النص المفهرس
صفحات 61-80
نظر النبي ◌َه إلى علي والحسن والحسين وفاطمة، فقال :... فذكره.
وكذلك رواه الإمام في ((فضائل الصحابة)) (١٣٥٠/٧٦٧/٢)، ومن طريقه
الحاكم (١٤٩/٣)، والدولابي في ((الكنى)) (١٦٠/٢)، وابن عدي في ((الكامل))
(٥١٦/٢ - ٥١٧)، والخطيب في «تاريخ بغداد)» (١٣٧/٧)، وعنه ابن الجوزي في
((العلل المتناهية)) (٤٣١/٢٦٦/١) من طرق أخرى عن تليد ... به . وقال الحاكم:
«هذا حديث حسن من حديث أحمد بن حنبل عن تليد ؛ فإني لم أجد له
رواية غيرها»!
كذا قال ! وتليد هذا اختلفت الرواية عن أحمد فيه ؛ فمرة لم ير به بأساً ،
ومرة قال :
((هو عندي كان يكذب)) . وهذا أرجح عندي ؛ لأمرين :
الأول : أنه جرح مفسر .
والآخر : أنه موافق لأقوال غيره من الأئمة ؛ كابن معين والساجي ، وفيهم
بعض المعروفين بتساهلهم في التعديل كابن حبان؛ فإنه أورده في ((الضعفاء))،
وقال (٢٠٤/١) :
((كان رافضيّاً يشتم أصحاب محمد 3 18 ، وروى في فضائل أهل البيت
عجائبَ! وقد حمل عليه ابن معين حملاً شديداً ، وأمر بتركه)).
وقال الحاکم وأبو سعید النقاش - كما في ((التهذيب» ۔:
((رديء المذهب ، منكر الحديث ، روى عن أبي الجحاف أحاديث موضوعة)).
زاد الحاكم :
((كذبه جماعة من العلماء)).
٦١
قلت : وكأنه لم يعرف هذا أو لم يستحضره حين حسَّن حديثه . كما أنه لم
يجد له حديثاً آخر ، مع أن ابن عدي ساق له أحاديث أخرى ؛ أحدها عند
الترمذي ، وقد سبق تخريجه برقم (٣٠٥٦) ، وقال ابن عدي عقبها :
((ولتليد غير ما ذكرت، وبيِّنٌ على روايته الضعف)). وقال ابن الجوزي عقبه :
((لا يصح؛ تلید بن سليمان كان رافضیاً يشتم عثمان . قال أحمد ويحيى :
کان کذاباً)) .
قلت : ولقد أخطأ خطأً فاحشاً أحدُ إخواننا اللبنانيين حين استشهد بحديث
تليد هذا في تقوية حديث الترجمة ؛ مغتراً بقول الهيثمي في ((المجمع)) (١٦٩/٩):
((وفيه تليد بن سليمان، وفيه خلاف ، وبقية رجاله رجال (الصحيح))!
ولم يعلم أن هذا الخلاف الذي أشار إليه الهيثمي لا قيمة له - كما سبق بيانه -،
و کیف یصح الاستشهاد به وقد کذبه جمع؟!
وهذا مثال من مئات الأمثلة في تورط كثير من الشباب المتخرجين من
الجامعات وغيرهم في مبادرتهم في الكتابة في هذا العلم ، واستسهالهم طريقة نقد
الأحاديث تصحيحاً وتضعيفاً ، وهم بعدُ في أول الطريق ! فقد كتب إليّ الموما إليه
رسالة ينتقدني فيها - بأدب واعتراف بالفضل - تضعيفي لبعض أحاديث ((سنن
ابن ماجه)» في كتابي الذي صدر حديثاً بعنوان: ((ضعيف سنن ابن ماجه)) طبع
المكتب الإسلامي ، ولقد تصرف طابعه فيه بما لا يجوز مما لا مجال لبيانه هنا ،
ولعل ذلك يكون في طبعة جديدة منا له إن شاء الله .
وكما أخطأ المومأ إليه في الاستشهاد بتليد هذا؛ كذلك أخطأ باستشهاده
برواية العرني - وقد ترجم لجميع رواته سواه! ـ، وبرواية صبيح - وزعم أنها مرسلة -!
٦٢
ولقد كان انتقاد هذا الأخ من الدواعي لتخريج الحديث بهذا التوسع هنا .
ومن ذلك : أنه حسّن الحديث أخونا حمدي السلفي لطرقه ، وقد كنت أنا
نفسي قد حسنته في ((صحيح الجامع)) بناءً على تخريجي إياه في ((الروض
النضير)) قديماً، مغتراً بتخريج ابن حبان إياه من الطريق الأولى ! والآن فقد رجعت
عنه وكتبت على نسختي من ((الصحيح)) بنقله إلى ((ضعيف الجامع)). والله هو ولي
التوفيق ، وهو المسؤول أن يهديني لأقوم طريق !
٦٠٢٩ - (كان يتعوَّذُ من فتْنَةِ المَشْرق. قيل له : فكيف فتنةُ
الْمَغْرِبِ؟ قال : تلك أعظمُ وأعظمُ) .
