظنه أن الراوي أخطأ في تلاوتها ، فصححها دون أن يتنبه أنه أفسد
الحديث ؛ لأن هذا التصحيح لا يتناسب مع قوله في الحديث: (( وكان ابن عباس
يقرأها كذلك))؛ فقراءته حسب الرواية على وجه آخر غير ما في المصحف ، على
أن الذي في المصحف: ﴿ تبينت﴾ .. ليس: ( فتبينت) - كما ذكرت -، وغفل
عن ذلك محققه الشيخ حبيب الرحمن الأعظمي فقال :
((نظم القرآن في المصحف كما هنا )) !! ثم ساق الآية كما جاءت في الحديث
نقلاً عن ((الزوائد)) (٨ / ٢٠٨). ويعني: ((مجمع الزوائد ».
١٦٩

والخطأ الآخر: أن الشيخ الأعظمي علق على رواية إبراهيم بن طهمان المرفوعة
بقوله: (( أخرجه ابن المبارك ... عن ابن عباس مرفوعاً ( ص ٣٧٨)))!
وهذا خطأ ؛ فإنما أخرجه موقوفاً - كما سبق -.
ثم أكد الخطأ بتعليقه على رواية سفيان بن عيينة الموقوفة بقوله :
(( قال الهيثمي : رواه الطبراني والبزار بنحوه مرفوعاً وموقوفاً، وفيه عطاء ؛ قد
اختلط، وبقية رجالهما رجال الصحيح (٨ / ٢٠٧)، قلت : تابع عطاءً سلمةُ بنُ
كهيل عند ابن المبارك )» .
قلت : سلمة بن كهيل روايته موقوفة فقط -؛ كما تقدم ، وسبقت الإشارة إليه
آنفاً -، وتعقيب الشيخ على كلام الهيثمي يوهم أنه رواها مرفوعاً وموقوفاً ! فتأمل .
٦٥٧٤ - ( لما أوحيَ إليّ - أو: نبّئتُ، أو كلمةً نحوها -؛ جعلتُ لا أمرُّ
بحجر ولا شجَرِ إلاّ قالَ : السّلامُ عليكَ يا رسولَ الله! ).
منكر أوله . أخرجه البزار ( ٣ / ١٦٦ - ١٦٧ ): حدثنا عبد الله بن شبيب :
ثنا أيوب بن سليمان بن بلال : ثنا ابن أبي أويس - يعني : أبا بكر - عن سليمان
ابن بلال عن يحيى بن سعيد عن الزهري عن عروة عن عائشة قالت : قال رسول
الله :... فذكره .
قلت: وهذا إسناد ضعيف؛ قال الهيثمي في ((المجمع)) (٨ / ٢٦٠):
((رواه الطبراني عن شيخه عبد الله بن شبيب؛ وهو ضعيف)).
فأقول : لقد أخطأ فيه ( ابن شبيب ) هذا إسناداً ومتناً .
١٧٠

أما الإسناد: فقد رواه زيد بن الحَريش : ثنا يحيى بن سعيد عن شعبة عن
سماك بن حرب عن جابر بن سمرة مرفوعاً بلفظ :
((إني لأعرف حجراً كان يسلّم عليَّ قبل أن أُبعث)).
أخرجه الطبراني في ((المعجم الكبير)) (٢ / ٢٤٤ / ١٩٠٧)، و((الأوسط))
(٢٢٠٦ - بترقيمي)، و((الصغير)) (رقم ١٨٥ - الروض)، ومن طريقه أبو نعيم
في ((أخبار أصبهان)) (١ / ١٠٨) و((دلائل النبوة)) (ص ٣٤١) قال: ثنا أحمد
ابن محمد بن سعيد المعَيَّني الأصبهاني : ثنا زيد بن الحريش به . وقال الطبراني :
(( لم يروه عن شعبة إلا يحيى بن سعيد ، ولا رواه عن يحيى إلا زيد بن
الحريش، - زاد في (( الصغير)) : - ولا كتبناه إلا عن الُعيَّني)).
قلت : وهو ثقة - كما قال أبو نعيم - ، ومن فوقه ثقات رجال مسلم ؛ غير ( زيد
ابن الحريش ) ، وقد وثقه ابن حبان (٨ / ٢٥١) وقال :
((حدثنا عنه عبد الله بن أحمد بن موسى القاضي عبدان. ربما أخطأ)).
قلت : عبدان حافظ ثقة معروف ، وقد روی عنه ( المعیني ) هذا - كما ترى -،
كما روى عنه ( إبراهيم بن يوسف الهِسنجاني) - كما ذكر ابن أبي حاتم -، وإبراهيم
قال في ((السير)) (١٤ / ١١٦): [ الإمام الحافظ المجوِّد] ، فهؤلاء ثلاثة من الثقات
رووا عنه مع توثيق ابن حبان ؛ فلا التفات بعد ذلك إلى قول ابن القطان ، فيه :
« مجهول الحال )» - كما حكاه في (« اللسان » -؛ فالإسناد جيد.
وأما المتن: فقد صدَّره بقوله: (( لما أوحي إلي))، وإنما كان ذلك قبل الوحي؛
١٧١

