النص المفهرس
صفحات 721-740
«تفرد به أبو داود)».
أقول : فلما رأيت الحديث عند ابن القطان مصححاً؛ رجعت إلى ((ترغيب))
المنذري مقدراً أنه فيه ، وأنني على ذلك لابد أنني كنت علقت قديماً عليه ؛
فوجدتني قد أعللته بالصنعاني المستور! وباستنكار أبي زرعة لحديثه ، وبإشارة
البيهقي لتضعيفه !
ثم تابعت البحث ؛ فوجدت أنني قد خرجت الحديث في ((الصحيحة)) في
المجلد الخامس برقم (٢٠٣٩)، فاستأنفت دراسة إسناده من جديد؛ فتبينت أنني
كنت واهماً فيه ، وأن الصواب ما كنت علقته على ((الترغيب))؛ فالحمد لله الذي
هدانا لهذا ، وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله .
أما الاستنكار المشار إليه فهو ما في كتاب ((العلل)) لابن أبي حاتم، قال (٣٦/٢):
سئل أبو زرعة عن حديث رواه محمد بن رافع عن إبراهيم بن عمر الصنعاني
(فذكره بتمامه ، ثم قال :) فقال أبو زرعة :
«هذا حديث منكر» .
قلت: وإن مما يؤكد نكارته : أن الحديث أخرجه الطبراني في ((المعجم الكبير))
(١١٤٦٥/١٩٢/١١) من طريق أخرى من حديث عطاء بن أبي رباح عن ابن
عباس ... به إلى قوله :
((صديد أهل النار)) .. دون زيادة جملة (إسقاء الصغير) ؛ فهي المنكرة من
الحديث ، وإلا ؛ فسائره رواه جمع آخر من الصحابة ، خرج أحاديثهم المنذري في
((الترغيب)) (١٨٥/٣ - ١٨٧) وهذه أرقامها من الطبعة المنيرية (٣٢ و٣٨ و٤٥ و٤٦
و٤٨ و٤٩ و٥١)، وقد أخرج بعضها البيهقي في ((الشعب)) (٧/٥ -٨)، منها
٧٢١
حديث ابن عمر بالسند الصحيح دون الزيادة . ثم أشار إلى ضعفها بقوله عقبه :
((وروي ذلك عن ابن عباس ... )).
ثم ذكر الطرف الأخير منه الذي فيه الزيادة .
ولم يتنبه الشيخ شعيب للفرق بين حديث ابن عباس هذا ، وحديث ابن
عمر ؛ فجعل حديث هذا شاهداً لذاك ، وهذا لا يجوز؛ لأنه شاهد قاصر ؛ ليس فيه
الزيادة - كما سبقت الإشارة إليه -، مع أنه قد أعله باختلاط عطاء بن السائب ،
وفاته أنه عند البيهقي من رواية حماد بن زيد ، وهو قد روى عنه قبل الاختلاط ؛
لكنه - والحق يقال -: قد تنبه لكون إبراهيم بن عمر الصنعاني هو المستور ؛ خلافاً
للمعلقَين على ((التمهيد))؛ فقالا: إنه ((إبراهيم بن عمر الصنعاني ابن كيسان أبو
إسحاق صدوق» !
٦٣٢٩ - (إنَّ كُرْسِيَّه وَسِعَ السماواتِ والأرضَ ، وإنه لَيَقْعُدُ عليه ؛
فما يَفْضُلُ منه إلا قَدْرُ أَرْبَعِ أصابع - ومد أصابعه الأربع -، وإن له أَطِيْطاً
كأطيطِ الرَّحْل [إذا رُكِبَ]).
منكر. أخرجه الدارمي عثمان بن سعيد في ((الرد على المريسي)) (ص٧٤)،
وعبدالله بن أحمد في ((السنة)) (ص٧١) من طريق إسرائيل عن أبي إسحاق عن
عبد الله بن خليفة قال :
* فقالت : ادع الله أن يدخلني الجنة . فعظم الرب ،
أُتت امرأة إلى النبي
فقال :... فذكره .
هكذا أخرجاه من طريقين عن إسرائيل . وأخرجه الخطيب في ((تاريخ بغداد))
(٥٢/٨)، ومن طريقه ابن الجوزي في ((العلل)) (٤/١) من طريق الحسين بن شبيب
٧٢٢
الآجري : أخبرنا أبو حمزة الأسلمي - بـ (طرسوس) -: حدثنا وكيع : ثنا أبو
إسرائيل عن أبي إسحاق ... به .
كذا قال: ((أبو إسرائيل))، وأظنه وهماً من أبي حمزة الأسلمي؛ فإنه غير
معروف عندي ، ولم يذكره أحد فيما علمت ، حتى ولا الحافظ الذهبي في ((كناه).
أو الوهم من الراوي عنه الحسين بن شبيب ؛ فإن الخطيب في ترجمته ساق الحديث
ولم يزد ! سوى أنه ذكر في إسناده أنه كان من النساك المذكورين .
وإن مما يؤكد الوهم أن عبدالله بن أحمد قال (ص ٧٠) : حدثنا أبي : حدثنا
وكيع بحديث إسرائيل ... به ؛ إلا أنه قال : عن عبدالله بن خليفة عن عمر قال :
((إذا جلس الرب على الكرسي))؛ فاقشعر رجل سماه أبي عند وكيع ، فغضب
وکیع وقال :
(أدركنا الأعمش وسفيان يحدثون بهذه الأحاديث ولا ينكرونها)).