ضعيف. أخرجه الطبراني في ((المعجم الكبير)) (٥٠١/١٨٧/١٧) بسندين له
عن عبد الوهاب بن نَجدة الحوطي : ثنا إسماعيل بن عياش عن صفوان بن عمرو
عن أزهر بن عبد الله الحرازي عن عصمة بن قيس السلمي صاحب رسول الله
عن النبي ﴿ : أنه كان ...
وبإسناديه المشار إليهما عن عبدالوهاب بن نجدة ... به ؛ إلا أنه قال: عن
﴿ : أنه كان يتعوذ في صلاته من فتنة المغرب .
عصمة بن قيس صاحب النبي
هكذا فيه؛ لم يقل: ((عن النبي {18)) - كما في الرواية الأولى -؛ فهو موقوف .
وقد تابعه حَريز بن عثمان على الرواية الثانية ؛ إلا أنه قال : عن الأزهر أبي
الوليد عن عصمة صاحب النبي 8#: أنه كان ... إلخ.
أخرجه البخاري في («التاريخ» (٦٣/١/٤) من طريق أبي اليمان عنه.
ورواه ابن عبدالبر في ترجمة عصمة هذا من ((الاستيعاب)) من طريق أبي
٦٣
زرعة الدمشقي : حدثنا علي بن عياش : حدثنا حريز بن عثمان : حدثنا الوليد بن
أزهر الهوزني عن عصمة صاحب النبي ﴿﴿ أنه كان ... إلخ . وقال ابن عبدالبر:
((هكذا قال : (الوليد بن أزهر) ، وروى غيره عن حريز بن عثمان عن أبي
الوليد الأزهر بن راشد عن عصمة ... )) فذكر حديثاً آخر .
قلت : وهذا اختلاف شديد على تابعي هذا الحديث في اسمه ، ومن الصعب
جدّاً ترجيح وجه من الوجوه الثلاثة ؛ لأن رواتها كلهم ثقات ، وهذا إن دل على
شيء - كما يقولون اليوم -؛ فهو يدل على أن هذا الراوي غير مشهور عندهم ، وإلا ؛
لما اختلفوا فيه ، وإذا رجعنا إلى ترجمة الأول منهم - أعني: أزهر بن عبد الله
الحرازي - من ((التهذيب))؛ وجدنا فيه اختلافاً آخر ؛ فقال البخاري :
((أزهر بن عبدالله، وأزهر بن سعيد، وأزهر بن يزيد ؛ واحد ، نسبوه مرة (مُرادي) ،
ومرة (هوزني) ، ومرة (حَرَازي))». قال الحافظ عقبه:
((فهذا قول إمام أهل الأثر: أن أزهر بن سعيد هو: أزهر بن عبدالله . ووافقه
جماعة على ذلك)) .
وذكر في ترجمة (أزهر بن سعيد الحرازي) أنه قول أكثر العلماء .
وأظن أن (الحرازي) الذي أشار إليه البخاري هو هذا المذكور في الوجه الأول ،
و(الھَوزني) هو الأزهر أبو الوليد؛ فإنه ابن راشد الهوزني؛ فإنه مترجم في ((التهذيب))
دون أن يشار إلى أنه من وجوه الاختلاف .
ومن ذلك الوليدُ بن أزهرَ المتقدمُ . ولم أرَ من ترجمه .
ومع هذا الاختلاف ؛ فليس لهذا الراوي لهذا الحديث موثّقٌ غيرُ ابنٍ حبانَ
(٣٨/٤ - ٣٩)! فهو عندي في عداد المستورين.
٦٤
وكما اختلفوا في اسم هذا الراوي للحديث اختلفوا في متنه رفعاً ووقفاً ؛
فرفعه صفوان بن عمرو في روايته الأولى ، وأوقفه في الأخرى .
وتابعه على وقفه حريز بن عثمان . فما اتفقا عليه ؛ أولى بالاعتماد - كما لا
يخفى على الخبير بهذا العلم -.
وبالجملة ؛ فالحديث ضعيف ؛ للاضطراب والجهالة ، مع كونه موقوفاً على
الراجح . والله أعلم .
ومما سبق تعلم خطأ الشيخ التويجري حين جزم في أول كتابه («الصارم
المشهور)) (ص٤ - الطبعة الأولى) بنسبته إلى عصمة بن قيس ، وأنه في حكم
المرفوع! وأظن أن عمدته في ذلك إنما هو قول الهيثمي في (المجمع)) (٢٢٠/٧) :
«ورجاله ثقات)»!
وهذا لا يعني تقوية الحديث بوجه من الوجوه - كما يعلم ذلك البصير بهذا
العلم الشريف -، وقد مضى مني التنبيه على ذلك مراراً .
وأما قوله بأنه في حكم المرفوع ؛ فنقول : نعم ؛ ولكن أثبت العرش ثم انقُشْ!
ومن غرائبه أنه حمل الحديث على الإفرنج بحكم كونهم في المغرب ! وهم
وإن كانوا سبباً لما أصاب المسلمين - من البلاء والانحراف عن الشرع، والعمل
بأحكامه ، وإقامة حدوده - بسبب استعمارهم لبلادهم ؛ فليس من المتبادر أنهم هم
المقصودون من الحديث - لو صح - لا شرعاً ولا اصطلاحاً .
أما الشرع ؛ فواضح .