كما في حديث ( ابن الحريش): ((قبل أن أبعث ))، وكذلك رواه إبراهيم بن
طهمان : ثني سماك بن حرب به .
رواه مسلم (٧ / ٥٨)، وابن حبان (٦٤٤٨) وغيرهما. وهو مخرج في «الروض
النضير)) من طريق يحيى بن أبي بكير: ثنا إبراهيم بن طهمان به .
ويحيى ثقة من رجال الشيخين ، وقد خالفه من هو دونه ثقة وحفظاً ؛ فقال أبو
حذيفة : ثنا إبراهيم بن طهمان به ؛ إلا أنه قال :
« حین بعثت )) !
أخرجه الطبراني ( ١٩٩٥).
وأبو حذيفة - واسمه : موسى بن مسعود النهدي -: قال الحافظ :
(«صدوق سيئ الحفظ ، وكان يصحف ، وحديثه عند البخاري متابعة)).
وله في « المغني )) ترجمة سيئة .
وخالف إبراهيم بن طهمان ضعيفان : سليمان بن معاذ ، وشريك .
أما الأول: فقال الطيالسي في ((مسنده)) (١٠٦ / ٧٨١): حدثنا سليمان
ابن معاذ عن سماك بلفظ :
((ليالي بعثت )) .
ومن طريق الطيالسي أخرجه الترمذي ( ٣٦٢٨)، وأحمد (٥ /١٠٥)،
والطبراني (٢٠٢٨)، وأبو نعيم (٣٤٠)، والبيهقي في ((الدلائل)) (٢ / ١٥٣)؛
کلهم عنه .
١٧٢

وسليمان بن معاذ - هو : ابن قرم -: قال الحافظ :
(«سيئ الحفظ)).
أما رواية شريك : فهي مثل رواية سليمان سنداً ومتناً .
أخرجها الطبراني ( ١٩٦١).
وشريك - هو: ابن عبد الله القاضي ، وهو - : معروف بسوء الحفظ ؛ ولذلك فلا
يحتج بحديث أمثاله ، وبخاصة عند مخالفة الثقات - كما هنا ..
٦٥٧٥ - ( اللهمّ! ائتني بأحبُّ خلْقكَ إليكَ؛ يأكل معي من هذا
الطّير. فجاء أبو بكر فردّه، وجاءَ عمرُ فردّه، وجاء عليٌّ فأذنَ له).
منكر. أخرجه النسائي في ((السنن الكبرى)) (٥ / ١٠٧ / ٨٣٩٨ -
الخصائص )، وابن الجوزي في ((العلل المتناهية)) (١ / ٢٢٦ / ٣٦٢) من طريق
مسهر بن عبد الملك عن عيسى بن عمر عن السدي عن أنس بن مالك :
كان عنده طائر ، فقال :... فذكره .
أن النبي
قلت : وهذا إسناد ضعيف ، رجاله ثقات ؛ غير ( مسهر بن عبد الملك ) ، وهو
مختلف فيه ، أورده الذهبي في (( المغني )) وقال :
((ليس بالقوي. قال البخاري: فيه بعض النظر)). وقال الحافظ في ((التقريب)):
((ليِّن الحديث)).
وبقول البخاري المذكور أعله ابن الجوزي . لكن له متابع ؛ فقال الترمذي
١٧٣

