النص المفهرس

صفحات 141-160

ثانياً : شيخه سعيد بن عبد الرحمن ؛ لم أعرف من هو .
ثالثاً: فاطمة الكبرى هي بنت النبي # ، ولا أدري إذا كان سعيد قد سمع
منها ، هذا إذا كانت الكبرى كما في نقل السيوطي ، وأما إذا كانت الصغرى كما
في ((تاريخ البخاري))؛ فيكون الإسناد مرسلاً؛ لأنها فاطمة بنت الحسين بن علي
ابن أبي طالب رضي الله عنهم ، فهي تابعية ، فيكون الحديث مرسلاً. فهو علة
أخرى فيه . والله سبحانه وتعالى أعلم .
هذا ؛ وقد تقدمت أحاديث أخرى في فضل التختم بالعقيق ، وكلها باطلة ،
كما سبق بيانه بالأرقام (٢٢٦ - ٢٣٠).
٥٥٧٤ _ ( ما زالَ يَقْنُتُ في الفَجْرِ حتَّى فَارَقَ الدُّنيا ).
منكر. أخرجه عبد الرزاق في ((المصنف)) (٣ / ١١٠ / ٤٩٦٤)، ومن
طريقه أحمد (٣ / ١٦٢)، وكذا الدارقطني في «سننه» (٢ / ٣٩) عن أبي
جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن أنس بن مالك قال : ... فذكره مرفوعاً .
وتابعه : أبو نعيم قال : ثنا أبو جعفر الرازي به .
أخرجه الطحاوي في ((شرح المعاني)) (١ / ١٤٣)، والدارقطني أيضاً،
والحاكم في غير ((المستدرك))، وعنه البيهقي في ((سننه)) (٢ / ٢٠١)، وكذا
البغوي في ((شرح السنة)) (٣ / ١٢٣)، ولفظه: عن الربيع بن أنس قال :
كنت جالساً عند أنس بن مالك، فقيل له: إنما قنت رسول الله ﴿ شهراً ؟
فقال : ... فذكره .
وأخرجه ابن الجوزي في (( العلل المتناهية)) (١ / ٤٤٤ / ٧٥٣) من طريق
١٤١

عبد الرزاق المتقدمة ، ومن طريق النعمان بن عبد السلام أن أبا جعفر أخبرهم به
نحوه ، وقال :
(( حديث لا يصح ، قال أحمد : أبو جعفر الرازي مضطرب الحديث . وقال ابن
حبان : ينفرد بالمناكير عن المشاهير)).
قلت: وقال فيه الحافظ في (( التقريب)) :
(( صدوق سيئ الحفظ ، خصوصاً عن مغيرة )).
وإن مما يدل على سوء حفظه : اضطرابه في روايته لهذا الحديث ، فهو يذكر فيه
صلاة الصبح تارة ، کما تقدم ، وتارة أخرى لا يذكرها ؛ فقال خالد بن یزید : حدثنا
أبو جعفر الرازي ... فذكره عن الربيع قال :
سئل أنس عن قنوت النبي ﴿ أنه قنت شهراً ، فقال : ما زال النبي
يقنت حتى مات .
أ. أخرجه ابن جرير الطبري في ((تهذيب الآثار)) (٢ / ٣٠).
وخالد بن يزيد هذا؛ هو صاحب اللؤلؤ؛ كما في ((الجرح والتعديل)) (١ /٢ /
٣٦١) لابن أبي حاتم ، وقال :
« سئل عنه أبو زرعة ؟ فقال : ليس به بأس )).
وتابعه ؛ يحيى بن أبي بكير: ثنا أبو جعفر ... بلفظ :
((قنت [#] حتى مات، وأبو بكر حتى مات، وعمر حتى مات)).
أخرجه البزار (١ / ٢٦٩ ).
١٤٢

ويحيى هذا ؛ ثقة ، من رجال الشيخين .
وتارة أخرى يذكر الصبح ؛ لكن لا يذكر الموت ، ويزيد في المتن ، ويخالف في
شيخه ، فيقول :
عن عاصم عن أنس قال :
قنت رسول الله عَ ليه في الصبح بعد الركوع، يدعو على أحياء من أحياء
العرب ، وكان قنوته قبل ذلك وبعده قبل الركوع .
أخرجه عبد الرزاق أيضاً (٣ / ١٠٩ / ٤٩٦٣)، ومن طريقه الحازمي في
((الاعتبار في الناسخ والمنسوخ من الآثار)) ( ص ٧١).
وهو بهذا المعنى محفوظ عن عاصم ؛ فقد أخرجه البخاري وغيره من طريق
أخری عن عاصم أتم منه .
رواه البخاري (١٠٠٢ ) بلفظ :
((قنت بعد الركوع شهراً يدعو عليهم ... )). ولم يذكر الصبح. وهو مخرج في
((الإرواء)) (٢ / ١٦٢).
لكن له طرق أخرى عن أنس ، في بعضها ذكر الصبح ، فراجع المصدر المذكور
إن شئت .
والطرق المشار إليها بلغت سبعة طرق عن أنس ، ليس فيها ما في حديث أبي
جعفر الرازي من الاستمرار على القنوت في الصبح حتى فارق الدنيا ؛ بل في
بعضها ما يخالفه كرواية أنس بن سيرين عن أنس بن مالك بلفظ :
١٤٣