وأما اصطلاحاً ؛ فإن المفهوم اليوم من (المغرب) إنما هي البلاد الواقعة في شمال
إفريقية غرب مصر ، وهي : ليبيا وتونس والجزائر ومراكش ، وهي بلاد إسلامية .
وانظر «معجم البلدان)) لياقوت الحموي .
٦٥
٦٠٣٠ - (سُئِلَ عَمَّنْ استَوَتْ حسناتُهُ وسيِّئَاتُهُ؟ فقال : أولئك
أصحابُ الأعرافِ ﴿لم يَدْخُلوها وهم يَطْمَعون﴾) .
منکر . أخرجه الحافظ ابن مردويه بسنده عن سليمان بن داود : حدثنا
النعمان بن عبدالسلام: حدثنا شيخ لنا يقال له : أبو عباد عن عبدالله بن محمد
ابن عقيل عن جابر بن عبدالله قال : ... فذكره مرفوعاً .
نقلته من (تفسير ابن كثير)) (٢١٦/٢) ، وقال عقبه :
((حديث غريب من هذا الوجه)).
قلت : وهو عندي واه جدّاً ؛ آفته سليمان بن داود ، وهو الشاذكوني ؛ كذبه
ابن معين وغيره ، ولعل ابن كثير ما عرف أنه هو ؛ ولذلك استغربه فقط ، وقد
ذكروه في جملة الرواة عن النعمان بن عبدالسلام .
وأبو عباد شيخ النعمان والراوي عن ابن عقيل المدني ؛ لا أستبعد أن يكون
الذي في («الميزان)) و(«اللسان»:
((عن نافع أحد السبعة ، مجهول ، ووثقه ابن حبان)).
قلت: وكناه في ((الثقات)) (٤٣٠/٨) بأبي عباد المزني. كذا فيه ، وفي
(التاريخ)) و((التهذيب)): ((المدني)) .. ولعله الصواب.
والحديث ؛ ذكره السيوطي في ((الدر المنثور)) (٨٧/٣) من رواية أبي الشيخ
وابن مردويه وابن عساكر عن جابر مرفوعاً بلفظ :
((يوضع الميزان يوم القيامة ، فتوزن الحسنات والسيئات ، فمن رجحت حسناته
على سيئاته مثقال صؤابة(١) ؛ دخل الجنة ، ومن رجحت سيئاته على حسناته مثقال
صؤابة(١) ؛ دخل النار)). قيل: يا رسول الله! فمن استوت حسناته وسيئاته؟ قال :
(١) في ((القاموس)): كغرابة: بيضة القمل والبرغوث.
٦٦
((أولئك أصحاب الأعراف ﴿لم يدخلوها وهم يطمعون﴾)).
قلت : ولم يتحدث عن إسناده بشيء ، فلا أدري إذا كان هو نفس سند ابن
مردويه من طريق الشاذكوني الكذاب أو هو غيره .
ولقد كان من الدواعي على إخراجه وبيان حقيقة إسناده التحذير من صنيع
ذلك الحلبي المتعالم: الشيخ الصابوني؛ حيث ذكر الحديث في ((مختصره)) (٢٢/٢)
مؤكداً وروده وصحته بقوله : «وقد جاء في حديث مرفوع ، رواه الحافظ ابن مردويه عن
جابر ... ))؛ فحذف أولاً كلام ابن كثير الدالَّ على ضعفه - كما تقدم نقله عنه -.
وثانياً : لم ينقل ما عقب عليه وعلى أخبار أخرى ساقها بعده ، وهو قوله :
((والله أعلم بصحة هذه الأخبار المرفوعة ، وقصاراها أن تكون موقوفة)) !
وقد مضى أحد الأحاديث المشار إليها برقم (٢٧٩١) ، ومنها الحديث التالي
بعده .
وقد استقصى طرقه المرفوعة والموقوفة الشيخ الزبيدي في ((شرح الإحياء))
(٥٦٤/٨ - ٥٦٥)، وعزا (٢١٩/٢) حديث جابر باللفظ الثاني لخيثمة في ((فوائده))،
وعزاه الحافظ في ((الفتح)) (٤٠٢/١١) لأبي حاتم والحاكم بلفظ:
((من زادت حسناته على سيئاته ؛ فذاك الذي يدخل الجنة بغير حساب ،
ومن استوت حسناته وسيئاته ؛ فذاك الذي يحاسب حساباً يسيراً ، ثم يدخل
الجنة ، ومن زادت سيئاته على حسناته ؛ فذاك الذي أوبق نفسه ، وإنما الشفاعة في
مثله)) .
وسكت عنه؛ فهو حسن عنده، والله أعلم . ولم أقف عليه في ((مستدرك
الحاكم)) .
٦٧
٦٠٣١ - (سُئِل عن أصحابِ الأعرافِ؟ فقال :
هم رجالٌ قُتِلوا في سبيلِ الله وهم عُصاةٌ لاَبائِهِم ، فَمَنَعَتْهُمُ الشهادةُ
أن يَدْخلوا النارَ ، ومنعتهم المعصيةُ أن يدخلوا الجنةَ، وهم على سُورٍ
بين الجنة والنارِ حتى تَذْبُلَ لحومُهم وشُحومُهم ؛ حتى يَفْرُغَ اللهُ من
حسابِ الخلائقِ، فإذا فَرَغَ اللهُ من حسابٍ خَلْقِه ، فلم يَبْقَ غيرُهم ؛
تَغَمَّدَهُم منه برحمتهِ ، فَأَدْخَلَهُم الجنةَ برحمتِهِ) .
