النص المفهرس
صفحات 21-40
طلع البدر علينا من ثنيات الوداع وجب الشكر علينا ما دعا لله داع
فهو مما لا أصل له ، وإنما رواه البيهقي وغيره من طريق ابن عائشة ، قال :...
فذكره مختصراً؛ دون ذكر السطوح والدف والألحان ، ثم هو ضعيف معضل - كما
تقدم بيانه في المجلد الثاني برقم ( ٥٩٨ ) -، وأزيد هنا فأقول : قال الحافظ في
((الفتح)) (٧ / ٢٦٢) :
(( وهو سند معضل ، ولعل ذلك كان في قدومه من غزوة تبوك)).
قول البراء بن عازب
وإن مما يؤكد نكارة ذكر الدفوف في قصة استقباله
رضي الله عنه :
ثم قَدِمَ النبيُّ ◌َ﴿﴿ المدينةَ ، فما رأيت أهل المدينة فرحوا بشيء فرحهم برسول
اللّه ◌َهُ؛ حتى جعل الإماء يَقُلْنَ: قدم رسول الله ح له .
رواه البخاري (٣٩٢٥) وغيره، وهو مخرج في (( تخريج فقه السيرة » ( ص ١٦٩
- دار القلم ) .
ومثله حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال :
إني لأسعى في الغلمان يقولون : جاء محمد ، فأسعى ، فلا أرى شيئاً ، ثم
يقولون : جاء محمد ، فأسعى فلا أرى شيئاً . قال : حتى جاء رسول الله
وصاحبه أبو بكر، فكنا في بعض حِرار المدينة ، ثم بعثنا رجلاً من أهل المدينة
ليؤذن بهما الأنصار، فاستقبلهما زهاء خمس مئة من الأنصار حتى انتهوا إليهما ،
فقالت الأنصار: انطلقا آمنين مُطاعين، فأقبل رسول الله :﴿، وصاحبه بين
أظهرهم ، فخرج أهل المدينة ، حتى إن العواتق لفوق البيوت يتراءينه ؛ يقلن : أيهم
٢١
هو؟ قال : فما رأينا منظراً شبيهاً به يومئذٍ .
قال أنس بن مالك : ولقد رأيته يوم دخل علينا ، ويوم قبض ؛ فلم أريومين
شبيهاً بهما .
أخرجه البخاري في (( التاريخ الصغير)) (ص ٦ - هندية)، والبيهقي في
((الدلائل)) (٢ /٥٠٧)، وأحمد (٣ / ٢٢٢) من طريق سليمان بن المغيرة عن
ثابت عن أنس . وأخرجه أحمد (٣ / ١٢٢) من طريق آخر عن ثابت مختصراً .
قلت : وهذا إسناد صحيح على شرط الشيخين ، وسكت عنه الحافظ في
«الفتح » (٧ / ٢٥١) رضى به - كما هي قاعدته ..
وتابعه عبد العزيز بن صهيب عن أنس به نحوه مطولاً .
أخرجه البخاري (٣٩١١)، وأحمد (٣ / ٢١١).
والمقصود ؛ أن هذه الأحاديث الصحيحة تؤكد نكارة ذكر الدفوف والغناء في
حديث الترجمة ونحوه .
ويمكن أن يقال مثل ذلك في قصة الناقة ، وبخاصة في بروكها على باب أبي
أيوب ؛ فإن المعروف في كتب السيرة: أنها بركت حين أتت دار بني مالك بن
النجار على باب مسجده ﴿، وهو يومئذٍ مِرْبَد لغلامين يتيمين من بني النجار؛
هكذا ساقه ابن هشام في (( السيرة )) (٢/ ١١٢ - ١١٣) عن ابن إسحاق معضلاً
بدون إسناد مطولاً ، وفيها تكرار جملة :
((خلوا سبيلها؛ فإنها مأمورة)) كلما مر # بدار من دور الأنصار ، وقالوا له :
أقم عندنا في العدد والعُدَّة والمنعة . ومن رواية ابن إسحاق هذه ساقها بطولها ابن
٢٢
كثير في ((البداية)) (٣ / ١٩٨ - ١٩٩) ولم يسندها .
١
( تنبيه): عزا الحافظ في ((الفتح)) حديث الترجمة في موضعين منه (٧ /
٢٤٥، ٢٦١) إلى الحاكم ، وسبقه إلى ذلك الحافظ ابن كثير؛ ولكنه قرنه بتحفظ
غريب غير معتاد ، فقال بعدما ساقه من رواية البيهقي بإسناده (٣ / ٢٠٠):
(«هذا حديث غريب من هذا الوجه ، لم يروه أحد من أصحاب (« السنن » وقد
أخرجہ الحاکم ۔ کما یروی ۔ )» !
فقوله: (( كما يروى )) لعله يعني رواية البيهقي عنه ، وحينئذ فلا فائدة تذكر
منه . وعلى كل حال ؛ فهذا القول - أو القيد - منه خير من إطلاق الحافظ عزوه
للحاكم؛ لأنه یوهم أنه في ( مستدركه )» وليس فيه ، ثم إنه سكت عنه ، فأوهم
حسنه على الأقل عنده ؛ وليس كذلك - كما تقدم .. ولقد كان هذا من الدواعي
على إخراجه ، والكشف عن علته ، واقترن مع ذلك الاستطراد لذكر أحاديث
صحيحة تدل على نكارته . والله ولي التوفيق .