(٣٨٢٣) : حدثنا سفيان بن وكيع: أخبرنا عبيد الله بن موسى عن عيسى بن
عمر به ؛ دون ذكر أبي بكر وعمر ، وقال :
(( حديث حسن(١) غريب ، لا نعرفه من حديث السدي إلا من هذا الوجه)).
قلت: سفيان بن وكيع: قال الذهبي في ((المغني)):
(( ضعف . وقال أبو زرعة : کان یتهم بالكذب )) .
قلت : لكنه قد توبع ؛ فقد رواه ابن الجوزي ( ٣٦٣) بإسناده من طريق
الدارقطني : نا محمد بن مخلد : نا حاتم بن الليث قال : نا عبيد الله بن موسى
به .
وهذا إسناد رجاله كلهم ثقات؛ إلا ما في ( السدي ) من الخلاف - وهو
( السدي الكبير ) ، واسمه : إسماعيل بن عبد الرحمن -، وبه أعله ابن الجوزي
فقال :
((وهذا لا يصح؛ لأن إسماعيل السدي قد ضعفه عبد الرحمن بن مهدي
ويحيى بن معين )» .
وأقول - وبالله استعین - :
لعل إعلاله بـ ( عبيد الله بن موسى ) - وهو: ابن أبي المختار العبسي - أولى؛
وذلك لسببين اثنين :
أحدهما : أن ( عبيد الله ) - وإن كان ثقة ومن رجال الشيخين ؛ - ففيه كلام
كثير - كما تراه في (( التهذيب )) وغيره -، وكان له تخاليط ، ومنكرات ، مع غلو
في التشيع، قال ابن سعد في ((الطبقات)) (٦ / ٤٠٠):
(١) كذا في طبعة الدعاس ، ولم يثبت التحسين في طبعات أخرى.
١٧٤

((كان ثقة صدوقاً إن شاء الله ، كثير الحديث ، حسن الهيئة ، وكان يتشيع ،
ويروي أحاديث في التشيع منكرة ؛ فضعف بذلك عند كثير من الناس » . وفي
((التهذيب )) :
(( قال أبو الحسن الميموني : وذُكِرَ عنده - يعني: أحمد بن حنبل - ( عبيد الله
ابن موسی ) ؛ فرأیته کالمنکر له . قال :
(( كان صاحب تخليط ، وحدث بأحاديث سوء ، أخرج تلك البلايا فحدث بها)).
قيل له : فابن فضيل ؟ قال : لم يكن مثله ، كان أستر منه ، وأما هو فأخرج
تلك الأحاديث الردية )) .
قلت: ولعل هذا منها - فيما يشير الإمام -، وذكر له في ((العلل)) (١ / ٥٥٦ /
١٣٢٧ - تحقيق وصي الله ) حديثاً ، وعقب عليه بقوله :
((أراه دخل لـ ( عبيد الله بن موسى ) إسناد حديث في إسناد حديث)).
قلت : وحديث الترجمة من هذا القبيل في نقدي ؛ لما سأذكره قريباً .
والآخر - من السببين -: أن ( عبيد الله ) اضطرب في إسناد الحديث ؛ فمرة
رواه عن عيسى بن عمر عن إسماعيل السدي - كما تقدم - ومرة قال : ثنا
إسماعيل بن سلمان الأزرق عن أنس به مطولاً .
أخرجه البزار (٣ / ١٩٣ - ١٩٤ - كشف الأستار) : حدثنا أحمد بن عثمان
ابن حكيم: ثنا عبيد الله بن موسى به. وعلقه البخاري (١ /١ / ٣٥٨). وقال
البزار :
(( قد روي عن أنس من وجوه ، وكل من رواه عن أنس فليس بالقوي ،
١٧٥

وإسماعيل كوفي حدث عن أنس بحديثين )).
وقال الهيثمي في ((مجمع الزوائد)) (٩ / ١٢٦):
(( رواه البزار، وفيه إسماعيل بن سلمان وهو متروك)).
قلت : فأنا أخشى أن يكون قول ( عبيد الله بن موسى ) في الإسناد المتقدم:
(( إسماعيل السدي)) من تخاليطه التي أشار إليها الإمام أحمد .. جعله مكان :
( إسماعيل بن سلمان ) المتروك ؛ فإن إسناد البزار إليه بذلك صحيح، فالحديث إنما
هو حديث ابن سلمان هذا المتروك ، وليس حديث ( إسماعيل السدي ) الثقة ،
ولعل في قول البزار المتقدم :
((وكل من رواه عن أنس فليس بالقوي )) - إشارة إلى ذلك -. ومثله قول أبي
يعلى الخليلي في ((الإرشاد)) (١ / ٤٢٠):
(« حديث الطير، وضعه كذاب على مالك يقال له : ( صخر الحاجبي) من
أهل مرو ... وما روى حديث الطير ثقة، رواه الضعفاء ؛ مثل: ( إسماعيل بن
سلمان الأزرق) وأشباهه ، ويرده جميع أهل الحديث )).
قلت: وعلى رأسهم الإمام البخاري؛ فقد أورده في ((التاريخ)) (١ /٢/٢ -
٣) من طريق عثمان الطويل عن أنس به ؛ مثل رواية الترمذي ، وقال:
(( ولا يعرف لعثمان سماع من أنس ».
قلت : وفي الطريق إليه ( أحمد بن يزيد بن إبراهيم أبو الحسن الحراني )،
روى له البخاري متابعة ، وضعفه أبو حاتم .
ثم رواه من طريق عبد الملك بن أبي سليمان عن أنس بهذا . وقال :
١٧٦

