النص المفهرس
صفحات 541-560
منهما متهم بالكذب ، وقد سبق تخريجهما برقم ( ٨٥٨، ٨٥٩ )، فكأن رزيناً لفّق من حديث معاذ هذا وحديث الترجمة حديثاً آخر ، وعزاه لحديث أبي أمامة ، وهذا ليس بجيد كما لا يخفى ، وهو يفعل ذلك - مع الأسف - كثيراً، ومن ذلك الحديث الآتي بعده . ثم رأيت الطبراني قد أخرج الحديث في (( المعجم الكبير)) (٨ / ١١٦ / ٧٤٨٧) من طريق حماد بن عبد الرحمن : ثنا خالد بن الزُّبْرقان عن سليمان بن حبيب عن أبي أمامة الباهلي به . وهذا إسناد ضعيف جدّاً : ١ - حماد بن عبد الرحمن : هو الكلبي ؛ قال ابن أبي حاتم عن أبيه : ((شيخ مجهول ، منكر الحديث، ضعيف الحديث)). وقال أبو زرعة: (( له أحاديث مناكير)). وبه أعله الهيثمي (٤ / ٨١). وقلَّده المعلِّقون الثلاثة على طبعتهم الجديدة لكتاب المنذري ((الترغيب)) (٢ / ٥٦٨)! وخفيت عليهم جميعاً العلّة التالية: ٢ - خالد بن الزبرقان ؛ قال ابن أبي حاتم : (( سمعت أبي يقول : هو منكر الحديث ، وغيري يحكي عن أبي أنه قال : صالح الحديث )) . وقد جاء الحديث مختصراً جداً من طريق عبد الرحمن بن يزيد بن جابر عن القاسم عن أبي أمامة قال : نهى رسول الله ﴿﴿ أن يُحْتَكَرَ الطعام. ٥٤١ أخرجه الرُّوياني في ((مسنده)) (٢ / ٢٧٨ / ١١٩٩)، والبيهقي في (( الشعب)) (٧ /٥٢٤ /١١٢١٢)، وأشار إليه في ((السنن)) (٦ / ٣٠). قلت : وهذا إسناد حسن ، وفي القاسم كلام لا يضر ، وهو ابن عبد الرحمن الدمشقي صاحب أبي أمامة ، وقد ذكروا في ترجمته أنه يقال فيه : إنه كان مولى لجويرية بنت أبي سفيان ، فورث بنو يزيد بن معاوية ولاءه ، فلذلك يقال: مولى بني يزيد بن معاوية . وقد وقع في ((الشعب)): (( .. القاسم بن يزيد)) كذا! فلعله قد سقط منه قوله : ( مولى ) بين القاسم ويزيد . والله أعلم . ٥٣٣٦ - ( يُحْشَرُ الحكّارِونَ وقَتَلةُ الأنفس إلى جهنَّمَ في درجةٍ واحدة ) . ضعيف. أخرجه ابن عدي في ((الكامل)) (ق ٤٤ / ٢) ، وابن عساكر في ((التاريخ)) (١٧ / ١/٢٢٩) عن مُهَنَّى بن يحيى السامي: ثنا بقية عن سعيد ابن عبد العزيز عن مكحول عن أبي هريرة مرفوعاً به . وقال ابن عدي : (( لا أعلم رواه عن سعيد بن عبد العزيز غير بقية ، ولا عن بقية غير مهنى بن یحیی )) . قلت : مُهَنَّى ثقة نبيل ؛ كما قال الدارقطني . وإنما العلة من شيخه بقية ؛ فإنه كان مدلساً ، وقد عنعنه ؛ كما ترى . على أن سعيد بن عبد العزيز - وإن كان ثقة جليلاً -؛ فقد اختلط آخر عمره ، ولا أدري أسمع منه بقية قبل اختلاطه أم بعده ؟ ٥٤٢ والحديث ؛ أورده المنذري بزيادة : (( ومن دخل في شيء من سعر المسلمين يغليه عليهم؛ كان حقّاً على الله أن يعذِّبه في معظم النار يوم القيامة )) . وقال : ((ذكره رزين أيضاً ، وهو ما انفرد به مُهَنَّى بن يحيى عن بقية بن الوليد عن سعيد بن عبد العزيز عن مكحول عن أبي هريرة ، وفي الحديث نكارة ظاهرة )) ! هكذا أورده دون أن يعزوه لأحد من المخرجين وبالزيادة المذكورة ، وهي في حديث آخر أيضاً عند أحمد وغيره عن معقل بن يسار، وهو في (( الترغيب))؛ وأعله بالجهالة ! وكذلك فعل الهيثمي ( ٤ / ١٠١ )! وإنما علته من الحسن البصري ؛ فإنه لم يصرح بالتحديث ، ولبيان