٦٥٠٩ - ( هذا ثوبٌ لا يؤدَّی شکرُه . يعني : الطّيلسان ).
منكر. أخرجه ابن سعد في ((الطبقات)) (١ / ٤٦١) من طريق عبد السلام
ابن حرب : حدثني موسى الحارثي - في زمن بني أمية - قال :
الطينسان ، فقال :... فذكره.
◌ُصف لرسول الله
قلت : وهذا إسناد ضعيف معضل ، رجاله ثقات ، وموسى الحارثي : الظاهر أنه
( موسى بن مسلم أبو عيسى الطحان ) المعروف بـ ( موسى الصغير) ؛ فقد ذكروا
في الرواة عنه عبد السلام بن حرب هذا. وقد وقع في ((تهذيب التهذيب ))
٢٣
( الحزامي )، وهنا ( الحارثي ) ، فأحدهما محرف . والله أعلم .
والحديث أعله الحافظ في موضعين من ((الفتح)) (٧ / ٢٣٥ و١٠ / ٢٧٤ -
٢٧٥) بالإرسال . والصواب إعلاله بالإعضال ـ كما تقدم معنا -؛ لأن موسى هذا
لم يذكروا له رواية عن الصحابة ، ولذلك ذكره الحافظ نفسه في الطبقة السابعة من
((التقريب))، وهي طبقة أتباع التابعين .
( فائدة ) : الطيلسان : ضرب من الأوشحة يلبس على الكتف ، أو يحيط
بالبدن ، خال عن التفصيل والخياطة . أو هو ما يعرف في العامية المصرية بـ ( الشال ).
فارسي معرب: ( تالسان) أو (تالشان). ((المعجم الوسيط)).
إذا عرفت هذا؛ فقد أشار ابن القيم في أول ((زاد المعاد )) إلى تضعيف الحديث
بقوله :
(( وأما الطيلسان؛ فلم ينقل عنه ◌َ أنه لبسه ، ولا أحد من أصحابه ، بل قد
ثبت في (( صحيح مسلم )) من حديث النواس بن سمعان عن النبي
أنه ذکر
الدجال ، فقال :
(( يخرج معه سبعون ألفاً من يهود أصبهان ، عليهم الطيالسة )) .
ورأى أنسٌ جماعةً عليهم الطیالسةُ ، فقال : ما أشبههم بيهود خيبر . ومن ههنا
كره لُبْسها جماعةٌ من السلف )) .
ثم احتج على الكراهة بحديث: ((مَنْ تَشَبَّه بقوم؛ فهو منهم)) . وهو حديث
حسن صحيح مخرج في ((جلباب المرأة المسلمة)) (٢٠٣ - ٢٠٤) عن ابن عمر
وغيره .
٢٤
وأثر أنس أخرجه البخاري في ((صحيحه )) برقم ( ٤٢٠٨).
لكن قوله: ((ولا أحد من أصحابه)). ففيه نظر، وإن مر عليه المعلقان على
((الزاد)) (١ / ١٤٢ - طبع المؤسسة) فلم يعلقا عليه بشيء! كما أنهما لم يخرجا
أكثر مادة الكتاب حديثاً وآثاراً ، ومن ذلك أثر أنس هذا! وقد كنت ذكرت في
((التعليقات الجياد على زاد المعاد)) أن القسطلاني في ((المواهب اللدنية)) تعقبه
بأن ابن سعد روى من طريقين : أن الحسن بن علي رضي الله عنهما كان يلبس
الطيالسة .
ثم رأيت مثله عن جماعة من السلف في ((مصنف ابن أبي شيبة )) ( كتاب
اللباس ) منهم : إبراهيم - وهو: ابن يزيد النخعي - رقم (٤٧٣٩)، والأسود بن
هلال ( ٤٧٤١ )، وعبد الله بن يزيد (٤٧٤٢)، وسعيد بن المسيب ( ٤٧٤٣)،
وعبد الله بن مغفل رضي الله عنه ( ٤٧٤٦ ).
قلت : فالقول بالكراهة مع لبس هؤلاء الأفاضل للطيلسان - لاسيما وفيهم
الصحابي الجليل عبد الله بن مغفل - بعيد جداً، أضف إلى ذلك أن بعضهم كان
يغالي بشرائه ؛ فروى ابن أبي شيبة ( ٤٩٦٣) عن مغيرة قال :
كان إبراهيم لا يرى بأساً أن يلبس الثوب بخمسين درهماً؛ يعني : الطيلسان .
و(٤٩٦٤ ) عن إبراهيم بن محمد بن المنتشر عن أبيه عن مسروق قال :
كان لا يغالي بثوب إلا بطيلسان .
فبهذه الآثار التي خفيت على ابن القيم - يرد القول بالكراهة ، وليس بحديث
الترجمة - كما فعل الحافظ ( ١٠ / ٢٧٤ ) -؛ لضعفه وإعضاله.
