النص المفهرس
صفحات 441-460
((كان عجباً في الورع والخير، متوقياً للشهرة ، رأساً في العلم ، مات سنة
(٩٦) كهلاً» .
قلت : فالظاهر أنه يعني من أدركهم من الصحابة وكبار التابعين وأجلائهم،
كالأسود بن يزيد - وهو خاله - وشریح القاضي ، ومسروق وأبي زرعة - وهو الراوي
لأثر أبي هريرة المذكور آنفاً - وأبي عبيدة بن عبدالله بن مسعود ، والآثار في الباب
كثيرة ؛ بل إن بعضهم جعل الأخذ من اللحية من تمام تفسير قوله تعالى في
الحُجَّاج: ﴿ثم ليقضوا تفثهم﴾ ، فقال محمد بن كعب القرظي :
((رمي الجمار، وذبح الذبيحة، وأخذ من الشاربين واللحية والأظفار)).
أخرجه ابن جرير بسند جيد عنه .
ثم روی عن مجاهد مثله . وسنده صحيح .
ومجاهد ، ومحمد بن كعب من أجلة التابعين المكثرين من الرواية عن ترجمان
القرآن عبدالله بن عباس ، والآخذين العلم عنه والتفسير ، ولعلهما تلقيا منه تفسير
آية الحج هذه؛ فقد قال عطاء : عن ابن عباس أنه قال في قوله: ﴿ثم ليقضوا
تفتهم﴾ ، قال :
((التفث: حلق الرأس، وأخذ من الشاربين ، ونتف الإبط ، وحلق العانة ، وقص
الأظفار، والأخذ من العارضين ، ورمي الجمار، والموقف بعرفة والمزدلفة)).
أخرجه ابن جرير أيضاً ، وإسناده صحيح .
ورواه ابن أبي شيبة من طريق أخرى عن عطاء بن أبي رباح قال :
(«كانوا يحبون أن يعفوا اللحية؛ إلا في حج أو عمرة . وكان إبراهيم يأخذ من
عارض لحيته)» .
٤٤١
وإسناده صحيح أيضاً .
وإذا عرفت ما تقدم من هذه الآثار المخالفة لحديث الترجمة ؛ فالعجب كل
العجب من الشيخ التويجري وأمثاله من المتشددين بغير حق ، كيف يتجرأون على
مخالفة هذه الآثار السلفية؟! فيذهبون إلى عدم جواز تهذيب اللحية مطلقاً؛ ولو
عند التحلل من الإحرام ، ولا حجة لهم تذكر سوى الوقوف عند عموم حديث :
(( ... وأعفوا اللحى))، كأنهم عرفوا شيئاً فات أولئك السلف معرفته ، وبخاصة
أن فيهم عبدالله ابن عمر الراوي لهذا الحديث ؛ كما تقدم ، وهم يعلمون أن الراوي
أدرى بمرويه من غيره ، وليس هذا من باب العبرة بروايته لا برأيه ؛ كما توهم البعض ،
فإن هذا فيما إذا كان رأيه مصادماً لروايته ، وليس الأمر كذلك هنا كما لا يخفى على
أهل العلم والنهى ؛ فإن هؤلاء يعلمون أن العمل بالعمومات التي لم يجر العمل بها
على عمومها هو أصل كل بدعة في الدين ، وليس هنا تفصيل القول في ذلك ،
فحسبنا أن نذكر بقول العلماء وفي مثل هذا المجال: ((لو كان خيراً؛ لسبقونا إليه)).
أضف إلى ما تقدم أن من أولئك السلف الأول الذين خالفهم أولئك المتشددون
ابن عباس ترجمان القرآن الذي يحتجون بتفسيره ؛ إذا وافق هواهم ، بل وجعلوه في
حكم المرفوع ؛ ولو لم يصح السند به إليه ، كما فعلوا بما روي عنه في تفسير قوله
تعالى: ﴿يدنين عليهن من جلابيبهن﴾ قال: ((يبدين عيناً واحدة))(١)! ثم تراهم
هنا لا يعبأون بتفسيره لآية (التفث) هذه، مع ثبوته عنه وعن جمع من تلامذته ،
وقول ابن الجوزي في ((زاد المسير)) (٤٢٦/٥ -٤٢٧): بأنه أصح الأقوال في تفسير
الآية . والله المستعان .
(١) انظر كتابي ((حجاب المرأة المسلمة)) ومقدمة الطبعة الجديدة، طبع المكتبة الإسلامية،
وقد سميته فيها بـ ((جلباب المرأة المسلمة)) لسبب هام ذكرته هناك.
٤٤٢
ثم رأيت في ((الموطأ)) (٣٥٣/١ - ٣٥٤): عن مالك : أنه بلغه عن سالم بن
عبدالله : كان إذا أراد أن يحرم ؛ دعا بـ (الجَّلْمَيْن) ، فقص شاربه ، وأخذ من لحيته
قبل أن يركب ، وقبل أن يهل محرماً .
٦٢٠٤ - (السماءُ قِبْلةُ الدُّعاءِ) .