ذلك خرجته فيما سيأتي رقم ( ٦٦٤٦ ). ٥٣٣٧ - ( أَقِلَّ مِنَ الذُّنُوبِ ، يَهُنْ عليك الموتُ ، وأَقِلَّ من الدّيْنِ؛ تعشْ حُرّاً، [ وانظرْ في أيِّ نصابٍ تضعُ ولدَك ؛ فإن العِرْقَ دساس ])(١) . ضعيف جدّاً. أخرجه ابن عدي في ((الكامل)) ( ق ٢٩٨ / ١) - والزيادة له -، والبيهقي في ((شعب الإيمان)) (٢ / ١٤٥ /٢) عن عبيد الله بن العباس ابن الربيع الحارثي - من أهل نجران اليمن -: حدثني محمد بن عبد الرحمن بن البَيْلَماني عن أبيه عن ابن عمر مرفوعاً . أورده ابن عدي في جملة ما أنكر على محمد بن عبد الرحمن هذا . وقال البيهقي : (١) كتب الشيخ - رحمه الله - فوق هذا المتن: ((تقدم برقم (٢٠٢٣))). (الناشر). ٥٤٣ ((في إسناده ضعف))! وأشار المنذري (٣ / ٣٢) إلى ضعفه ! قلت : بل هو شرّ من ذلك ؛ فإن ابن البيلماني متهم بالوضع ، وقد مضى له بعض الأحاديث ، فانظر مثلاً (٥٤، ٨٢٠). ٥٣٣٨ - (يدعُو اللهُ بصاحبِ الدِّين يومَ القيامة؛ حتّى يُوقَفَ بين يَدَيْهِ ، فيقالُ: يا ابنَ آدم ! فيما أخذتَ هذا الدّيْن ؟ وفيم ضيَّعْتَ حقوقَ الناسِ ؟! فيقول: يا ربِّ! إِنَّك تعلمُ أني أخذته؛ فلم آكلْ ، ولم أشرب ، ولم ألبسْ ، ولم أضيِّع، ولكن أتى على يديَّ إمّا حَرْقٌ وإما سَرْقٌ وإما وَضيعةٌ ، فيقول الله عز وجل : صدَقَ عبدي : أنا أحقُّ مَنْ قضى عنك اليومَ. فيدعُو اللّهَ بشيء فيضعُهُ في كِفَّة ميزانه ، فترجَحُ حسناتُهُ على سيئاته ، فَيَدْخُلُ الجنةَ بفضْلٍ رحمتِهِ ) . ضعيف . أخرجه الطيالسي في (( مسنده)) (١٣٢٦)، وعنه ابن عساكر (٨ / ٣٦) - عن صدقة بن موسى -، وأحمد (١ / ١٩٧ - ١٩٨) - عن عبد الصمد -، وهو والبزار (١٣٣٢ - كشف الأستار)، وأبو نعيم في ((الحلية)) (٤ / ١٤١)، وابن عساكر أيضاً - عن يزيد بن هارون -، وأبو نعيم أيضاً من طريق الطبراني - عن مسلم بن إبراهيم - كلهم قالوا : عن صدقة بن موسى : ثنا أبو عمران : حدثني قيس بن زيد عن قاضي المِصْرَيْن [ هو شريح، والمصران : البصرة والكوفة ] عن عبد الرحمن بن أبي بكر مرفوعاً . وقال البزار: (( لا نعلمه عن عبد الرحمن مرفوعاً إلا بهذا الإسناد )) . وقال أبو نعيم: (( غريب من حديث شريح ، تفرد به صدقة عن أبي عمران )). قلت : صدقة - وهو الدَّقِيقِيُّ - فيه ضعف ؛ كما يشعر بذلك قول الحافظ : ٥٤٤ (( صدوق له أوهام )) . وبه أعله الهيثي، فقال ( ٤ / ١٣٣ ) : ((رواه أحمد، والبزار والطبراني في ((الكبير))، وفيه صدقة الدقيقي، وثقه مسلم بن إبراهيم ، وضعفه جماعة )) ! قلت : وهذا يوهم أنه ليس فيه غيره ممن يُعَلُّ به الحديث ! وليس كذلك ؛ فإن قيس بن زيد أورده الذهبي في (( الميزان)) ، وقال : (( قال الأزدي : ضعيف )). وَأَقَرّه هو والحافظ في « اللسان »؛ إلا أن هذا زاد فقال: ((روى عنه أبو عمران الجوني، وأورد له أبو نعيم في (( الصحابة)) حديثاً مرسلاً ، وقال: هو مجهول ، ولا تصح له صحبة ولا رؤية)) . انظر ((المعرفة)) (٢ / ١٤٩ /٢). قلت: وأما ابن حبان، فأورده في ((الثقات)) (٣ / ٢٢٠) على قاعدته في توثيق المجهولين ، ولم يذكر عنه راوياً غير الجوني ! والظاهر أنه خفيت هذه العلة على المنذري أيضاً؛ فحسَّن إسناد الحديث ، مع إيهام