٢٥
2
وأما أثر أنس فيحمل على ما إذا كان شعاراً لهم ؛ لحديث ابن عمر المتقدم،
قال الحافظ في ((الفتح)) (١٠ / ٢٧٥):
(( وإنما يصلح الاستشهاد بقصة اليهود في الوقت الذي تكون الطيالسة من
شعائرهم، وقد ارتفع ذلك في هذه الأزمنة ، فصار داخلاً في عموم المباح ، وقد
ذكره ابن عبد السلام في أمثلة البدعة المباحة )).
قلت: وقوله: ((البدعة المباحة)) لعله يعني البدعة اللُّغوية؛ لأن البدعة
- كما
الشرعية لا توصف بمباحة أو حسنة ، بل کلها ضلالة بنص رسول الله
هو مبين في محله -. على أن وصفها بالبدعة اللُّغوية فيه نظر أيضاً - لما سبق من
الآثار السلفية -، فالظاهر أن ابن عبد السلام لم يقف عليها ، كما أن الحافظ لم
یذکر شيئاً منها ، وهذا من غرائبه !
( تنبيه ): تقدم في كلام ابن القيم عزو حديث ( يهود أصبهان ) لـ ((صحيح
مسلم)) من حديث النواس بن سمعان ، وهذا سبق قلم منه أو ذهن ؛ فإنه عنده
(٨/ ٢٠٧) من حديث أنس بن مالك، وكذلك رواه ابن حبان وغيره ، وهو
مخرج في (( الصحیحة )) ( ٣٠٨٠)، وخرجت له فیه بعده شاهداً من حديث جابر
ابن عبد الله ، وأما حديث النواس بن سمعان فهو حديث طويل عند مسلم (٨ /
١٩٧ - ١٩٨)، ولكن ليس فيه ما ذكره ابن القيم، ومن العجيب أن الحافظ تبعه
على ذلك في ((الفتح)) (١٠ / ٢٧٤)! ثم القسطلاني في ((المواهب)) وشارحه
الزرقاني (٥ / ٢٧) !! وحديث النواس رواه أحمد وغيره؛ كما في ((مسلم))، وهو
مخرج في (( الصحيحة)) أيضاً برقم ( ٤٨١ ).
٢٦
٦٥١٠ - ( ما وُصِفَ لِي أعرَابِيٌّ قَطْ فَأَحْبَبْتُ أن أَرَاهُ إلا عَنْترة ).
منكر. أخرجه أبو الفرج الأصبهاني في ((الأغاني)) (٧ / ١٤٤ - تصحيح
الشنقيطي ) عن عمر بن شبة : حدثنا ابن عائشة قال :
أُنشد النبي {# قول عنترة:
ولقد أبيت على الطوى وأظله حتى أنال به كريم المأكل
*:... فذكره .
فقال
قلت : وهذا إسناد ضعيف معفصل ؛ فإن ابن عائشة هذا من شيوخ أحمد وأبي
داود وهذه الطبقة ، فبینه وبین النبي چ# مفاوز، واسمه : عبيد الله بن محمد بن
حفص .. القرشي التيمي، يعرف بـ ( العيشي) وبـ ( العائشي) وبـ ( ابن عائشة )؛
لأنه من ولد عائشة بنت طلحة بن عبيد الله، وهو راوي قصة ((طلع البدر علينا ... ))،
ومضت (٢ / ٦٣).
وأبو الفرج الأصبهاني - اسمه : علي بن الحسين - فيه كلام كثير، مترجم
في ((السير)) (١٦ / ٢٠١ -٢٠٣) و((الميزان)) و((اللسان))، ولخص القول فيه
الذهبي في (( المغني)) فقال :
((شيعي يأتي بعجائب ، يحتمل لسعة اطلاعه ، فالله أعلم . قال ابن أبي
الفوارس : خلط قبل موته )) .
ولقد كان الباعث على تخريج هذا الحديث أن حفيدة من حَفَدَتي سألتني
عنه؟ فأنكرته . ثم سألتها : أين قرأتيه؟ فقدمت إلي كتاب ( المطالعة والنصوص
للصف الأول الثانوي الأدبي والعلمي والتجاري ) ، فإذا هو فيه ( ص ٥٥) -
٢٧
جازمين فيه بنسبته إلى النبي ◌َ ﴿ -! فبادرت إلى تخريجه أداءً للأمانة العلمية ،
وتحذيراً من أن ينسب إلى النبي ﴿﴿ ما لم يقل .
٦٥١١ - (إنَّ هذا القُرآنَ نَزَلَ بحُزْن، فإذا قَرأْتُمُوه؛ فَابكُوا ، فإنْ لم
تَبْكُوا ؛ فَتَباكَوْا ) .
ضعيف . أخرجه ابن ماجه ( ١٣٣٧ )، وأبو يعلى (٢ / ٥٠ / ٦٨٩)، ومن
طريقه المزي في ((التهذيب)) (١٧ / ١٢٨ - ١٢٩)، وأبو العباس الأصم في ((حديثه))
(٢ / ١٤٨)، والبيهقي في ((السنن)) (٧ / ٢٣١)، وفي ((الشعب)) (٢/
٣٦١ / ٢٠٥١) من طريق الوليد بن مسلم عن إسماعيل بن رافع: حدثني ابن
أبي مليكة عن عبد الرحمن بن السائب قال :
قدم سعد بن مالك ، فأتيته مسلِّماً ، فنسبني ، فانتسبت ، فقال : مرحباً بابن
أخي، بلغني أنك حسن الصوت بالقرآن ، سمعت رسول الله تميم يقول :...