(( قنت شهراً بعد الركوع في صلاة الفجر يدعو على بني عصية)).
رواه مسلم وغيره . ونحوه من طريق عبد العزيز بن صهيب عنه عند البخاري .
فقد تبين أن أحداً من الرواة السبعة لم يذكر ما في حديث الترجمة ، ولا
يشك ذو بصيرة بهذا العلم أن النكارة تثبت بأقل مما ذكرنا ، فلا يكاد عجبي ينتهي
من تصحيح ابن جرير الطبري لهذا الحديث ! وهو من الأمثلة الكثيرة عندي على
أنه من المتساهلين في التصحيح ، وأما الحاكم ومن نحا نحوه فهو مشهور بذلك؛
فقد قال عقب الحديث كما في (( البيهقي )) :
(( هذا حديث صحيح سنده ، ثقة رواته)) ! كذا في نقله عنه ، وأما البغوي
فقال :
(( قال الحاكم : وإسناد هذا الحديث حسن ))!
وهذا - وإن كان خطأ أيضاً؛ فهو - أقرب من الذي قبله . وأبعد عن الصواب من
كل ما سبق قول النووي - عفا الله عنا وعنه - في ((المجموع)) (٣ / ٥٠٤) عقب
الحديث :
(( حديث صحيح ، رواه جماعة من الحفاظ وصححوه ، وممن نص على صحته
الحافظ أبو عبد الله محمد بن علي البلخي ، والحاكم أبو عبد الله في مواضع من
كتبه ، والبيهقي ، ورواه الدارقطني من طرق بأسانيد صحيحة)) !!
قلت : وهذه مجازفة عجيبة من الإمام النووي ما أحببتها له رحمه الله ! فإن
الطرق التي أشار إليها بعيدة عن الصحة بُعدَ المَشْرِقين ، لا سيما وهي في الحقيقة
- بعد طريق أبي جعفر الرازي - طريق واحد ؛ لأنها كلها تدور على عمرو بن عبيد
١٤٤

عن الحسن عن أنس ، كما سيأتي .
وهذا اصطلاح خاص للنووي رحمه الله في كثير من كتبه ؛ أنه يقول هذا
القول في الحديث الذي ليس له إلى صحابيِّه إلا طريق واحدة ، لمجرد أنَّ له طرقاً
إلى أحد رواته كما كنت بينت ذلك في مقدمة تحقيقي لكتابه (( رياض الصالحين))
( ص -ي - ل) مؤيداً ذلك بالنقل عن الحافظ ابن حجر العسقلاني ، فليراجعه
من شاء المزيد من التحقيق .
فهذه الطريق : أخرجها الطحاوي (١ / ١٤٣) عن عبد الوارث ، والدارقطني
عن عبد الرزاق وقريش بن أنس جميعاً عن عمرو بن عبيد ، وفي رواية عن
قريش : ثنا إسماعيل المكي وعمرو بن عبيد عن الحسن عن أنس .
وهذه الرواية أخرجها البزار أيضاً في ((مسنده)) (١ / ٢٦٩ - كشف الأستار)
وقال :
(( هكذا رواه إسماعيل وعمرو بن عبيد عن الحسن عن أنس ، ورواه محمد بن
سيرين وأبو مجلز وقتادة عن أنس: أن النبي ﴿ قنت شهراً. وهؤلاء أثبات ،
وإسماعيل لين ، وعمرو يستغنى عن ذكره لسوء مذهبه )) .
قلت : وإسماعيل ؛ هو ابن مسلم المكي ، وهو ضعيف الحديث ، كما فى
((التقريب)).
وعمرو بن عبيد ؛ هو المعتزلي المشهور، كان داعية إلى البدعة . قال الحافظ :
(( اتهمه جماعة مع أنه كان عابداً )) .
قلت : فيُتعجب منه كيف ذكر حديثه هذا شاهداً لحديث الترجمة في
١٤٥

