النص المفهرس

صفحات 421-440

فقال الشيخ الأعظمي رحمه الله - متعقِّباً قول الهيثمي المذكور في ثابت بن
حماد: (( وهو ضعيف جدّاً)) -؛ قال الشيخ :
((وأنت ترى أن البزار وثقه)) !
وأقول : ليس الأمر كما قال ؛ بل الظاهر أن التوثيق من قول إبراهيم بن زكريا ،
وهو وإن كان وثقه ابن حبان (٧٠/٨) ؛ فقد ضعفه العقيلي بقوله - وذكر أنه
(العجلي البصري) -:
((صاحب مناكير وأغاليط)).
وقد فرَّق بينه وبين (إبراهيم بن زكريا الواسطي) ؛ وقال فيه :
«مجهول)» .
وكذلك فرَّق بينهما آخرون؛ منهم ابن حبان ، فأورد الواسطي هذا في
((ضعفائه)). وقال الحافظ في ((اللسان)):
((وهو الصواب)» .
وإذا عرفت أن التوثيق المذكور هو من ذاك الضعيف - إبراهيم بن زكريا العجلي -؛
فلا غرابة بعد ذلك أن لا يلتفت أحد إلى هذا التوثيق ، ولا يذكروه في ترجمته .
٤٨٥٠ - (لا بَأْسَ بِبَوْلِ ما أُكِلَ لَحْمُهُ) .
ضعيف جدّاً . روي من حديث البراء بن عازب ، وجابر بن عبدالله ، وعلي
ابن أبي طالب .
١ - أما حديث البراء؛ فيرويه سوَّارُ بن مُصْعَبٍ عن مُطَرِّفٍ بن طَرِيفٍ عن
أبي الجهم عنه .
٤٢١

أخرجه الدارقطني في ((سننه)) (ص٤٧)، وابن حزم في ((المحلى)) (١٨١/١).
وقال :
((هذا خبر باطل موضوع ؛ لأن سوار بن مصعب متروك عند جميع أهل النقل ،
متفق على ترك الرواية عنه ، يروي الموضوعات)) . وقال الدارقطني :
((وسوار متروك ، وقد اختلف عنه ، فقيل عنه : ما أكل لحمه فلا بأس بسؤره)).
ثم ساقه هو ، والبيهقي (٢٥٢/١) من طريق أخرى عن سوار به . وقال البيهقي :
((وسوار بن مصعب متروك)) .
وقد خالفه في إسناده من هو مثله أو شر منه ؛ فرواه عن جابر وهو :
٢ - أما حديث جابر؛ فيرويه عمرو بن الحُصَيْنِ: نا يحيى بن العلاء عن
مطرف عن محارب بن دِثَارٍ عنه مرفوعاً بلفظ :
((ما أُكِلَ لحمه ؛ فلا بأس ببوله)) .
أخرجه الدارقطني، وتمام في ((الفوائد)) (١/١٦٤ - ٢)، وابن الدِّيبَاجِيٍّ في
((الفوائد)» (٢/٨٢/٢) . وقال الدارقطني :
((لا يثبت ؛ عمرو بن الحصين ويحيى بن العلاء ضعيفان)).
وعلَّقه البيهقي عنهما . وقال :
(وهما ضعيفان، ولا يصح شيء من ذلك)).
قلت : بل هما متروكان متهمان بالوضع
٠
وقال ابن الملقن في ((خلاصة البدر المنير)) (٢/٥):
٤٢٢

((وإسناده ضعيف ؛ عمرو بن الحصين - وهو العقيلي - واهٍ بإجماعهم . ويحيى
ابن العلاء أحاديثه موضوعة . وقاله ابن عدي . وقال أحمد: كذاب يضع الحديث)).
٣ - وأما حديث علي؛ فيرويه إسحاق بن محمد بن أَبَانَ النَّخَعِيُّ: حدثني
محمد بن موسى بن عبد الرحمن النخعي عن أبيه قال :
كنت على باب المهدي ومحمد بن زيد بن علي ، فقال محمد بن زيد :
حدثني أبي عن أبيه عن جده عنه مرفوعاً ؛ بلفظ :
((لا بأس ببول الحمار؛ وكلِّ ما أُكِلَ لحمه)).
أخرجه الخطيب في ((تاريخ بغداد)) (٢٨٨/٥)، ومن طريقه أورده السيوطي
في ((اللآلئ المصنوعة)) (٢/٢) . وقال :
((موضوع ، والمتهم به إسحاق . وموسى وابنه مجهولان)) .
وكذا قال ابن عراق في «تنزيه الشريعة)) (٦٦/٢).
قلت : وإسحاق هذا ؛ قال الذهبي :
((كذاب مارق من الغلاة .. كان خبيث المذهب يقول : إن عليّاً هو الله ... ولم
يذكره في ((الضعفاء)) أئمة الجرح في كتبهم، وأحسنوا؛ فإن هذا زنديق .... )).
(تنبيه) : استدل بحديثي الترجمة - عن البراء وجابر - الشيخُ علي القاري في
((الفتح)) (٢٥٣/١ - ٢٥٤) لمذهب الإمام محمد بن الحسن في طهارة بول ما يؤكل
لحمه ، وعزاهما لأحمد والدارقطني ! فأساء بذلك مرتين :
الأولى : عزوه لأحمد ، وهو خطأ مَحْضٌ ؛ فليس هو في ((مسنده)) ؛ لا عن
البراء ولا عن جابر. ولو كان فيه لأورده الهيثمي في «المجمع»؛ فإنه من اختصاصه !
٤٢٣