فذكره . وزاد :
(( وتغنوا به ، فمن لم يتغن به ؛ فليس منَّا )) .
قلت : وهذا إسناد ضعيف ، عبد الرحمن بن السائب - وهو : ابن أبي نَهيك
المخزومي -، مجهول الحال، وفي (( التقريب)):
((مقبول))، وقد اختلف في اسمه - كما هو مبين في ((التهذيب)) -، ولعل
ذلك جهالته ؛ ولكنه قد توبع على الزيادة - كما يأتي . .
وإسماعيل بن رافع ضعيف واهٍ؛ كما قال الذهبي في (( الكاشف)).
٢٨
وقال البوصيري في ((زوائد ابن ماجه)) (١ / ١٥٧):
(( ضعيف متروك )».
وقد توبع من مثله؛ فقال البزار في ((البحر الزخار)) (٤ / ٦٩ / ١٢٣٥):
وحدثنا إسماعيل بن حفص قال : نا الوليد بن مسلم قال : نا عبد الرحمن بن
أبي بكر عن ابن أبي مليكة مختصراً بلفظ :
(« اقرأوا القرآن وابكوا ، فإن لم تبكوا ؛ فتباكوا)).
قلت: وعبد الرحمن بن أبي بكر - هو : المليكي -، ضعيف اتفاقاً . وبعضهم
تركه ، وقال البزار عقب الحديث :
((ليِّن الحديث)) .
وقد خالفهما الليث بن سعد وغيره ؛ فرواه عن عبد الله بن أبي مليكة عن
عبيد الله بن أبي نَهيك عن سعد بن أبي وقاص مرفوعاً مختصراً جداً بلفظ :
((ليس منا من لم يتغن بالقرآن )).
أخرجه أبو داود وغيره ؛ دون القصة والبكاء .
وعبيد الله؛ هو: عبد الرحمن المذكور في رواية إسماعيل ، وهو من الاختلاف
الذي أشرت إليه آنفاً ، وهذا قد وثقه النسائي وغيره ؛ مع أنهم لم يذكروا له راوياً
غير ابن أبي مليكة ؛ لكن قد تابعه سعيد بن أبي سعيد المقبري عند أبي داود - كما
كنت ذكرت في « صحيح أبي داود )) رقم (١٣٢١ ) - ثم تبين لي من طرق الحديث
في ((مشكل الآثار)) للطحاوي (٢ / ١٢٧ - ١٢٨) أنه ليس متابعاً، وإنما هو شك
من بعض الرواة ، ففي رواية من طريق الليث بن سعد عن ابن أبي مليكة عن ابن
٢٩
أبي نَهيك عن سعيد بن أبي سعيد عن رسول الله
وفي ثانية قال : عن سعید عن رسول الله
٠
وفي ثالثة : عن سعد أو سعيد .
وفي رابعة : عن سعد .
وهذا هو الصواب ؛ لأن أكثر الرواة عن الليث عليه ، وقد توبع عليه - كما ذكرت
هناك -.
وإذ قد تبين هذا ، فقد رجع الحديث إلى أنه عن ابن أبي نَهيك ، وقد علمت
ما فيه من تفرد ابن أبي مليكة عنه . لكن قد ذكرت هناك ما يدل على أن ابن أبي
مليكة سمعه من أكثر من واحد ، وهذا مما يعطي الحديث قوة ؛ لأنهم جمع من
مساتير التابعين . ولعل أبا داود أشار إلى ذلك بأن ساق الحديث من طريق عبد الجبار
ابن الورد قال : سمعت ابن أبي مليكة يقول : قال عبيد الله بن أبي يزيد :
مر بنا أبو لبابة ؛ فاتبعناه .. فسمعته يقول .. فذكر الحديث بلفظ :
((ليس منا من لم يتغن بالقرآن )) .
ورواه البيهقي (٢ / ٥٤) من طريق أبي داود، ومن طريق غيره (١٠ / ٢٣٠)
عن عبد الجباربه. وكذلك رواه الطبراني في ((الكبير)) (٥ / ٢٤ - ٢٥)؛ لكن
وقع فيه ( عبيد الله بن أبي نَهيك ) ، وهو خطأ لمخالفته لما قبله ، ولأنهم لم يذكروا
لابن أبي نَهيك رواية عن أبي لبابة - وهو: ابن المنذر -، وإنما ذكروها لابن أبي یزید
- وهو المكي الثقة - عن أبي لبابة - وهو: ابن المنذر - رضي الله عنه .
وعبد الجبار هذا؛ ثقة ؛ قال البخاري :
٣٠
((يخالف في بعض حديثه))؛ كما في (( مغني الذهبي))، ولذلك اقتصرت
على تحسين إسناده في (( صحيح أبي داود)) ( ١٣٢٢ ) ، فيخشى أن يكون قوله :
عن أبي لبابة . وهماً منه . والله أعلم .
