النص المفهرس

صفحات 141-160

ابن سلمة فيه كلام في روايته عن غير ثابت . وروايته عنه هنا مرسلة ؛ لأنه رواها
عن الحسن - وهو البصري - ؛ فلا تقوم بها حجة ؛ لا سيما مع المخالفة .
قلت : فلحماد بن سلمة فيه إسنادان :
أ - عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة مرفوعاً .
ب - عن ثابت عن الحسن مرسلاً. وهكذا ذكره في ((الفتح)) (٤ / ٢١٨).
هذه هي الحقيقة ؛ خلافاً لقول المنذري - عقب كلامه السابق - :
(( ورواه أحمد بالزيادة بعد ذكر الصوم بإسناد حسن ؛ إلا أن حماداً شك في
وصله أو إرساله )» !
قلت : فلم يشك حماد ، وإنما انتقل من إسناد موصول إلى إسناد آخر مرسل .
أقول هذا بياناً للحقيقة ، وإن كان لا حجة في شيء من ذلك ؛ لما ذكرته قريباً .
ومنه ؛ تعلم أن تحسين المنذري لإسناده - وإن تبعه عليه الحافظ العراقي في
((التقريب - بشرحه طرح التثريب)) (٤ / ١٦٠)، وسكت عليه الحافظ في
((الفتح)) -؛ كل ذلك ليس بحسن؛ لأنهم نظروا إلى الإسناد نظرة مجردة عن
النظر في الأسانيد الأخرى التي بها يمكن الكشف عن العلل ؛ لا سيما ما كان منها
خفياً، كما فعلنا هنا . والله الموفق .
رابعاً : أن أبا سلمة بن عبد الرحمن قد تابعه جماعةٌ أيضاً على روايته عن أبي
هريرة بدون الزيادة ؛ وهم :
١ - حُمَيْدُ بن عبد الرحمن عن أبي هريرة ... بالشطر الأول منه .
١٤١

أخرجه البخاري (١ / ١٧، ٤٩٩)، ومسلم (٢ / ١٧٦)، والنسائي في
((كتابيه))، وابن خزيمة في ((صحيحه)) (٢٢٠٣)، وعبد الرزاق في (( مصنفه))
(٧٧٢٠)، وابن نصر (ص ١٥١)، وأحمد (٢ / ٤٨٦)؛ كلهم عن مالك عن
ابن شهاب عنه .
٢ - الأعرج عن أبي هريرة مرفوعاً نحوه بالشطر الثاني دون الزيادة .
أخرجه مسلم (٢ / ١٧٧)، والنسائي في ((الكبرى))، والبيهقي (٤ / ٣٠٧)
- وعزاه للبخاري أيضاً! ولم أره فيه، ولا عزاه إليه الحافظ العراقي في ((طرح
التثريب)) (٤ / ١٦١)، ومن قبله المنذري في ((الترغيب)) (٢ / ٧٢) ..
٣ - إسحاق بن عبد الله مولی زائدة قال :
لقي أبو هريرة كعب الأحبار فقال : كيف تجدون رمضان في كتاب الله ؟ قال
كعب : بل كيف سمعت صاحبك يقول فيه ؟ قال : سمعته يقول فيه : ... فذكر
الشطر الأول منه دون الزيادة .
أخرجه الطحاوي في ((المشكل)) (٢ / ١٢٠ - ١٢١)، وإسناده حسن.
خامساً : أن أبا هريرة رضي الله عنه قد تابعه جمع من الصحابة بدون الزيادة
أيضاً ، وهم :
١ - عائشة رضي الله عنها مرفوعاً بالشطرين .
أخرجه النسائي في (( كتابيه)) من طريقين عن الزهري : أخبرني عروة بن
الزبير أن عائشة أخبرته بالشطر الأول ، ومن أحدهما بالشطر الآخر .
١٤٢

وإسناده صحيح .
٢ - عبد الرحمن بن عوف مرفوعاً بهما نحوه .
أخرجه النسائي ، وابن نصر ( ص ١٥١)، وابن ماجه (١٣٢٨)، والطيالسي
(٢٢٤)، وأحمد (١ / ١٩١، ١٩٤ - ١٩٥) من طريق النضر بن شيبان قال:
لقيت أبا سلمة بن عبد الرحمن فقلت : حدثني بحديث سمعته من أبيك يذكره
في شهر رمضان . قال : نعم : حدثني أبي ... وقال النسائي :
(( هذا خطأ، والصواب: أبو سلمة عن أبي هريرة)).
قلت : ورجاله ثقات؛ غير النضر هذا؛ فإنه ليِّن الحديث ، وقد صرح بسماع
أبي سلمة من أبيه ، وذلك مما اتفقوا - أو كادوا - على نفيه ؛ فقال أحمد وابن
المديني وجماعة :
(( حديثه عن أبيه مرسل )).
قلت : وقد خالفه يونس بن يزيد عن ابن شهاب قال : أخبرني أبو سلمة عن
عبد الرحمن بن عوف به .
أخرجه الطحاوي ؛ وقال :
(( هكذا روى هذا الحديث : مالك بن أنس ويونس عن الزهري ، وأما ابن عيينة
فرواه عن الزهري بخلاف ذلك)).
ثم ساقه من طريق ابن عيينة عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة ، كما
تقدم من طرق كثيرة ؛ منها : مالك ويونس .
فالظاهر أنه روي عن مالك كرواية يونس هذه ، وأنا لا أستبعد أن تكون هاتان
١٤٣