ضعيف جدّاً. أخرجه الطبراني في ((المعجم الصغير)) (ص١٣٩ - هند/
الروض ٩٩٧) وفي «المعجم الأوسط)) (٤٧٨١/٢/٢٨٤/١ - بترقيمي) من طريق
أبي أسلم محمد بن مخلد الرعيني الحمصي : ثنا عبد الرحمن بن زيد بن
أسلم عن أبيه عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد قال : ... فذكره مرفوعاً . وقال :
(«لا يروي عن أبي سعيد إلا بهذا الإسناد)).
قلت : وهو ضعيف جداً؛ عبدالرحمن بن زيد هذا ضعيف جداً، وهو صاحب
حديث توسل آدم به { 18، وقد مضى برقم (٢٥) مع شيء من ترجمته .
ومثله الرعيني الراوي عنه ، أو هو أسوأ منه ؛ فقد قال ابن عدي (٢٢٦٠/٦) :
((حدث عن مالك وغيره بالبواطيل)). وقال الدارقطني :
((متروك الحديث)). وساق له الذهبي حديثاً، ثم قال فيه :
((وهو كذب ظاهر)).
ومن هذا التحقيق تعلم تساهل من قال في هذا الإسناد أو راويه: ((ضعيف))!
مثل العراقي في ((المغني)) (٣٠/٤)، والهيثمي في ((المجمع)) (٢٣/٧)، والسيوطي
٦٨
في ((الدر)» (٨٨/٣)، وأعله الأول بضعف عبدالرحمن! واتبعه الزبيدي في ((شرح
الإحياء)» (٥٦٤/٨) ، والثاني بالرعيني !
(تنبيه) : لقد وهم في هذا الحديث حافظان :
أحدهما : ابن كثير؛ حين عزاه في ((التفسير)) (٢١٦/٢) لابن ماجه !
والآخر: العراقي؛ فقد عزاه للبزار وحده! ولم أره في ((كشف الأستار))، لا
في ((التفسير)) منه، ولا في ((البعث)) ومتعلقاته ، ولا عزاه إليه تلميذه الهيثمي في
((المجمع))، وإن عزاه إليه الزبيدي تقليداً للعراقي.
وعزاه السيوطي في ((الدر)) لابن مردويه مع الطبراني .
٦٠٣٢ - (مَنْ شرِبَ الماءَ على الرِّيق؛ انتُقِصَتْ قُوَّتُه) .
ضعيف جدّاً. أخرجه الطبراني في «المعجم الأوسط)) (٤٧٨٣/٢٨٥/١)
بإسناد الحديث الذي قبله عن أبي سعيد الخدري مرفوعاً . وقال :
((لم يروه عن زيد بن أسلم إلا ابنه عبد الرحمن ، تفرد به أبو أسلم)) .
قلت : وكلاهما ضعيف جداً؛ کما تبين من تخریجنا للحديث الذي قبله ..
ولذلك ؛ لم يحسن الهيثمي مرة أخرى حين اقتصر في ((المجمع)) (٨٧/٥) على
إعلاله بمحمد بن مخلد الرعيني فقط ، وبقوله فيه :
((ضعيف))! وحاله أسوأ من ذلك؛ كما تقدم بيانه في الذي قبله .
ثم أشار إلى أن له شاهداً من حديث أبي هريرة ، فأقول :
أخرجه الطبراني في «الأوسط)) (٦٧٠١/١/١٠٣/٢) فقال: حدثنا محمد بن
أبي غسان : ثنا أبو نعيم عبد الأول المعلم: ثنا أبو أمية الأيلي عن زُفَر بن واصل
عن أبي سلمة عن أبي هريرة مرفوعاً بلفظ :
٦٩
«من کَثُر ضحكه ؛ استخفّ بحقه ، ومن كثُرت دعابته ؛ ذهبت جلالته ، ومن
كثُر مزاحه ؛ ذهب وقاره ، ومن شرب على الرِّق ؛ انتقصت قوته ، ومن كثر كلامه ؛
كَثُر سقطه ، ومن كثر سقطه ؛ كثرت خطاياه ، ومن كثرت خطاياه؛ كانت النار
أولى به» . وقال :
((لا يروى إلا بهذا الإسناد؛ تفرد به عبدالأول المعلم)).
قلت : ولم أعرفه ، ويحتمل أنه الذي في ((ثقات ابن حبان)) (٤٢٥/٨) :
((عبدالأول بن حكيم الحلبي ، يروي عن مسرة بن معبد اللخمي ... روى
عنه سعيد بن واقد الحمراني)) .
ذكره فيمن روى عن أتباع التابعين . وهذا من هذه الطبقة . والله تعالى أعلم .
وأبو أمية الأيلي وشيخه زُفَر لم أعرفهما أيضاً؛ فهو إسناد مظلم . وقال
الهيثمي (٨٧/٧ و٣٠٢/١٠):
((وفيه جماعة لم أعرفهم)). وعزاه السيوطي في ((الجامع الكبير)) لابن عساكر،
وقال :
((وقال: غريب الإسناد والمتن)).