ومن المعلوم في اصطلاح القوم: أن العزو لأحمد مطلقاً إنما يراد به ((مسنده)).
والأخرى : سكوته عليهما ؛ فأوهم ثبوت حديثهما ، ولو بدعوى أن أحدهما
یقوي الآخر ، کما هي عادته !
ومن ذلك تعلم أن الشيخ أبا غدة حين علق عليهما بقوله :
((وقد ضعَّف الدارقطني كُلاًّ من الحديثين)) !
فإنه لم يصنع شيئاً ؛ لأن ذلك يبقى الطريق مفتوحاً لمتعصِّب ما أن يقول :
فأحدهما يقوي الآخر! فكان عليه أن يسدَّ الطريق عليه بأن يبيِّن أن ضعفهما
شديد جدّاً ، فلا يقوي أحدهما الآخر . ولكن أنَّى له ذلك ، وليس من شأنه التحقيق
في هذا العلم الشريف ، وإنما هو حَطَّابٌ جَمَّاعٌ كغيره من المقلدين !! ولذلك تراه يمرُّ
على كثير من الأحاديث المنكرة - في تعليقه على هذا الكتاب وغيره - دون أن ينبّه
على نكارتها وضعفها ؛ ولعلك تذكُرُ بعض الأمثلة القريبة على ذلك !!
٤٨٥١ _ (ناكِحُ الْيَدِ مَلْعُون) .
ضعيف . وهو طرف من حديث أخرجه أبو الشيخ ابن حَيَّان في ((مجلس من
حديثه)) (١/٦٢ - ٢)، وابن بِشْرَان في ((الأمالي)) (١/٨٦ -٢) من طرق عن
عبد الرحمن بن زياد الإفريقي عن أبي عبدالرحمن الحُبُلِيِّ عن عبدالله بن عمرو
مرفوعاً بلفظ :
((سبعة لعنهم الله، ولا ينظر إليهم يوم القيامة، ويقال لهم: ادخلوا النار مع
الداخلين : الفاعل ، والمفعول به في عمل قوم لوط ، وناكح البهيمة ، وناكح يده،
والجامع بين المرأة وابنتها ، والزاني بحليلة جاره، والمؤذي جاره حتى يلعنه ، والناكح
للمرأة في دبرها ؛ إلا أن يتوب)) .
٤٢٤

قلت : وهذا إسناد ضعيف ؛ لضعف عبدالرحمن بن زياد الإفريقي ؛ وقد
مضى غير مرة .
وقد روي من حديث أنس أيضاً ، لكنه ضعيف أيضاً . وقال الحافظ ابن كثير
في أول تفسير سورة ((المؤمنون)):
((هذا حديث غريب، وإسناده فيه من لا يعرف لجهالته)).
قلت : وقد خرجته في ((إرواء الغليل)) برقم (٢٤٠١) .
ومن هذا التخريج ؛ يتبيَّن لك أن قول الشيخ علي القاري في ((المصنوع في
معرفة الحديث الموضوع)) - وقد ساق حديث الترجمة برقم (٣٧٨) -:
((لا أصل له . صرح به الرهاوي)) !! وقال المعلِّق عليه الشيخ أبو غدة :
((وقد وقع ذكره حديثاً نبويّاً مستشهداً به من الإمام الكمال ابن الهُمَام في
كتابه العظيم ((فتح القدير)) (٦٤/٢)، وهو من كبار فحول العلماء المحققين في
المنقول والمعقول والاستدلال ، ولكنه وقع منه الاستشهاد بهذا الحديث على المتابعة
لمن استشهد به من الفقهاء والعلماء الذين ينظر في كتبهم ، فأورده متابعة دون أن
يبحث عنه . وكثيراً ما يقع للعالم هذا؛ إذ لا ينشط للكشف والتمحيص لما
يستشهد به ، فيذكره أو ينفيه على الاسترسال والمتابعة . إذن : فالاعتماد على من
تفرَّغ وبحث ومخَّصَ ، لا على من تابع ونقل واسترسل)).
فأقول : وهذا كلام صحيح ، وهو من الأدلة الكثيرة على أن أبا غدة نفسه
لیس من قبیل «من تفرّغ وبحث ومحص)» ، بل هو جماع حَطّاب ، يجمع من هنا
وهناك نقولاً ليجعل بها الرسالة الصغيرة كتاباً ضخماً لِمَلْءِ الفراغ ! ولذا؛ فهو ممن
لا ينبغي أن يعتمد عليه في هذا العلم ؛ فإنك تراه يتابع القاري على قوله في هذا
٤٢٥