((التلخيص الحبير)) (١ / ٢٤٥)، وهو يعلم أن مثله لا يستشهد به لشدة ضعفه !
وكأنه استدرك ذلك على نفسه بعد أن ذكر أن بعض الرواة غلط فقال: ((عن عوف))
بدل: (( عن عمرو))؛ قال :
(( فصار ظاهر الحديث الصحة ، وليس كذلك ، بل هو من رواية عمرو - وهو ابن
عبيد - رأس القدرية ، ولا يقوم بحديثه حجة)) !
قلت: وكذلك يتعجب من الحافظ الهيثمي حيث قال في (( مجمع الزوائد ))
(٢ / ١٣٩) :
(( رواه البزار، ورجاله موثقون))!
فإن أحداً من الأئمة لم يوثق إسماعيل المكي ؛ بل تركه جمع ، منهم الخطيب
في (( الكفاية)) (٣٧٢)، ومثله - بل شر منه - عمرو بن عبيد؛ فقد كذبه
بعضهم .
وقد وجدت للحديث طريقاً أخرى لم أر أحداً من المخرجين ذكرها ، وإن كانت
مما لا يفرح به ولا يتقوى بها .
أخرجها الإسماعيلي في (( معجمه)) من طريق صهيب بن محمد بن عباد
ابن صهيب : أخبرنا حسين بن حكيم البصري : حدثنا السري بن عبد الرحمن
عن أيوب عن الحسن عن محمد عن أنس به .
قلت : وهذا إسناد ضعيف مظلم ؛ من دون أيوب لم أجد لهم ترجمة ؛ سوى
السري بن عبد الرحمن ، فالظاهر أنه الذي في (( تاريخ البخاري)) (٢ /٢ / ١٧٥)
و(( جرح ابن أبي حاتم)) (١/٢ / ٢٨٢):
١٤٦

((سري بن عبد الرحمن ؛ حجازي، روى عن عباد بن حمزة بن عبد الله بن
الزبير، روى عنه موسى بن يعقوب الزمعي». ولم يذكر فيه جرحاً ولا تعديلاً .
وذكر ابن أبي حاتم ( ١ / ٢ / ٥١) :
(( الحسين بن حكيم البلخي ، روى عن سفيان بن عيينة، روى عنه علي بن
ميسرة الهمداني الرازي )) .
قلت : فيحتمل أن يكون هو هذا الراوي عن السري ، ويكون ( البصري ) محرفاً
من ( البلخي ) ، أو العكس ، أو هو بصري بلخي . والله أعلم .
هذا؛ ولقد أنصف البيهقي بعض الشيء حين قال عقب رواية إسماعيل
وعمرو بن عبيد (٢ / ٢٠٤ ) :
(( إلا أنا لا نحتج بإسماعيل المكي، ولا بعمرو بن عبيد)).
ولكنه أبعد النجعة حين أتبعها بقوله :
((ولحديثهما هذا شواهد عن النبي نية، ثم عن خلفائه رضي الله عنهم)).
ثم ساقها وادعى صحتها ، وقد رد ذلك عليه ابن التركماني في (( الجوهر النقي))
وأطال البحث فيه ، وعلى فرض الصحة فهي كلها شواهد قاصرة ؛ لأن غاية ما فيها
القنوت في الفجر وليس ذلك موضع بحث أو شك ، وإنما هو قوله: (( حتى فارق
الدنيا)) كما تقدم، ولعل الحافظ ابن حجر أشار إلى هذا كله بقوله في ((الدراية))
(١ /١٩٦ ) :
(( وذكر له البيهقي شواهد فيها مقال)).
١٤٧

وإنما يصح أن يذكر له شاهداً من حيث المعنى ، وليس المبنى : ما أخرجه
الدارقطني (٢ / ٤١ / ٢٠) من طريق محمد بن مصبح بن هلقام البزاز: حدثنا
أبي : ثنا قيس عن أبان بن تغلب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال :
((ما زال رسول الله ﴿﴿ يقنت حتى فارق الدنيا)).
لکنہ ۔ کما تری ۔ لم یذکر الفجر ، فهو شاهد قاصر أيضاً مع وهاء إسناده ، كما
أشار إلى ذلك الدارقطني عقبه بقوله :
(( خالفه إبراهيم بن أبي حرة عن سعيد)) .
ثم ساق إسناده إليه عن سعيد قال : أشهد أني سمعت ابن عباس يقول :
((إن القنوت في صلاة الصبح بدعة)).
لكن في الطريق إلى إبراهيم متروك كما قال البيهقي، وهو مخرج في ((الإرواء ))
(٤٣٦). فالأولى معارضته بما صح من طرق عن سعيد بن جبير وغيره عن ابن
عباس أنه :
كان لا يقنت في صلاة الصبح .
أخرجه ابن أبي شيبة (٢ / ٣١١،٣٠٩) وعبد الرزاق (٣ / ١٠٧)،
والطبري (٢ / ٣٧، ٣٨، ٣٩)، والطحاوي (١ / ١٤٨) بأسانيد صحيحة عنه.
وکذلك صح عن سعيد بن جبير أنه :
كان لا يقنت في صلاة الفجر .
أخرجه ابن أبي شيبة (٢ / ٣١١،٣١٠)، والطبري (٢ / ٤٠) من طرق
١٤٨