لم أقف له على أصل؛ إلا ما قاله الحافظ في ((نتائج الأفكار)) (٢٥٩/١ -
٢٦٠) في («آداب الدعاء)):
«قلت : أما الاستقبال ؛ فلم أر فيه شيئاً صريحاً يختص به ، وقد نقل الروياني
أنه يقول رافعاً بصره إلى السماء ، وقد تقدم ذلك في حديث عمر ، وفي حديث
ثوبان: ((السماء قبلة الدعاء)) ، فلعل ذلك مراد من أطلق)).
كذا قال ! وحديث ثوبان تقدم عنده (٢٤٥/١) ، وليس فيه ما ذكر ، ولا رأيت
ذلك في كتاب من كتب السنة التي وقفت عليها . بل ظاهر كلام شارح ((العقيدة
الطحاوية)): ابن أبي العز (ص٣٢٧) وغيره أن هذا الحديث المزعوم هو من قول
بعض المؤولة ، أو المعطلة الذين ينكرون علو الله على خلقه ، واستواءه على عرشه ،
وما فطر عليه الناس من التوجه بقلوبهم في دعائهم جهة العلو، فقال الشارح :
((إن قولكم: إن السماء قبلة الدعاء لم يقله أحد من سلف الأمة ، ولا أنزل
الله به من سلطان ... )).
٦٢٠٥ - (إن الله عز وجل سَرايا من الملائكة تَحُلُّ ، وتقفُ على
مجالسِ الذِّكْرِ في الأرضِ ؛ فارتَعوا في رِياضِ الجنةِ . قالوا : وأين
رياضُ الجنة؟ قال: مجالسُ الذكر، فاغدوا وروحوا في ذكرِ الله عزَّ
وجلَّ ، وذَكِّروه بأنفسكم .
٤٤٣
مَنْ كان يُحِبُّ أن يَعْلَمَ مَنْزِلَتَه عند الله ؛ فَلْيَنْظُرْ كيف مَنْزلة الله
عنده ؛ فإن الله عز وجل يُنزل العبدَ منه حيث أَنْزَلَه مِن نفسه)(*).
ضعيف . أخرجه أبو يعلى (١٨٦٥/٣٩٠/٣ و٢١٣٨/١٠٦/٤)، ومن طريقه
ابن حبان في «الضعفاء» (٨١/٢)، وكذا البزار (٣٠٦٤/٥/٤)، وعبد بن حميد
في ((المنتخب من المسند)) (١١٠٥/٥٤)، والطبراني في («الأوسط» (٢٦٧٤/١٣٩/١)،
والحاكم (٤٩٤/١ - ٤٩٥)، والبيهقي في ((الشعب)) (٥٢٨/٣٩٧/١)، وفي ((الدعوات))
(٦/٧) من طريق عمر بن عبد الله مولى غُفرة عن أيوب بن خالد بن صفوان
الأنصاري عن جابر بن عبدالله قال: خرج علينا رسول الله { ** فقال : ... فذكره،
وزاد بعضهم في أوله: ((يا أيها الناس! إن لله ... )). وقال الطبراني :
((لا يروى إلا بهذا الإسناد ، تفرد به عمر)).
قلت : وهو مختلف فيه ، والراجح عند الحفاظ المتأخرين ضعفه ؛ تبعاً لابن
معين والنسائي ، وغيرهما ، ولذلك لما قال الحاكم عقب الحديث :
«صحيح الإسناد)) ، رده الذهبي بقوله :
((قلت: عمر ضعيف)). وكذا قال الحافظ في ((التقريب)).
وقال المنذري في ((الترغيب)) (٢٣٤/٢) متعقباً على الحاكم :
((في أسانيدهم: عمر مولى غفرة ، ويأتي الكلام عليه ، وبقية أسانيدهم ثقات
مشهورون محتج بهم ، والحديث حسن . والله أعلم)) .
كذا قال ، وفي آخر الكتاب حكى الأقوال في تضعيفه وتوثيقه ، ولم يذكر
قول ابن حبان فيه :
(#) كتب هنا بهامش الأصل: مضى (٥٤٢٧) . (الناشر).
٤٤٤
((كان ممن يقلب الأخبار ، ويروي عن الثقات ما لا يشبه حديث الأثبات ؛ لا
يجوز الاحتجاج به ، ولا ذكره في الكتب إلا على سبيل الاعتبار)).
ثم إن في قول المنذري في بقية رجال إسنادهم :
((ثقات مشهورون ... )).
ففيه نظر ؛ لأن أيوب بن خالد - وإن كان من رجال مسلم -؛ ففيه لين ، كما
قال الحافظ في ((التقريب)) . والله أعلم .
(تنبيه) : قد أورد شارح العقيدة الطحاوية الشطر الثاني من الحديث بلفظ :
((إذا أحب أحدكم أن يعرف كيفية منزلته عند الله ... )) الحديث نحوه . فلما
خرجت أحاديث الشرح منذ ثلاثين سنة تخريجاً مختصراً لم أكن قد وقفت على
حديث الترجمة ؛ فقلت في ((التخريج)) المشار إليه :
((لا أعرفه)).