الحديث: ((لا أصل له ... ) ! مع أنه قد روي من حديث ابن عمرو ، ومن حديث
أنس ، کما رأيت .
ويغني عنه في الاستدلال على تحريم نكاح اليد ؛ عموم قوله تعالى :
﴿والذينَ هُمْ لِفُروجِهم حافِظُون. إلا علَى أزواجهم أو ما مَلَكَتْ أَيْمانُهم
فإنَّهم غيرُ مَلُومِينَ . فَمَنِ ابْتَغَى وراءَ ذلِكَ فأولئكَ همُ العادُونَ﴾ . وقد استدل بها
الإمام الشافعي ومن وافقه على التحريم ، كما قال ابن كثير ، وهو قول أكثر العلماء ؛
كما قال البغوي في «تفسيره))، وحكاه العلامة الألوسي (٤٨٦/٥) عن جمهور
الأئمة ، وقال :
((وهو عندهم داخل في ما ﴿وراء ذلك))).
وانتصر له بكلام قوي متين ، وإن عزَّ عليه أيضاً مخرج الحديث ؛ فقال :
((ومن الناس من استدل على تحريمه بشيء آخر ، نحو ما ذكره المشايخ من
قوله : ((ناكح اليد ملعون)» ... ))!
وأما ما رواه عبدالرزاق في ((المصنف» (١٣٥٩٠/٣٩١/٧)، وابن أبي شيبة
(٣٧٩/٤) عن أبي يحيى قال :
سئل ابن عباس عن رجل يَعْبَثُ بِذَكَرِهِ حتى يُنْزِلَ؟ فقال ابن عباس: إن
نكاح الأمة خير من هذا ، وهذا خير من الزنى !
فهذا لا يصح؛ وعلّته أبو يحيى هذا - واسمه مِصْدَعٌ الْمُعَرْقَبُ(١) -؛ قال ابن
حبان في ((الضعفاء)) (٣٩/٣) :
(١) وقد حسّن له الشيخ - رحمه الله - في ((الصحيحة)) (٣٢٠٩) ، وهو من رجال مسلم
متابعةً ! (الناشر) .
٤٢٦

((كان ممن يخالف الأثبات في الروايات ، وينفرد عن الثقات بألفاظ الزيادات
مما يوجب ترك ما انفرد منها ، والاعتبار بما وافقهم فيها)).
وسائر رجال إسناده ثقات . وقد أسقطه منه بعض الرواة عند البيهقي ؛ فأعلَّه
بالانقطاع ، فقال (١٩٩/٧):
«هذا مرسل ، موقوف)) .
ومثله : ما أخرجه - عَقِبَه - من طريق الأجلح عن أبي الزبير عن ابن عباس
رضي الله عنهما :
أن غلاماً أتاه ، فجعل القوم يقومون والغلام جالس ، فقال له بعض القوم : قم
يا غلام ! فقال ابن عباس : دعوه ، شيء ما أجلسه ! فلما خلا قال : يا ابن عباس !
إني غلام شاب أجد غُلمةً شديدة ، فأَدْلُكُ ذَكَري حتى أُنزل؟! فقال ابن عباس :
خير من الزنى ، ونكاح الأمة خير منه .
قلت : وأبو الزبير مدلس وقد عنعنه .
والأجلح مختلف فيه .
ثم روى عبدالرزاق من طريق إبراهيم بن أبي بكر عن رجل عن ابن عباس
أنه قال :
وما هو إلا أن يَعْركَ أحدُكم زُبَّه؛ حتی یُنْزل ماءً .
وهذا ضعيف ظاهر الضعف ؛ لجهالة الرجل الذي لم يسم .
وقريب منه إبراهيم هذا ؛ قال الحافظ :
((مستور)) .
٤٢٧

واعلم أنه لو صح ما تقدم عن ابن عباس ؛ فإنه لا ينبغي أن يؤخذ منه إلا
إباحة الاستمناء عند خشية الزنى لغلبة الشهوة .
وأنا أنصح من أُصِيبَ بها من الشباب أن يعالجوها بالصوم ؛ فإنه له وجاء .
كما صح عنه
٤٨٥٢ - (لا يَدْخِلُ ولدُ الزِّنى ولا شَيءٌ مِنْ نَسْلِه - إلى سَبْعَةِ آباء -
الجنَّةَ) .
موضوع. أخرجه عبد بن حميد في ((المنتخب من المسند)) (ق١/١٥٧) :
حدثنا عبد الرحمن بن سعد - وهو الرازي -: حدثنا عمرو بن أبي قيس عن
إبراهيم بن مهاجر عن مجاهد عن محمد بن عبد الرحمن بن [أبي] ذُبَابٍ عن
أبي هريرة مرفوعاً به .
قلت : وهذا إسناد ضعيف ؛ إبراهيم بن مهاجر - وهو البَجَلِيُّ - ضعيف ؛ لسوء
حفظه . وقال الحافظ في ((التقريب)):
((صدوق ليِّن الحفظ)).
وفي ترجمته ساق له الذهبي هذا الحديث ؛ مشيراً إلى أنه من منكراته !
والأَوْلى عندي : إعلاله بشيخ شيخه : ابن أبي ذباب ؛ فقد قال الحافظ في
((التقريب)):
((شيخ لمجاهد ، مجهول)) .
وسائر رجاله ثقات؛ على ضعف يسير في عمرو بن أبي قيس ؛ وهو الرازي .
وعبدالرحمن بن سعد: هو ابن عبدالله بن سعد بن عثمان الدَّشْتَكِيُّ الرازي
المغري .
٤٢٨