وأقول : نعم ؛ إذا كانت أحاديث صحيحة ، كحديث النزول الإلهي كل ليلة ،
وأحاديث الأصابع واليدين ونحوها ، وأما فضعيف منكر لا نرضاه ، وقد قال
الذهبي في كتابه ((العلو)) (ص ١٢٣ - ١٢٤ - مختصره) :
((وليس للأطيط مدخل في الصفات أبداً؛ بل هو كاهتزاز العرش لموت سعد ،
وكتفطر السماء يوم القيامة ، ونحو ذلك ومعاذ الله أن نعده صفة لله عز وجل . ثم
لفظ الأطيط لم يأت في لفظ ثابت)). وقال ابن خزيمة في ((التوحيد)) (ص٧١) :
((وقد رواه وكيع بن الجراح عن إسرائيل عن أبي إسحاق عن عبدالله بن خليفة
مرسلاً ؛ ليس فيه ذكر عمر لا بيقين ولا ظن ، وليس هذا الخبر من شرطنا ؛ لأنه غير
متصل الإسناد ، لسنا نحتج في هذا الجنس من العلم بالمراسيل المنقطعات)).
٧٢٣
قلت : وقد روي متصلاً بذكر عمر فيه مرفوعاً ، ولا يصح أيضاً؛ لأن مداره
على أبي إسحاق وكان اختلط ، وإسرائيل - وهو : ابن يونس بن أبي إسحاق - سمع
من جده بعد الاختلاط .
وعبدالله بن خليفة : مجهول لا يعرف إلا في هذا الإسناد . وقال ابن الجوزي :
«هذا حديث لا يصح عن رسول الله ع﴿ ، وإسناده مضطرب جداً ، وعبدالله
ابن خليفة ليس من الصحابة ؛ فيكون الحديث الأول مرسلاً ، وتارة يرويه ابن خليفة
عن عمر مرفوعاً، وتارة يوقفه على عمر ، وتارة يوقف على ابن خليفة ، وكل هذا
تخليط من الرواة ؛ فلا يعوَّل عليه)) .
٦٣٣٠ - (رأيتُ رَبِّي بِمِنىٌّ عند النَّفرِ، على جَمَلٍ أَوْرَقَ، عليه جُبَّةُ
صوفٍ ، أمامَ الناسِ) .
موضوع. أخرجه ابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) (١٣٥/٩) من طريق أبي
علي الأهوازي : نا أحمد بن علي بن الحسن بن أبي السنديان بـ (أطرابلس) : نا
أبو محمد عبدالله بن الحسن بن غالب بن الهيثم القاضي بـ(غرفة) : نا عبدالله
ابن محمد البغوي : نا هدبة بن خالد : نا حماد بن سلمة عن وکیع عن أبي رزین
لقيط بن عامر ... مرفوعاً . وقال :
(كتبه أبو بكر الخطيب الحافظ عن الأهوازي متعجباً من نكارته ، وهو حديث
موضوع لا أصل له ، وقد وقعت لنا نسخة البغوي عن هدية بعلو . وليس هذا
الحديث فيها . وأبو محمد هذا وابن السنديان : غير معروفي العدالة ، والأهوازي :
متهم)) .
قلت : لا أدري أين رواه الخطيب ، وليس هو في ((تاريخ بغداد))، وقد قال
الذهبي في ترجمة الأهوازي من «الميزان» :
٧٢٤
((وقد روى أبو بكر الخطيب بقلة ورع عن الأهوازي ... )) .
قلت : فساقه بتمامه ، وذکر عن ابن عساكر ما تقدم من اتهامه به الأهوازي ،
وقد رواه الذهبي في ترجمته من ((السير)) (١٦/١٨) بسنده عنه ... به ، وقال عقبه :
((وقال ابن عساكر في «تبيين كذب المفتري)» : لا يستبعدن جاهل كذب
الأهوازي فيما أورده من تلك الحكايات ؛ فقد كان من أكذب الناس فيما يدعي
من الروايات في القراءات)) .
قلت : لكن فوقه وكيع - وهو : ابن عُدس ، ويقال : حدس .. وهو الصواب ؛
كما حققته في ((الظلال)) (٢٠١/١)، وهو - مجهول لم يرو عنه غير يعلى بن عطاء،
وقد سقط هذا من بين حماد بن سلمة ووكيع من ((التاريخ)) و((السير)) أيضاً؛ فلعله
من قبل الأهوازي . والله أعلم .
وأما حديث حماد بن سلمة عن قتادة عن عكرمة عن ابن عباس مرفوعاً بلفظ :
((رأيت ربي جعداً أمرد عليه حلة خضراء)).
فهو خبر منكر - كما قال الذهبي في ((السير)) (١١٣/١٠) -، ولعل العلة تكمن
في عنعنة قتادة ، هذا إن لم يكن الحديث مختصراً من حديث الرؤيا الصحيح،
- كما كنت ذهبت إليه في ((الظلال)) (١٨٨/١ - ١٨٩)، وهو مخرج هناك برقم
(٣٨٨) -، وقد صححه البخاري والترمذي من حديث معاذ، وقد أخرجه أحمد
(٣٦٨/١) من طريق أبي قلابة عن ابن عباس بلفظ:
(أتاني ربي عز وجل الليلة في أحسن صورة - أحسبه يعني: في النوم -،
فقال :... )) بذكر الحديث في اختصام الملأ الأعلى . ورجاله ثقات رجال الشيخين ؛
لكن أبو قلابة فيه تدليس ، لكن وصله الترمذي (٣٢٣٢) بذكر خالد بن اللجلاج
٧٢٥
بینه وبین ابن عباس ، وحسَّن إسناده الترمذي بقوله :
((حسن غريب من هذا الوجه)) .