صحيحة أيضاً عنه .
وفي رواية للطبري عن أبي بشر قال :
سألت سعيد بن جبير عن القنوت ؟ فقال :
((بدعة)) . وفي لفظ :
«لا أعلمه)).
قلت : فلو كان الشاهد المذكور ثابتاً عن سعيد بن جبير وابن عباس ؛ لكانا
كلاهما عمل به . فذلك دليل قاطع على بطلان الشاهد المذكور .
وهذا لو كان إسناده قائماً ، فكيف وهو واه بمرة ؛ فإن محمد بن مصبح وأباه ؛
قال الذهبي في (« الميزان »:
(( لا أعرفهما)).
وقيس بن الربيع فيه ضعف ، وقد جاء عنه نقيض ما روى عنه هذان المجهولان ؛
فقال الحافظ ابن حجر عقب قوله المتقدم في عمرو بن عبيد وطعنه في حديثه :
(( ويعكر على هذا ما رواه الخطيب من طريق قيس بن الربيع عن عاصم بن
سليمان : قلنا لأنس :
إن قوماً يزعمون أن النبي ﴿﴿ لم يزل يقنت في الفجر؟ فقال :
كذبوا ؛ إنما قنت شهراً واحداً يدعو على حي من أحياء المشركين .
وقيس وإن كان ضعيفاً لكنه لم يتهم بكذب . وروى ابن خزيمة في (( صحيحه ))
من طريق سعيد عن قتادة عن أنس :
١٤٩

: لم يكن يقنت ؛ إلا إذا دعا لقوم ، أو دعا على قوم .
أن النبي
فاختلفت الأحاديث عن أنس واضطربت ، فلا يقوم بمثل هذا حجة )).
قلت : ويعكر أيضاً على حديث الترجمة وما في معناه : ما أخرجه الطبراني
في ((المعجم الكبير)) (١ / ٢٤٥ / ٦٩٣) من طريق غالب بن فرقد الطحان قال :
كنت عند أنس بن مالك شهرين ، فلم يقنت في صلاة الغداة .
وغالب هذا؛ لم أجد من ترجمه ، وكذا قال الهيثمي (٢ / ١٤٧ ) في حديث
آخر له عن أنس .
وأما قول المعلق على ((نصب الراية)) (٢ / ١٣٢):
« وقال النیموي : إسنادهحسن )) !
فهو تحسينٌ انتصاراً لمذهبه الحنفي ؛ نكاية بمخالفيه الذين انتصروا لمذهبهم
الشافعي بتصحيح حديث الترجمة ، وهكذا يضيع الحق بسبب التعصب المذهبي ؛
والله تعالى هو المحمود على أن عافانا منه ، ورزقنا حب السنة ونصرتها ، والتعصُّب
لها وحدها ، فللَّه الشكر على ما أعطى ، وأسأله المزيد من فضله في الآخرة والأولى .
وجملة القول : أن حديث الترجمة منكر لا يصح ؛ لأنه ليس له طريق تقوم به
الحجة ، بل بعضها أشد ضعفاً من بعض ، ثم هو إلى ذلك مخالف لما رواه الثقات
عن أنس :
(( أنه ﴿﴿ قنت في الصبح شهراً)). كما تقدم . ولفظ ابن خزيمة:
(( لم يكن يقنت إلا إذا دعا لقوم أو على قوم )) .
١٥٠