والحديث؛ أورده ابن الجوزي في ((الموضوعات)). وقال :
((لا يصح؛ ابن مهاجر ضعيف)) .
قلت: أما الطرف الأول من الحديث ـ ((لا يدخل ولد الزنى الجنة)) -: فلا
سبيل إلى الحكم عليه بالوضع، كما ذهب إليه الحافظ ابن حجر في ((القول
المسدّد))، وتبعه السيوطي في ((اللآلئ)) (١٠٥/٢ - ١٠٦)، وابن عَرَّاق في ((تنزيه
الشريعة)) (٢٢٨/٢ - ٢٢٩)، وذلك لأن له طرقاً أخرى، قد مِلْتُ من أجلها إلى
تحسينه؛ كما تراه مخرَّجاً في ((سلسلة الأحاديث الصحيحة)) (٦٧٣) .
ولذلك ؛ فقد أخطأ الشيخ علي القاري في قوله - في كتابه ((المصنوع في
معرفة الحديث الموضوع)) في هذا الحديث -:
((لا أصل له))! ومرَّ عليه محقق الكتاب الشيخ أبو غدة ، فلم يعلِّق عليه
بشيء !
ووجه الخطأ: أن هذا القول - ((لا أصل له)) -؛ إنما يراد به عند المتأخرين أنه لا
إسناد له ! فكيف يقال هذا؛ والحديث له عدة أسانيد ؛ أحدها عند البخاري في
((التاريخ الصغير))؟!
ثم إن هذا الطرف من الحديث ليس على ظاهره ؛ لمخالفته لقوله تعالى : ﴿ولا
تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أَخْرَى﴾، ولذلك تأولوه على وجوه ؛ ذكرت بعضها في الموضع المشار
إليه من ((الصحيحة)) .
قلت : ولعل الطرف الآخر من الحدیث أصله من الإسرائیلیات ، فرفعه بعض
الضعفاء قصداً أو سهواً؛ فقد ذكر السيوطي أن عبدالرزاق روى عن ابن التيمي
قال : حدثني الرَّبَعِيُّ - وكان عندنا مثل وهب عندكم - أنه قرأ في بعض الكتب :
٤٢٩

إن ولد الزنى لا يدخل الجنة إلى سبعة آباء !
٤٨٥٣ - (مَنْ حَازَ شَيْئاً عَشْرَ سنينَ ؛ فَهُوَ لَهُ) .
ضعيف . أخرجه عبدالله بن وهب في ((موطئه)): عن عبد الجبار بن عمر
الأَيْلِيِّ عن ربيعة بن أبي عبدالرحمن عن سعيد بن المسيَّب يرفع الحديث إلى
رسول الله صلخلية .
وقال عبد الجبار: وحدثني عبد العزيز بن المطلب عن زيد بن أسلم عن النبي
ـي مثله .
ذكره الشيخ أبو الفيض أحمد الغماري في كتابه ((مسالك الدلالة في تخريج
أحاديث ((الرسالة)) لابن أبي زيد القَيْرَوَانِيِّ)) (ص٣٣١ - مطبعة دار العهد الجديد)؛
كما نقله إليَّ كتابةً - بتاريخ ١٣٩٥/١/٢٣هـ - أحد الطلاب في كلية الشريعة -
قسم الدراسات العليا الشرعية في مكة المكرمة ؛ نقلاً عن الشيخ حماد الأنصاري
المدّرس ، كَتَبَ يطلب إعطاءه حكمي على هذا الحديث ؛ لأنه في صدد البحث في
مسألة ((وضع اليد المدة الطويلة))! وجواباً عليه أقول :
إنه حديث ضعيف عندي ؛ لأنه مرسل من الوجهين ، وكل من المرسِلَيْنِ
مدني ؛ فلا يقوي أحدهما الآخر؛ لاحتمال أن يكون شيخهما تابعيّاً واحداً .
على أن مدار الإسناد إليهما على عبدالجبار بن عمر الأيلي ؛ وهو ضعيف ؛
كما جزم به الحافظ ، تبعاً لجمع من الأئمة ؛ بل إن بعضهم ضعفه جدّاً، فقال
محمد بن يحيى الذُّهْلِيُّ :
((ضعيف جداً)) . وقال النسائي :
((ليس بثقة)) . وقال الدارقطني :
٤٣٠