وكذا في («شرح الإحياء)» (٤٥٥/٧)، والظاهر أنه نقله عنه .
وقد روي مختصراً من حديث ابن عمر ، وتقدم برقم (٤٦٤٣) .
٦٠٣٣ - (إن الله خلقَ آدَمَ، فلما ذاقَ الشجرةَ؛ سَقَطَ عنه لباسُه ،
فأولُ ما بدا منه عَوْرَتُه ، فلما نظر إلى عورتِه ؛ جَعَلَ يَشْتَدُّ في الجنة) .
ضعيف . أخرجه ابن أبي حاتم في ((التفسير/الأعراف)) من طريق علي بن
٧٠
عاصم عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن الحسن عن أُبيِّ بن كعب ... مرفوعاً .
قلت : وهذا إسناد ضعيف ؛ علي بن عاصم - قال في ((التقريب)) -:
((صدوق؛ يخطئ ويُصِرّ)).
والحسن - وهو البصري -؛ مدلس .
ونحوه قتادة .
٦٠٣٤ - (مَنْ قال: قَبَّحَ اللهُ الدُّنيا؛ قالتِ الدنيا : قبحَ اللهُ أعصانا) .
منكر. أخرجه ابن أبي شيبة في ((المصنف)) (١٦٢٧٦/٢٥٧/١٣): [حدثنا]
يحيى بن بكير قال : حدثنا زهير بن محمد عن خالد بن سعيد عن المطلب بن
حنطب: أن رسول الله ◌َّةٍ قال : ... فذكره .
قلت : وهذا إسناد مرسل ضعيف ؛ المطلب بن حنطب - قال الحافظ في
((التقریب)» -:
((صدوق ، كثير التدليس والإرسال)) .
وخالد بن سعيد - هو: ابن أبي مريم التيمي المدني مولى ابن جدعان - لم
يوثقه غير ابن حبان (٢٥٦/٦)، وقد روى عنه ثلاثة - كما في ((التهذيب)) -،
أحدهم ثقة ، والثاني : صدوق يهم ، والثالث ابنه عبد الله ؛ لم أعرفه ، ويضم إليهم
زهير بن محمد هذا - وهو الخراساني -؛ وهو ثقة من رجال الشيخين إذا لم يرو عنه
شامي ، وهذا من هذا القبيل ؛ فإن يحيى بن بكير ثقة مصري .
والحديث عزاه السيوطي في ((الجامع الكبير)) للديلمي فقط !
ثم تنبهت لخطأ وقع في اسم (يحيى بن بكير) عند ((المصنف)) ، ففسّرته بأنه
٧١
المصري ، وهو يحيى بن عبدالله بن بكير ، ثم تبينت أن الصواب : (يحيى بن أبي
بكير) ؛ كذلك وقع في ترجمة (خالد بن سعيد) في ((التاريخ الكبير)) للبخاري
(١٥٢/١/٢) في حديث آخر له ، ساقه من طريق إبراهيم بن الحارث قال:
حدثنا يحيى بن أبي بُكَير قال: حدثنا زهير عن خالد بن سعيد عن المطلب بن
حنطب ... به .
وبما يؤيد ذلك : أنهم ذكروه في الرواة عن زهير دون ابن بكير .
ويحيى بن أبي بكير : هو الكرماني ثم البغدادي ؛ وهو ثقة من رجال الشيخين
أ
أيضاً .
٦٠٣٥ - (يا بَشيرُ! ألا تَحْمَدُ اللهَ الذي أَخَذَ بناصيتِك مِنْ بين
ربيعةً ؛ قومٌ يُرَوْن لولاهم انكفَتِ الأرضُ بَمَنْ عليها؟!) .
منكر. أخرجه البخاري في («التاريخ» (٤٤٣/٢/٣)، والطبراني في (المعجم
الكبير» (٤٥/٢ - ١٢٣٦/٤٦) و(«الأوسط)) (٢٩٩٧/٢/١٦٠/١ و٦١٦٩/١/٧١/٢)،
وابن عساكر (٣٨٢/٣)، وأبو نعيم في «المعرفة» (٢/٩٧/١) من طرق عن الصلت
ابن مسعود الجحدري : ثنا عقبة بن المغيرة الشيباني : ثنا إسحاق بن أبي إسحاق
الشيباني عن أبيه عن بشير بن الخصاصية قال :
أتيت النبي ﴿ه ، فلحقته بالبقيع ، فسمعته يقول :
((السلام على أهل الديار من المؤمنين)) . وانقطع شسعي ، فقال لي :
((أنعش قدمك)) .
قلت : يا رسول الله! طالت عزوبتي ، ونأيت عن دار قومي ! قال :... فذكر
الحديث . وقال :
٧٢
((لم يرو عن أبي إسحاق إلا ابنه إسحاق، تفرد به عقبة ، ولا يُروى عن بشير
إلا بهذا الإسناد)» .
قلت : وهو إسناد شبيه بالحسن ؛ أبو إسحاق الشيباني - واسمه : سليمان بن
أبي سليمان - ثقة اتفاقاً ، وأخرج له الشيخان .