وله شواهد كثيرة منها عن جابر بن سمرة قال : قال رسول الله
: .
((إن الله تجلى لي في أحسن صورة، فسألني: فيما يختصم الملأ الأعلى ... ))
الحديث .
أخرجه ابن أبي عاصم في ((السنة)) (٤٦٥/٢٠٣/١) بسند حسن - كما كنت
بينته في ((الظلال)) -، وقد استوعب الكلام على بقية الشواهد الأخ الفاضل جاسم
الفهيد الدوسري في تعليقه على رسالة الحافظ ابن رجب: ((اختيار الأولى في
شرح حديث اختصام الملأ الأعلى)) (٣٤ - ٣٦)؛ فقد جمع فيه طرقه عن اثني
عشر صحابياً ، مع بيان ما لها وما عليها حسب القواعد العلمية الحديثية ، وليس
كما فعل ابن الجوزي في ((العلل المتناهية))؛ فإنه ساق فيه (١٤/١ - ٢٣) بعض
هذه الطرق دون تمييز بين صحيحها وضعيفها ؛ بل أوهم القراء بضعف جميعها
بنقله عن البيهقي أنه قال :
((قد روي من أوجه كلها ضعاف))! وتمام كلام البيهقي في ((الأسماء)) (ص ٣٠٠):
((وأحسن طريق فيه رواية جهضم بن عبدالله ، ثم رواية موسى بن خلف)).
قلت : ورواية جهضم هي التي صححها البخاري والترمذي ، وسنده صحيح
متصل ، ومن اضطرب في إسناده ؛ فلا يؤثر في صحته ، لأن من حفظ حجة على
من لم يحفظ ، وزيادة الثقة مقبولة .
هذا ولأبي علي الأهوازي إسناد آخر من حديث أسماء بلفظ آخر مثل هذا في
النكارة أو أشد ، أورده ابن الجوزي في ((الموضوعات)) (١٢٤/١-١٢٥)، وقال فيه :
٧٢٦
((هذا حديث لا يشك أحد في أنه موضوع محال ، ولا يحتاج لاستحالته
النظر في رجاله ، إذ لو رواه الثقات؛ كان مردوداً ، والرسول منزه أن يحكي عن الله
عز وجل ما يستحيل عليه ، وأكثر رجاله مجاهيل ، وفيهم ضعفاء . قال ابن منده :
حديث الجمل باطل موضوع على رسول الله ﴿ٍ)).
قلت : ولذلك كنت أود لابن الجوزي أن يورد في ((موضوعاته)) ما يشبه هذا
في الوضع ، وأن لا يورد في ((علله)) أحاديث اختصام الملأ الأعلى ويضعفها ، وبعضها
صحيح - كما تقدم عن البخاري والترمذي -، وأقره ابن كثير (٤٣/٤) ، وصححه
أبو زرعة أيضاً والضياء المقدسي في ((المختارة)).
وقد استغل بعض المبتدعة الضالين إيراد ابن الجوزي - عفا الله عنه - أحاديث
الاختصام في كتابه ((شبه التشبيه)) ؛ فانصاع المشار إليه لما أوهمه من تضعيفه إياه ،
فقال بعد [أن] عزاه لجمع من الحفاظ - منهم الترمذي مصححاً كما تقدم -، فعقب
على التخريج بقوله (ص١٤٨) :
((وذكره الذهبي في (سير أعلام النبلاء)) (١١٣/١٠ - ١١٤) وقال:
وهو بتمامه في تأليف البيهقي ، وهو خبر منكر ، نسأل الله السلامة في
الدين ... )) .
وهذا تضليل عجيب للقراء ، وافتراء خطير على الحافظ الذهبي رحمه الله .
فإنه إنما عنى بقوله: ((وهو خبر منكر)) .. حديث حماد المتقدم عن قتادة ...
عن ابن عباس: ((رأيت ربي جعداً أمرد ... )) الحديث ، وقد نقلت هناك (ص٧٢٥)
استنكاره إياه ، ومن خباثة هذا المضلل أنه حذف تمام كلام الذهبي وهو قوله :
((فلا هو على شرط البخاري ، ولا مسلم ، ورواته وإن كانوا غير متهمين ؛ فما
٧٢٧
هم بمعصومين من الخطأ والنسيان)) .
ويؤكد ما ذكرت أنه ذكر نحو هذا في ترجمة حماد من ((الميزان)) ، فقال عقب
حديثه هذا :
((فهذا من أنكر ما أتى به حماد بن سلمة، وهذه الرؤية رؤية منام إن صحت)).
وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية - في رده على الرافضي الذي اتهم أهل
السنة بأن الله ينزل كل ليلة جمعة بشكل أمرد راكباً على حمار، قال الشيخ - في
((منهاج السنة)) (٢٦١/١) :
«هذا الحديث الذي ذكره لم يروه أحد لا بإسناد صحيح ، ولا يروي أحد من
أهل الحديث أن الله تعالى ينزل ليلة الجمعة ، ولا أنه ينزل ليلة الجمعة إلى
الأرض ، ولا أنه ينزل في شكل أمرد، بل لا يوجد في الآثار شيء من هذا
الهذيان، بل ولا في شيء من الأحاديث الصحيحة أن النبي :{ * قال: إن الله
ينزل إلى الأرض ، وكل حديث روي فيه مثل هذا فإنه موضوع كذب مثل حديث
الجمل الأورق ، وأن الله ينزل عشية عرفة فيعانق الركبان ، ويصافح المشاة ، وحديث
آخر أنه رأى ربه في الطواف ، وحديث آخر أنه رأى ربه في بطحاء مكة . وأمثال
ذلك ؛ فإن هذه كلها أحاديث مكذوبة باتفاق أهل المعرفة بالحديث)).
قلت: ومن ذلك ما سيأتي برقم (٦٣٧١).
٦٣٣١ - (يُوشِكُ الشِّركُ أن يَنْتَقِلَ من رَبع إلى ربع ، ومن قبيلة إلى
قبيلة . قيل : وما ذلك الشركُ؟ قال: قوم يأتون بعد كم يَحُدُّونَ اللهَ
حَدّاً بالصِّفَة) .
موضوع . وآثار الوضع والركة وعلم الكلام عليه ظاهرة ، ولا غرابة في ذلك ،
٧٢٨
فإنه لم يروه أحد من أهل السنة ، وإنما تفرد به ((مسند الربيع بن حبيب)) الذي لا
يُعرف مؤلفه بالثقة والضبط حتى عند أتباعه الإباضية ! فقال فيه (٢١٦/٣ -
مطبعة الاستقامة) : قال جابر بن زيد : حدثنا أنس بن مالك : أن رسول الله
قال :... فذكره .
قلت : وهذا إسناد معلّق - فإنه رغم جهالة الربيع ؛ - لم يصرح بسماعه من
جابر بن زيد ؛ فإنه مجهول العدالة مجهول الوفاة ، وليس عند أتباعه علم به إلا
الظن؛ فالذين طبعوا ((مسنده)) في دار (الفتح - بيروت) ، طبعوا تحته ما نصه: ((أحد
أفراد النبغاء من آخر قرن البعثة))! والذين طبعوا شرحه للشيخ عبدالله بن حميد
السالمي في سلطنة عُمان طبعوا مكان ذلك: ((من أئمة المائة الثانية للهجرة))!
إن يظنون إلا ظناً وما هم بمستيقنين ! ومما يدل على ذلك أن الأستاذ التنوخي
- عفا الله عنه ، وقد حاباهم ما شاءت له المحاباة - قال في تقديمه للشرح المذكور
(ص د) :
((ومع أننا لم نعثر على تاريخ حياته ؛ فإننا نقدر أنه بدأ بجمع («مسنده)) في
صدر المائة الثانية ... )) .
ومن قرأ مقدمة الشارح السالمي للمسند المزعوم يتبين له : ((أنه كان مشوشاً ،
وأنه رتبه الشيخ يوسف بن إبراهيم السدراني ، وأنه يحوي روايات الربيع عن أبي
عبيدة عن جابر ، وأن الشيخ المذكور ضم إليه بعض روايات الربيع عن ضمام عن
جابر ، وروايات أبي سفيان عن الربيع ، وروايات الإمام أفلح عن أبي غانم وغيره،
ومراسیل جابر بن زيد)» .
قلت : فمن نكد الدنيا أن يسمى هذا (الكشكول): ((مسند الربيع))! وأنكد
٧٢٩
منه أن يسميه الإباضية ((الجامع الصحيح))! والواقع أن أحداً من العلماء بالحديث
الشريف ورجاله لا يستطيع أن يثبت بطريق علمي صحة حديث واحد منه ! فضلاً
عن أن يثبت صحة نسبة الكتاب إلى الربيع أولاً ! وكون الربيع نفسه من الثقات
الحفاظ ثانياً !
ومع هذه الطوام نجد ذاك الجاهل المتعالم الذي لا يعرف من العلم إلا الجعجعة ،
وتسويد الصفحات بالطعن على كبار المحدثين والعلماء ؛ لا لشيء إلا لتمسكهم بعقيدة
السلف ، والاستعلاء على علماء عصره ونصبه نفسه عليهم معلماً؛ يوضح لهم ما كان
خافياً ، ويفرِّج عنهم كربة الحيرة والضلال في فهم أحاديث الصفات ! فاسمع إليه
کیف یقول في مقدمته لكتاب ابن الجوزي : «دفع شبه التشبيه» (ص٤) :
((وإنما نريد الإيضاح وخدمة أهل العلم والطلاب)) .
وقال في آخرته (ص٢٧٤) :
(«نسأل الله تعالى أن نكون بهذا التعليق قد فرجنا عن أهل العلم وطلابه كربة
الحيرة في هذه الأحاديث المتعلقة بالصفات)).
هذا الجاهل المتعالم يصف الربيع بن حبيب الإباضي في تعليقه (ص١٢٤)
بـ((الإمام))، ويصف ((مسنده) بـ((الجامع الصحيح)) ، وقال فض فوه :
((وهو كتاب محفوظ منقول بالاعتناء عند أهل مذهبه ؛ ككتب الفقه المنقولة
عن الأئمة المقتدى بهم، ففيه ... )) .