وهذا كلام سليم جار على منهج علماء الحديث ، وليس كذلك قول ذلك
المتشبع بما لم يعط والذي يستفيد من تخريجاتي وتعليقاتي ، ثم لا حمداً ولا
شكوراً كما يقال في بعض البلاد! ، بل ما شئت من النقد الجائر ، والتتبع للعثرات
التي لا ينجو منها أحد ، فانظر إليه كيف قلدني وهو الذي يدعي البحث والتحقيق
في التخريج؟! فقد قال في تعليقه على هذا الحديث في طبعة مؤسسة الرسالة
لشرح العقيدة قال (٣٨٩/١):
((ليس بحديث)).
فهذا النفي ، لا يصدر إلا من مغرور معجب بعلمه وحفظه للحديث ، وهو - كما
٤٤٥
يقال -: ليس في العير، ولا في النفير، وفي ظني أنه لا يخفى على مثله أنه لا
يجوز له ، ولا لمن هو أعلم منه وأحفظ أن يطلق هذا النفي ، وإنما أوقعه فيه تظاهره
بخلاف واقعه ، وهو استفادته من كتبي كما يشهد بذلك كل من يعرفه عن
كثب ، فبدل أن يقول كما قلت: ((لا أعرفه)) أو نحوه مثل: لم أقف عليه ؛ كما
يقول العلماء حقاً، الذاكرين لقول الله تعالى: ﴿وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً﴾
[قال كما ذكرت: ((ليس بحديث))](*) . والله المستعان .
٦٢٠٦ - (إني كنتُ حَكَكْتُ ذَكَري. يعني: فَتَوَضَّأَ نَّالِ).
منكر . أخرجه أبو عثمان البحيري في ((الفوائد)» (ق١/١١) من طريق يحيى
ابن أبي كثير عن المهاجر بن عكرمة عن الزهري عن عروة بن الزبير عن عائشة :
أن النبي ﴿ أعاد الوضوء في مجلس؛ فسألوه عن ذلك؟ فقال : ... فذكره .
قلت : وهذا إسناد ضعيف رجاله ثقات ؛ غير المهاجر هذا ، فإنه لم يوثقه غير
ابن حبان (٤٢٨/٥)، ولم يرو عنه من الثقات إلا اثنان يحيى هذا: أحدهما ،
والآخر : سويد بن حجير؛ ولهذا قال الخطابي :
((مهاجر هذا : - عند أحمد وغيره من الأئمة - مجهول)). وقال الحافظ :
«مقبول)) .
قلت: وقد روي عنه ﴿ من حديث عصمة بن مالك خلافه؛ إلا أنَّه لا
يصح، وقد تقدم برقم (٣٨٨٣)، وانظر ((المجمع)) (٢٤٤/١).
﴿ أفتى بأنه لا وضوء علیه ، فیما رواه قيس بن طلق
لکن قد ثبت أن النبي
عن أبيه رضي الله عنه قال :
(*) زيادة يقتضيها السياق ؛ ليست في أصل الشيخ رحمه الله . (الناشر).
٤٤٦
كنا جلوساً عند النبي :﴿﴿ ، فجاء رجل كأنه بدوي ، فقال : يا نبي الله ! ما
ترى في مس الرجل ذكره في الصلاة؟ فقال له النبي
((وهل هو إلا مضغة - أو قال: بضعة - منك؟!)).
أخرجه أبو داود ، والنسائي ، وابن الجارود (٢١/١٧)، وابن حبان ، والدارقطني
(١٧/١٤٩/١)، والبيهقي، والطيالسي، وابن أبي شيبة (١٦٥/١) وأحمد،
والطبراني في «الكبير)) (٣٩٦/٨) من طرق عن قيس بن طلق عن أبيه ... والسياق
لا بن الجارود ، وعزاه بعضهم لابن خزيمة ، وفيه تساهل ظاهر ؛ لأنه لم یسق إسناده
ولا لفظه ، وإنما أشار إليه إشارة محتجاً به على أن الأمر بالوضوء في حديث بسرة :
((إذا مس أحدكم ذكره فليتوضأ)) للاستحباب ، وهو صحيح أيضاً، مخرج مع
حديث طلق في ((صحيح أبي داود)) (١٧٥ و١٧٦ و١٧٧).
٦٢٠٧ - (مَنْ أرادَ أن يَقْوى على الصيام؛ فَلْيَتَسَخَّرْ، ولْيُقِلَّ، وَيَشَمَّ
طِيْباً ، ولا يُفْطِر على ماء).
منكر. أخرجه ابن عدي في ((الكامل)) (٢٨٢/٦)، والبيهقي في ((الشعب))
(٣٩١٢/٤٠٩/٣) من طريق محمد بن يزيد المستملي: ثنا مبشر بن إسماعيل
عن الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير عن أنس مرفوعاً .
أورده ابن عدي في ترجمة المستملي هذا ، وقال فيه :
((يسرق الحديث من الثقات ، ويزيد فيها ويضع)) . وقال الخطيب وقد ذكر له
حديثاً في فضل أبي حنيفة رحمه الله :
«هذا خبر باطل ، ومحمد بن يزيد متروك)) .
٤٤٧
قلت : وشذ ابن حبان فذكره في ((الثقات)» (١١٥/٩) وقال:
((ربما أخطأ)).