خلاف الواقع، فقال في (( الترغيب)) (٣ / ٣٦): (( رواه أحمد، والبزار، والطبراني؛ وأبو نعيم ، وأحد أسانيدهم حسن)) ! أما الإيهام ؛ فما أظنه يخفى على من تأمل هذا التخريج والتحقيق ؛ فإنه أوهم أن للحديث أكثر من إسناد واحد ! وليس كذلك ؛ فإن مداره على الدقيقي بإسناده ٥٤٥ عن قيس بن زيد . فتنبه ! ومن هذه الطريق: أخرجه ابن أبي خَيْثَمة في ((التاريخ)) (١١٧ ). ٥٣٣٩ - (أشْكَرُ الناسِ للهِ عزّ وجلّ : أشكَرُهم للناسِ ). ضعيف . وقد روي من حديث الأشعث بن قيس ، وأسامة بن زيد ، وعبد الله ابن مسعود . ١ - أما حديث الأشعث؛ فيرويه عبد الله بن شَريك العامري عن عبد الرحمن ابن عديِ الکندي عنه . أخرجه الطيالسي في (( مسنده )) ( ص ١٤١ برقم ١٠٤٨ ) ، وأحمد (٥ / ٢١٢)، والطبراني في ((المعجم الكبير)) (رقم ٦٤٨)، والطبري (مسند عمر - ٧٣ / ١٢٠) . قلت : وهذا إسناد ضعيف ؛ لجهالة عبد الرحمن بن عدي الكندي ؛ قال الحافظ في (( التقريب)): ( مجهول )). قلت : وأما ابن حبان ؛ فذكره على قاعدته في توثيق المجهولين في كتابه ((الثقات)) (٣ / ١٦٠)؛ إلا أنه وقع عنده: ( ابن عثمان) مكان: ( ابن عدي)! وهو خطأ قديم ؛ فإنه كذلك وقع في مخطوطة الظاهرية منه . وأما قول المنذري في (( الترغيب)) (٢ / ٥٦) - والهيثمي في ((المجمع)) (٨ / ١٨٠ ) -: ٥٤٦ ((رواه أحمد، ورجاله ثقات)) ! فمن الظاهر أنهما اعتمدا في ذلك على توثيق ابن حبان المذكور، وقد عرفت ما فيه . وأزيد على ما تقدم فأقول : إنه مع جهالة الكندي الراوي عن الأشعث ؛ فقد خالفه في متنه : أبو معشر زياد بن كُلَيْب ؛ فقال: عن الأشعث به مرفوعاً بلفظ : (( لا يشكر الله من لا يشكر الناس)). أخرجه أحمد (٥ / ٢١٢،٢١١) بإسنادين صحيحين عنه - أعني: أبا معشراً .. إلا أنه منقطع بينه وبين الأشعث ؛ فإن بين وفاتيهما نحو ثمانين سنة . لكن لهذا اللفظ شاهد قوي من حديث أبي هريرة رضي الله عنه ، كنت خرجته في (( الصحيحة )) برقم (٤١٦)، فهو المحفوظ عن النبي ٢ - وأما حديث أسامة؛ فيرويه عبد المنعم بن نُعيم: ثنا الجُرَيْريُّ عن أبي عثمان النهدي عنه به . أخرجه الطبراني في « الكبير» (٤٢٥). قلت : وهذا إسناد ضعيف جدّاً؛ آفته ابن نعيم هذا؛ قال الحافظ : ((متروك)). وهذا أصح وأدق من قول الهيثمي فيه : ((ضعيف))؛ فإنه ضعيف جدّاً؛ كما يدلك على ذلك قول الحافظ هذا ، وهو تابع في ذلك للإمام الدارقطني . ونحوه قول النسائي : ٥٤٧ ((ليس بثقة)). وأشد من ذلك قول الإمام البخاري : ((منكر الحديث)). : وكذا قال أبو حاتم . ومما ذكرنا؛ تعلم تساهل الذهبي في قوله في (( المغني في الضعفاء والمتروكين)): (( ضعفه الدارقطني وغيره )) ! ( تنبيه): حديث أسامة هذا؛ عزاه السيوطي في ((الجامع)) للطبراني، والبيهقي في (( شعب الإيمان)) ؛ فقال المناوي في شرحه : ((وفيه عندهما أبو نعيم؛ أورده الذهبي في ((الضعفاء))، وقال: ضعفه الدارقطني وغيره . اهـ؛ وبه أعلَّ الهيثمي خبر الطبراني))! فقوله: ((أبو نعيم)) خطأ! والصواب : ( ابن نعيم ) ، أو ( عبد المنعم بن نعيم ). ٣ - وأما حديث ابن مسعود؛ فعزاه السيوطي لابن عدي ، ولم يتكلم المناوي عليه بشيء ، ولا وقفت عليه الآن لننظر