وله عنده في « صحيحه » (٦١٩) شاهد من حديث أبي هريرة ، وإسناد كل
منهما صحيح ؛ كما قال الحافظ في (( الدراية)) (١ / ١٩٥)، وسبقه إلى ذلك ابن
عبد الهادي؛ فقال في (( التنقيح)) - كما في ((نصب الراية)) (٢ / ١٣٠) -:
(( وسند هذين الحديثين صحيح ، وهما نص في أن القنوت مختص بالنازلة)).
وهو الذي نصره ابن القيم في ((زاد المعاد )) بأسلوب رائع وتحقيق متين .
فليراجع من شاء المزيد من العلم ، وهو الذي انتهى إليه الحافظ ابن حجر الشافعي
- وهو من إنصافه وتنزهه عن التقليد -؛ فقال في (( الدراية)):
ـ كان لا يقنت إلا في النوازل ، وقد جاء
(( ويؤخذ من جميع الأخبار أنه
ذلك صريحاً ؛ فعند ابن حبان عن أبي هريرة ... )) . فذكر حديثه وحديث أنس
المذكورين آنفاً .
( تنبيهات ) :
أولاً: حديث أبي هريرة هذا عزاه لابن حبان الزيلعيُّ أيضاً (٢ / ١٣٠)، ولم
يورده الهيثمي في (( موارد الظمآن )) ، فلا أدري السبب !
ثانياً: حديث الترجمة عزاه الزيلعي وغيره للحاكم في (( كتاب الأربعين )) له ،
وعزاه الحافظ في ((التلخيص)) (١ / ٢٤٤) إليه في (( كتاب القنوت)) له؛ وكرر
ذلك في موضع آخر يأتي الإشارة إليه قريباً . فلعل الحاكم رواه في كلٌّ من الكتابين
المذكورين ، ويكون ذلك هو سبب الاختلاف في النقل عنه مرتبةً ، فالبيهقي نقل
عنه التصحيح ، والبغوي التحسين كما تقدم ، فيكون التصحيح في أحد الكتابين
المذكورين ، والتحسين في الكتاب الآخر ، والله سبحانه وتعالى أعلم .
ثالثاً : ثم قال الحافظ :
١٥١

(( عزا هذا الحديثُ بعض الأئمة إلى مسلم ؛ فوهم! وعزاه النووي إلى
((المستدرك)) للحاكم ! وليس هو فيه ، وإنما أورده وصححه في جزء مفرد في
((القنوت))، ونقل البيهقي تصحيحه عن الحاكم، فظن الشيخ أنه في ((المستدرك)).
رابعاً: تقدم حديث عمرو بن عبيد وإسماعيل المكي من رواية جمع ؛ منهم
البزار، فلما خرجه الشيخ الأعظمي في تعليقه عليه (١ / ٢٦٩ ) قال :
((قال الهيثمي : رواه أحمد والبزار ... ))! فهذا خطأ مزدوج؛ لأن الهيثمي لم
يعزه لأحمد ؛ ولأن هذا لم يخرجه من هذا الوجه ، وإنما رواه من طريق الرازي التي
أخرجها البزار أيضاً ، ولما علق عليه الأعظمي لم يعزه لأحمد ، فهذا خطأ آخر،
ظلمات بعضها فوق بعض ، والظاهر أنه انقلب عليه تخريج الهيثمي للحديثين ،
فجعل ما لهذا لذاك ، وبالعكس !
خامساً : النيموي المتقدم ذكره ، هو من كبار متعصبة الحنفية في الهند ، يدل
على ذلك كتابه (( آثار السنن )) الذي رد عليه العلامة المحدث محمد بن عبد الرحمن
المباركفوري مؤلف « تحفة الأحوذي )) في كتابه ((أبکار السنن )) ، بيَّن فیه جهل
النيموي بهذا العلم الشريف ، وتضعيفه الأحاديث الصحيحة ، وتصحيحه
الأحاديث الضعيفة ؛ اتباعاً للهوى ، وتعصباً للمذهب . ومثله الأعظمي المشار إليه
آنفاً في بعض تأليفه .
٥٥٧٥ _ (الحجَامَةُ يومَ الثُّلاثاءِ لِسَبْعَ عشرةَ من الشهرِ دواءٌ لداءِ
السَّنَةِ ) .
موضوع. أخرجه ابن سعد في ((الطبقات)) (١ / ٤٤٨)، وابن جرير
الطبري في ((تهذيب الآثار)) (٢ /١١٦ / ١٣١٨)، والطبراني في ((المعجم
١٥٢