وجملة القول ؛ أن حديث الترجمة ضعيف ؛ لتفرد إسماعيل بن رافع مع
مخالفته للثقات الذين رووه عن شيخه ابن أبي مليكة بغير لفظه .
ومتابعة المليكي لا تفيده ولا تقويه ؛ لأن روايته ليس فيها الشطر الأول من
الحديث ، ولأنه في نفسه ضعيف اتفاقاً - كما تقدم ..
وأما الزيادة فصحيحة لرواية الثقات عن ابن أبي مليكة ، واختلافهم في
صحابيه - هل هو سعد ، أو أبو لبابة - لا يضر؛ لأن الصحابة كلَّهم عدول ، ولعله
لذلك قال الحافظ في «الفتح» (٧٢/٩):
(( أخرجه أبو داود بإسناد صحيح )) .
وقد بقي شيء، وهو قوله فيها: ((وتغنوا به))، فهذا له شاهد في (( سنن
الدارمي)) (٢ / ٤٣٩) وغيره بسند صحيح عن عقبة بن عامر رفعه. وهو مخرج
في ((الصحيحة)) (٣٢٨٥)، و((التعليق الرغيب)) (٢ / ٣١٤).
هذا ، وقد أورد الإمام الشاطبي الشطر الثاني من الحديث دون أن يرفعه ، ساقه
كأنه من الحِكم ، وذلك من دقته وتحريه ، فعلق عليه السيد رشيد رضا رحمه الله
تعالى بقوله (١ / ٣٦١) :
(«لعله أراد حديث: (( اتلوا القرآن وابكوا، فإن لم تبكوا؛ فتباكوا)) . فاقتبسه
بالمعنى ، وهو في « سنن ابن ماجه )) من حديث سعد بن أبي وقاص بسند جيد)) !
٣١
كذا قال ، ولا وجه لهذا التجويد مطلقاً ، وأظن أن ذلك من حفظه ؛ دون أن
يرجع إلى إسناده ، وإلا ؛ فضعفه ظاهر لا يخفى عليه إن شاء الله ، ومما يؤكد ظني :
أن اللفظ الذي عزاه لابن ماجه ليس هو عنده إلا بلفظ الترجمة ، فهو إذن رواه
بالمعنى ، وما ادعاه من ( الاقتباس ) ينافي ما ذكرته من التحري ، والابتعاد عن
رواية ما لم يصح ، فهذا هو اللائق بالإمام الشاطبي .
ثم رأيت الحديث قد أورده الزمخشري في تفسيره: ((الكشاف)) باللفظ الذي
ذكره السيد، وخرجه الحافظ ( ١٠٦ / ٣٤٦) من رواية إسحاق والبزار عن
المليكي، ومن رواية أبي يعلى والحارث والبيهقي في (( الشعب)) - بغير لفظ
الزمخشري وبنحو مما تقدم - وضعفه بالمليكي وإسماعيل .
٦٥١٢ - (إنَّ أَحسَنَ النَّاس قراءةً: من إذا قرأ؛ يَتَحزَّن ).
ضعيف. أخرجه الطبراني في (( المعجم الكبير)) (١١ / ٧ / ١١٠٠٨٥٢)، وعنه
أبو نعيم في (( الحلية)) (٤ / ١٩): حدثنا عثمان بن يحيى بن صالح: ثنا أبي:
ثنا ابن لهيعة عن عمرو بن دينار عن طاوس عن ابن عباس مرفوعاً .
قلت : وهذا إسناد ضعيف ؛ ابن لهيعة ضعيف من قبل حفظه ؛ إلا ما كان من
رواية العبادلة ونحوهم ، وهذا ليس عن أحدهم ، وبه أعله الهيثمي ؛ لكنه قال (٧//
١٧٠ ) :
((رواه الطبراني؛ وفيه ابن لهيعة ، وهو حسن الحديث ، وفيه ضعف)).
وعثمان بن يحيى بن صالح ؛ لم أجد له ترجمة ، ولا هو في شيوخ الطبراني
الذين أخرج لهم في (( المعجم الصغير)) و ((المعجم الأوسط))؛ كما يستفاد من
٣٢
فهرس كل منهما - من وضعي - ولا ذكره ابن عساكر في الرواة عن أبيه في ترجمة
هذا (١٨ / ١٣٦)، وتبعه الحافظان المزي والعسقلاني في كتابيهما ((التهذيب))،
فالظاهر أنه من الشيوخ المجهولين . والله سبحانه وتعالى أعلم .
والحديث أخرجه أبو نعيم في ((أخبار أصبهان)) (٢ / ٥٨ ) من طريق أخرى
عن ابن إشكيب : ثنا يحيى بن عثمان بن صالح المصري : ثنا أبي : ثنا ابن لهيعة
به ؛ إلا أنه قال : عن يزيد بن يزيد عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة به .