فيه ، ثم قال المناوي : (( رمز المصنف لصحته، ولعله من الصحيح لغيره )) ! قلت : بل هو ضعيف ؛ والصحيح اللفظ الآخر كما تقدم بيانه . ٥٣٤٠ - ( أَبْلِغِي مَنْ لَقِيتِ مِنَ النِّساءِ أنَّ طاعةَ الزَّوْجِ واعترافاً بحقٌه يَعْدِلُ ذلك - يعني : الجهاد -، وقليلٌ مِنْكُنَّ مَنْ يفعلُهُ ). ضعيف. أخرجه البزار في ((مسنده)) (رقم ١٤٧٤ - كشف الأستار عن زوائد البزار) من طريق مَنْدَل عن رِشْدِين بن کُرَيْبٍ عن أبيه عن ابن عباس قال : ٥٤٨ جاءت امرأة إلى النبي ◌َ ◌ّله، فقالت: يا رسول الله ! أنا وافدة النساء إليك، هذا الجهاد كتبه الله على الرجال ؛ فإن نُصبوا(١) أُجِروا، وإن قُتلوا كانوا أحياءً عند ربهم يرزقون ، ونحن معشرَ النساء نقوم عليهم ، فما لنا من ذلك ؟ قال : فقال النبي :... فذكره . وقال : (( لا نعلمه يروى عن النبي ﴿ إلا من هذا الوجه ، ورشدين حدث عنه جماعة)) ! قلت : وما فائدة ذلك ، وهو ممن أجمعوا على ضعفه ؟ ! بل قال فيه البخاري في (( التاريخ الصغير)) (ص ١٦٣ ) : ((منكر الحديث)). وحكاه عنه في ((التهذيب)). وقال ابن حبان في ((الضعفاء)) (١ /٣٠٢) : (( كثير المناكير ، يروي عن أبيه أشياءَ ليس تشبه حديث الأثبات عنه ، كان الغالب عليه الوهم والخطأ، حتى خرج عن حد الاحتجاج به )). ثم ساق له هذا الحديث من طريق جُبَارة بن مُغَلِّس : ثنا مندل بن علي به أتم منه . ولذلك؛ جزم الهيثمي في ((المجمع)) (٤ / ٣٠٥، ٣٠٦) بأنه ضعيف ، وكذا الحافظ في (( التقريب)). ومندل ضعيف أيضاً . فاقتصار الهيثمي في إعلال الحديث عليه قصور ، وبخاصة في الموضع الثاني (١) كذا الأصل! وفي ((الترغيب)) و((المجمع)): (يصيبوا) ؛ وهو الصواب؛ لمطابقته لرواية ابن حبان، ونحوها رواية الطبراني: ((فإن أصابوا أثْرَوْا)). ٥٤٩ المشار إليه ؛ فإنه ذكره فيه من رواية الطبراني، وهذا قد أخرجه في (( المعجم الكبير)) (٣ / ١٤٩ / ٢ - ١٥٠ / ١) من طريق يحيى بن العلاء عن رشدين بن كريب به مطولاً مثل رواية ابن حبان . ويحيى بن العلاء وضاع ؛ كما تقدم غير مرة ، فالسكوت عنه غير جيد . وقد وجدت للحديث طريقاً أخرى عن ابن عباس ، وشاهداً من حديث أسماء بنت یزید بن السكن . أما الطريق ؛ فيرويه هشام بن يوسف - وهو الصنعاني - عن القاسم بن فياض عن خلاد بن عبد الرحمن بن جُبيرة(١) عن سعيد بن المسيب : سمع ابن عباس قال : ... فذكره مختصراً جداً ، ولفظه : قالت امرأة : يا رسول الله ! ما جزاء غزو المرأة ؟ قال : (( طاعة الزوج ، واعتراف بحقه)). أخرجه الطبراني (٣ / ٩٣ / ٢). قلت : وهذا إسناد ضعيف ؛ علته القاسم بن فياض ؛ لم تثبت عدالته . وقال ابن المديني : (( مجهول ، ولم يرو عنه غير هشام)). وضعفه آخرون . ووثقه أبو داود فقط . (١) بضم الجيم؛ كما في ((التهذيب))، ووقع في الأصل: ( حندة)! ٥٥٠ وتناقض فيه ابن حبان، فذكره في ((الثقات))! ثم ذكره في ((الضعفاء)) (٢ / ٢١٣)، وقال : ((كان ممن ينفرد بالمناكير عن المشاهير ، فلما كثر ذلك في روايته ؛ بطل الاحتجاج بخبره )) ! ثم روى عن ابن معين أنه قال فيه : ((ليس بشيء )) . وهذه الطريق مما فات الهيثمي ؛ فلم يتعرض لها بذكر ؛ مع أنها على شرطه ! وأما