الكبير)) (٢٠ /٢١٥ /٤٩٩)، والبيهقي في («السنن الكبرى)) (٣٤٠/٩) من
طريق ابن عدي وهذا في ((الكامل)) (١٤٤ / ٢)؛ كلهم عن سلام بن سلم عن
زيد العمي عن معاوية بن قرة عن معقل بن يسار مرفوعاً . وقال ابن جرير ( ٢ /
١٢٥ ) :
(( سنده عندنا واه، لا يثبت بمثله في الدين حجة، ولا نعلمه يصح)).
وأشار إلى أن علته سلام المدائني - وهو الطويل -، وبه أعله البيهقي فقال :
((وهو متروك)).
وبه أعله ابن الجوزي أيضاً ، وقد أورده من طريق ابن عدي أيضاً في ((الموضوعات))
(٣ / ٢١٤) ؛ لكنه أعله أيضاً بزيد العمي فقال : قال ابن حبان:
(( يروي أشياء موضوعة لا أصل لها ، حتى يسبق إلى القلب أنه المتعمد لها )).
وأقره السيوطي في ((اللآلي)) (٢ / ٤١٢) ؛ لكنه تعقبه في حديث أنس
الآتي بما لا ينهض ؛ كما سأبينه إن شاء الله تعالى ، وهو ما أخرجه ابن حبان في
((الضعفاء)) (١ / ٣٠٩) من طريق محمد بن الفضل عن زيد العمي عن معاوية
ابن قرة عن أنس مرفوعاً :
(( من احتجم يوم الثلاثاء لسبع عشرة ... ))؛ الحديث مثله.
أورده في ترجمة زيد العمي هذا ، وأعله به وتبعه على ذلك ابن الجوزي ، وقد
رواه من طريقه ؛ لكنه زاد على ابن حبان في الإعلال فقال :
(( ومحمد بن الفضل ؛ قال أحمد : ليس بشيء ؛ حديثه حديث أهل الكذب .
وقال یحیی : كان كذاباً )).
١٥٣

قلت : وهو محمد بن الفضل بن عطية المروزي ، وقد قال فيه ابن حبان نفسه
( ٢٧٨/٢ ) :
((كان ممن يروي الموضوعات عن الأثبات ، لا يحل كتابة حديثه إلا على سبيل
الاعتبار، كان أبو بكر بن أبي شيبة شديد الحمل عليه )).
قلت : وأنت إذا قابلت كلام ابن حبان هذا بكلامه المتقدم في زيد العمي تبين
لك أنه أشد ضعفاً عنده من زيد العمي ، فتعصيب الجناية في هذا الحديث به
وإيراده في ترجمته أولى من إيراده في ترجمة العمي وتعصيب الجناية به ، ولا
سیما وقد قيل فيه :
((صالح)). ولذلك؛ اقتصر الحافظ ابن حجر على قوله فيه :
((ضعيف )) . وأما ابن الفضل فقال فيه :
((كذبوه)) .
قلت : فهو آفة هذا الحديث . وأما تعقب السيوطي على ابن الجوزي بقوله في
(( اللآلي)»:
« قلت : له متابع ، أخرجه البيهقي في « سننه )» بسنده عن هشیم عن زيد
العمي به . قال : ورواه أبو جزي نصر بن طريف بإسنادين له عن أبي هريرة
مرفوعاً )) .
قلت : لقد أساء السيوطي - ولا أقول : أخطأ - بهذا التعقّب من ناحيتين :
الأولى: أن هشيماً مدلس معروف بذلك حتى عند السيوطي في (( تدريب
الراوي» (١ / ٢٢٦)، وذكره الحافظ العسقلاني في المرتبة الثالثة من مراتب
١٥٤
٠

التدليس، وهي كما قال في المقدمة من ((طبقات المدلسين)):
(( مَنْ أكثر مِنَ التدليس ، فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه
بالسماع )» .
وإذ الأمر كذلك ؛ فلا يجوز للسيوطي أن يجعل هشيماً متابعاً لمحمد بن
الفضل ، إلا لو صرح بالتحديث ؛ لأنه يوهم من لا علم عنده بهذه الصناعة أنها
متابعة قوية ؛ لأن هشيماً معروف الثقة عند عامة المشتغلين بها ، بخلاف تدليسه ؛
فقلّ من يعرفه أو يتذكره ، بل إنه من المحتمل احتمالاً قوياً أن يكون سمعه من
محمد بن الفضل ثم دَلَّسَه .
والأخرى - وهي أسوأ من الأولى -: أنه لم ينقل كلام البيهقي بتمامه ؛ بل بتر
منه ما يدل صراحة أن ما رواه أبو جزي لا يصلح الاستشهاد به لشدّة ضعفه ، فقال
البيهقي :
(( وهو متروك، لا ينبغي ذكره)).
هذا هو تمام كلام البيهقي الذي نقله السيوطي عنه مبتوراً . عفا الله عَنّا وعنه
بمنِّه وكرمه .
ولأبي جزي ترجمة سيئة جداً في ((الميزان)) و((اللسان))، مما جاء فيها :
(( وقال النسائي وغيره: متروك. وقال يحيى: من المعروفين بوضع الحديث)).
ومن الغريب أن الشيخ ابن عراق في (( تنزيه الشريعة)) (٢ / ٣٦٠) أقر
السيوطيَّ على دعواه متابعة هشيم لمحمد بن الفضل ! فيغلب على ظني الآن أنهما
لم يتذكّرا ما شرحته من تدليس هشيم ، وعلى ذلك يحمل أيضاً ما كنت نقلته
١٥٥