قلت : فانكشف لنا بهذه الرواية أن في رواية الطبراني وهماً ؛ كان سبباً لجهلنا
بحال شیخه ( عثمان بن یحیی بن صالح ) ؛ فإنه من المقلوب ، وأن صوابه ( یحیی
ابن عثمان بن صالح)، وهذا معروف في شيوخ الطبراني، خرج له في (( المعجم
الصغير)) ثلاثة أحاديث، وهذه أرقامها من كتابي ((الروض النضير)) (١٠٥٨ ،
١٠٨٧، ١٢٠٨)، ولم يذكر له في ((الأوسط)) شيئاً، بل لم يترجم في حرف
الياء منه لأحد إلا لمن اسمه ( يعقوب )! فلا أدري أهكذا هو بتأليفه أم في
النسخة خرم؟ وهذا الثاني أقرب ، فإنه من المستبعد جداً أن لا يروي لأحد منهم،
وفي (( المعجم الصغير)) نحو ثلاثين شيخاً منهم غير من يسمى ( يعقوب ) فضلاً
عمن روى لهم في ((المعجم الكبير))، فهذا مثلاً ( يحيى بن عثمان بن صالح ) قد
روى له عشرات الأحاديث في المجلد الحادي عشر منه فقط ، وهذه أرقامها التي
تيسرت لي : ( ١٠٩١٤، ١٠٩٤٧، ١٠٩٦٩، ١١١٨١، ١١١٨٩، ١١١٩٣،
١١٢٥١، ١١٤٠٥، ١١٤٢٨، ١١٤٢٩، ١١٤٣٠، ١١٤٣١، ١١٤٨٩، ١١٤٩٩،
١١٥٠٧، ١١٥١٤)، وبعضها من روايته عن أبيه ، وتقدم له غير بعيد حديثان
برقم (٦٠٥٢، ٦٢٢٦)، ثم هو مترجم في (( التهذيب)) و ((الميزان))، وفيه بعض
الكلام تقدم هناك، فلا أدري أهذا الاختلاف الذي وقع في الإسناد بين رواية
٣٣
الطبراني وأبي نعيم من فوق ابن لهيعة ، هو منه أو من ابن لهيعة؟ فإنه رواه عن
شيخ آخر بإسناده عن عائشة ، فجعله من مسند عائشة ، وهو عند الطبراني بإسناده
المذكور عن ابن عباس ، أم هو خطأ من الطبراني أو ناسخه ؛ كما أخطأ في اسم
شيخه كما تقدم؟ ذلك مما يحتاج إلى مزيد من التحقيق ، وليس لدي الآن إلا ما
ذكرت . والله سبحانه وتعالى أعلم .
وهناك خلاف آخر بين الكتابين في متن الحديث ، فإنه هنا بلفظ :
(( إذا قرأ يتحزن )). وعند أبي نعيم بلفظ:
((إذا قرأ؛ رُئيت أنه يخشى الله )) .
وهذا أرجح عندي لمجيئه من طريق أخرى عن طاوس وغيره عن ابن عباس ؛
ولذلك كنت خرجته في (( الصحيحة)) (١٥٨٣)، واعتمدته في ((صفة الصلاة)).
في سفر ، وحاد یحدُو :
ء
٦٥١٣ ۔( کنّا مع رسول الله
خیال تکنی وخیال تُکتما
طافَ الخيالانِ فھاجا سَقَماً.
ساقاً بَخَنْداً وكعباً أَدْرَما
قامت تریك خشیةً أُنْ تصرما
والنبي ﴿﴿ لا ينكر ذلك ).
منكر. أخرجه ابن عدي في ((الكامل)) (٣ / ١٨٠)، وابن عساكر في
((التاريخ)) (٦ / ٢٨٦) من طريق عمر بن شَبَّة أبي زيد : حدثني أبو حرب
البناني - رجل من حمير من آل حجاج بن باب ( وفي التاريخ : ثابت ) -: ثنا
يونس بن حبيب عن رؤية بن العجاج عن أبيه عن أبي الشعثاء عن أبي هريرة
٣٤
قال : ... فذكره . وقال أبو زيد :
((وهذا خطأ ، إن الشعر للعجاج ، والعجاج إنما قال الشعر بعد موت النبي
بدهر طويل ؛ إلا أن أبا عبيدة قال : قد قال العجاج من رجزه في الجاهلية )).
قلت : وهذا إسناد مظلم مسلسل بالمجهولين :
الأول: العجاج والد رؤبة ، لا يعرف إلا برواية ابنه هذا، ومع ذلك ذكره ابن
حبان في ((الثقات)) (٥ / ٢٨٧)؛ مع أن ابنه لا يعرف - كما يأتي ..
الثاني : رؤبة بن العجاج ، فهو وإن كان معروفاً أکثر من أبيه ، فقد روى عنه
جماعة من الثقات؛ لكن يبدو من ترجمته المطولة في (( كامل ابن عدي)) (٣ /
١٧٩ - ١٨٢)، و((تاريخ ابن عساكر)) (٦ / ٢٨٤ - ٢٩٢) أن شهرته إنما هي في
روايته للشعر، ونظمه إياه ، وليس في الحديث ، بدليل أنهم لم يذكروا له إلا هذا
الحديث؛ بل صرح ابن عَدي بأنه ليس له غيره ، وأشار إلى ذلك العقيلي ، فإنه
قال عقب هذا الحدیث من طريق أخرى عنه - کما یأتي -:
((كان شاعراً؛ ليس له رواية يختبر بها)). ولذلك قال الحافظ في «التقريب»:
((لَيِّن الحديث)). وأما ابن حبان فذكره أيضاً في ((الثقات)) (٦ / ٣١٠)!