الروايتان ثابتتين عن الزهري ، فقد لاحظت - فيما تقدم - أنّ له أسانيد عدة في هذا
الحديث ؛ ألخّصها لك الآن :
أ - عن أبي سلمة عن أبي هريرة .
ب - عن حميد بن عبد الرحمن عنه .
ج - عن عروة عن عائشة .
د - عن أبي سلمة أيضاً عن أبيه عبد الرحمن بن عوف .
ومثل هذه الأسانيد في الحديث الواحد للزهري تحتمل منه ؛ نظراً لحفظه
وإتقانه ، إذا كان الراوي عنه ثقة حافظاً .
٣ - أبو سعيد الخدري مرفوعاً بلفظ :
(( من صام رمضان ، وعرف حدوده، وتحفظ مما ينبغي له أن يُتحفظ ؛ کَفَّر ما
قبله )) .
أخرجه ابن حبان في ((صحيحه)) (٨٧٩ - موارد)، والبيهقي في ((السنن))
(٤ / ٣٠٤)، وأحمد (٣ / ٥٥)، وأبو يعلى (١٠٥٨)، والخطيب في
((التاريخ)) (٨ / ٣٩٢) من طريق عبد الله بن قُرَيْط عن عطاء بن يسار عنه .
وابن قريط هذا؛ فيه جهالةٍ؛ كما بينته في (( التعليق الرغيب)) (٢ / ٦٥).
وسائر رجاله ثقات .
٤ - عبادة بن الصامت مرفوعاً بالشطر الثاني دون الزيادة .
١٤٤
.

أخرجه ابن نصر في (( قيام الليل)) ( ص ١٨٢ ) : حدثنا إسحاق : أخبرنا بقية
ابن الوليد : حدثني بَحِيرُ بن سعيد عن خالد بن مَعْدان عن عبادة بن الصامت .
قلت : وهذا إسناد رجاله ثقات ، وإسحاق : هو ابن راهويه الإمام .
لكن خالفه من هو مثله في الحفظ والضبط ، فقال أحمد (٥ / ٣٢٤) : ثنا
حيوة بن شُرَيْح: ثنا بقية ... به ، فزاد في آخره :
((وما تأخر)). وقال ابن كثير في ((التفسير)) (٤ / ٥٣١):
(( إسناده حسن)) !
قلت : كلا ؛ فإنه منقطع ؛ قال ابن أبي حاتم عن أبيه :
(( لم يصح سماع خالد من عبادة بن الصامت )) .
ولعل الإمام أحمد رحمه الله قد أشار إلى هذا ؛ بإيراده الحديث عقب حديث
آخر من طريق حيوة بن شريح وغيره بسنده المذكور ، لكنه قال : عن خالد بن
معدان عن عمرو بن الأسود عن جنادة بن أبي أمية عن عبادة بن الصامت ؛ فَبَيْنَ
خالد وعبادة شخصان !
وللحديث طريق أخرى ، وقد وقع فيها من الاختلاف ما وقع في الأولى ،
فأخرجه أحمد ( ٥ / ٣٢٤) من طريق عبيد الله بن عمرو عن عبد الله بن محمد
ابن عَقِيل عن عمر بن عبد الرحمن عن عبادة بن الصامت به دون الزيادة .
ثم أخرجه (٥ / ٣١٨) من طريق سعيد بن سَلَمَةَ - يعني : ابن أبي الحسام -
و (٥ / ٣٢١) من طريق زهير بن محمد؛ كلاهما عن عبد الله بن محمد بن
عقيل بها .
١٤٥