ثم ساق له حديثين ؛ لأنهما يشهدان لتعطيله وتجهمه وإنكاره للصفات
- كالإباضية القائلين بأن القرآن مخلوق ، وأن الله تعالى لا يراه المؤمنون يوم
القيامة ، وغيرها من عقائدهم الباطلة -، فترى هذا الجاهل الأفين يستشهد بهذا
٧٣٠
((المسند))، ويُشَبِّهه بكتب الأئمة - وهو كاذب في ذلك يقيناً -. هذا الحديث
أحدهما، والآخر فيه زيادة باطلة على حديث ((الصحيحين)) عن أبي موسى الذي
فيه :
((إنكم لا تدعون أصمَّ ولا غائباً ... )) ولا مجال الآن لبيان ذلك ، ولكني أريد
أن أبيِّن لهذا الجاهل الذي عزا الحديثين لإمامه (!) الربيع ، وساق إسناد الربيع
فيه : أخبرنا أبو ربيعة زيد بن عوف العامري البصري قال : أخبرنا حماد بن
سلمة ... إلخ ، فأقول :
إن هذا الإسناد مما يدل على بطلان ادعاء الإباضية المتقدم أن الربيع ((من آخر
قرن البعثة))! بل وادعاء من قال: إنه ((من أئمة المائة الثانية))! وذلك لأن حماد بن
سلمة الذي هو شيخ زيد بن عوف في هذا الإسناد هو نفسه من أئمة المائة الثانية ،
بل من أواخرها ؛ فإنه مات سنة (١٦٧) ، وزيد بن عوف شيخ الربيع في هذا
الإسناد هو من شيوخ أبي حاتم كتابة عنه ، وقد توفي سنة (٢٧٧).
وعلى هذا فالربيع إن كان هو الراوي عن زيد بن عوف ؛ يكون من رجال القرن
الثالث ، وإلا ؛ فالراوي عنه ليس هو الربيع ، فيكون عزو الحديث إليه كذباً من
جهل هذا المتعالم اغتراراً منه بدعاوى الإباضية .
وهذا هو الذي يترجح عندي : أن الراوي للحديث الثاني هو غير الربيع ؛
لأسباب كثيرة لا مجال لذكرها الآن ، لكن يكفي الإباضية ومن على شاكلتهم ما
ذكره الشيخ السالمي الإباضي في (مقدمته) أن من شيوخ الربيع حماد بن سلمة ،
وهذا في إسناد الحديث شيخ شيخ الربيع : زيد بن عوف - كما تقدم -.
ومن الغرائب التي تدل على جهل علماء الإباضية - أو على الأقل عدم
٧٣١
اعتمادهم على كتب علماء الحديث في تراجم الحديث -: أن الشيخ السالمي أورد
حماد بن سلمة وغيره من شيوخ الربيع - كما زعم - في جملة شيوخ الربيع المجاهيل
! مع أن حماد بن سلمة من أشهر علماء الحديث والذابين عن السنة - كما يعرف
ذلك صغار الطلبة -، ولعله لهذا السبب تجاهله الإباضية .
وكان شراً منهم ذلك الجاهل الذي يطعن فيه وفي أحاديثه ، ويعتبر وجوده في
إسناد حديث ما مسقطاً لصحة الحديث إلا إذا وافق هواه؛ فانظر حديث قوله {# *
للجارية: ((من ربك؟))؛ فإنه صححه في غير مكان من تعليقه على ((دفع شبه
التشبيه))، مع أنه أساء القول فيه جداً مقلداً للشيخ الكوثري ؛ فراجع هذا الحديث
في ((الصحيحة)) (٣١٦١)، فقد جمعت فيه طرقه وألفاظه التي منها قوله ﴾
للجارية : ((أين الله؟)).
أخرجه مسلم وغيره من أهل الصحاح ؛ كأبي عوانة وابن خزيمة وابن حبان
وابن الجارود ، وصححه أيضاً البيهقي والبغوي والذهبي والعسقلاني وغيرهم. ومع
ذلك فإن هذا الجاهل الأفين يستعلي على هؤلاء الأئمة الفحول ؛ ويخطئهم في
تصحیحهم لهذا الحدیث ويقول (ص١٠٨) :
((ونحن نقطع بأن النبي ** لم يقل لفظ: (أين الله؟))).
ويصف هذا اللفظ النبوي في مكان آخر (ص١٨٨) فيقول - فض فوه - :
((اللفظ المستشنع الشاذ))!
ويبني على ذلك إنكار ما في جواب الجارية: ((في السماء)) .. المطابق لقوله
تعالى: ﴿أأمنتم من في السماء﴾ ؛ فيقول في نفس الصفحة دون أدنى تردد أو حياء :
((ولا عبرة بكلام المعلق على ((الفتح)) البتة ؛ لأنه لا يعرف التوحيد ! فليخجل
٧٣٢
بعد هذا من يدعو الناس إلى عقيدة (الله في السماء) وليتب)) !!
ويشير بقوله: ((المعلق على (الفتح)) إلى فضيلة الشيخ ابن باز حفظه الله من
كل مكروه ونفع به المسلمين ؛ وذلك لأنه قال في تعليقه :
((الصواب عند أهل السنة وصف الله سبحانه بأنه فوق العرش - كما دلت على
ذلك نصوص الكتاب والسنة -، ويجوز عند أهل السنة السؤال عنه بـ: (أين) ؛
كما في ((صحيح مسلم)) ... )).
وهذا حق لا يخفى إلا على أعمى البصر والبصيرة عياذاً بالله تعالى .