((متروك)).
على أن عبدالجبار هذا قد روى عن شيخه ربيعة ما يعود على الحديث
بالنقض ؛ فقال : قال ربيعة :
إذا كان الرجل حاضراً ، وماله في يد غيره ، فمضت له عشر سنين وهو على
ذلك ؛ كان المال للذي هو في يده بحيازته إياه عشر سنين ؛ إلا أن يأتي الآخر ببينة
على أنه أكرى أو أسكن أو أعار عارية ، أو صنع شيئاً من هذا ، وإلا فلا شيء له)).
نقله من سبق عن الغماري .
فأقول : إذا كان المدار على البيِّنة ولو بعد عشر سنين ؛ فالأمر كذلك قبلها ،
فما فائدة التحديد بالعشر؟! فتأمَّل !
٤٨٥٤ - (اجْمَعُوا لهُ العالمينَ - أو قالَ: العابدينَ - منَ الْمُؤْمنينَ ،
اجْعَلُوُه شُورِى بَيْنَكُم ، ولا تَقْضُوا فيهِ بِرَأْي واحدٍ) .
ضعيف منكر. أخرجه ابن عبدالبر في ((الجامع)) (٥٩/٢) من طريق إبراهيم
ابن أبي الفَيَّاض البَرْقِي قال: حدثنا سليمان بن بَزِيع (١) الإسكندراني قال :
حدثنا مالك بن أنس عن يحيى بن سعيد الأنصاري عن سعيد بن المسيَّب عن
علي بن أبي طالب قال :
قلت : يا رسول الله ! الأمر ينزل بنا؛ لم ينزل فيه قرآن ، ولم تَمْضِ منك فيه
سنة؟ قال ... فذكره . وقال :
((هذا حديث لا يعرف من حديث مالك إلا بهذا الإسناد ، ولا أصل له في
(١) الأصل في موضعين منه : (بديع)! وهو خطأ مطبعي.
٤٣١

حديث مالك عندهم ولا في حديث غيره . وإبراهيم البرقي وسليمان بن بزيع ليسا
بالقويين ، ولا ممن يحتج به ، ولا يعول عليه)» .
قلت : وسلیمان بن بزیع ؛ قال أبو سعيد بن يونس :
((منكر الحديث))؛ كما في ((الميزان)).
وساق له في «اللسان» هذا الحديث من طريق ابن عبدالبر ، ونقل كلامه ، ثم
قال :
((قلت : وقال الدارقطني في ((غرائب مالك)): لا يصح؛ تفرد به إبراهيم بن
أبي الفياض عن سليمان ، ومن دون مالك ضعيف . وساقه الخطيب في كتاب
((الرواة عن مالك)) من طريق إبراهيم عن سليمان وقال: لا يثبت عن مالك)).
قلت : وإبراهيم بن أبي الفياض ؛ قال أبو سعيد بن يونس :
(روى عن أشهب مناكير، توفي سنة (٢٤٥))).
ومن طريقه: أخرجه الخطيب في ((الفقيه والمتفقه)) (٣٩١/٢) أيضاً.
قلت : وفي قول ابن عبدالبر المتقدم: ((ولا في حديث غيره)) - يعني : مالكاً .
نظر! فقد تقدم نحوه من حديث غيره مختصراً بإسناد معضل ، فانظر الحديث
(رقم ٨٨٢) :
((لا تعجلوا بالبلية قبل نزولها ... )).
بل رواه بتمامه نحو حديث الترجمة: الطبرانيُّ في ((المعجم الأوسط))
(جـ٢/ص١٦١٨/١٧٢) من طريق أخرى بسند رجاله ثقات عن الوليد بن صالح
عن محمد ابن الحنفية عن علي قال :
٤٣٢

قلتُ: يا رسول الله ! إنْ نزل بنا أمرٌ ليس فيه بيانٌ: أَمرٌ ولا نهيٌ؛ فما تأمرنا؟
قال :
(«تُشاورون الفقهاء والعابدين، ولا تُمْضُوا فيه رأْيَ خاصَّةٍ)). وقال الطبراني:
((لم يروِ هذا الحديث عن الوليد بن صالح إلا نوحٌ)).
قلت : الوليد مجهول ؛ لم یرو عنه سوى نوح بن قيس .
ومع ذلك ؛ ذكره ابن حبان في ((الثقات)) (٤٩١/٥ و٥٥١/٧)!
وهو مما يستدرك على الحافظ ابن حجر؛ فإنه لم يورده في ((لسان الميزان»
خلافاً لعادته الغالبة ! ولما أورده الهيثمي في ((مجمع الزوائد))؛ قال (١٧٩/١):
((رواه الطبراني في ((الأوسط))، ورجاله موثقون من أهل (الصحيح)) !
قلتُ : وفيه نظر من وجهين :
الأول: أن الوليد بن صالح؛ توهّم الهيثمي أنه الوليد بن صالح النّخَّاس
الضَّبِّيُّ أبو محمد الجَزَرِيُّ، وهو ثقة من رجال الشيخين ! وليس به ؛ وإنما هو الوليد
ابن صالح الذي روى عنه نوح بن قيس ؛ كما ذكر ذلك ابن حبان نفسه في
((الثقات)) كما تقدم؛ وكذلك فعل قبله الإمام البخاري في ((التاريخ)) ، وابن أبي
حاتم في ((الجرح)) .
والآخر : أنه مجهول لا يُعرف ؛ كما تقدم . وتوثيق ابن حبان إياه مما لا يُعتدّ
به في مثل الوليد بن صالح هذا .
وقد اغترّ بكلام الهيثمي هذا : الدكتور عبدالمجيد السوسوه الشرفي في كتابه
((الاجتهاد الجماعي في التشريع الإسلامي)) (ص ٥٠)؛ فإنه نقله وسكت عليه !
٤٣٣