الشاهد ؛ فيرويه العباس بن وليد بن مَزْيَدِ قال : ثنا أبو سعيد الساحلي - وهو عبد الله بن سعيد بن مسلم بن عبيد ؛ وهو أبو نُصيرة - عن أسماء بنت يزيد بن السكن قالت : ﴿ وهو جالس مع أصحابه ، فقلت: يا رسول الله ! إني أتيت رسول الله : وافدة النساء إليك ، إنه ليس من امرأة سمعت بمخرجي إليك إلا وهي على مثل رأيي ، وإن الله تبارك وتعالى بعثك إلى الرجال والنساء ؛ فآمنا بك وبالهدى الذي جئت به ، وإن الله قد فضّلكم علينا - معشرَ الرجال - بالجماعة والجمعة ، وعيادة المرضى ، واتباع الجنائز، وأفضل من ذلك الجهاد في سبيل الله ، وإن أحدكم إذا خرج غازياً أو حاجّاً أو معتمراً؛ حفظنا أموالكم ، وغزلنا أثوابكم ، وربینا لكم أولادكم ، وإنا - معشر النساء - مقصورات محصورات قواعد بيوتكم ( أفما نشارككم في هذا الأجر)(١)؟ فأقبل رسول الله فيه على أصحابه بوجهه كله فقال : (١) هذه الجملة وقعت في الأصل في آخر كلام الصحابية، فنُقلت إلى هنا استرشاداً بـ (( أسد الغابة )) وغيره . (الناشر) . ٥٥١ (( سمعتم بمثل مقالة هذه المرأة ؟ ))، قالوا: ما ظننا أن أحداً من النساء تهتدي : إلى مثل ما اهتدت إليه هذه المرأة ! فقال رسول الله (( اعلمي - وأعلمي من وراءك من النساء - أن حسن تبعُّل المرأة لزوجها، واتباعها موافقته ومرضاته ؛ يعدل ذلك كله )) . فانطلقت تُهلِّل وتكبر وتحمد الله عز وجل استبشاراً . أخرجه أسلم بن سهل الواسطي المعروف بـ ( بَحْشَل) في (( تاريخ واسط)) ( ص ٨٣ - ٨٤) تحت باب (( من روى عن أسماء بنت يزيد بن السكن)) قال: ثنا أبو حاتم محمد بن إدريس الرازي : ثنا العباس ... قلت : ومن هذا الباب استشعرت بصواب ما سبق إلى وهلي أول ما اطلعت على إسناده ، وهو أن فيه سقطاً بين أبي سعيد الساحلي وأسماء بنت يزيد ، ذلك ؛ لأنه لا يمكن للساحلي - وقد سمع منه العباس بن الوليد المتوفى سنة ( ٢٦٩ ) - أن يكون روى عن أسماء هذه ، فلا بد أن يكون بينه وبينها واسطة ؛ إذا فرضنا سلامة الإسناد من الانقطاع ، فتابعت البحث ، فتأكدت من ذلك حين وجدت ابن الأثير في ((أسد الغابة)) قد أورد الحديث في ترجمة أسماء من رواية مسلم بن عبيد عنها ، وهذا الرجل موجود في إسناد ( بحشل ) ، فغلب على ظني أن ما وقع في ((تاريخه)): (( ... بن مسلم بن عبيد)) خطأ مطبعي صوابه: (( ... عن مسلم بن عبيد)) ، فيكون هو المعنيَّ بـ ( الباب ) . ثم تيقنت ذلك بالرجوع إلى (( تاريخ دمشق )) للحافظ ابن عساكر، فبدأت بترجمة أبي سعيد الساحلي ، فرأيته يقول فيها ( ١٩ / ٣٣ / ٢) ما لفظه : (( اسمه أخطل بن المؤمل ، ويقال: عبد الله بن سعيد . تقدم ذكره في ٥٥٢ حرف الألف )). ثم رجعت إلى هناك، وإذا به يقول (٢ / ٣٠٥ / ٢): ((أخطل بن المؤمل أبو سعيد الجُبَيْلي، حدث عن مسلم بن عبيد ، روى عنه العباس بن الوليد البيروتي)) . ثم ساق الحديث بإسناده إلى محمد بن يعقوب : نا العباس بن الوليد بن مزيد ( الأصل : يزيد ! وهو خطأ ) : أخبرني أبو سعيد الساحلي - واسمه الأخطل بن المؤمل الجبيلي -: نا مسلم بن عبيد عن أسماء بنت يزيد الأنصارية - من بني عبد الأشهل -: أنها أتت النبي ... الحديث بطوله . ثم قال : (( قال ابن منده: رواه أبو حاتم الرازي(١) عن العباس بن الوليد بن مَزْيد ، وفرق ابن منده بين أسماء هذه وبين أسماء بنت يزيد بن السكن )) . قلت: وخطّؤوه في ذلك، كما بينه ابن الأثير، والحافظ في ((الإصابة)). ورواية بحشل هذه صريحة في أنها ابنة يزيد بن السكن . ثم قال ابن عساكر : ((غريب ، لم نكتبه إلا من حديث العباس)). ثم رواه بإسناد آخر عن العباس به؛ إلا أنه قال: (( حدثني أبو سعيد الأخطل ابن المؤمل الساحلي من أهل جُبَيْلٍ ، وكان من أصحاب الحديث)) ! (١) يشير إلى رواية بحشل عنه، وقد أخرجه من طريقه أبو العباس بن أبي الغنائم في ((الأربعين)) ( الحديث ٣٤). (الناشر) . ٥٥٣ ثم لم يذكر فيه جرحاً ولا تعديلاً. قلت : فهو من المستورين . فما ذكره أبو العباس بن أبي الغنائم عقب الحديث قال : قال عبد اللطيف بن یورنداز : « هذا حديث حسن الإسناد )) ! ينافيه استغراب ابن عساكر إياه ، وهو الأقرب لحال الساحلي هذا . ومن طريقه : رواه ابن عساكر أيضاً في مكان آخر من ((التاريخ)) (٩ / ١٨٢/ ٢)، والحافظ ابن حجر في ((المسلسلات)) (ق ٦٤ / ٢ - ٦٥ /١). ٥٣٤١ - (إنّ المرأة إذا خرجتْ مِنْ بيتها؛ وزوجُها كاره لذلك؛ لَعَنها كلُّ مَلَكِ في السماءِ ، وكلُّ شيءٍ مرَّتْ عليه - غيرَ الجنَّ والإنسِ - حتى ترجعَ ). ضعيف جدّاً. أخرجه الطبراني في «الأوسط)) (١ / ١٧٠ / ١ - ٢ مجمع البحرين ) من طريق سُويد بن عبد العزيز عن محمد بن زيد عن عمرو بن دينار عن ابن عمر قال: سمعت رسول الله ◌َ لٍ يقول : ... فذكره . وقال : ((لم يروه عن عمرو إلا محمد ، تفرد به سويد )) . قلت : وهو ضعيف جداً؛ قال أحمد : (( متروك الحديث)). وقال ابن معين ، والنسائي : (( ليس بثقة)). ٥٥٤ وضعفه غيرهم ؛ منهم ابن حبان ؛ إلا أنه اضطرب كلامه فيه ، فضعفه جداً في أول ترجمته، ثم لينه في آخرها، فقال في ((الضعفاء)) (١ / ٣٥٠ - ٣٥١): ((كان كثير الخطأ ، فاحش الوهم ، يجيء في أخباره من المقلوبات أشياء تتخايل إلى من سمعها أنها عُمِلت عمداً)) . ثم قال : (( والذي عندي في سويد : تنكُّبُ ما خالف الثقات من حديثه ، والاعتبار بما روى ما لم يخالف الأثبات ، والاحتجاج بما وافق الثقات ، وهو من أستخير الله فيه؛ لأنه يقرب من الثقات)) ! وقد أشار الذهبي في (( الميزان)) إلى هذا التناقض ؛ ورد تليينه إياه ؛ فقال : ((وقد هَرَتَ (أي: طعن) ابن حبان سويداً، ثم آخرَ شيء قال: (( وهو ممن أستخير الله فيه ؛ لأنه يقرب من الثقات)). قلت : لا ، ولا كرامةَ ، بل هو واه جدّاً)). ولخص الحافظ في (( التهذيب )) كلام ابن حبان بفقرتيه ، فظهر فيه التناقض دون أن یشیر أنه من ابن حبان ، فقال : (( وضعفه ابن حبان جدّاً ، وأورد له أحاديث مناكير ، ثم قال : وهو من أستخير الله فيه؛ لأنه يقرب من الثقات))! والحديث ؛ قال الهيثمي (٤ / ٣١٣): ((رواه الطبراني في ((الأوسط))، وفيه سويد بن عبد العزيز، وهو متروك ، وقد وثقه دحيم وغيره، وبقية رجاله ثقات)). وقال المنذري (٣ / ٧٩ / ٣٥): ٥٥٥ ((رواه الطبراني في ((الأوسط))، ورواته ثقات؛ إلا سويد بن عبد العزيز)). وترجمه في آخر الكتاب بتضعيف الجمهور إياه وتوثيق ( دحيم ) ، ولم يقل: (( وغيره )) ؛ فأصاب . ٥٣٤٢ - ( مَنْ كَفِلَ يتيماً - له - ذو قَرابةٍ، أو لا قرابةَ له؛ فأنا وهو في الجنة كهاتين - وضمَّ إصبعيه -، ومن سعى على ثلاثٍ بناتٍ ؛ فهو في الجنة ، وكان له كأجْرِ مجاهد في سبيل الله صائماً قائماً ). ضعيف. أخرجه البزار في ((مسنده)) ( ١٩١٢،١٩٠٩ - كشف الأستار) : حدثنا إسحاق بن سليمان البغدادي : ثنا بيان بن حُمْران: ثنا المُفَضَّل بن فَضَالة - أخو مبارك بن فَضَالة - عن ليث عن أبي رزين عن أبي هريرة مرفوعاً به . وقال : (( لا نعلمه يروى عن أبي هريرة إلا بهذا الإسناد ، والمفضل بصري مشهور، وهم إخوة ثلاثة)) ! قلت : وهو إسناد ضعيف مظلم ، مسلسل بالمجهولين والضعفاء ، وإليك البيان: ١ - إسحاق بن سليمان البغدادي ؛ أورده الخطيب (٦ / ٣٦٥) من رواية البزار وحده عنه ، وساق له حديثاً آخر من طريق البزار، ولم يذكر فيه جرحاً ولا تعديلاً ، فهو مجهول العين . ٢ - بيان بن حمران؛ ذكره الخطيب أيضاً بحديث آخر ، ثم روى ( ٧ / ١١١) عن الدارقطني أنه قال : (( بيان بن حمران المدائني ؛ روى عن مفضل بن فضالة البصري - أخي مبارك -، وعمر بن موسى الوجيهي . روى عنه ابنه محمد بن بيان ، ورزق الله بن مهران ، ٥٥٦ وإسحاق بن إسماعيل السِّقَطِي))؛ ولم يذكر فيه جرحاً ولا تعديلاً، فهو مجهول الحال . ٣ - المُفَصِّل بن فضالة ؛ ضعفه ابن معين وجمع . وشذّ ابن حبان؛ فذكره في ((الثقات))! ولذلك؛ جزم الحافظ في (( التقريب)) بأنه ضعيف . ٤ - ليث - وهو ابن أبي سُليم -؛ أجمعوا على تضعيفه أو كادوا . وقال الحافظ : ((صدوق ، اختلط أخيراً، ولم يتميز حديثه، فَتُرِكَ )). وبه - فقط - أعل المنذري الحديث في (( الترغيب)) (٣ / ٨٤)؛ فقصِّر! وتبعه على ذلك - الهيثمي - كعادته ؛ إلا أنه وصف ابن أبي سليم بما ليس فيه ؛ فقال ( ٨ / ١٥٧، ١٦٢ ) : (( رواه البزار، وفيه ليث بن أبي سليم ، وهو مدلس )) ! وأقره على ذلك الشيخ حبيب الأعظمي - كعادته - في تعليقه على (( الكشف)) (٢ / ٣٨٤، ٣٨٦)! وقد رأيت الشيخ الهيثمي يكرر هذا الوصف كثيراً في ((مجمعه))، وكنت أتعجب منه وأتساءل في نفسي : هل وجد الشيخ هذا الوصف منقولاً في بعض الكتب التي لم نطلع عليها ، أم هو الوهم ؟ ! وكان ذلك يمنعني من الجزم بوهمه ، حتى رأيت الحافظ ابن حجر قد تعقبه في (( زوائد البزار)) - له -؛ فقد نقل فيه ( ص ٢٩٧) عنه أنه قال في حديث آخر في فضل التسبيح : ((وليث بن أبي سليم ثقة، ولكنه مدلس ))! فتعقبه الحافظ فقال : ٥٥٧ (( قلت : ما علمت أحداً صرح بأنه ثقة ، ولا من وصفه بالتدليس قبل الشيخ )» . وراجع («مجمع الزوائد» (١٠ / ٩٣ - ٩٤) مع التعليق عليه؛ فإن المعلق غيَّر كلام الهيثمي ، فجعل مكان قوله: ((مدلس)): ((اختلط))، غير منتبه أن ذلك تكرر من الهيثمي ، بحيث إن هذا التغيير لا يطابق المعهود منه ! والله أعلم . ( تنبيه): قوله: ((ذو قرابة)) كذا وقع في ((كشف الأستار)) في الموضعين منه؛ برفع (( ذو)) ، وكذلك نقله المنذري ثم الهيثمي عن البزار. وتوهم المعلق عليه - الشيخ الأعظمي - أن ذلك خطأ من حيث الإعراب، فجعله منصوباً: (( ذا )) ! والرفع له وجه معروف في اللغة ؛ وذلك بتقدير: (( هو ذو ))، وما كان كذلك لم يجز