لكن له طريقان آخران :
الأول : عن محمد بن عيسى الطباع : نا شعيب بن محمد الحريري : نا
الأوزاعي ... به . وشعيب هذا لم أعرفه .
ثم هو منقطع كالذي قبله ؛ فإن يحيى بن أبي كثير لم يسمع من أنس بن
مالك ؛ وإن كان رآه كما في ((التهذيب)) وغيره ، ولكنه قد توبع وهو الطريق التالي :
الثاني : يرويه محمد بن الحجاج بن عيسى - يعني : الوراق النيسابوري -:
نا القعنبي : نا سلمة بن وردان عن أنس :
أن النبي ﴿ رأى رجلاً من أصحابه طليحاً؛ فقال: ((ما لي أراك طليحاً؟))،
:
قال : إني أمسیت صائماً ، فقال رسول الله
((من تسحر وأكل قبل أن يشرب، ومس شيئاً من الطيب ؛ قوي على الصيام)).
أخرجهما البيهقي (٣٩١٠ و٣٩١١) وقال :
(«سلمة بن وردان : غير قوي ، وسائر رواته ثقات)) .
كذا قال! ومحمد بن الحجاج هذا لم أجد له ترجمة . والله أعلم .
هذا ، ولعل الصواب في هذا الحديث الوقف ، كما رواه قتادة عن أنس قال :
(«ثلاث من أطاقهن أطاق الصيام: من أكل قبل أن يشرب وتسحر ... )).
أخرجه البيهقي (٣٩٠٩) وقال :
«هذا موقوف)» .
٤٤٨
٦٢٠٨ - (إنّ لكم في كلِّ جُمُعَة حَجَّةً وعُمْرةً ، فالحَجَّةُ : الهَجِيرُ
للجُمُعَةِ ، والعُمْرَةُ: انتظارُ العَصْرِ بعدَ الجُمُعَةِ) .
موضوع. أخرجه ابن عدي في ((الكامل)) (٣٨/٦)، ومن طريقه البيهقي
(٢٤١/٣)، وفي ((شعب الإيمان)) (٣٠٤٦/١١٥/٣)، وأبو عثمان البحيري في
((الفوائد)) (ق٢/٢٥) من طريق القاسم بن عبد الله بن مهدي : ثنا أبو مصعب
الزهري : ثنا عبدالعزيز بن أبي حازم عن أبيه عن سهل بن سعد الساعدي مرفوعاً .
أورده ابن عدي في ترجمة ابن مهدي هذا - وهو : الإخميمي - وقال :
((لم أرله حديثاً منكراً . فأذكره، وهو عندي لا بأس به)).
كذا قال ! وتعقبه الذهبي بهذا الحديث ؛ فقال رداً عليه :
((قلت: قد ذكرت له حديثاً باطلاً؛ فيكفيه)).
وکان الذهبي ساق حديثه هذا ، وقال عقبه :
«هذا موضوع باطل ، وأبطل منه ما روى عن سخبرة بن عبدالله عن مالك عن
الزهري عن أنس ؛ أن النبي ﴿ كان إذا توضأ؛ نضح عانته . ورواه الدارقطني من
طريقه ، وقال: ((متهم بوضع الحديث)).
وأقره الحافظ في ((اللسان)).
٦٢٠٩ - (لا يَقْضي القاضي إلا وهو شَبْعانُ رَيَّانٌ).
موضوع. أخرجه الدارقطني في («سننه» (١٤/٢٠٦/٤)، وابن عدي (٣٥/٦)،
والخطيب في ((التاريخ)) (٢٧٧/٦)، والبيهقي (١٠٦/١٠)، وأبو عثمان البحيري
في ((الفوائد)) (ق١/٢٩) من طريق القاسم بن عبد الله بن عمر عن عبدالله بن
٤٤٩
عبدالرحمن بن أبي طوالة عن أبيه عن أبي سعيد الخدري مرفوعاً ... به .
أورده ابن عدي في ترجمة القاسم هذا وهو : العدوي العمري ، وساق له
أحاديث منكرة ، وقال في آخر الترجمة :
((وله غير ما ذكرت ، وعامة رواياته مما لا يتابع عليه)). وقال البيهقي عقبه:
((تفرد به القاسم العمري ، وهو ضعيف)) .
كذا قال ، وهو تساهل منه ؛ فإن الرجل متفق على تركه ؛ بل قال الإمام أحمد :
«کذاب ؛ کان یضع الحديث ، ترك الناس حديثه)) .
وكذلك تساهل الحافظ حين قال في ((الفتح)) (١٢٧/١٣):
((أخرجه البيهقي بسند ضعيف))!
وكيف لا؟! وهو قال فيه في («التقريب)» :
(متروك ، رماه أحمد بالكذب)).
ولذلك قال شيخه الهيثمي في («المجمع» (١٩٥/٤):
(رواه الطبراني في «الأوسط))، وفيه القاسم بن عبدالله بن عمر ، وهو متروك
كذاب)) .
٦٢١٠ - (اخْتِنوا أولادَكمْ يومَ السابع؛ فإنه أَظْهَرُ، وأسْرَعُ نَبَاتاً
◌ِلَّحْمِ ، وَأَزْوَحُ للقلبِ) .