ولا غرابة في ذلك ؛ فإنه يبدو من تخريجه لأحاديث الكتاب أنه لا معرفة عنده
بعلم الحديث ونقد الأسانيد، كما هي السِّمَةُ الغالبة على جماهير الكتّاب
الإسلاميين الذين يكتبون في الأحكام الشرعية .
ومما يؤيد ذلك : أمور كثيرة لا مجال للبحث فيها الآن ؛ فأكتفي بمثالين فقط :
الأول : أن هذا الحديث الذي عزاه للطبراني - نقلاً عن الهيثمي بالجزء
والصفحة -؛ ذكره بلفظ حديث الترجمة ، وهو مخالف للفظ الحافظ الطبراني كما تقدم .
والآخر : أنه أورد حديث :
((عليكم بالسواد الأعظم)). وقال أيضاً (ص٩٥):
((قال الهيثمي :
((رواه الطبراني ، ورجاله ثقات ، مجمع الزوائد ، كتاب الخلافة ، باب لزوم
الجماعة (٢١٩/٥)))))!
قلت : إنما قال الهيثمي (٢١٧/٥ -٢١٨) - وقد ساقه موقوفاً عقب حديث
سأذكره قریباً ۔:
((رواه عبدالله بن أحمد، والبزار، والطبراني، ورجالهم ثقات)).
قلت : والسياق لعبدالله بن أحمد (٢٧٨/٤ ، ٣٧٥) .
وفي سنده يحيى بن عبدربه مولى بني هاشم ؛ وهو متهم ، وكذا وقع في
((المسند)): (عبدربه) !
والصواب (عبدَوَيْهِ)، كما جزم به الحافظ في «التعجيل))، وله فيه ترجمة
مبسطة . وقال الذهبي في ((الميزان)):
٤٣٤

((قال يحيى بن معين: ليس بشيء . وقال مرة: كذاب)).
قلت : ومنه يتبين لنا خطأ الهيثمي من جهة ، وخطأ الدكتور عبدالمجيد
الشرفي علیه من جهة أخرى .
أما الأول : ففي عزوه الحديث للبزار ؛ فإنه ليس فيه هذه الجملة :
((عليكم بالسواد الأعظم)) ولا ما بعدها ؛ على ما يأتي ؛ فإن لفظ الحديث من
رواية المولى المذكور :
((من لم يشكر القليل؛ لم يشكر الكثير ... )) الحديث ، وفيه :
((والتحدث بنعمة الله شكر، وتركها كفر، والجماعة رحمة ، والفرقة
عذاب)) . قال :
فقال أبو أمامة الباهلي :
عليكم بالسواد الأعظم . قال : فقال رجل : ما السواد الأعظم؟ فنادى أبو
أمامة : هذه الآية التي في سورة النور ﴿فإنْ تَولَّوا فإنَّما عليهِ ما حُمِّلَ وعَلَيْكُمْ ما
حُمَّلْتُم﴾ .
فهذه الزيادة كلها ليست عند البزار، ولا أظنها كذلك عند الطبراني ؛ فإن
(مسند(١) النعمان بن بشير) لم يطبع منه بعد !
وإذ قد عزاه للبزار - وهو عنده بهذا الاختصار ((البحر الزخار))
(٣٢٨٢/٢٢٦/٨) -؛ فقد كان الأولى أن يعزوه للإمام أحمد أيضاً؛ فإنه رواه في
((المسند)) في المكانين المشار إليهما عند ابنه عبدالله !
ومن المفارقات العجيبة ، والموافقات الغريبة : أن الحافظ المنذري في
(١) في أصل الشيخ - رحمه الله -: ((معجم)). (الناشر) .
٤٣٥

((الترغيب)) (٥٦/٢) وافق الهيثمي في عزو الحديث لعبد الله بن أحمد دون أبيه ،
لكنه في الوقت نفسه فارقه في متنه ؛ فإنه ساقه بلفظ أحمد دون ابنه !!
هذا ما يتعلق بخطأ الهيثمي .
وأما ما يتعلق بخطأ الدكتور عبدالمجيد عليه ؛ فهو من ناحيتين :
الأولى : أنه عزا الحديث إليه مرفوعاً ، وهو عنده موقوف كما رأيت .
والأخرى : أنه عزاه للطبراني ، وهو عنده معزو لعبدالله بن أحمد ، والبزار أيضاً ،
وقد عرفت ما في ذلك من الخطأ !
على أن هذا الموقوف قد روي مرفوعاً من غير هذه الطريق بأسانيد واهية ،
تراها مخرجة في ((ظلال الجنة)) تحت رقم (٨٠)(١) .
وخطؤه هذا يجرُّني إلى الكشف عن بعض أخطائه في الفقه الذي عنون له :
(الاجتهاد الجماعي في التشريع الإسلامي)) كما تقدم، وقد استعان فيه بالنقل
عن بعض العلماء والكتّاب والدكاترة المعاصرين الذين سبقوه بالدندنة حول هذا
الموضوع ، مثل الشيخ عبدالوهاب خلاف، والدكتور يوسف القرضاوي ،
والزحيلي ، وأمثالهم، وقد كنت قديماً قرأت لبعضهم بعض المقالات في هذا
المجال ، والذي يهمني الآن - بمناسبة حديث الترجمة - الأمور التالية :
أولاً : عرَّف الدكتور الشرفي الاجتهاد الجماعي في الكتاب بقوله (ص٤٦) :
(١) وإنما صح بلفظ: ((لا تجتمع أمتي على ضلالة))، وهو مخرج هناك. وقد عزاه الدكتور
للطبراني . وقال أيضاً - تقليداً للهيثمي -:
((ورجاله ثقات))!
٤٣٦