تحت هذا الحديث برقم ( ١٤١٠ ) أن الذهبي جوّد إسناده! فإنه ممن وصف هشيماً
بالتدليس في (( الكاشف))، بالإضافة إلى أنه ضعف زيداً العمي كما نقلته عنه
هناك .
نعم قد وجدت شاهداً لحديث الترجمة بلفظ حديث أنس المتقدم بزيادة :
((وتسع عشرة، وإحدى وعشرين ... ))؛ دون قوله: (( يوم الثلاثاء)).
أخرجه أبو داود وغيره بسند حسن ، كما هو مبين في (( الصحيحة )) برقم
(٦٢٢). فدل ذلك على بطلان ذكر: ( الثلاثاء ) فيه .
( تنبيه ): لقد نقل المناوي في كلامه ونقده لحديث الترجمة ما تقدم من
تضعيف ابن جرير إياه ، كما نقل مثله عن غيره ، وعن ابن الجوزي أنه موضوع ، ثم
ذهل عن ذلك في كتابه الآخر: (( التيسير بشرح الجامع الصغير )) فحسِّن إسناده!
وهو وهم محض ، فلا يغتر به .
٥٥٧٦ _ ( مَنْ وافقَ منكم يومَ الثلاثاءِ لسبعَ عشرةَ مضتْ مِنَ الشهرِ؛
فلا يُجَاوزْهَا حتى يَحْتَجِمَ ، فاحتَجِمُوا فيه ) .
موضوع. أخرجه الطبراني في ((المعجم الكبير)) ( ١١ / ١٦٢ / ١١٣٦٦)،
وابن حبان في ((الضعفاء)) (٣ / ٥٨ - ٥٩)، ومن طريقه ابن الجوزي في
((الموضوعات)) (٣ / ٢١٤) عن نافع أبي هرمز عن عطاء عن ابن عباس قال:
دخلت على رسول الله ﴿ وهو يحتجم يوم الثلاثاء ، فقلت : هذا اليوم
تحتجم؟! قال: ((نعم؛ من وافق ... )) الحديث .
أورده ابن حبان في ترجمة نافع هذا ، وقال :
١٥٦

((كان ممن يروي عن أنس ما ليس من حديثه كأنه أنس آخر)) . وقال ابن
الجوزي :
(« هذا حديث لا يصح ، أبو هرمز؛ قال يحيى: ليس بشيء، كذاب . وقال
النسائي: ليس بثقة . وقال الدارقطني: متروك)).
وأقره السيوطي في ((اللآلي)) (٢ / ٤١٢).
( تنبيه ): جاء الحديث في ((مجمع الزوائد)) (٥ / ٩٣) بهذا السياق ؛ إلا
الجملة الأخيرة منه: ((فلا يجاوزها ... ))؛ فإنها فيه بلفظ :
(«فهو دواء لداء السنة)) . وبعده قوله :
(« رواه الطبراني ، وفيه زيد بن أبي الحواري العمي ، وهو ضعيف ، وقد وثقه
الدارقطني وغيره ، وبقية رجاله رجال الصحيح)) !
وهذا خلط عجيب متناً وتخريجاً! ولعله من الناسخ أو الطابع ، وأرى أنه سقط
منه شيء ، ودخل عليه حديث في حديث ، وإليك البيان :
أولاً: لقد علق الناشر على قوله: ((فهو))، فقال :
(((فهو) غير موجودة في الأصل)).
ومعنى ذلك أنه : لما كان الكلام الأخير غير متصل بما قبله ؛ زاد الناشر هذه اللفظة
(فهو ) ؛ لربط الكلام بعضه ببعض ، ففيه إشعار أن في الكلام سقطاً، فما هو ؟
والجواب في الآتي :
١٥٧

ثانياً: قد جاءت هذه الجملة الأخيرة: ((دواء لداء السنة)) في حديث معقل
ابن يسار الذي تقدم قبيل هذا ، وجاء في تخريجه أنه رواه الطبراني؛ كما رأيت
بالأرقام، وقد عزاه إليه السيوطي في ((الجامع الصغير))، ولما كان ((المجمع )) ملتزماً
إيراد أحاديث الطبراني الزائدة على الكتب الستة ، فالمفروض أن يكون حديث
معقل هذا فیه ، والواقع ليس كذلك .
ثالثاً : لقد جاء فيه عقب حديث ابن عباس هذا أن فيه زید بن أبي الحواري !
وهذا خلاف الواقع كما رأيت في تخريجي إياه ؛ وإنما هو في إسناد حديث معقل
المشار إليه آنفاً .
ومن هذه الحقائق نستنتج ما يلي :
لقد سقط من مطبوعة (( مجمع الزوائد )) شيئان :
الأول: تمام حديث ابن عباس الذي هو قوله: ((فلا يجاوزها ... )) إلخ، مع
عزوه للطبراني وإعلاله بأبي هرمز .
والآخر: حديث معقل بن يسار بتمامه إلا الجهلة الأخيرة منه الدالة عليه :
((دواء لداء السنة)).
وعليه ؛ فقوله عقبها :
((رواه الطبراني ، وفيه زيد ... )).
إنما هو تخريج حديث معقل ، وليس لحديث ابن عباس ، وأن تخريج هذا سقط
من ((المجمع )) ، فوجب بيان ذلك والتنبيه عليه ؛ حتى لا يشكل ذلك على أحد .
ومن العجيب أن لا ينبه على هذا صاحبنا الشيخ حمدي السلفي في تعليقه
١٥٨