موضوع. أخرجه الديلمي في ((مسند الفردوس)) (٤٦/١) من طريق عبد الله
ابن أحمد بن عامر : حدثنا أبي : حدثنا علي بن موسى الرضا عن أبيه عن أبيه
٤٥٠
عن أبيه عن أبيه عن أبيه عن أبيه عن علي رضي الله عنه مرفوعاً .
قلت : وهذا موضوع؛ آفته عبدالله بن أحمد هذا، قال الذهبي في ((الميزان)):
((روى عن آبائه نسخة موضوعة باطلة، ما تنفك عن وضعه أو وضع أبيه)).
وأقره الحافظ في ((اللسان))، وقال عقب الحديث في ((الغرائب الملتقطة)):
((ابن عامر متروك)) .
قلت : وقد تابعه داود بن سليمان الجرجاني : سمعت علي بن موسى الرضا ...
به . وزاد الحديث الآتي بعده .
أخرجه أبو عثمان البحيري في ((الفوائد)» (ق٢/٣٢).
قلت : وداود هذا حاله كحال ابن عامر هذا أو أسوأ ، قال الذهبي :
((كذبه يحيى بن معين ، ولم يعرفه أبو حاتم ، وبكل حال فهو شيخ كذاب ، له
نسخة موضوعة عن علي بن موسى الرضا)) .
ثم ساق له أحاديث لوائح الوضع عليها ظاهرة .
والحديث عزاه السيوطي في ((الجامع الكبير)) لأبي حفص عمر بن عبد الله بن
زاذان في «فوائده)» والدیلمي فقط ، وسكت عنه کغالب عادته !
٦٢١١ - (إنّ الأرضَ لَتَنْجُسُ مِنْ بَوْلِ الأَقْلَفِ أربعينَ يوماً).
موضوع . أخرجه الديلمي (٢٦٨/١) وأبو عثمان البحيري من طريق داود بن
سليمان الغازي بإسناده المتقدم عن أهل البيت .
وعرفت أن داود هذا كذاب ؛ ولذلك أورده السيوطي في ((ذيل الأحاديث
٤٥١
الموضوعة)) (ص٩٧ - ٩٨) من رواية الديلمي ، وأعله بقول الذهبي المتقدم:
((له أحاديث موضوعة ... )) ولم يعزه إليه .
٦٢١٢ - (إنَّ من سعادة المرءِ استخارتَه لربه ، ورضاه بما قَضَى ، وإنَّ
من شقاوة العبد تَرْكَه الاستخارةَ ، وسُخْطَه بما قضى).
ضعيف . أخرجه أبو يعلى في «مسنده)) (٧٠١/٦٠/٢) - والسياق له -، والبزار
أيضاً (٧٥٠/٣٥٩/١) من طريق عمر بن علي بن عطاء بن مقدَّم عن عبد الرحمن
ابن أبي بكر بن عبيد الله عن إسماعيل بن محمد عن أبيه عن جده : أن رسول
الله عَ هُ قال :... فذكره .
قلت : وهذا إسناد ضعيف ، رجاله ثقات رجال الشيخين ؛ غير عبدالرحمن
ابن أبي بكر ، وهو: المليكي ، وهو ممن اتفقوا على تضعيفه ، بل ضعفه جداً جمع
من الأئمة، منهم البخاري، فقال في ((التاريخ)) (٢٦٠/١/٣):
((منكر الحديث)). وكذا قال النسائي . وفي رواية عنه :
((ليس بثقة)). وقال ابن حبان في ((الضعفاء)) (٥٢/٢):
«منكر الحديث جداً؛ ينفرد عن الثقات بما لا يشبه حديث الأثبات ، فلا
أدري کثرة الوهم في أخباره منه أو من ابنه؟ علی أن أكثر روايته ومدار حديثه يدور
على ابنه ، وابنه فاحش الخطأ ، فمن هنا اشتبه أمره ، ووجب تركه)) .
قلت : وثمة علة خفية ، وهي تدليس عمر المقدمي هذا ، فإنه مع ثقته واحتجاج
الشيخين بحديثه، فمن الصعب جداً الاحتجاج بحديث له خارج ((الصحيحين)) ،
ولو صرَّح بالتحديث ؛ لأنه كان مدلساً كما نص عليه جمع من الأئمة ، وكان
٤٥٢
تدليسه خبيثاً غريباً من نوعه ، سماه بعضهم : تدليس السكوت ! وقد بينه ابن
سعد فقال في ((الطبقات)) (٢٩١/٧) :
((وكان ثقة، وكان يدلس تدليساً شديداً: يقول: ((سمعت)) و((حدثنا))، ثم
يسكت ، ثم يقول: ((هشام بن عروة))، (الأعمش))! يوهم أنه سمع منهما ، وليس
كذلك)). انظر ((الباعث الحثيث)).
ولذلك قال ابن أبي حاتم (١٢٥/١/٣) عن أبيه :
(«محله الصدق ، ولولا تدليسه ؛ لحكمنا له - إذا جاء بزيادة - غير أنا نخاف
بأن يكون أخذه عن غير ثقة)) .