وإن مما يؤكد ضلال هذا الجاهل وزيغه ومحاربته لعلماء الحديث والسنة : أنه
يستعين على ترويج ضلاله وتجهمه احتجاجه بهذا الحديث على تعطيل علوه تعالى
على خلقه ، واستوائه على عرشه استواءً يليق بجلاله وعظمته ، ويتأول الاستواء
بتأويل المعطلة ؛ فيقول (ص١٢٤) :
«معناه قهر واستولى» !
ثم يؤيد ذلك بهذا الحديث الباطل ، الذي يرمي المؤمنين بصفاته تعالى
بالشرك ، وأنهم يحدون الله حداً بالصفة !
فالإيمان باستعلائه تعالى واستوائه على عرشه تحديد له ؛ لزعمهم أن ذلك يستلزم
القول بالتشبيه والتجسيم ؛ ولذلك يرميني هذا الجاهل الضال ويصفني كلما ذكرني بـ
((المجسم))! ولا غرابة في ذلك؛ فإنه يرمي بذلك كبار الأئمة كابن خزيمة وابن تيمية
وابن القيم وغيرهم ممن هم على نهج السلف الصالح رضي الله عنهم أجمعين(١).
(١) ويصرح الخبيث بتكفير من يرميهم بالتجسيم؛ فيقول (ص٢٤٥): ((لا يجوز أن
نتهاون مع المجسمة ؛ فالمجسمة كفار بلا مثنوية)) ! عليه من الله ما يستحق .
٧٣٣
وإن من عجيب أمر هؤلاء المعطلة النفاة لعلو الله على عرشه أنهم يتوهمون من
إثبات العلو إثبات المكان لله عز وجل ؛ وهذا مما يدل على بالغ جهلهم ! لأن الله
تعالى كان قبل كل شيء ، ثم خلق الأمكنة والسماوات والأرض وما بينهما ، وقد
صح في المعقول وثبت بالواضح من الدليل أنه كان في الأزل لا في مكان - كما
قال حافظ الأندلس ابن عبد البر رحمه الله في ((التمهيد)) (١٣٥/٧ -١٣٦) -، فهو
تعالى ليس في مكان أزلاً وأبداً .
ومع هذا الجهل البالغ فقد وقعوا فيما منه فروا ؛ لقد فروا مما توهموه ضلالاً - وهو
الحق يقيناً؛ أن الله فوق المخلوقات كلها ومنها الأمكنة -، فوقعوا في الضلال الأكبر
حين قالوا : إنه في كل مكان ، وافترى بعض الإباضية في ذلك حديثاً نسبوه إلى
النبي : - كما سترى في الحديث الذي بعده -. والله المستعان .
٦٣٣٢ - (لا تَتَفَكَّروا في الله ؛ فإنه لا مثْلَ له، ولا شَبِيْهَ ولا نظيرَ،
ولا تَضْربوا لله الأمثالَ ، ولا تَصفوه بالزَّوال ؛ فإنه بكل مكانٍ) .
موضوع. قال الربيع في ((مسنده)) (٢١٧/٣): وبلغنا عن أبان بن [أبي](*)
عیاش عن أنس بن مالك قال :
خرج النبي ﴿1 على قوم جلوس ، فقال : ما أجلسكم؟ فقالوا : نتفكر في
الله، فقال ◌َ :... فذكره .
قلت : وهذا موضوع ؛ آفته أبان بن [أبي] عياش، وهو متروك - كما قال الذهبي
والعسقلاني -. وجملة التفكر قد رويت من طرق أخرى ، بدا لي من مجموعها
أنها ترتقي إلى مرتبة الحسن ؛ ولذلك خرجته في ((الصحيحة)) (١٧٨٨).
(*) سقطت من قلم الشيخ رحمه الله في الموضعين . (الناشر) .
٧٣٤
وأما سائر هذا الحديث ، وبخاصة الجملة الأخيرة منه فإنها باطلة ، وهي من
وضع الجهمية والمعطلة لصفات الله عز وجل ؛ الذين يتأولونها غير تأويلها المعروف
عند السلف ، ويعبرون عن المجيء المصرح به في القرآن والنزول المتواتر عن النبي
بالزوال - كما في هذا الحديث -، أو الانتقال ــ كما يفعل ابن الجوزي وغيره -،
ثم يقولون : هذا من صفات المخلوقات ؛ فلا يجوز وصف الله بذلك ! والحقيقة أن
المجيء والنزول لا يجوز تأويله بما ذكروا ، وهو صفة لله ؛ وصف بها نفسه ، نصفه بها
دون تشبيه ولا تعطيل ؛ ﴿ليس كمثله شيء وهو السميع البصير﴾، فهم وقعوا حين
عَبَّروا بما تقدم في التشبيه ، ففروا منه إلى التعطيل .
فما أحسن ما قال شيخ الإسلام ابن تيمية في الجزء الأول من كتابه العظيم
((منهاج السنة)) :
((المشبه يعبد صنماً، والمعطل يعبد عدماً، المشبه أعشى، والمعطل أعمى)).
ومما يبطل هذا الحديث قوله: ((فإنه في كل مكان)) ؛ فإن الله عز وجل كان ولا
مكان ، وهو الغني عن العالمين - كما تقدم بيانه في الحديث الذي قبله - فتنبه !