على حديث معقل المشار إليه في ((المعجم الكبير)) حين نقل عن الهيثمي في
تخريجه وإعلاله بزيد؛ وهو نقله عن المطبوعة من (( المجمع)) مشيراً إلى الجزء
والصفحة منه ، وهو إنما وقع فيه عقب حديث ابن عباس كما بينته آنفاً ! وتبعه على
ذلك المعلق على (( تهذيب الآثار)) !
٥٥٧٧ - ( رأيتُهُ كَيِّر في أيام التشريقِ مِنْ صلاةِ الظُّهرِ يوم النَّحْرِ حتى
خرج مِنْ مِنَىِ ، يُكَبِّرُ في دُّبُرِ كُلِّ صلاةٍ ) .
ضعيف جداً. أخرجه الطبراني في « الأوسط)) (٢ / ١٥٨ / ٧٤١٧) من
طريق سليمان بن داود الشاذكوني : ثنا عبد الواحد بن عبد الله الأنصاري : نا
شرقي بن القطامي عن عمرو بن قيس عن مُحل بن وداعة عن شريح بن أبرهة
قال : ... فذكره مرفوعاً ، وقال :
(( لا يروى عن شريح إلا بهذا الإسناد ، تفرد به شرقي بن القطامي)).
قلت : وبه أعله الهيثمي ، فقال (٢ / ١٩٧) :
((رواه الطبراني في « الأوسط))، وفيه شرقي بن قطامي ؛ ضعفه زكريا
الساجي، وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وذكره ابن عدي في ((الكامل)))).
کذا قال ! ولا فائدة کبری من قوله: ( وذكره ابن عدي ... ))؛ ما دام أنه لم
يذكر قوله فيه ، وهو :
(( ليس له من الحديث إلا نحو عشرة ، وفي بعض ما رواه مناكير)).
وقد ضعفه غير الساجي أيضاً؛ وكذبه شعبة واليوسفي . ومن مناكيره :
١٥٩

(( من استنجى من الريح؛ فليس منا )).
وهو مخرج في ((الإرواء)) (١ / ٨٦ / ٤٩).
ثم إن في إسناد الحديث عللاً أخرى لم يتعرض الهيثمي لبيانها :
أولاً : محل بن وداعة ؛ لم أجده في شيء من كتب الرجال .
ثانياً : عبد الواحد بن عبد الله الأنصاري ؛ حاله كالذي قبله .
ثالثاً : الشاذكوني ؛ متروك ؛ مع حفظه ؛ بل كذبه ابن معين وصالح جزرة ،
وغيرهما .
لكنْ؛ لعل للحديث طريقاً أخرى إلى شرقي بن قطامي ؛ فقد ذكره الحافظ في
ترجمة شريح من رواية ابن قانع وأبي نعيم عنه ، وقال :
((وإسناده ضعيف)).
٥٥٧٨ - (كان يُكبِّر في صَلاةِ الفَجْرِ يومَ عرفةَ إلى صلاةِ العصْرِ من
آخرِ أيام التشريقِ ؛ حين يُسَلِّمُ مِنَ المكتوبات ).
موضوع. أخرجه الطبراني في جزء (( فضل عشر ذي الحجة)) ( ق ١٣ / ١)،
والدارقطني في «سننه» (٢ / ٤٩ / ٢٧)، والبيهقي (٣ /٣١٥) عن عمرو بن
شمر عن جابر عن أبي جعفر عن علي بن حسين ( وقال البيهقي : عن جابر عن
عبد الرحمن بن سابط ) عن جابر بن عبد الله قال : ... فذكره . وقال البيهقي :
((عمرو بن شمر، وجابر الجعفي؛ لا يحتج بهما)).
قلت : عمرو ؛ شَرٌّ منه ؛ فقد كذبه بعضهم ، وقال ابن حبان :
١.٦٠