قلت : وهذا هو الذي أخشاه : أن يكون تلقاه عن راوٍ ضعيف ثم أسقطه ، فقد
تقدم في جرح ابن حبان لعبدالرحمن بن أبي بكر شيخ عمر بن علي المقدمي
هذا : أن مدار حديثه على ابنه ... .
واسم الابن هذا: محمد بن عبد الرحمن الجدعاني ، وهو متروك كما قال
الحافظ في ((التقريب))، فلربما كان هذا هو الواسطة بين أبيه وبين المقدمي فدلسه .
والله أعلم .
وبالجملة : فهذه علة ثانية لهذا السند خفيت على بعض إخواننا الناشئين في
هذا العلم ، وكان هذا من دواعي تخريج هذا الحديث من هذه الطريق ، فقد كنت
خرجته من طريق أخرى ضعيفة أيضاً فيما سبق (١٩٠٦/٣٧٧/٤).
ذلك أنني وقفت على بحث للأخ عدنان عرعور بعنوان ((صلاة الاستخارة))
في مجلة ((المجاهد)) (السنة الثالثة / العدد ٢٧ / رجب سنة ١٤١١)، ذهب فيه إلى
تحسين الحديث بمجموع الطريقين؛ محتجاً بأن عبدالرحمن بن أبي بكر المليكي هو
٤٥٣
في جملة من یکتب حديثه ۔ کما قال ابن عدي - قال :
((فمثل هذا يصلح أن يكون متابعاً لمحمد بن أبي حميد ؛ فيكون الحديث
حسناً . والله أعلم)) .
قلت : كان يمكن أن يكون الأمر كما قال ؛ لو أن المليكي ليس فيه من الجرح إلا
ما ذكره عن ابن عدي ، أما والأمر ليس كذلك ؛ فالتحسين مردود بتجريح الإمام
البخاري ، ومن ذكرنا معه للمليكي تجريحاً شديداً كما تقدم ، فهل يجوز إهدار أقوالهم
والاعتماد على قول ابن عدي فقط مع كونه متأخراً عنهم علماً وطبقة ، مع استحضار
أن من كان شديد الضعف لا يتقوى به؟! أم هي الحداثة في هذا العلم الشريف؟
هذا أولاً .
وثانياً : لو سلمنا أن المليكي هذا يصلح للمتابعة ؛ فهل غاب عن بال الأخ أن في
الإسناد إليه علة أخرى ، وهي تدليس ابن مقدم الراوي عن المليكي ، وأن تدليسه
كان أخبث تدليس عرف في مجال الحديث كما تقدم. فمن الظاهر أن الأخ لم يتنبه
لهذه العلة ؛ وإلا لكان كتمانه إياها تدليساً حديثاً نكبره أن يقع فيه ، وغالب الظن أنه
غَرّه في ذلك كونه من رجال ((الصحيحين)) كما تقدم، والاحتجاج بمثله ليس مسلماً
على الإطلاق كما هو معلوم من علم المصطلح ، وظني أن هذا ليس مجهولاً عند الأخ
الفاضل ، وإنما هي الغفلة وعدم الاستحضار لأحوال الرجال ودقائق الأحوال .
ثم قال الأخ :
((وفات شيخنا الألباني الطريق الآخر فضعَّف الحديث)) !
فأقول : جزاك الله خيراً على هذا التنبيه ، ولكن أليس كان من الأولى أن
تلتمس لشيخك - كما تقول - عذراً، كما يقول الأدب السلفي المأثور: ((التمس
٤٥٤
لأخيك عذراً)) ؛ فإنك تعلم أن المجلد الذي خرجت الحديث فيه من الطريق الأولى
ألفته قبل طبعه وطبع المسندين اللذين فيهما الطريق الأخرى بسنين عديدة ، وأنه
لم يكن من الميسور يومئذٍ الرجوع إليهما دائماً وهما لا يزالان في عالم المخطوطات .
ثم رأيت البزار رواه (٧٥١) من طريق آخر عن المليكي فقال : حدثنا محمد
ابن السكن : ثنا عمران بن أبان الواسطي عنه .
وعمران هذا : ضعيف ، ومحمد بن السكن : لم أعرفه ، ويحتمل أن يكون :
((ابن سكين)) وهو: أبو جعفر الكوفي المؤذن ، وهو مجهول كما في ((الجرح)) وغيره .
٦٢١٣ - (أَدْرَكْتُ (القواعِدَ) وهُنَّ يُصَلِّينَ مع رسولِ الله.
الفَرائضَ) .
ضعيف . أخرجه الطبراني في ((المعجم الكبير)) (٣١٥/١٣٠/٢٥)، و(«الأوسط)»
(٨١٤٣/٢/٢٠٤/٢) عن أبي شهاب عن ابن أبي ليلى عن عبد الكريم عن عبد الله
ابن فلان (وفي الأوسط: ابن الطيب) عن أم سلمة (وفي الكبير: أم سليم) بنت
أبي حكيم قالت : ... فذكره . وقال :
((لا يُروى عن أم سلمة بنت [أبي] حكيم إلا بهذا الإسناد)).