وابن سلمة وزهير - وإن كان فيهما كلام -؛ فإن مما لا شك فيه أن أحدهما
يشد من عضد الآخر ؛ فالنفس تطمئن للأخذ بما زادا على عبيد الله بن عمرو
- وهو الرقي الثقة -.
ولكن ابن عقيل نفسه فيه ضعف من قبل حفظه ، فالظاهر أن هذا الاختلاف
منه ، فهو الذي كان يذكر هذه الزيادة تارة ، ولا يذكرها أخرى ، وكل من أولئك
الثلاثة حدَّث بما سمع منه ، وفي هذه الحالة لا يحتج به ؛ لاضطرابه في هذه
الزيادة ، ولمخالفته بها جميع روايات الحديث المحفوظة على ما سبق بيانه مفصلاً .
على أن شيخه عمر بن عبد الرحمن غير معروف ؛ فقد أورده البخاري في
((التاريخ)) (٢/٣ /١٧١)، وابن أبي حاتم (٣ / ١ / ١٢٠) برواية ابن عقيل
هذه عنه عن عبادة ؛ ولم يذكرا فيه جرحاً ولا تعديلاً .
وجملة القول : أن حديث عبادة هذا ليس له إسناد ثابت ، فالأول منقطع ،
والآخر فيه ذاك المجهول. وقد غفل عن هذه الحقيقة الحافظ العراقي في ((طرح
التثريب)» (٤ / ١٦٣)؛ حين وقف عند ابن عقيل قائلاً:
(( وحديثه حسن))! دون أن ينظر إلى ما بيناه من الانقطاع والجهالة . ومثل
ذلك صنيع الهيثمي (٣ / ١٨٥)، ونحوه قول الحافظ ابن حجر ( ٤ / ٩٩):
(( حديث عبادة عند الإمام أحمد من وجهین ، وإسناده حسن )) !
ومثل هذه الأقوال من هؤلاء الأئمة كان حملني بُرْهةً من الزمن على تحسين
هذه الزيادة في حديث عبادة ، وتصحيحها في حديث أبي هريرة ، ورمزت بذلك
لها على نسختي من (( الترغيب)» التي كنت أدرس منها على الإخوان ما كان من
الأحاديث الثابتة ، والآن - وقد يسر الله لي جمع طرق الحديث وسردها على وجه
١٤٦

يكشف لكل طالب علم بصير أن الزيادة المذكورة لا تصح بوجه من الوجوه -؛ فقد
رجعت عن الرمز المذكور إلى التضعيف . والله ولي التوفيق ، هو حسبي ، عليه
توكلت ، وإليه أنيب !
٥٠٨٤ - ( من زوّج كريمتَه من فاسق؛ فقدْ قَطَعَ رَحمَها)(١).
ءُ
موضوع. أخرجه ابن حبان في (( الضعفاء)) (١ / ٢٣٣)، ومن طريقه ابن
الجوزي في ((الموضوعات)) (٢ / ٢٦٠) من طريق الحسن بن محمد البَلْخِيِّ عن
حميد عن أنس مرفوعاً . وقالا :
(( حديث باطل ، وإنما هو من كلام الشعبي ، والبلخي يروي عن الثقات الأشياء
الموضوعة والأحاديث المقلوبة ، لا يجوز الاحتجاج به ، ولا الرواية عنه بحال)).
وكذا قال الذهبي، وتبعه السيوطي في ((اللآلي)) (٢ / ١٦٣).
وقد مضى له حديث آخر برقم ( ٨٣٠ ) ، ويأتي له ثالث بعده .
٥٠٨٥ - (إذا حمَلت المرأةُ ؛ فَلَها أجرُ الصائم القائم القانتِ الْمُخْبت
المجاهدِ في سبيلِ الله عزّ وجلّ ، فإذا ضَرَبها الطَّلْق ؛ فلا يدري أحدٌ من
الخلائق ما لها من الأجر ، فإذا وضعتْ ؛ فَلَها بكلِّ وضْعة عتقُ نَسَمةٍ ) .
موضوع. أخرجه ابن حبان في (( الضعفاء)) (١ / ٢٣٣)، وابن الجوزي في
((الموضوعات)) (٢ / ٢٧٤) من طريق ابن عدي، وهذا في ((كامله)) ( ق ٩٠ /
١)؛ كلاهما عن الحسن بن محمد البَلْخِيِّ : حدثنا عوف الأعرابي عن ابن
سيرين عن أبي هريرة مرفوعاً . وقال ابن حبان :
(١) كتب الشيخ - رحمه الله - فوق هذا المتن: ((راجع معجمي)). (الناشر) .
١٤٧