الثالث : أبو حرب البناني ؛ لم أجد له ترجمة .
وقد خالفه في إسناده ومتنه معمر بن المثنى أبو المثنى فقال : عن رؤبة بن
العجاج عن أبيه قال :
أنشدت أبا هريرة هذه القصيدة التي فيها :
٣٥
: يعجبه نحو هذا من الشعر ، أولها :
(( وكعباً أدرما )» . فقال : كان النبي
طاف الخيالان فهاجا سقماً .
أخرجه العقيلي (٢ / ٦٥)، والبزار (٢١١١/٧/٣)، وابن عدي (٣ /
١٧٩)، وابن عساكر (٦ / ٢٨٥)، وقال العقيلي:
(( لا يتابع عليه )). يعني: رؤبة بن العجاج .
ومعمر بن المثنى ؛ صدوق أخباري ، ووثقه الذهبي ، فرواية هذا أرجح من رواية
أبي حرب المجهول - كما لا يخفى -، ولذلك خطَّأ روايته عمرُ بن شَبَّة - وهو صدوق
مصنف -. وخَطّؤُه في الإسناد : أنه أدخل ( أبا الشعثاء ) بين العجاج وأبي هريرة .
وأما خطؤه في المتن ؛ فهو أنه زعم أن الحادي أنشد البيتين بحضرة النبي
،
وأنه لم ينكر ذلك . ورواية معمر أن الإنشاد كان بحضرة أبي هريرة بعد موت النبي
. ، وهذا أقرب ، ومع ذلك فهو منكر عندي ؛ لتفرد رؤبة عن أبيه به .
ولقد كان الباعث على تخريج هذا الحديث : أنني رأيت ابن الجوزي قد ساقه
مساق المسلمات، في رده على محمد بن طاهر المقدسي، في كتابه (( تلبيس
إبليس )) فقال ( ص ٣٥٥):
(( وقال ابن طاهر: ( باب الدليل على استماع الغزل ) ، قال العجاج : سألت
أبا هريرة رضي الله عنه : طاف الخيالان فهاجا سقماً ؟ فقال أبو هريرة رضي الله
عنه: كان يُنشَد مثلُ هذا بين يدي رسول اللّه ◌َ ا)).
قلت : فرد عليه ابن الجوزي بقوله :
(( فانظر إلى ابن طاهر ما أعجبه ! كيف يحتج على جواز الغناء بإنشاد الشعر !
٣٦
وما مثله إلا كمثل من قال : يجوز أن يضرب بالكف على ظهر العود ؛ فجاز أن
يضرب بأوتاره ! أو قال : يجوز أن يعصر العنب ويشرب منه في يومه ؛ فجاز أن
يشرب منه بعد أيام! وقد نسي أن إنشاد الشعر لا يطرب كما يطرب الغناء!)).
وهذا رد صحيح ؛ ولكن سكوته عن تضعيفه للحديث يوهم عامة القراء أنه
ـو الشريد من شعر ( أمية)
صحيح ، ولا سيما وقد ذكره عقب حديث استنشاده ؟
وهو في ((صحيح مسلم))، ولذلك فقد أحسن الأخ علي الحلبي بحذفه إياه من
کتابه (( المنتقى النفيس من [ کتاب ] تلبيس إبليس)).
( فائدة ) : في رواية لابن عساكر قال عثمان بن الهيثم :
سألت رؤبة : ما ( بخنداة ) ؟ قال : الصوت الذي لعص ( كذا) عليها
الخلخال .
قلت : هكذا وقعت فيه ( لعص ) مهملة فلم أفهمها ، ولا وجدت ما يدل على
معنى الجملة ذاتها . فقد قال ابن الأثير:
(( ( البخنْداة ) : التامة القَصَب الريا)).
وفي ((القاموس)) و(( شرحه)):
(( و(القَصَب) محركة - أيضاً -: عظام الأصابع من اليدين والرجلين ، وامرأة
تامة القصب ، وهو مجاز)).
( تنبيه ) : الحديث عند البزار هكذا: حدثنا رفيع بن سلمة : ثنا معمر بن
المثنى ... إلخ. وهو في ((مجمع الزوائد)) (٨ / ١٢٨) هكذا:
((رواه الطبراني عن شيخه رفيع بن سلمة، ولم أعرفه. وبقية رجاله ثقات)).
٣٧
قلت : فذكره ( الطبراني ) مكان ( البزار ) أظنه سبق قلم منه أو من الناسخ ؛
فإنه من المستبعد جداً أن يشارك الطبراني البزار في روايته عن شيخ البزار ، لتأخر
طبقة الطبراني عنه. وليس في رواة الطبراني في ((المعجم الصغير)) فضلاً عن
شيوخه من اسمه ( رفيع بن سلمة) - كما يستفاد من فهرسي لـ (( الروض النضير
في ترتيب وتخريج معجم الطبراني الصغير)) -. وقد غفل عن هذه الحقيقة الشيخ
حبيب الرحمن الأعظمي في تعليقه على ((كشف الأستار)) (٣ / ٧) فعقب
على قول الهيثمي المتقدم بقوله :
(( قلت : رواه البزار أيضاً عن رفيع بن سلمة ، فليس بمجهول )) !!