قلت : وهو ضعيف ، مسلسل بالعلل :
الأولى : أم سلمة هذه؛ فإني لم أعرفها إلا في هذا الحديث ؛ والإسناد الواهي
عنها ، وإن مما يدلك على ذلك اضطراب رواته في ضبط كنيتها ، فقيل : أم سلمة ،
وقيل : أم سليم؛ كما رأيت ، وقيل : أم سليمان؛ كما يأتي. وذكرها ابن عبدالبر
في ((الاستيعاب)) بهذه الكنى الثلاث ولم يزد! وكذلك الحافظ في ((الإصابة))؛
٤٥٥
ولكنه ساق لها هذا الحديث فقط برواية الطبراني في ((الأوسط» وابن منده بالإسناد
الأول، وقال: ((أم سليمان بنت أبي حكيم)). وفي رواية له: ((أم سليمان بن أبي
حثمة)) من طريق أخرى كما يأتي، في ((الكبير)) كما في ((المجمع)) (٣٤/٢) فقال :
(«وعن سليمان بن أبي حثمة عن أمه قالت :
رأيت النساء القواعد یصلین مع رسول الله
في المسجد)».
وقال :
((رواه الطبراني في ((الكبير)) وفيه عبدالكريم بن أبي المخارق وهو ضعيف)).
قلت : ولم أره في ((المعجم الكبير)» المطبوع مستعيناً عليه بالفهارس الموضوعة
في آخر كل مجلد من محققه ، ثم في فهارسه التي وضعها أخيراً الأخ عدنان
عرعور - وأهدى إلي نسخة منها جزاه الله خيراً - لا في ((فهرس الحديث)) ولا في
(«فهرس مسانيد الرواة))، فلعله فيما لم يطبع منه بعد . والله أعلم .
هذا، وقد تبع ابن عبدالبر ابن الأثير في ((أسد الغابة)) في إيراد هذه المختلف
في كنيتها بكناها الثلاثة ، وزاد فقال :
((لا يوقف على اسمها)).
فكأنه أشار إلى جهالتها وعدم ثبوت صحبتها . والله أعلم .
هذه هي العلة الأولى .
والثانية : عبدالله ابن فلان أو ابن الطيب ؛ مجهول لا يعرف في شيء من
کتب الرجال التي عندي .
والثالثة والرابعة : ضعف ابن أبي ليلى وعبدالكريم ، وبهما أعله الهيثمي
مفرقاً، والحافظ ، فقال في ((الإصابة)) :
٤٥٦
((والسند ضعيف من أجل ابن أبي ليلى ؛ وهو: محمد ، وشيخه عبدالكريم ؛
وهو : ابن أبي المخارق».
قلت : وأبو شهاب (ووقع في ((الإصابة)) ابن شهاب) . اسمه : عبدربه بن نافع ،
وهو من رجال البخاري ، قال في ((التقريب)»:
((صدوق يهم)) .
لكن تابعه أبو محصن حصين بن نمير عند ابن منده، وأبي نعيم كما ذكر في
((الإصابة)) ، قال الحافظ :
((لا بأس به ؛ روى له البخاري)).
ثم رأيته في ((المعجم الكبير)) (٧٩٩/٣١٧/٢٤ و٨٠٠) من طريق قيس بن
الربيع وحصين بن نمير كلاهما عن ابن أبي ليلى بسنده المتقدم عن أم سليمان بن
أبي خثمة قالت :
((رأينا النساء ... )).
وله شاهد واه بمرة ، فقال البزار في («مسنده)) (٤٤٦/٢٢٢/١) : حدثنا خالد
ابن يوسف : ثنا أبي عن الأعمش عن أنس بن مالك :
أنه سئل عن العجائز : أکن یشهدن مع رسول الله
الصلاة؟ قال : نعم ؛
والشواب .
ومن هذا الوجه أخرجه الطبراني في ((الأوسط» (٢/٣٦/١ - مجمع البحرين)
وقال :
(لم يروه عن الأعمش إلا يوسف)).
٤٥٧
قلت : وهو : ابن خالد السمتي البصري ، متروك ، قال ابن عدي (١٦٢/٧):
((قد أجمع على كذبه أهل بلده)). وقال ابن حبان في ((الضعفاء)) (١٣١/٣):
(«كان يضع الحديث على الشيوخ ، ويقرأ عليهم ، ثم يرويها عنهم ، لا تحل
الرواية عنه ، ولا الاحتجاج به بحال. قال ابن معين: كان يكذب)). وكذبه غيره
أيضاً . وقال الحافظ في ((التقريب)) :
((تركوه، وكذّبه ابن معين ، وكان من فقهاء الحنفية)).
وألان القول فيه الهيثمي ، فقال بعد أن عزاه للبزار والطبراني :
((وفيه يوسف بن خالد السمتي وهو ضعيف))!
وقّده الشيخ الأعظمي في تعليقه على ((البزار))! كما هي عادته ، ولعل من
العوامل على ذلك العصبية المذهبية ، فإنه حنفي مر !
واعلم أنه كان الباعث على تخريج هذا الحديث أموراً :
الأول : تحقيق القول في مرتبته ، وبيان حال رجال إسناده ، حسبما جرينا في
تخاريجنا كلها في ((السلسلتين)».