وابنه إسحاق ذكره في ((التهذيب)» في الرواة عن أبيه ، وذكر ابن أبي حاتم
(٢٢٣/١/١) أنه كوفي روى عنه أبو أسامة أيضاً، وذكره ابن حبان في ((الثقات))
(٤٨/٦) وقال : روى عنه المسعودي أيضاً؛ فهؤلاء ثلاثة روَوْا عنه .
والمسعودي فيه ضعف من قبل حفظه .
وأما عقبة بن المغيرة الراوي الثالث عنه فقال ابن أبي حاتم (٣١٦/١/٣):
(«سمع إسحاق بن أبي إسحاق ، روى عنه محمد بن عبدالله بن نمير وأبو
سعيد الأشج ، ومحمد بن عقبة السدوسي)) .
ولم يذكر فيه جرحاً ولا تعدیلاً .
وكذلك فعل البخاري . وذكره ابن حبان في ((الثقات)) (٥٠٠/٨) برواية
السدوسي عنه .
وهو صدوق يخطئ كثيراً ، واللذان قبله ثقتان ، ويضم إليهم الراوي عنه هذا
الحديث : الصلت بن مسعود الجحدري ، وهو ثقة من رجال مسلم . فعقبة هذا
صدوق إن شاء الله تعالی .
والحديث قال الهيثمي (٦٠/٣):
(رواه الطبراني في ((الكبير)) و((الأوسط))؛ ورجاله ثقات، وله طريق عند أحمد
تأتي في ((المناقب)) إن شاء الله)).
٧٣
قلت : الطريق التي عند أحمد التي أشار إليها ، يختلف لفظه عن هذا تماماً ،
وقد رواه جمع آخر من أصحاب ((السنن)) وغيرهم ، وهو مخرج في ((أحكام الجنائز))
(ص١٣٦ - ١٣٧) ، وقد قواه جمع كما تراه هناك.
وعليه فهو يعلّ حديث الترجمة ، وما فيه من ذكر انقطاع الشَّسْع ، وقوله :
((أنعش قدمك))؛ وذلك لأنه لا يروى إلا بهذا الإسناد - كما تقدم عن الطبراني -،
ولم تطمئنَّ النفس لتوثيق ابن حبان لإسحاق بن أبي إسحاق ، مع مخالفته لطريق
أحمد القوية . والله أعلم .
ثم رأيت للحديث طريقاً أخرى لا تساوي شيئاً؛ لأنه يرويه الهيثم بن عدي :
ثنا أبو جناب الكلبي : حدثني إياد بن لقيط الذهلي : حدثتني الجَهْدَمةُ امرأة
بشير ابن الخصاصية قالت : حدثنا بشير قال : ... فذكر الحديث مطولاً ، وفيه أنه
قال له :
((أما ترضى أن أخذ الله سمعك وقلبك وبصرك إلى الإسلام من ربيعة الفرس ،
الذين يزعمون أن لولاهم لانكفت (الأصل: لانفكت) الأرض بأهلها)). الحديث .
أخرجه أبو نعيم في ((الحلية)) (٢٦/٢) ومن طريقه ابن عساكر (٣٧٩/٣)،
وقال أبو نعيم :
((رواه إسحاق بن أبي إسحاق عن أبيه مختصراً)).
قلت : هو حديث الترجمة ، وقد عرفت حاله . أما هذا ؛ فآفته الهيثم بن
عدي ، قال ابن معين والبخاري وغيرهما :
((كذاب)).
ومن كَذِبه عندي أنه صرح بتحديث أبي جناب الكلبي عن إياد ، وقد خالفه
وكيع فقال: عن أبي جناب عن إياد ... به مختصراً .
٧٤
أخرجه ابن عساكر .
قلت: وأبو جناب هذا اسمه يحيى بن أبي حيَّة، قال في ((التقريب)):
((ضعفوه لكثرة تدليسه)) .
٦٠٣٦ - (ارجعوا به فاغسلوه وكَفِّنوه، وصلّوا عليه وادْفنوه ،
والذي نفسي بيده ! لقد كادتِ الملائكةُ تحولُ بيني وبينَه . يعني :
مولىِّ للأنصار، كان يصلِّي ويَدَعُ !) .
منكر. علقه ابن قدامة المقدسي في ((المغني)) (٣٠١/٢) فقال: وقال الخلال
في ((جامعه)): ثنا يحيى: ثنا عبدالوهاب: ثنا هشام بن حسان عن عبد الله بن
عبد الرحمن عن أبي شُمَيلة :
أتى النبي صل إلى قباء؛ فاستقبله رهط من الأنصار يحملون جنازة على
باب، فقال النبي ﴿: ((ما هذا؟))، قالوا : مملوك لآل فلان كان من أمره ، قال :
((أكان يشهد أن لا إله إلا الله؟))، قالوا: نعم، ولكنه كان وكان، فقال: ((أما كان
يصلي؟)) فقالوا : قد كان يصلي ويدع ! فقال لهم : ... فذكره .
قلت : وهذا متن منكر جدّاً ، عندي شبه موضوع ، وإسناد مظلم ؛ أبو شُميلة
ذکروه في «الصحابة)) ، ولكن يبدو لي أنه غیر مشهور؛ فإنهم لم یذکروا له من روی
عنه ، ولا أنه حضر غزوة أو مشهداً ، وإنما ذكروا أنه جاء ذكره في حديث لابن
عباس أنه كان رجلاً من شنوءة غلب عليه الخمر وأنه جُلد ، ومع ذلك ففيه عنعنة
ابن إسحاق ؛ فهل تثبت الصحبة بمثل هذا؟!