(( هذا الحديث لا أصل له))؛ واتهم به البلخي هذا وسبق كلامه فيه آنفاً.
وقال ابن عدي :
(( هذا منكر، والحسن ليس بمعروف، منكر الحديث عن الثقات)).
ولم يتكلم السيوطي في ((اللآلي)) (٢ / ١٧٥) على الحديث بشيء، فلا
أدري ؛ أسقط كلامه عليه من الناسخ ، أم أنه أقر ابن الجوزي على وضعه ؟ والأول
هو الأقرب عندي . والله أعلم .
٥٠٨٦ - (كانَ يصومُ شعبانَ كُلَّهُ . قالتْ عائشةُ: يارسولَ الله! أحبُّ
الشّهورِ إليكَ أنْ تصومَ شعبان ؟ قال :
إنّ الله يكتُبُ على كلِّ نفس مَنِيَّتَهُ تلكَ السَّنَة، فَأُحِبُّ أن يأْتِيَّنِي
أَجَلِي وأنا صائمٌ ) .
منكر. أخرجه أبو يعلى في «مسنده)) (٣ / ١٢٠١): حدثنا سُوَيْدُ بن
سعيد : نا مسلم بن خالد بن طَرِيف عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن
لو كان ...
أبي هريرة أن عائشة حدثتهم : أن النبي
قلت : وهذا إسناد ضعيف ، وله علتان :
الأولى: مسلم بن خالد - وهو الزنجي -؛ كما جزم به الهيثمي (٣ / ١٩٢)،
وقال :
(( وفيه كلام ، وقد وُثِّقَ )) .
قلت: ساق له الذهبي أحاديث أنكرت عليه في ((الميزان))، وختم ترجمته
١٤٨

بقوله :
((فهذه الأحاديث وأمثالها يُرَدُّ بها قوة الرجل ويضعف)).
فلا جرم قال فيه الإمام البخاري في ((تاريخه)) (٤ / ١ / ٢٦٠):
(( منكر الحديث )).
والأخرى : سويد بن سعيد ؛ قال الحافظ :
(( صدوق في نفسه ؛ إلا أنه عمي ، فصار يتلقن ما ليس من حديثه ، وأفحش
فيه ابن معين القول )).
ومع هذا كله ؛ حسن إسناده المنذري ، فقال ( ٢ / ٧٩):
(( رواه أبو يعلى، وهو غريب ، وإسناده حسن))!
وسكت عنه الحافظ في ((الفتح)) (٤ / ١٨٧ )!
( تنبيه): ((ابن طريف))، هكذا وقع في ((المسند))! وفي ((تهذيب
التهذيب )» :
(( مسلم بن خالد بن فروة ، ويقال : ابن المخزومي )) كذا في الأصل بياض
قدر كلمة ، فلعل الأصل: ((طريف)). لكن قال ابن أبي حاتم (٤ / ١ / ١٨٣):
((وهو ابن خالد بن سعيد بن جرجة ... )) ! فالله أعلم .
وقد وجدت للحديث طريقاً أخرى ، ولكنها لا تساوي شيئاً؛ يرويه إسماعيل
ابن قيس بن سعد بن زيد بن ثابت قال : حدثني هشام بن عروة عن أبيه عن
عائشة به .
١٤٩

أخرجه المحاملي في (( الثاني من الأمالي)) ( ق ٢٠١ / ٢).
وإسماعيل هذا ضعيف جدّاً؛ قال البخاري وأبو حاتم والدارقطني :
(( منكر الحديث)).
لكن الجملة الأولى من حديث الترجمة صحيحة من حديث يحيى بن أبي
كثير: حدثني أبو سلمة بن عبد الرحمن : حدثتني عائشة قالت :
ما كان رسول الله لم يصوم من أشهر السنة أكثر من صيامه من شعبان ، كان
يصومه كله .
أخرجه ابن خزيمة ( ٢٠٧٨)، وأحمد (٦ / ٨٤، ١٢٨، ١٨٩، ٢٣٣، ٢٤٩)
من طرق عن یحیی به .
وأخرجه البخاري (٣ / ١٨٦ - فتح )؛ لكن دون قوله : كان يصومه كله . وكذا
رواه مسلم (٣ / ١٦١).
قلت : وهي زيادة محفوظة عن يحيى . وقد تابعه محمد بن عمرو : ثنا أبو
سلمة به بلفظ :
كان يصوم شعبان إلا قليلاً ، بل كان يصومه كله .
أخرجه أحمد (٦ / ١٤٣ ، ١٦٥).
ويشهد لها رواية عبد الله بن أبي قيس أنه سمع عائشة تقول :
كان أحب الشهور إلى رسول الله ﴿ أن يصومه : شعبان ، ثم يصله برمضان .
أخرجه ابن خزيمة ( ٢٠٧٧)، وأحمد (٦ / ١٨٨)، وغيرهما بإسناد
١٥٠