تغييره ، بل يثبت كما هو في الأصل ، ثم يعلق عليه بما يراه المعلق صواباً أو خطأً ، كما هو مبين في علم المصطلح . ثم إن الطرف الأول من الحديث صحيح ، جاء من طريق أخرى عن أبي هريرة ، سبق تخريجه في (( الصحيحة))، وله شاهد خرجته تحته ، وآخر خرجته هناك برقم (٨٠٠ ) . هذا؛ ولليث فيه إسناد آخر ، بلفظ آخر أشبه بالصواب ؛ رواه عن محمد بن :雞 المنكدر عن أم ذَرَّةً عن عائشة قالت : قال رسول الله ((أنا وكافل اليتيم في الجنة كهاتين - وجمع بين السبابة والوسطى -، والساعي على اليتيم والأرملة والمسكين؛ كالمجاهد في سبيل الله والصائم القائم لا يفتر)). ٥٥٨ أخرجه أبو يعلى (٣ / ١١٩١)، والطبراني أيضاً في ((الأوسط)) - كما في (( المجمع )) (٨ / ١٦٠) - وقال : (( وفيه ليث بن أبي سليم، وهو مدلس، وبقية رجاله ثقات)) ! كذا قال! وقد عرفت مما تقدم أن ليثاً ليس بمدلس ، وإنما هو مختلط ؛ إلا أنَّ حديثه هذا له شاهد بالشطر الثاني من حديث أبي هريرة في (( الصحيحين))، و ((المسند)) (٢ / ٣٦١)؛ لكن ليس فيه ذكر اليتيم، وصححه الترمذي (١ / ٣٥٦). وأما الشطر الأول ؛ فسبقت الإشارة إلى صحته وموضع تخريجه آنفاً . ٥٣٤٣ - ( مَنْ كَفلَ يتيماً له أو لغيره؛ وجبتْ له الجنّةُ؛ إلاّ أن يكونَ عَمِلَ عمَلاً لا يُغفرُ، ومن ذهبتْ كريمتاهُ؛ وجبتْ له الجنةُ؛ إلاّ أن يكونَ عَمِلَ عملاً لا يُغفرُ) . ضعيف جدّاً. أخرجه الطبراني في ((الكبير)) (٣ / ١٣٦ / ٢) عن إسماعيل ابن عيسى العطار: نا داود بن الزَّبرقان عن أبي سفيان عن عكرمة عن ابن عباس مرفوعاً . وقال : ((أبو سفيان: هو - عندي - سعيد بن مسروق . والله أعلم)). قلت : يعني : والد سفيان الثوري ، وهو ثقة من رجال الشيخين . لكن الراوي عنه - داود بن الزبرقان - ضعيف جدّاً؛ قال الحافظ : (( متروك؛ وكذبه الأزدي)) . وقال الهيثمي في (المجمع)) (٨ / ١٦٢): ٥٥٩ (( رواه الطبراني ، وفيه داود بن الزبرقان ، وهو متروك)). وتابعه على الشطر الأول منه : حَنَشٌ عن عكرمة بلفظ : ((من قبض يتيماً من بين مسلمين إلى طعامه وشرابه ؛ أدخله الله الجنة ألبَثَّة ؛ إلا أن يعمل ذنباً لا يغفر له )). أخرجه الترمذي (١ / ٣٤٩)، والحارث بن أبي أسامة في ((زوائده)) (١٠٨ / ١)، والخرائطي في ((مكارم الأخلاق)) (٢ / ٦٥٥ / ٧٠٢)، والطبراني في ((الكبير)) (٣ / ١٢٥ / ٢). وقال الترمذي : (( حنش : هو حسين بن قيس ؛ وهو أبو علي الرحبي ، وهو ضعيف عند أهل الحديث)). قلت: وهو متروك؛ كما في (( التقريب)). ( تنبيه): ذكر المنذري في ((الترغيب)) (٣ / ٢٣٠) هذا الحديث من رواية الترمذي وحده ؛ وقال : (( وقال: حديث حسن صحيح )) ! وهذا من أوهامه رحمه الله ؛ فإنما قال الترمذي هذا التصحيح في حديث سهل بن سعد في فضل كافل اليتيم ، وهو أول حديث في الباب عند المنذري ؛ فاقتضى التنبيه . ثم وجدت للحديث شاهداً ، ولكنه واه(١)؛ من رواية المسيَّبِ بن شريك قال: (١) للشيخ - رحمه الله - قول آخر على هذا الإسناد، في ((الصحيحة)) (٢٨٨٢)، وفيه بحث في رجال إسناده يختلف عما هنا. فينظر. والقاسم الآتي له ترجمة في (( ثقات ابن حبان)) (٩/ ١٨) و((تاريخ بغداد)) (١٢ / ٤٢٧) موثقاً. (الناشر). ٥٦٠