فنفى عنه الجهالة بناء على غفلته المذكورة . وقد تنبه لذاك الخطأ المعلق على
((مختصر الزوائد)) الفاضل صبري أبو ذر (٢ / ٢٣٤)؛ ولكنه لم ينبه على خطأ
الشيخ الأعظمي المذكور ، ولا على قول الحافظ عقب الحديث :
(( قلت : هو عندي بإسناد حسن؛ إلا أنه اختلف فيه على ( رؤبة ) ، وعلى
( العجاج ) )).
قلت : فإن التحسين ينافي ما تقدم تحقيقه من جهالة رؤبة وأبيه ! فتنبه .
٦٥١٤ - ( كنتُ مَعَ رسول الله ◌َّةِ، فَمَرّ بِقدرٍ لِبعض أهْله فيها لحم
يُطْبَخِ ، فَنَاوَله بَعْضُهم مِنها كتفاً فأكَلَها وهو قَائمٌ ، ثمّ صلى ولَم يَتَوضّأ ) .
منكر بذكر: ( وهو قائم ). أخرجه ابن حبان ( ٥٢٢١ - الإحسان ) من طريق
زيد بن أبي أنيسة، والطبراني في ((المعجم الكبير)) (١ / ٣١٠ / ٩٨٥) من طريق
عبد الله بن عَرَادة : ثنا سليمان بن أبي داود كلاهما عن شرحبيل بن سعد
٣٨
الأنصاري عن أبي رافع مولى رسول الله ◌َّه قال : ... فذكره.
قلت : وهذا إسناد ضعيف بمتن منكر ، وله آفتان :
الأولى : ضعف شرحبيل بن سعد الأنصاري ، ضعفه الجمهور، وقال الذهبي
في ((المغني)) :
(( اتهمه ابن أبي ذئب ، وضعفه الدارقطني وغيره )).
والأخرى : مخالفته للثقات الذين رووه عن أبي رافع مختصراً - يزيد بعضهم
على بعض الشيء بعد الشيء -، ولم يذكر أحد منهم قوله :
((فأكلها وهو قائم )» .
وهذه مصادر رواياتهم التي وقفت عليها :
مسلم (١ / ١٨٨)، والنسائي في ((الكبرى)) (٤ / ١٥٥)، والبيهقي وابن
أبي شيبة (١ / ٤٨)، وأحمد (٦ /٣٩٢،٩،٨)، والروياني في ((مسنده))
(ق ١٣١ / ١)، والطبراني في ((المعجم الكبير)) (١ / ٢٩٨، ٣٠١، ٣٠٤،
٣٠٩، ٣١٠)، و((المعجم الأوسط)) (٤١/١ /٧١٥/٢ و٢٨٤/٢ /٢/
٩٢٩٥ - بترقيمي).
بل إن عند بعض المذكورين ما يمكن أن يستشعر منه أن الحديث مقلوب المتن ،
وهو بلفظ :
((أكل كتفاً ، ثم قام إلى الصلاة )) . وهو رواية ابن أبي شيبة وأحمد وغيرهما .
فانقلب على الراوي هذا اللفظ: ((قام إلى الصلاة )) وذلك بعد الأكل . إلى:
٣٩
(( فأكلها وهو قائم)) !
هذا ، وإن مما يسترعي الانتباه ، ولفت النظر إليه أن ابن حبان هو من روى
الحديث باللفظ المحفوظ الذي ذكرته آنفاً ؛ لكن الغريب أنه رواه بنفس السند
والشيخ الذي روى الحديث المنكر ، فقال ( رقم ١١٤٦ ): أخبرنا الحسين بن محمد
ابن أبي معشر قال : حدثنا محمد بن وهب بن أبي كريمة قال : حدثنا محمد بن
سلمة عن أبي عبد الرحيم عن زيد بن أبي أنيسة عن شرحبيل بن سعد الأنصاري
عن أبي رافع مولى رسول الله عَظأنه قال :
أهديت لرسول اللّه ◌َ لل شاة ، فشوي له بعضها ، فأكل منها ، ثم قام يصلي
ولم يتوضأ .
ولذلك لما ساق الهيثمي الحديث في ((موارد الظمآن)) (٢١٦) بدأ بهذا اللفظ
فساقه مع السند ۔ کعادتہ فیہ ۔ ، ثم قال :
ـطة)) . فساق حديث
« قلت : وبسنده إلى أبي رافع قال : کنت مع رسول الله
الترجمة .
والمقصود : أنني أستبعد جداً أن يكون كل فرد من هؤلاء الرواة تلقى الحديث
أحدهم عن الآخر إلى شرحبيل بن سعد باللفظين المختلفين ؛ فأخشى أن يكون
أحدهم دخل عليه حديث في حديث ، - كما يقع ذلك لبعض الرواة أحياناً -؛ فإن
اللائق برواية هذا الحديث المنكر إنما هو سليمان بن أبي داود الحراني الذي في
الطريق الثاني ؛ فإنه متفق على ضعفه، بل قال البخاري في (( التاريخ)) :
((منكر الحديث)). وقال ابن حبان في ((الضعفاء)) (١ / ٣٣٧):
٤٠