صحيح .
( تنبيه): عزا الزيادة المذكورة: المنذريُّ في ((الترغيب)) (٢ / ٨٠) لرواية
البخاري ومسلم ! وذلك من أوهامه رحمه الله .
ويقابله أن الحافظ لما ذكرها في ((الفتح))؛ لم يخرجها مطلقاً! وتبعه على ذلك
البدر العيني في ((عمدة القاري)) (٥ / ٣١١)!
٥٠٨٧ - ( من قالَ: الحمدُ لله الذي تواضعَ كلُّ شيءٍ لِعَظَمَته،
والحمدُ لله الذِي ذَلَّ كلُّ شيءٍ لِعِزَّتِهِ ، والحمدُ لله الذِي خضعَ كلُّ شيءٍ
لُلْكه، والحمدُ لله الذي استسلمَ كلُّ شيءٍ لِقُدْرِتِهِ ؛ فقالها يطلبُ بها ما
عندَه؛ كَتَبَ اللهُ له بها ألْفَ حسَنةٍ ، ورفَع له بها ألفَ درجَةٍ ، ووكِّلَ به
سبعينَ أَلْفَ مَلَك ، يستغفرونَ له إلى يوم القيامةِ ) .
منكر. أخرجه الطبراني في ((المعجم الكبير)) (٣ / ٢٠٦ / ١) عن يحيى
ابن عبد الله البابلُتيِّ : نا أيوب بن نَهيك قال : سمعت مجاهداً يقول : سمعت
ابن عمر يقول :... فذكره مرفوعاً .
قلت : وهذا إسناد ضعيف ، وله علتان :
الأولى: أيوب بن نهيك ؛ قال ابن أبي حاتم ( ١ / ١ / ٢٥٩):
(( سمعت أبي يقول : هو ضعيف الحديث . وسمعت أبا زرعة يقول : لا أحدث
عنه ؛ ولم يقرأ علينا حديثه ، وقال: هو منكر الحديث)) . وقال الأزدي :
((متروك)).
وأما ابن حبان فذكره في (( الثقات))؛ ولكنه قال :
١٥١

((يخطئ))! قال الحافظ في (( اللسان)):
((ومن مناكيره عن مجاهد ... )) فساق هذا الحديث من رواية ابن عساكر في
((تاريخه))! وفاته أنه في ((المعجم))، ثم قال :
((ويحيى ضعيف ؛ لكنه لا يحتمل هذا)).
قلت : يشير إلى أن ابن نهيك أشد ضعفاً من يحيى البابلتي ؛ وهذا من رجال
((التهذيب))؛ وجزم الحافظ بضعفه في ((التقريب)). وأما الذهبي فقال في
(( المغني)) :
(( تركوه)) .
وهو العلة الثانية .
٥٠٨٨ - ( من صامَ يومَ الأربعاءِ ويومَ الخميسِ ويومَ الجُمُعَةِ ، ثم
تصدَّق يومَ الجمعة بما قلّ من ماله أو كثُر ؛ غُفرَ له كَلُّ ذنْبٍ عَمِلَهُ ، حتَّى
يصيرَ كَيَوْمٍ وَلَدَتْهُ أمُّه من الخطايا ) .
ضعيف جدّاً. أخرجه الطبراني في « الكبير» (٣ / ١٩٧ / ١) : حدثنا أبو
شعيب عبد الله بن الحسن الحَرَّاني : نا يحيى بن عبد الله البَابْلُتُِّّ : نا أيوب بن
نَهِيك قال : سمعت محمد بن قيس المدنيَّ م أبا حازم يقول: سمعت ابن عمر
يقول : ... فذكره مرفوعاً .
وأخرجه الحافظ عبد الغني المقدسي في جزء له عنوانه (( الجزء الثالث
والسبعون)) (ق ١ / ٢ - بخطه) من طريق أخرى عن أبي شعيب عبد الله بن
الحسن الحراني به ؛ إلا أنه قال :... سمعت محمد بن قيس المدني : ثنا أبو حازم
١٥٢

قال : سمعت ابن عمر ...
قلت: فهذا خلاف ما في (( الطبراني))، وليس هو خطأً من الناسخ ، بل هكذا
الرواية عنده، وقد أشار إلى ذلك الناسخ بكتبه لفظة: ((صح)) بين: (( المدني))
و: (( أبا حازم)). ويؤكده أن الطبراني ساق عقبه ثلاثة أحاديث أخرى بإسناده
المذكور بلفظ :... سمعت محمد بن قيس المدني يقول: سمعت ابن عمر
يقول ... فأسقط منه: (( أبا حازم)).
ولم نجد في الرواة من يسمى محمد بن قيس المدني أبا حازم ، سمع ابن عمر!
ولذلك؛ قال الهيثمي (٣ / ١٩٩ ) :
(( رواه الطبراني ، وفيه محمد بن قيس المدني أبو حازم؛ ولم أجد من ترجمه )) !
قلت : وأنا أظن أن الصواب رواية المقدسي : سمعت محمد بن قيس المدني :
ثنا أبو حازم قال : سمعت ابن عمر ...
فإن محمد بن قيس المدني معروف من أتباع التابعين ، وهو قاص عمر بن عبد
العزيز؛ وهو ثقة من رجال مسلم .
وأبو حازم - من هذه الطبقة - جماعة ، والذي يروي منهم عن ابن عمر -
سماعاً -: سلمان الأشجعي الكوفي ، وهو ثقة من رجال الشيخين .
وقد يتبادر إلى الذهن أنه سلمة بن دينار أبو حازم الأعرج المدني القاص ؛
مولى الأسود بن سفيان المخزومي ، وله رواية عن ابن عمر! ولكنهم صرحوا أنه لم
یسمع منه ، وهنا قد صرح بالسماع منه ، فليس به .
فإن قيل : فهذا الاختلاف بين رواية الطبراني ورواية المقدسي في تابعي
١٥٣