((مرسل)) . يعني : منقطع بين عبد الملك وأنس .
قلت : ولعل هذا هو أصل الحديث : الانقطاع ؛ لا يدری الراوي له عن أنس ،
ثم سرقه بعض الوضاعين - من الشيعة والضعفاء والمجهولين منهم ، أو المتعاطفين
معهم -؛ فركبوا عليه أسانيد كثيرة، يدلك على ذلك قول الحاكم في ((المستدرك))
( ٣ / ١٣١) :
(( وقد رواه عن أنس جماعة من أصحابه زيادة على ثلاثين نفساً)).
ثم لم يستطع أن يسوق منها إلا طريقين فقط ، غير سالمين من الطعن ، صحح
أحدهما على شرط الشيخين ! وسكت عن الآخر ، فتعقبه الذهبي في هذا بقوله :
((قلت : إبراهيم بن ثابت ساقط))(١) . وقال في الأول :
(( قلت : ابن عياض لا أعرفه ، ولقد كنت زماناً طويلاً أظن أن حديث الطير لم
يجسر الحاكم أن يودعه في (( مستدركه ))، فلما علقت هذا الكتاب ؛ رأيت الهول
من الموضوعات التي فيه ، فإذا حديث الطير بالنسبة إليها سماء))!
وتجد مصداق ما ذكرته آنفاً من تركيب الأسانيد عليه ممن أشرنا إليهم - من
الوضاعين وغيرهم - في الطرق التي خرجها ابن الجوزي ، وقد بلغت في عده ستة
عشر طريقاً ، وهي في الواقع خمسة عشر؛ لأن الطريق الرابع عشر والخامس عشر
مدارهما على مسلم أبي عبد الله في الأول منهما ، وهو: مسلم الملائي في الآخر .
(١) وقال العقيلي (١ / ٤٦) في حديث إبراهيم هذا :
(( ليس له من حديث ثابت أصل ، وتابعه معلى بن عبد الرحمن، وهو يكذب، ولم يأت به
ثقة . وهذا الباب الرواية فيها لين وضعف ، لا نعلم فيه شيء ثابت (!)، وهكذا قال البخاري )).
١٧٧
٠

وللفائدة أقول :
وقد بيض للطريق العاشر، وفيه ( أحمد بن سعيد بن فرقد الجُدِّي ) : نا أبو
حُمة محمد بن يوسف اليمامي : نا أبو قرة موسى بن طارق بسنده عن أنس .
والظاهر أنه لم يعرف ( أحمد بن سعيد ) هذا ، وحق له ذلك ؛ فإن الذهبي لما
أورده في (( الميزان)) ؛ لم يزد على قوله :
(( وعنه الطبراني . فذكر حديث الطير بإسناد الصحيح؛ فهو المتهم به)).
قلت : لم أقف على إسناده ، ولعله في بعض كتبه التي لم نطلع عليها ؛ مثل :
(( كتاب فضائل علي رضي الله عنه))، أو: ((كتاب دلائل النبوة)).
وعزاه الحافظ في (( اللسان )) للحاكم عنه بإسناده المذكور أعلاه - ولم أره في
((المستدرك )» - وقال :
(( وأحمد بن سعيد معروف من شيوخ الطبراني ، وأظنه دخل عليه إسناد في
إسناد)) .
قلت : لكن أحمد هذا ليس من مشهوري شيوخ الطبراني ؛ فإنه لم يرو له في
((المعجم الأوسط)) (١ / ٩٤ / ١ / ١٧٢٧، ١٧٢٨ - بترقيمي) إلا حديثين
بإسناد واحد ، وهو المذكور آنفاً؛ لكن عن موسى بن عقبة عن عبيد الله بن عمر
عن نافع عن ابن عمر، وأحدهما في (( المعجم الصغير)) برقم (٥٢٤ - الروض).
ثم قال ابن الجوزي ( ١ / ٢٣٣ ) :
(( وقد ذكره ابن مردويه من نحو عشرين طريقاً ، كلها مظلم ، وفيها مطاعن ؛
فلم أر الإطالة بذلك )) .
١٧٨