ولما رأى بعض المعطلة المعاصرين أن وصف الله عز وجل بأنه في كل مكان لا
يقف أمام أدلة الشرع والعقل - كما سبق هناك -؛ لجأ إلى التستر والمراوغة والتدليس،
فقال ذلك الجاهل الغماري في تعليقه (ص١٢٧) :
((وهنا أمر مهم جداً وهو: أننا لا نقول بأن الله موجود في كل مكان البتة ، بل
نكفر من يقول ذلك ، ونعتقد أن الله موجود بلا مكان ، لأنه خالق المكان)) !
وفي هذا الكلام من هذا الجاهل المدلس أمور هامة ، يجب التنبيه عليها أو
على بعضها على الأقل ؛ مبتدئاً منها بالأهم :
٧٣٥
أولاً : اعتقاده بأن الله موجود بلا مكان : تدليس خبيث ؛ لأنها كلمة حق
أريد بها باطل ، لأن ظاهرها تنزيه الخالق - سبحانه وتعالى - عن الحلول في المكان
المخلوق الذي يقول به المعتزلة والإباضية - كما في حديثهم هذا -، وهذا التنزیه حق
واجب - كما تقدم بيانه في الحديث الذي قبله -؛ ولكن الذي يرمي إليه هذا المدلس
ويقصده هو تعطيل صفة علو الله تبارك وتعالى على عرشه والمخلوقات كلها ، وكونه
تعالى فوقها؛ فإنه من ضلاله البالغ أنه يسمي هذه الفوقية مكاناً تمهيداً لنفيها !
وتعليقاته كلها تدور حول هذا النفي ، ويعطل كل دلالات الآيات والأحاديث
بتأويلها! وتعطيل معانيها! ولنقدم على ذلك مثالاً واحداً ، ألا وهو قوله تعالى:
﴿أأمنتم من في السماء﴾؛ فإنه يعطله بمثل قوله: ((إما أن يقال :... ، وإما أن
يقال : ... )) !! ثم قال (ص١٣٩):
((وقوله تعالى: ﴿أأمنتم من في السماء﴾ مؤول عند المجسمة بـ (من على
السماء) ... )» إلخ.
ونقول : هذا ليس تأويلاً - أيها الجاهل المتعالم ! - كما بينه العلماء ، حتى
بعض المؤولة لبعض النصوص ، كالحافظ البيهقي الذي قال في أكثر من موضع من
كتابه ((الأسماء والصفات)) (٣٧٧ و٤١١ و٤٢١)، وكذلك في كتابه الآخر
((الاعتقاد)) (ص١١٣) :
((فمعنى الآية : من على العرش؛ كما صرح به في سائر الآيات)).
وذكر في الباب الآيات التي أشار إليها ؛ فهل الإمام البيهقي - أيها الضال
المضل ! المكفر لأئمة المسلمين ! - هو أيضاً مجسم عندك ، لأن القائلين بعلو الله
على خلقه هم مجسمة عندك ، والمجسمة كفار لديك؟!
٧٣٦
ثم أيَّد ضلاله بكلام نقله من ((تفسير البحر المحيط)) لأبي حيان (٣٠٢/٨)،
لم ينقله بتمامه ، فإنه يعلم أنه لو فعل ؛ لافتضح وانكشف زيغه ، فقد قال أبو
حيان في الآية المتقدمة ما نصه :
((المعنى: أأمنتم من تزعمون أنه في السماء وهو المتعالي عن المكان)). تعالى
الله عما يقولون علواً كبيراً .
هذا التفسير من هذا المعطل هو الذي ضل به هذا الجاهل ، ومن قبله شيخه
الغماري المسمى بعبدالله، الذي أنكر حديث الجارية وشهادة النبي ثم ﴿ لها بالإيمان
لشهادتها أن الله في السماء ؛ مقلداً في ذلك تأويل أبي حيان للآية بالتأويل المتقدم ؛
فقال - هداه الله - :
((أما كون الله (في السماء) فكانت عقيدة العرب في الجاهلية ، وكانوا مشركين ؛
فكيف تكون دليلاً على الإسلام؟)» !!
انظر تمام كلامه؛ بل ضلاله في ((الصحيحة)) تحت الحديث (٣١٦١).
وليس البيهقي وحده - ممن يظهر ذاك الضال تبجيله - فسر الآية بأنه تعالى
على السماء ؛ بل إنه قد تبعه على ذلك جمع من العلماء الفضلاء - الذين نظن
أنه لا يستطيع الضال أن يرميهم بالتجسيم -؛ مثل حافظ الأندلس ابن عبدالبر ، فإنه
صرح في ((التمهيد)) (١٣٠/٧) أن معنى الآية - كما تقدم عن البيهقي، فقال -:
((فمعناه من على السماء؛ يعني: على العرش ... )).
وقال (١٢٩/٧) تعليقاً على حديث النزول الإلهي :
((وفيه دليل على أن الله عز وجل في السماء على العرش من فوق سبع
٧٣٧
سماوات - كما قالت الجماعة -، وهو من حجتهم على المعتزلة والجهمية في
قولهم : إن الله عز وجل في كل مكان ، وليس على العرش ، والدليل على صحة ما
قاله أهل الحق في ذلك ... )) .
ثم ذكر الآيات الدالة على ذلك ، ورد على المعتزلة الذين ادعوا المجاز في آية
الاستواء وغيرها في بحث واسع مفيد جداً؛ فليراجع .