الحديث ؛ ممن هو ؟
قلت : لا يتعدى ذلك أيوبَ بن نهيك أو البابلتي .
لكن من المحتمل أن يكون من أبي شعيب الحراني ؛ فإنه - مع كونه ثقة ، وله
ترجمة حسنة في (( تاريخ بغداد)) (٩ / ٤٣٥) -؛ فقد ذكره ابن حبان في
((الثقات))؛ وقال :
((يخطئ ويهم)).
قلت : فمن المحتمل أن يكون هو الذي اضطرب في إسناده ، فرواه مرة هكذا ،
ومرة هكذا . والله أعلم .
وجملة القول : أن آفة هذا الحديث ؛ إنما هو أيوب بن نهيك ، وقد عرفت حاله
من الحديث الذي قبله .
ثم رأيت الحديث قد روي عنه على وجه آخر من طريق عبد الله بن واقد قال :
حدثني أيوب بن نهيك - مولى سعد بن أبي وقاص - عن عطاء عن ابن عمر به .
أخرجه البيهقي في (( السنن)) (٤ / ٢٩٥) وقال:
((عبدالله بن واقد غير قوي ، وثقه بعض الحفاظ ، وضعفه بعضهم . ورواه
يحيى البابلتي عن أيوب بن نهيك عن محمد بن قيس عن أبي حازم عن ابن
عمر . والبابلتي ضعيف . وروي في صوم الأربعاء والخميس والجمعة من أوجه أخر
أضعف من هذا عن أنس )).
قلت : حديث أنس سيأتي - بإذن الله تعالى - برقم ( ٥١٩٣، ٥١٩٤).
١٥٤

٥٠٨٩ - ( من مَثَّل بذي روح ثمّ لم يَتُب ؛ مثَّل اللهُ به يومَ القيامة ) .
ضعيف . أخرجه أحمد ( ٢ / ٩٢، ١١٥) من ثلاث طرق عن شَرِيك عن
معاوية بن إسحاق عن أبي صالح الحنفي عن رجل من أصحاب النبي عليه أن
( وفي الطريقين: أراه ) ابن عمر قال: سمعت رسول الله عليه يقول :... فذكره.
قلت : وهذا إسناد ضعيف ، رجاله ثقات ؛ غير شريك بن عبدالله القاضي ؛
فإنه وإن کان من رجال مسلم؛ فإنّه لم يحتج به ، وإنما روی له متابعة ؛ کما نص
عليه الحافظ الذهبي في آخر ترجمته من (( الميزان)»، ومن قبله الحافظ المنذري في
آخر كتابه ((الترغيب)) وحكى اختلاف العلماء فيه . ولخص أقوالهم الحافظ ابن
حجر في (( التقريب )) ، فقال :
((صدوق يخطئ كثيراً، تغيّر حفظه منذ ولى القضاء بالكوفة)).
ومن ذلك ؛ تعلم تساهل المنذري - في تخريجه الحديث - بقوله (٢ / ٦) :
( رواه أحمد؛ ورواته ثقات مشهورون))! ونحوه قول الهيثمي (٣ / ٣٢) -
وتبعه الشيخ الساعاتي في (( الفتح الربَّاني)) (١٦ / ٢٩) -:
((رواه أحمد، ورجاله ثقات))!
والمحفوظ عن ابن عمر مرفوعاً بلفظ :
(( لعن الله من مثَّل بالحيوان )).
أخرجه الشيخان، وأحمد (٢ / ١٣، ٤٣، ٦٠، ٨٦، ١٠٣، ١٤١)،
وغيرهم .
١٥٥