وعبدالله بن عبدالرحمن لم أعرفه ، وليس هو في شيوخ هشام بن حسان
الذين ذكرهم الحافظ المزي في ((تهذيب الكمال)).
٧٥
وعبدالوهاب - هو: ابن عطاء الخفَّاف البصري - ثقة من رجال مسلم .
ويحيى الراوي عنه - هو: ابن أبي طالب -، ترجمه الخطيب في ((التاريخ))
(٢٢٠/١٤) بروايته عن جمع؛ منهم عبدالوهاب هذا. وروى عن أبي داود أنه خَطَّ
على حديث يحيى . وعن موسى بن هارون قال :
((أشهد على يحيى بن أبي طالب أنه يكذب)). وعن الدارقطني أنه قال :
((لا بأس به عندي ، ولم يطعن فيه أحد بحجة)).
وقد تأول الذهبي تكذيب موسى إياه بأنه عنى : (في كلامه) ؛ وسواءٌ كان
هذا أو غيرُه فأحلاهما مر، وهو على كل حال جرح مفسر ؛ فيقدم على توثيق
الدارقطني ، وبخاصة وقد ضرب أبو داود على حديثه ! فأظن أنه هو آفة هذا
الحديث .
وقد أورده ابن قدامة في جملة أدلة الجمهور الذين لا يُكَفِّرون تارك الصلاة
کسلاً ، وقال :
((وهو الأصوب)» .
وتبعه على ذلك جماعة من كبار الحنابلة ؛ منهم الشيخ أبو الفرج مؤلف
((الشرح الكبير)) وغيره ، ولو صح هذا الحديث ؛ لكان فصل الخطاب في ذلك ورافعاً
للخلاف .
٦٠٣٧ - (أُجِبْتُ بالذي لو اطَلَعَ عليه كثيرٌ من أمتي طَلْعةً تركوا
الصلاةَ . قال: أفلا أُبَشِّرُ الناسَ؟ قال: بلى .. ) الحديث.
منكر . أخرجه أحمد (١٧٠/٥) : ثنا يحيى: ثنا قدامة بن عبدالله : حدثتني
٧٦
جسرة بنت دجاجة : أنها انطلقت معتمرة ، فانتهت إلى الرَّبَذَة فسمعت أبا ذر يقول :
قام النبي 08 ليلة من الليالي في صلاة العشاء فصلى بالقوم ، ثم تخلف
أصحاب له يصلون ، فلما رأى قيامهم وتخلفهم انصرف إلى رحله ، فلما رأى القوم
أخلوا المكان ؛ رجع إلى مكانه فصلى ، فجئت فقمت خلفه ، فأومأ إليّ بيمينه ،
فقمت عن يمينه ، ثم جاء ابن مسعود فقام خلفي وخلفه ، فأومأ إليه بشماله ، فقام
عن شماله ، فقمنا ثلاثتنا يصلي كل رجل منا بنفسه ، ويتلو من القرآن ما شاء الله
أن يتلو ، فقام بآية من القرآن يرددها حتى صلى الغداة ، فبعد أن أصبحنا أومأت
إلى عبدالله بن مسعود : أن سله : ماذا أراد إلى ما صنع البارحةَ؟ فقال ابن مسعود
بيده: لا أسأله عن شيء حتى يحدث إليّ. فقلت: بأبي أنت وأمي ، قمتَ بآية
من القرآن لو فعل هذا بعضنا لوجدنا عليه ! قال: ((دعوت لأمتي))، قال: فماذا
أجبت؟ أو: ماذا رد عليك؟ قال : ... فذكره، وتمامه :
فانطلقت مُعْنِقاً قريباً من قَدْفة بحجر ، فقال عمر : يا رسول الله ! إنك إن
تبعث إلى الناس بهذا؛ نكلوا عن العبادة . فنادى : أن ارجع ، فرجع ، وتلك الآية :
﴿إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم﴾ .
قلت : وهذا إسناد ليس فيه من يخشى منه شيء من النكارة الظاهرة في
هذا السياق سوى جسرة بنت دجاجة ، وليست بالمشهورة ؛ فإنه لم يرو عنها من
الثقات غير قدامة بن عبدالله هذا وأفلت بن خليفة ، وفي ترجمة هذا الثاني
منهما قال البخاري (٦٧/٢/١) :
((وعند جسرة عجائب)). وساق لها عن عائشة حديث :
((لا أُحِلُّ المسجد لحائض، ولا لجنب؛ إلا لمحمد وآل محمد)). ثم أشار إلى
نكارته بقوله :
٧٧
((وقال عروة وعباد بن عبدالله عن عائشة مرفوعاً: سُدّوا هذه الأبواب إلا باب
أبي بكر)» . وقال عقبه :
((وهذا أصح)).
وعلى هذا؛ فذكر ابن حبان إياها في ((الثقات)) (١٢١/٤) من تساهله المعروف!
وبخاصة أنه قال فيما نقله أبو العباس البناني :
((عندها عجائب)). ذكره في ((الميزان)) ، وقال البيهقي :
((فيها نظر)).