(استفراغ أغلب الفقهاء الجهد لتحصيل ظن بحكم شرعي بطريق الاستنباط ،
واتفاقهم جميعاً أو أغلبهم على الحكم بعد التشاور)) !
وعزاه لجمع من الأصوليين المتأخرين ، ونقل عن السبكي :
أن الفقيه عندهم هو المجتهد ، والفقه هو الاجتهاد (ص٤٥)!
فأقول : هذا شيء جميل ومهم لو كان ممكناً تحقيقه ، أما وقد جاء بقيدين
- أحدهما أبعد عن الإمكان من الآخر -؛ فإن قوله: ((أغلب الفقهاء)) ! كيف يمكن
اليوم معرفتهم مع تفرّقهم في البلاد الإسلامية الشاسعة؟! ثم كيف يمكن جمعهم
في مكان واحد حتى يتشاوروا في الحكم؟!
على أن قوله : ((واتفاقهم جميعاً))؛ فهذا أبعد عن التحقق من الذي قبله ،
خاصة في هذا الزمن الذي قلّ فيه المجتهدون اجتهاداً فردياً مع توفّر شروط
الاجتهاد؛ التي تكلم عنها كلاماً جيداً الدكتور الشرفي (ص ٦٣ - ٧٠)! ولعله
لذلك أتبعه بقوله معطوفاً عليه: (( أو أغلبهم))! فهذا الاجتهاد الجماعي أشبه ما
يكون بالاجتهاد الفردي المجمع عليه في تعريف علماء الأصول ، وأصعب تحقيقاً .
ثانياً : لو أمكن تحقيقُ مثل هذا الاجتهاد ؛ لكان - في زعمي - البحث فيه
سابقاً لأوانه ، وذلك لعدم وجود خليفة للمسلمين يأخذ بحكمهم إذا اتفقوا ، وهذا
- مع الأسف الشديد - شرط مفقود في زمننا هذا !
ثالثاً: لماذا الاهتمام ببذل الجهود لتحقيق ((الاجتهاد الجماعي))، والاهتمام
البالغ بالدعوة إليه ؛ مع أنه فرع يبنى على الكتاب والسنة ؛ لأنهما الأصلان في
الشريعة الإسلامية اتفاقاً؟! ومن المعلوم أن القرآن الكريم تفسره السنة(١) ، والسنة قد
(١) انظر كتاب الدكتور: ((الاجتهاد الجماعي)) (ص٦٤).
٤٣٧

دخل فيها ما ليس منها من الأحاديث المنكرة والواهية ، مما هو معلوم أيضاً عند
العلماء كافة ! وقد نقل الدكتور نفسه - تحت الشرط الثالث من شروط صحة
الاجتهاد : (معرفة السنَّة) (ص ٦٥) - عن الشوكاني أنه قال :
((والحق الذي لا شك فيه ولا شبهة أن المجتهد لا بد أن يكون عالماً بما
اشتملت عليه المسانيد والمستخرجات ، والكتب التي التزمَ مصنّفوها الصحة ...
وأن يكون له تمييز بين الصحيح منها والحسن والضعيف ، ولو بالبحث في كتب
الجرح والتعديل وكتب العلل ؛ ومجاميع السنة التي صنفها أهل الفن؛ كالأمهات
الستة ، وما يلحق بها)) .
قلت : فلماذا لا يهتم هؤلاء العلماء والكتّاب بالدعوة إلى إقامة مؤتمر يجتمع
فيه ما أمكن من المحدِّثين المعروفين بتخصصهم في علم الحديث الشريف ، وقدرتهم
على تمييز صحيحه من ضعيفه ؛ لأن هؤلاء - وإن اختلفوا في بعض الأحاديث ،
كما هو الشأن في (الاجتهاد الجماعي) -؛ فلا شك أنهم سيتَّفقون على أكثر
الأحاديث تصحيحاً أو تضعيفاً؟! وهذا شرط أساسي للاجتهاد ، فيمكن - والحالة
هذه - أن يؤخذ برأي الأكثر؛ لأنه - بلا شك ، كما قال الدكتور نفسه في غير ما
موضع من بحثه - أن رأي الاثنين خير من رأي الواحد أو أقوى منه .
وأنا أستغرب جدّاً ألا أرى أحداً من هؤلاء الباحثين والكاتبين يشير - أدنى
إشارة على الأقل - إلى هذا الأصل المجمع عليه بين المسلمين ، وانشغالهم بالفرع
عن الأصل ! وهذا إن دلَّ على شيء - كما يقولون اليوم -؛ فإنما يدلُّ على إهمال
جماهير الكُتَّاب في العصر الحاضر - حول المسائل الشرعية قديمها وحديثها .
الاهتمام في استدلالهم بالسنة بما صح منها دون ما ضعف ، فأحسنهم حالاً هو
الذي يذكر الحديث ويخرّجه بأن يقول : رواه فلان وفلان ، دونَ أن يبيِّن مرتبته من
٤٣٨