٥٠٩٠ - ( العُمْرتانِ تُكَفِّرانِ ما بينهما ، والحجُّ المبرورُ لیس له ثوابٌ
- أو قالَ : جزاءٌ - إلا الجنة، وما سَبَّحَ الحاجُّ من تسبيحةٍ، ولا هَلَّلَ من
تهليلة ، ولا كَبِّرَ من تكبيرة ؛ إلا بُشِّرَ بها تبشيرةً) .
منكر بالشطر الثاني. أخرجه الأصبهاني في (( الترغيب)) ( ق ١٣٤ /١)
عن أبي مروان عبدالملك بن محمد القاضي : ناعبد الله بن زيدان البَجَلي : نا
الحسن بن علي : أخبرنا سليمان بن حرب : نا حماد بن زيد عن أيوب السَّخْتِيَاني
عن عبيد الله بن عمر - قال : ثم لقيت عبيد الله بن عمر فحدثني - عن سُمَيِّ عن
أبي صالح عن أبي هريرة مرفوعاً .
قلت : وهذا إسناد رجاله من الحسن بن علي - وهو الخلال الحلواني - فمن
فوقه ؛ كلهم ثقات رجال الشيخين .
أمّا من دونهم ؛ فلم أعرفهما ، ولعل المناوي أشار إليهما حين قال - وقد عزاه
السيوطي للبيهقي في (( شعب الإيمان )) -:
(( فيه من لم أعرفهم ، ولم أرهم في كتب الرجال )).
قلت : فأحد المشار إليهما : هو آفة الشطر المذكور ، وإلا ؛ فالشطر الأول منه
صحيح ، رواه جماعة من الثقات عن سمي به ؛ ومنهم عبيد الله بن عمر المذكور
في إسناد الحديث - وهو العمري المصغر -:
فقال الطيالسي في «مسنده)) (٢٤٢٥) : حدثنا العُمَرِي عن سُمَيِّ به ؛ دون
الشطر الثاني . وكذلك أخرجه مسلم ( ٤ / ١٠٧) : حدثنا ابن نمير : حدثنا أبي :
حدثنا عبيد الله به ، وتابعه :
١٥٦

١ - مالك عن سمي به .
أخرجه في «الموطأ)) (١ / ٣٤٦ / ٦٥)، وعنه البخاري (٤ / ٤٧٦ - فتح)،
ومسلم أيضاً ، والنسائي (٢ / ٤)، وابن ماجه (٢٨٨٨)، والبيهقي (٥ / ٢٦١)،
وأحمد ( ٢ / ٤٦٢) كلهم عن مالك به .
٢ - وتابعه سُهَيل عن سمي به .
أخرجه مسلم، والنسائي ، والطيالسي (٢٤٢٣).
٣ - وسفيان الثوري عنه .
أخرجه عبد الرزاق في ((المصنف)) (٥ /٣ / ٨٧٩٨)، ومسلم ، وأحمد
(٢ / ٤٦١)، والترمذي (١ / ١٧٥ - ١٧٦). وقال:
( حديث حسن صحيح ))
٤ - وسفيان بن عيينة عنه .
فقال أحمد (٢ / ٢٤٦)، والحميدي (١٠٠٣): ثنا سفيان: ثنا سمي به .
وأخرجه مسلم، وابن الجارود في ((المنتقى)) (٥٠٢ ) من طرق عن ابن عيينة به .
٥ - ومحمد بن عجلان عن سمي به .
أخرجه البيهقي .
قلت : فهؤلاء خمسة متابعون ثقات لعبيد الله العمري ، كلهم لم يذكروا الشطر
الثاني من حديث الترجمة . وكذلك الطيالسي وابن نمير في روايتيهما عن العمري
لم يذكروها كما رأيت ؛ فلا شك في نكارته وعدم ثبوته .
١٥٧

فالعجب من المنذري؛ كيف ذكر في (( الترغيب)) (٢ / ١٠٦) هذه الزيادة
من رواية الأصبهاني ساكتاً عليها ؟! فذلك هو الذي حملني على تحقيق القول
فيها وإثبات نكارتها وأنا في صدد المرحلة التي قبل الأخيرة من إنجاز مشروعي :
((صحيح الترغيب والترهيب))، و((ضعيف الترغيب والترهيب)).
٥٠٩١ - (الحاجُّ يشفعُ في أربع مئة أهل بيت - أو قالَ: من أهل
بيتهِ -، ويخرجُ من ذنوبه كَيَوْمَ وَلَدَتْهُ أمُّهُ ) .
منكر بهذا التمام . أخرجه البزار في (( مسنده)) (١١٥٤ - كشف ) عن
عبد الله بن عيسى - رجل من أهل اليمن - عن سلمة بن وَهْرام عن رجل عن أبي
موسی رفعه إلى النبي
قلت : وهذا إسناد ضعيف مسلسل بالعلل :
الأولى: الرجل الذي لم يُسَمَّ. وبه أعله المنذري (٢ / ١٠٨)، والهيثمي (٣ /
٢١١) .
الثانية : سلمة بن وهرام؛ مختلف فيه ، فوثقه بعضهم ، وضعفه آخرون .
الثالثة : عبد الله بن عيسى - وهو الجَنَدِي اليمني -؛ ذكره العقيلي في
((الضعفاء))؛ وساق له حديثاً آخر في الحج ، مضى برقم (٥٤٣)، وقال :
(( إسناد مجهول ، فيه نظر)).
وأما الشطر الثاني ؛ فقد صح من حديث أبي هريرة بلفظ :
(( من حج لله فلم يرفث ولم يفسق ؛ رجع كيوم ولدته أمه )) .
١٥٨