قلت : ولم يكن الحاكم مبالغاً في قوله المتقدم أنه رواه عن أنس من أصحابه
زيادة على ثلاثين نفساً؛ فقد رأيت الأخ الفاضل أحمد البلوشي قد أبلغها هذا
العدد في تعليقه على ((خصائص علي)) (ص ٢٩ - ٣٣)، وقارب ذلك الأخ
الفاضل سعد بن عبد الله آل حميد في تعليقه على (( مختصر استدراك الحافظ
الذهبي)) (٣ / ١٤٤٧ - ١٤٥٤)؛ فأوصلها إلى خمس وعشرين طريقاً، وقد أطالا
النفس في تخريجها والكشف عن عللها . وجزاهما الله خيراً .
إلا أنني أخذت عليهما بعض الأشياء ؛ أهمها : أن الأول منهما لم يتكلم على
الطريق الأولى التي مدارها على عبيد الله بن موسى عن عيسى بن عمر عن
السدي ؛ فأوهم بسكوته أنها سالمة من العلة ، وهي في الحقيقة أقرب طرقه الثلاثين
إلى السلامة ؛ فكان الأولى به أن يعنى بها عناية خاصة .
وأما الفاضل الآخر: فأعله (٣ / ١٤٥٦ ) بالسدي ؛ تبعاً لابن الجوزي ؛ ولكنه
زاد عليه إعلاله لرواية الترمذي - التي لم يسقها ابن الجوزي - بسفيان بن وكيع .
ولكنه قال :
(( وأما متابعة حاتم بن الليث لسفيان بن وكيع فيتوقف فيها إلى أن يتضح من
هو حاتم بن الليث هذا؛ فإني لم أجد له ذكراً في غير هذا الموضع من (( علل ابن
الجوزي))، ولم يذكره المزي في الرواة عن عبيد الله بن موسى ، ولا الخطيب
البغدادي في شيوخ محمد بن مخلد بن حفص شيخ الدارقطني » .
قلت : حاتم هذا ثقة - كما سبقت الإشارة إلى ذلك في أول هذا التخريج -،
والآن لا بد من ذكر مستندي في ذلك ؛ فأقول :
لقد ترجمه الخطيب في ((تاريخ بغداد)) (٨ / ٢٤٥ - ٢٤٦)، وذكر في الرواة
١٧٩

عنه ابن مخلد هذا ، ثم قال :
((وكان ثقة ثبتاً متقناً حافظاً)). وقال الحافظ الذهبي في ((السير)) (١٢ /
٥١٩ ) :
(( ... الحافظ المكثر الثقة)).
قلت : فهذه متابعة قوية جداً لسفيان بن وكيع ؛ فلم يبق كبير فائدة الإعلال
الحديث بإسماعيل السدي عند الفاضل وغيره ؛ ولا سيما وقد ردها الحافظ
العسقلاني على الشيخ القزويني في رده المطبوع في آخر ((المشكاة)) (٣ / ٣١٤)
بقوله :
(( قلت : أخرج له مسلم ، ووثقه جماعة ؛ منهم: شعبة وسفيان ويحيى القطان)).
وقد خفيت عليهم جميعاً علة الحديث الحقيقية في هذه الطرق ؛ وهي وهم
عبيد الله بن موسى واضطرابه في إسناده ؛ قال : ( إسماعيل السدي ) .. مكان :
( إسماعيل بن سلمان )؛ كما سبق بيانه -. وهو ما لم أسبق إليه - فيما علمت .
فإن أصبت ؛ فمن الله وفضله ، وإن أخطأت ؛ فمن نفسي . والله تعالى أسأل أن
یغفر لي ذنبي ، وخطئي وعمدي ، وكل ذلك عندي .
ثم إن الحاكم لم يكتف بتكاثره بتلك الطرق ، وتصحيحه لأحدها ؛ بل زاد
ضغثاً على إبالة ؛ فقال عقبها :
(( ثم صحت الرواية عن علي ، وأبي سعيد، وسفينة)).
وسكت عنه الذهبي هنا في (( التلخيص))؛ فلم يتعقبه بشيء ، وإنما تعقبه في
(( جزئه )» الذي جمعه في هذا الحديث فقال :
١٨٠