الصحّة ! والسبب واضح؛ وهو أنهم (لا يعلمون) ، ولكن هذا ليس عذراً لهم؛ لأن
بإمكانهم أن يستعينوا بأهل الاختصاص من المعروفين بتخصصهم في علم
الحديث ، والعارفين بصحيحه وضعيفه ، سواءً كانوا من الأئمة السابقين كالإمام
أحمد والبخاري ومسلم ونحوهم ، أو من الحفّاظ اللاحقين كالحافظ الزيلعي
والذهبي والعراقي والعسقلاني وأمثالهم .
كما ذكر الدكتور الباحث ؛ في الذين يقترح حضورهم في مؤتمر (الاجتهاد
الجماعي) ، فقد ذکر (ص٧٤) :
((بأنه لا يشترط في كل فرد منهم أن يكون عالماً بالشرع ، فيكون منهم
الاقتصادي والعسكري والسياسي والاجتماعي ونحوه(١) .. فهذه المجموعة
يتشاورون مع بعضهم ؛ كلٌّ في حدود اختصاصه ومجاله ، ثم يُصْدِرون حكماً
يعتمدونه)» !
قلت : فأولى بهؤلاء الكُتّاب والباحثين في العصر الحاضر أن يلتزموا ما هو أهم
من حضور الاقتصادي والسياسي في المؤتمر المنشود ، ألا وهو استحضارهم لأهل
الاختصاص في الحديث ، والاعتماد عليهم في تصحيحهم وتضعيفهم ، ولیس
الإعراض عن ثمرة علم الحديث بالاكتفاء بما أشرتُ إليه آنفاً من تخريجهم للحديث
دون بيان المرتبة ! وقد أشار الدكتور عبدالمجيد (ص ٦٥) إلى شيء من هذا بقوله :
(١) تأمل كيف ذكر هؤلاء المتخصصين ، ولم يذكر المتخصصين في الحديث الذين هم
الأصل في الفقه ! كما أشار إلى ذلك الإمام الشافعي بقوله للإمام أحمد :
((أنتم أعلم بالحديث والرجال مني ، فإذا كان الحديث الصحيح ؛ فأعلموني به أي شيء
يكون: كوفيّاً أو بصرياً أو شاميّاً؛ حتى أذهب إليه إذا كان صحيحاً)). انظر تخريجه في ((صفة
ـة)) (ص٥١) .
صلاة النبي
٤٣٩

((ويلزم المجتهد أن يكون على علم بمصطلح الحديث ورجاله ، ولا يجب أن
يكون في درجة أهل الفن - فن الحديث - أنفسهم ، وإنما يكفيه أن يعتمد على ما
انتھی إليه أهل هذا الفن» !
فأنت ترى أنه أعرض عن ذكر حضورهم مع من ذكرهم من الاقتصاديين
وغيرهم ، فجعلهم دونهم في شرطية الحضور ، مع أنهم هم العمدة قبل كل من أشرنا
إليهم ؛ وغيرهم ممن ذكرهم معهم ؛ فإن في حضورهم ما يكشف عن علل بعض
الأحاديث التي لا يعرفها - أو على الأقل : لا ينتبه لها - إلا المختصُّون في الحديث .
ولا أذهب بالقراء بعيداً؛ فهذا هو المثال بين أيديهم ؛ لقد استدل الدكتور
الشرفي بحديث الترجمة ؛ وحديث: (السواد الأعظم))، وهما واهيان كما تقدم.
قد يقال : إنه اعتمد على الهيثمي في تخريجه .
لكن خفي على الدكتور أن ذلك لا يعني أن كلاً من الحديثين صحيح، على
أخطاء وقعت له وللدكتور سبق بيانها .
ومثله كثير ممن يتوهم من مثل هذا التخريج تصحيح الحديث ؛ وليس كذلك ،
كما بينته في غير ما موضع من كتبي ، فانظر مثلاً مقدمة ((صحيح الترغيب
والترهيب)» من المجلد الأول؛ وقد سبق أن طبع مرتين ، وهو تحت الطبع مجدداً ، مع
إضافات كثيرة وفوائد غزيرة مع بقية المجلدات ، وسيكون ذلك بين القراء قريباً ، إن
شاء الله(١) .
على أن الدكتور غفل عن دلالة قوله في الحديث :
(١) وقد صدر - ولله الحمد - في خمسة مجلدات: ثلاثة في ((الصحيح))، واثنان في
((الضعيف)). (الناشر) .
٤٤٠