بل إن ابن الجوزي نفسه قد سلك سبيل الجماعة في تفسير الآية خلافاً
لحيده عنهم في ((دفعه))! فقال في تفسيره ((زاد المسير)) (٣٢٢/٤):
((قال ابن عباس : أأمنتم عذاب من في السماء وهو الله عز وجل)).
فلم يقل - كما قال مقلَّد ذاك الضال ـ:
((أأمنتم من تزعمون أنه في السماء)) !
وفي الواقع إني لأشفق على هذا الرجل ؛ العرامته في ضلاله ، وغلوه وجرأته
في مخالفة أئمة المسلمين ؛ بل وتكفيرهم ! وأخذه بأقول المعتزلة وأشباههم من
الضالين قديماً وحديثاً؛ فهو لا يحسن أن يأخذ من الأقوال المختلفة إلا أضلها ،
ويعرض عما كان منها صواباً محضاً ، الأمر الذي يذكرني بذاك الرجل الذي أتى
راعياً فقال : أعطني شاة من غنمك؟ فقال له : اذهب فخذ بأذُن خيرها . فذهب
فأخذ بأذن كلب الغنم ! وإني لأظنه أنه لم يقل يوماً ما داعياً ربه اقتداءً بنبيه
((اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل! فاطر السماوات والأرض ! عالم
الغيب والشهادة ! أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون ؛ اهدني لما اختلف
فيه من الحق بإذنك ، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم))(*).
(*) كذا في الأصل عند الشيخ رحمه الله تعالى؛ لم يأتِ بـ(ثانياً) ... إلخ. (الناشر).
٧٣٨
٦٣٣٣ - (ذاك يومٌ يَنْزل الله تعالى على كُرْسيِّه، يَئطُّ كما يئطُّ
الرَّحْلُ الجديدُ من تضايقه به ، وهو كَسَعَةٍ ما بين السماءِ والأرضِ) .
منكر. أخرجه الدارمي في ((سننه)) (٣٢٥/٢)، والحاكم (٣٦٤/٢)، والديلمي
في ((مسند الفردوس)) (٢/٨١/١) من طريق الصعق بن حزن عن علي بن الحكم
عن عثمان بن عمير عن أبي وائل عن ابن مسعود عن النبي ◌َ ◌ّثم قال:
قيل له : ما المقام المحمود؟ قال :... فذكره. وقال الحاكم :
((صحيح الإسناد ، وعثمان بن عمير هو: أبو اليقظان)) . وتعقبه الذهبي بقوله :
((لا والله ! فعثمان ضعفه الدارقطني، والباقون ثقات)).
قلت : هو عند الدارقطني أسوأ مما حكاه عنه ، فقد قال البرقاني في ((سؤالاته))
(ص٥١) :
((سألته عن عثمان بن عمير أبي اليقظان؟ فقال: كوفي متروك)).
ولم يذكر الحافظ في ((التهذيب)» عن الدارقطني: ((كوفي)»، وما أورده في
ترجمته من أقوال الأئمة فيه كلها مجمعة علی تضعيفه . لكن روى ابن عدي في
((الكامل)) (١٦٧/٥) عن ابن معين أنه قال فيه :
(ليس به بأس)). وعن يحيى بن سعيد أنه سئل: ((كيف حديثه؟)). فقال:
(صالح)) .
وقد لخص الحافظ تلك الأقوال بقوله في ((التقريب)» :
((ضعيف، واختلط، وكان يدلس، ويغلو في التشيع)).
٧٣٩
قلت : وفي أول الحديث زيادة عند الحاكم : أنه سئل عن أمه؟ فقال :
((أمي مع أمكما)) . يعني : في النار .
وأنه سئل عن أبيه؟ فقال :
((ما سألتهما ربي فيعطيني فيهما)).
وفي ((صحيح مسلم)) وغيره ما يخالفه .
٦٣٣٤ - (إن الله عز وجل يَنْزِلُ إلى سماءِ الدنيا، وله في كلِّ
سماءٍ كُرْسِيٌّ، فإذا نزلَ إلى سماءِ الدنيا ؛ جلسَ على كرسيِّه ، ثم مدَّ
ساعِدَيَه فيقولُ: مَنْ ذا الذي يُقْرِضُ غَيْرَ عادِمٍ ولا ظَلوم؟ من ذا الذي
يَستَغْفِرُني فأغفرَ له؟ من ذا الذي يتوبُ فأتوبَ عليه؟ فإذا كان عند
الصبحِ؛ ارتفعَ ، فجلسَ على كرسيِّه).
باطل بذكر (الكرسي والجلوس). أخرجه ابن منده في ((الرد على الجهمية))
(ص ٨٠) : أخبرنا عبد العزيز بن سهل الدباس - بمكة -: ثنا محمد بن الحسن
الخرقي البغدادي : ثنا محفوظ بن أبي توبة عن عبدالرزاق عن معمر عن الزهري
عن ابن المسيب عن أبي هريرة عن النبي :{18 قال : ... فذكره ، وقال :
((هكذا رواه الخرقي عن محفوظ بن أبي توبة عن عبدالرزاق ، وله أصل عن
سعيد بن المسيب مرسل)).
قلت : وهذا إسناد واهٍ جداً؛ مَن دون عبد الرزاق لم أجد لهم ترجمة ، غير
محفوظ بن أبي توبة : قال الذهبي في («الميزان)»:
((ضعَّف أحمد أمره جداً ... ولم يترك)).
٧٤٠