الثاني : بيان حال أم سليم بنت أبي حكيم هذه ، وأنها لا تثبت لها صحبة ،
رغم أنهم ذكروها في الصحابيات !
الثالث : الرد على مؤلفة جاهلة أو كاذبة متعصبة على بنات جنسها ، من نمط
تلك الجامعية المسماة بـ ((رغداء بكور الياقتي)) في كتيبها ((حجابك أختي المسلمة))
التي ذكرت في مقدمته أن كشف الوجوه من النساء في الشوارع مثل مصافحة
الرجال الأجانب ، والاختلاط مع الغرباء !! ضاربة بذلك كل الأدلة الصحيحة من
٤٥٨
الكتاب والسنة وأقوال الصحابة والتابعين وأقوال الأئمة المجتهدين المذكورة في
كتابي ((حجاب المرأة)) عرض الحائط .
أقول : فهذه كتلك المؤلفة التي لم أقف على كتابها ، يجمعهما الجهل
بالشرع ، والتعصب الأعمى ، والهوى الأصم ؛ فقد قالت - والعهدة على من أنقل
عنه(١) -: قال :
((وقالت مؤلفة فاضلة (!) :
أورد الهيثمي في ((مجمع الزوائد» عدة أحاديث كلها ضعاف ، ولكن
مجموعها يقويها ، ويجعلها حسنة لغيرها تفيد أن القواعد من النساء فقط كن
يصلين مع رسول الله :﴿ دون الشابات)) .
قلت : وهذا القول من هذه (الفاضلة !) فيه عدة أكاذيب وجهالات :
الأولى : كذبها على الهيثمي ؛ فإنه لم يذكر ما ادعته من الإفادة إلا حديثاً
مرفوعاً واحداً هو حديث الترجمة ، ولكنها لجهلها توهمت أنه ثلاثة أحاديث ؛ لأن
الهيثمي أورده من حديث أم سلمة ، وأم سليمان ، وأم سليم ، وهي في الحقيقة
حديث واحد اضطرب أحد رواته الضعفاء في إسناده كما تقدم بيانه .
الثانية: قولها: ((ولكن مجموعها يقويها ... )) يشعر بأنها جاهلة بشرط التقوية ،
وهو أن لا يشتد الضعف في مفرداتها ، فكيف وليس هنا إلا طريق واحدة وسند
واحد؟!
الثالثة : قولها: ((فقط))؛ فهو كذب محض ، وجهل مطبق بالأحاديث الأخرى
(١) ذكر الشيخ رحمه الله رقماً لحاشية في الأسفل، ولكنه لم يذكر مصدره. ولعله
يقصد مؤلف كتاب ((تحرير المرأة)). (الناشر) .
٤٥٩
التي يأتي الإشارة إليها ، أما الكذب ، فيبينه أن الهيثمي أورد أيضاً حديث أنس
المتقدم وفيه ((والشواب))، وإن كنا بينا وهاءه ، ولكن المقصود أن ذلك يبطل قولها :
((فقط)).
ومن الغريب حقاً أن حضرة الناقل لهذه الجهالات عنها وصفها بقوله : ((مؤلفة
فاضلة))! فمن أين جاء الفضل وهي بهذه المثابة من الجرأة اللا أدبية التي لا تليق
بالرجال الأقوياء ، فضلاً عن النساء القوارير! أقول هذا ، وإن كان الفاضل المشار
إليه قد رد عليها تقويتها للحديث ، ولكن على طريقة الفقهاء المتأخرين فقال :
((الأحاديث الصحيحة في البخاري ومسلم تؤكد حضور الشواب للمسجد . ومن
أولئك : أسماء بنت أبي بكر ، وعاتكة بنت زيد (زوج عمر بن الخطاب) وفاطمة بنت
قيس ، وأم الفضل ، وزينب امرأة مسعود ، والرُّبَيِّع بنت معوِّد، وغيرهن كثير)).
قلت : وهذا مسلم لا غبار عليه ، ولكن كان الأولى به أن يبين ضعف
حديثها على طريقة المحدثين أولاً ، على نحو ما فعلنا ، ثم أن يصفها بما فيها من
الجهل الذي ينافي الفضل ؛ لأن ذلك من علم الجرح والتعديل كما هو معروف
عند العلماء ، ولكن يبدو أن الرجل مع فضله وغلبة الصواب على ((تحريره)) لا
معرفة له بهذا العلم تصحيحاً وتضعيفاً، وتوثيقاً وتجريحاً، كما بدا لي ذلك من
عدة مواطن من كتابه ، كما يدل على ذلك الحديث الآتي بعد حديث ، وإن كان
أثنى علي خيراً، وذكر أنه تتلمذ علي زمناً مباركاً في مقدمة كتابه (ص٢٨)،
ولكن سرعان ما تغلب عليه غلوه في ((تحرير المرأة))؛ فانتقدني (ص ٣٥) تلميحاً لا
تصريحاً ؛ لأنني بعد أن أثبت أن وجه المرأة ليس بعورة ، قيدت ذلك بأن لا يكون
عليه من الزينة المعروفة اليوم بـ ((الميكياج)) من الحمرة والبودرة وغيرها ، ونقل
كلامي مبتوراً ، سامحه الله .
٤٦٠