أخرجه الشيخان وغيرهما؛ وهو في (( مختصر البخاري )) برقم ( ٧٥٦).
٥٠٩٢ - (إنَّ آدمَ أتى البيتَ ألفَ أَتْيَةٍ - لم يَرْكَبْ قطُّ فيهنَّ - من
الهندِ على رجليهِ ) .
ضعيف جدّاً. أخرجه ابن خزيمة في «صحيحه)) ( ق ١٧٦ / ١ ، ورقم
٢٧٩٢ - المطبوعة ) عن القاسم بن عبد الرحمن : ثنا أبو حازم - وهو نَبْتَل مولى
ابن عباس - عن ابن عباس مرفوعاً . وقال :
(( في القلب من القاسم بن عبد الرحمن شيء)).
قلت : وهو الأنصاري ؛ قال ابن معين :
((ضعيف جدّاً))؛ كما في ((الميزان)) وساق له في ((اللسان)) هذا الحديث
ونقل كلام ابن خزيمة المذكور فيه وأقره . وقال المنذري ( ٢ / ١٠٨):
((القاسم هذا واهٍ )) .
وأما أبو حازم نبتل؛ فهو ثقة؛ كما رواه ابن أبي حاتم (٤ / ١ / ٥٠٨) عن أحمد .
ومن هذا التخريج؛ يتبين جهل المعلقين الثلاثة على ((ترغيب المنذري))، بل
وتظاهرهم بالتحقيق والعلم ! فإنهم قالوا في تخريج الحديث ( ٢ / ١١٣ ) :
((ضعيف، رواه ابن خزيمة في ((صحيحه))؛ وانظر: ((ميزان الاعتدال)) (٣ /
٣٧٤) - ترجمة القاسم بن عبد الرحمن)) !
كذا قالوا ! هداهم الله وعرَّفهم أنفسهم . وفيه جهالات :
أولاً: اقتصارهم على قولهم: ((ضعيف))! والصواب: ((ضعيف جدًّاً)) ؛ لقول
١٥٩

ابن معين الصريح بذلك .
ثانياً: أعادوا قول المنذري: ((رواه ابن خزيمة في ((صحيحه)) ... )) دون بيان
منهم لمكان الحديث منه بالجزء والصفحة ؛ كما يقتضيه أصول التخريج .
ثالثاً: لم يعبأوا بقول المنذري في الراوي: (( هذا واهٍ))؛ الذي يستلزم شدة
ضعف الحديث .
رابعاً: أحالوا في ترجمة الراوي على (( الميزان))؛ وفي الصفحة التي أشاروا
إليها أربع تراجم باسم ( القاسم بن عبد الرحمن ) ؛ أحدهم ثقة ، والثاني ضعيف ،
والثالث ضعيف جدّاً - وهو هذا -، والرابع مجهول! ولجهلهم بالمراد منهم في هذا
الحديث ؛ أطلقوا ولم ينسبوه ! فماذا أفادوا القراء بتعليقهم هذا ؟ !
نعم لقد كشفوا به - وبأمثاله - عن جهلهم وظلمهم وتعديهم على هذا العلم .
هداهم الله تعالى !
٥٠٩٣ - (إنّ للكعبة لساناً وشفتين، ولقد اشتكتْ إلى الله فقالتْ:
ياربِّ! قَلَّ عُوَّادي ، وقَلَّ زُوَّارِي! فَأَوحَى اللّه عزّ وجلّ : إنِّي خالقٌ بِشَراً
خُشَّعاً سُجَّداً ، يَحُون إليك كما تحنُّ الحمامةُ إلى بَيْضِها ) .
باطل. أخرجه الطبراني في ((الأوسط)) (١ / ١١٠ / ٢)، وابن عدي من
طريق سَهْل بن قَرِين : حدثني أبي : ثنا ابن أبي ذئب عن محمد بن المنكدر عن
جابر مرفوعاً . وقال الطبراني :
((لم يروه عن ابن أبي ذئب إلا سهل)).
١٦٠