فقد وافق ابن حبان البخاري في جرحه إياها ، وعليه اعتمد الذهبي في إيراده
لها في ((المغني في الضعفاء)). وقال الحافظ في ((التقريب)»:
((مقبولة)).
وبالجملة ؛ فلم تطمئن النفس لحديثها بعامة بعد جرح البخاري إياها ، ولحديثها
هذا بخاصة ؛ فإن فيه ما يستنكر :
أولاً: قولها عن أبي ذر: ((فقمت عن يمينه ... فقام (ابن مسعود) عن شماله)).
فإن هذا خلاف السنة الثابتة في حديث جابر رضي الله عنه :
أن جابراً وجَبَّاراً وقفا؛ أحدهما عن يمينه :﴿ والآخر عن يساره ، فأخذ بأيديهما
حتى أقامهما خلفه .
رواه مسلم وغيره، وهو مخرج في («الإرواء)» برقم (٥٣٩).
نعم ؛ قد صح عن ابن مسعود أنه صلى بين علقمة والأسود ، وقال : هكذا
رأيت رسول الله ح هةٍ فعل .
٧٨
أخرجه أبو داود وغيره، وهو مخرج في ((الإرواء)) أيضاً (٥٣٨).
أقول : فأخشى أن يكون دخل عليها حديث في حديث .
ثانياً: قوله : ((فقمنا ثلاثتنا يصلي كل رجل منا بنفسه ، ويتلو من القرآن ما
شاء الله أن يتلو)) .
قلت : هذا أمر مستنكر جدّاً ، لا نجد في السنة ما يشبهه ، فإن الظاهر أن أبا
ذر وابن مسعود كانا مؤتمين به { 19؛ فكيف يصح مع ذلك قوله : ((يصلي كل رجل
منا بنفسه ، ويتلو من القرآن ما شاء الله))؟! وكيف يمكن أن يقرأ كل واحد منهم ما
شاء ، وفي ذلك من التشويش الممنوع ما لا يخفى على أحد؟!
ثالثاً: قول عمر: ((إنك إن تبعث إلى الناس بهذا ... )) إلخ؛ فإن الثابت في
((صحيح مسلم)) (٤٤/١) أن قول عمر هذا إنما كان في قصة أخرى وقعت له مع
أبي هريرة ؛ فأخشى أيضاً أن يكون اختلط على جسرة هذا بهذا !
رابعاً وأخيراً : أن جسرة لم تثبت على رواية الحديث بهذا السياق الطويل
الذي فيه ما سبق بيانه من المستنكر؛ بل عدلت عنه إلى روايته مختصراً :
قالت سمعت أبا ذر یقول :
قام النبي ◌َ﴿ حتى إذا أصبح بآية؛ والآية: ﴿إن تعذبهم فإنهم عبادك ... ﴾.
أخرجه النسائي (١٥٦/١ - ١٥٧)، وابن ماجه (١٣٥٠)، والحاكم (٢٤١/١)،
وعنه البيهقي (١٤/٣)، والطحاوي في ((شرح المعاني)) (٢٠٥/١)، والخطيب في
((الموضح)) (٤٥٦/١) كلهم من طريق يحيى بن سعيد ... به . وقال الحاكم:
((صحيح))! ووافقه الذهبي !
٧٩
وفيه نظر؛ إلا أن يقصد أنه صحيح لغيره ، فهو ممكن ؛ لأن له شاهداً مختصراً
من حديث أبي سعيد اخدري :
أن رسول الله
· ردد آيةً حتى أصبح .
أخرجه أحمد (٦٢/٣) بسند جيد .
ومن الملاحظ أن يحيى بن سعيد هذا - وهو: القطان الحافظ - هو نفسه راوي
حديثها الطويل ، وفيه حديث الترجمة . وقد كِدْتُ أن أنسى أنه أنكر ما في
﴿ ذاك التصريح: (( ... تركوا
حديثها ؛ لأنني أستبعد جداً أن يصدر منه
الصلاة))، لما فيه من لفت النظر إلى ترك الاهتمام بالصلاة ، ومعلوم بداهةً أن ذلك
ليس من مقاصده ﴿ فيما يبشر به أمته كالشفاعة ؛ كما يأتي في بعض طرق
هذا الحدیث نفسه . فتأمل .
أقول : فكأن يحيى بن سعيد سمعه من قدامة بن عبدالله عن جسرة مطولاً
مرة ، ومختصراً مرة أخرى ؛ فكان يرويه تارة هكذا ، وتارة هكذا .
وقد توبع عليه مختصراً، فقال أحمد (١٥٦/٥): ثنا وكيع : ثنا قدامة
العامري ... به .
وقال ابن أبي شيبة في ((المصنف)) (٤٩٧/١١ - ٤٩٨): حدثنا محمد بن
فضيل عن فليت العامري عن جسرة عن أبي ذر ... به ، وزاد :
(بها يركع وبها يسجد. قال: قلت: يا رسول الله! ما زلت تردد هذه الآية
حتى أصبحت؟ قال : إني سألت ربي الشفاعة لأمتي ، وهي نائلة لمن لا يشرك
بالله شيئاً)) .
وبهذا الإسناد عينه أخرجه الإمام أحمد (١٤٩/٥)، وعنه الخطيب في
٨٠